50 باب صفة
إلخ (توضأ) هذه الجملة مجملة عطفت عليها بجملة مفسرة لها وهي قوله (فأفرغ) أي فصب الماء والفاء فيه للعطف أي عطف المفصل على المجمل (يديه) وفي رواية للبخاري على كفيه (ثلاثا) أي إفراغا ثلاث مرار (ثم مضمض) وفي بعض النسخ تمضمض أي بأن أدار الماء في فيه
وليس في هذه الرواية ذكر عدد المضمضة ويجيء في رواية أبي مليكة ذكر العدد
قال الحافظ أصل المضمضة في اللغة التحريك ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه وأما معناه في الوضوء الشرعي فأكمله أن يضع الماء في الفم ثم يديره ثم يمجه
انتهى
(واستنثر) قال النووي الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق
وقال بن العربي وبن قتيبة الاستنثار هو الاستنشاق والصواب الأول ويدل عليه الرواية الأخرى استنشق واستنثر فجمع بينهما
قال أهل اللغة هو مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف وقال الخطابي وغيره هي الأنف والمشهور الأول
قال الأزهري روى سلمة عن الفراء أنه يقال نثر الرجل واستنثر إذا حرك النثرة في الطهارة
انتهى
وفي الرواية الآتية واستنثر ثلاثا (وغسل وجهه ثلاثا) وفي رواية الشيخين ثم غسل وجهه وهذا يدل على تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنثار وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن طولا ومن شحمة الأذن عرضا (اليمنى إلى) مع (المرفق) بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس لغتان مشهورتان (مثل ذلك) أي ثلاثا إلى المرفق (ثم مسح رأسه) لم يذكر عدد المسح كغيره فاقتضى الاقتصار على مرة واحدة وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد
قال الحافظ وبه قال أكثر العلماء وقال الشافعي يستحب التثليث في المسح كما في الغسل وسيجيء بيانه في الحديث الآتي (ثلاثا) أي ثلاث مرار إلى الكعبين كما في رواية الشيخين (مثل ذلك) أي غسلها ثلاث مرار مع الكعبين وفي رواية الشيخين ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين واللفظ للبخاري
واعلم أنه أجمع العلماء على وجوب غسل الوجه واليدين والرجلين واستيعاب جميعهما بالغسل وانفردت الرافضة عن العلماء فقالوا الواجب في الرجلين المسح وهذا خطأ منهم فقد تظاهرت النصوص بإيجاب غسلهما وكذلك اتفق كل من نقل وضوء رسول الله على أنه غسلهما وأجمعوا على وجوب مسح الرأس واختلفوا في قدر الواجب فيه فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما يطلق عليه الاسم ولو شعرة واحدة
وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب استيعابه
وقال أبو حنيفة في رواية الواجب ربعه
قلت ما ذهب إليه الإمام الشافعي هو مذهب ضعيف والحق ما ذهب إليه مالك وأحمد واختلفوا في وجوب المضمضة والاستنشاق فقال الحسن والزهري والحكم وقتادة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي والليث بن سعد ومالك والشافعي إنهما سنتان في الوضوء والغسل
وقال بن أبي ليلى وحماد وإسحاق بن
راهويه وأحمد بن حنبل إنهما واجبتان في الوضوء والغسل لا يصحان إلا بهما
قلت هذا هو الحق وتجيء دلائله في باب الاستنثار إن شاء الله تعالى وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة إنهما واجبتان في الغسل دون الوضوء وقال أبو ثور وأبو عبيد وداود والظاهري وأبو بكر بن المنذر إن الاستنشاق واجب فيهما والمضمضة سنة فيهما
حكاه النووي
واتفق الجمهور على أنه يكفي في غسل الأعضاء في الوضوء والغسل جريان الماء على الأعضاء ولا يشترط الدلك وانفرد مالك والمزني باشتراطه واتفق الجماهير على وجوب غسل الكعبين والمرفقين وانفرد زفر وداود الظاهري بقولهما لا يجب
واتفق العلماء على أن الكعبين العظمان الناتئان بين الساق والقدم وفي كل رجل كعبان وشذت الرافضة فقالت في كل رجل كعب وهو العظم الذي في ظهر القدم
وحجة العلماء في ذلك نقل أهل اللغة وقوله غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين فأثبت في كل رجل كعبين قاله النووي (ثم قال) عثمان رضي الله عنه (ثم قال) رسول الله (وضوئي هذا) أي على وجه الاستيعاب والكمال بأن لم يقصر عما توضأت به (ثم صلى ركعتين) فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء (لا يحدث) من التحديث (فيهما) في الركعتين (نفسه) مفعول لا يحدث
قال النووي والمراد به لا يحدث بشيء من أمور الدنيا وما لا يتعلق بالصلاة ولو عرض (له) حديث فأعرض عنه لمجرد عروضه عفي عن ذلك وحصلت له هذه الفضيلة إن شاء الله تعالى لأن هذا ليس من فعله وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر
وقال الحافظ المراد به ما تسترسل النفس معه ويمكن المرء قطعه لأن قوله يحدث يقتضي تكسبا منه فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذر دفعه فذلك معفو عنه (من ذنبه) من الصغائر دون الكبائر كما في مسلم من التصريح بقوله كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة
فالمطلق يحمل على المقيد قال الحافظ في فتح الباري ظاهره يعم الكبائر والصغائر لكن خصوه بالصغائر لوروده مقيدا باستثناء الكبائر في غير هذه الرواية وهو في حق من له كبائر وصغائر فمن ليس له إلا الصغائر كفرت عنه ومن ليس له إلا الكبائر خفف عنه منها بقدر ما لصاحب الصغائر ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظير ذلك
والحديث فيه مسائل التعليم بالفعل لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم والترتيب في أعضاء الوضوء للإتيان في جميعها بثم والترغيب في الإخلاص وتحذير من لها في صلاته بالتفكر في أمور الدنيا من عدم القبول
انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي