أي من أكلها
(عن الوضوء من) أكل (لحوم الإبل فقال توضؤا منها) والمراد به الوضوء الشرعي والحقائق الشرعية ثابتة مقدمة على غيرها
والحديث يدل على أن الأكل من لحوم الإبل من جملة نواقض الوضوء وذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وأبو بكر بن المنذر وبن خزيمة واختار الحافظ أبو بكر البيهقي وحكي عن أصحاب الحديث مطلقا وحكي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين واحتج هؤلاء بحديث جابر بن سمرة والبراء قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان جابر وحديث البراء وهذا المذهب أقوى دليلا وإن كان الجمهور على خلافه
قاله النووي
وقال الدميري وإنه المختار المنصور من جهة الدليل وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء
وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة والراشدون وبن مسعود وأبي بن كعب وبن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وأجاب هؤلاء القائلون بعدم النقض بحديث جابر قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار أخرجه أبو داود والنسائي قالوا ولحم الإبل داخل فيه أيضا لأنه من أفراد ما مسته النار بدليل أنه لا يؤكل نيئا بل يؤكل مطبوخا فلما نسخ الوضوء مما مسته النار نسخ من أكل<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ بن القيم رحمه الله وقد أعل بن المديني حديث جابر بن سمرة في الوضوء من لحوم الإبل
قال محمد بن أحمد بن البراء قال علي جعفر مجهول يريد جعفر بن أبي ثور راويه عن جابر
وهذا تعليل ضعيف
قال البخاري في التاريخ جعفر بن أبي ثور جده جابر بن سمرة
قال سفيان وزكريا وزائدة عن سماك عن جعفر بن أبي ثور عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في اللحوم
قال البخاري وقال أهل النسب ولد جابر بن سمرة خالد وطلحة ومسلمة وهو أبو ثور
قال وقال شعبة عن سماك عن أبي ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر
قال الترمذي في العلل حديث سفيان الثوري أصح من حديث شعبة وشعبة
لحوم الإبل أيضا ورده النووي بأن حديث ترك الوضوء مما مسته النار عام وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص والخاص مقدم على العام
وقال بن المقيم وأما من يجعل كون لحم الإبل هو الموجب للوضوء سواء مسته النار أو لم تمسه فيوجب الوضوء من نيه ومطبوخه وقديده فكيف يحتج عليه بهذا الحديث حتى لو كان لحم الإبل فردا من أفراده فإنما يكون دلالته عليه بطريق العموم فكيف يقدم على الخاص
(لا توضؤوا منها) لأن لحومها ليست ناقضة للوضوء ومن حمله على الوضوء اللغوي يعني المضمضة وغسل اليدين فدعواه محتاجة إلى بينة واضحة (في مبارك الإبل) على وزن مساجد جمع مبرك كجعفر وهو موضع بروك الإبل يقال برك البعير بروكا وقع على بركه وهو صدره
كذا في المصباح
قال الجوهري برك البعير يبرك بروكا أي استناخ (فإنها من الشياطين) أي الإبل تعمل عمل الشياطين والأجنة لأن الإبل كثيرة الشر فتشوش قلب المصلي وربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها أو أذى يحصل له منها فبهذه الوجوه وصفت بأعمال الشياطين والجن
قال ولي الدين العراقي يحتمل أن يكون قوله فإنها من الشياطين على حقيقة وأنها أنفسها شياطين وقد قال أهل الكوفة إن الشيطان كل عات متمرد من الإنس والجن والدواب
انتهى
والله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم (في مرابض الغنم) جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء الموحدة وآخرها ضاد معجمة
قال الجوهري المرابض كالمعاطن للإبل قال وربوض الغنم والبقر والفرس مثل بروك الإبل وجثوم الطير (فإنها بركة) زاد الشافعي فإنها سكينة وبركة والمعنى أن الغنم فيها تمرد ولا شراد بل<span class="matn-hr"> </span>Qأخطأ فيه فقال عن أبي ثور وإنما هو جعفر بن أبي ثور
قال البيهقي وجعفر بن أبي ثور رجل مشهور وهو من ولد جابر بن سمرة روى عن سماك بن حرب وعثمان بن عبد الله بن موهب وأشعث بن أبي الشعثاء
قال بن خزيمة وهؤلاء الثلاثة من أجلة رواة الحديث قال البيهقي ومن روى عنه مثل هؤلاء خرج عن أن يكون مجهولا ولهذا أودعه مسلم كتابه الصحيح
قال البيهقي وأخبرنا أبو بكر
هي ضعيفة وفيها سكينة فلا تؤذي المصلي ولا تقطع صلاته فهي ذو (ذات) بركة فصلوا في مرابطها
والحديث يدل على عدم جواز الصلاة في مبارك الإبل وعلى جوازها في مرابض الغنم
قال أحمد بن حنبل لا تصح الصلاة في مبارك الإبل بحال قال ومن صلى فيها أعاد أبدا
وسئل مالك عمن لا يجد إلا عطن الإبل قال لا يصلي قيل فإن بسط عليه ثوبا قال لا
وقال بن حزم لا تحل في عطن الإبل
وذهب أكثر العلماء إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة وعلى التحريم مع وجودها
وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها وستعرف بعيد هذا تحقيق ذلك على وجه الصواب
ولو سلمنا النجاسة فيه لم يصح جعلها علة لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين<span class="matn-hr"> </span>Qأحمد بن علي الحافظ حدثنا إبراهيم بن عبد الله الأصفهاني قال قال محمد بن إسحاق بن خزيمة لم نر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه قال البيهقي وروينا عن علي بن أبي طالب وبن عباس رضي الله عنهم الوضوء مما خرج وليس مما دخل وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مست النار
ثم ذكر عن بن مسعود أنه أتي بقصعة من الكبد والسنام من لحم الجزور فأكل ولم يتوضأ قال وهذا منقطع وموقوف
وروي عن أبي عبيدة قال كان عبد الله بن مسعود يأكل من ألوان الطعام ولا يتوضأ منه
قال البيهقي وبمثل هذا لا يترك ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
هذا كلامه في السنن الكبير
وهو كما ترى صريح في اختياره القول بأحاديث النقض
واختاره بن خزيمة
ومن العجب معارضة هذه الأحاديث بحديث جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ولا تعارض بينهما أصلا فإن حديث جابر هذا إنما يدل على أن كونه ممسوسا بالنار ليس جهة من جهات نقض الوضوء ومن نازعكم في هذا نعم هذا يصلح أن يحتجوا به على من يوجب الوضوء مما مست النار على صعوبة تقرير دلالته وأما من يجعل كون اللحم لحم إبل هو الموجب للوضوء سواء مسته النار أم لم تمسه فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده فكيف يحتج عليه بهذا الحديث وحتى لو كان لحم الإبل فردا من أفراده فإنما تكون دلالته بطريق العموم فكيف يقدم على الخاص هذا مع أن العموم لم يستفد ضمنا من كلام صاحب الشرع وإنما هو من قول الراوي
وأيضا فأبين من هذا كله أنه لم يحك لفظا لا خاصا ولا عاما وإنما حكى أمرين هما فعلان أحدهما متقدم وهو فعل الوضوء والآخر متأخر وهو تركه من ممسوس النار فهاتان واقعتان توضأ في إحداهما وترك في الأخرى من شيء معين مسته النار لم يحك لفظا عاما ولا خاصا ينسخ به اللفظ الصريح الصحيح
وأيضا فإن الحديث قد جاء مثبتا من رواية جابر نفسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعي إلى طعام فأكل
مرابض الغنم إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها كما قال العراقي بل حكمة النهي ما فيها من النفور والتمرد والشراد وبهذا علل النهي أصحاب الشافعي وأصحاب مالك وهذا هو الحق وقد تمسك بحديث الباب أي حديث البراء من قال بطهارة أبوال الغنم وأبعارها قالوا لأن مرابض الغنم لا تخلو من ذلك فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم فلا تكون نجسة ويؤيده ما أخرجه البخاري والترمذي عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل أن يبني المسجد في مرابض الغنم وبوب البخاري في صحيحه لذلك بابا وقال باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها وصلى أبو موسى في دار البريد والسرقين والبرية في جنبه فقال ها هنا وثم سواء قلت السرقين هو الزبل والبرية الصحراء منسوبة إلى البر ودار البريد موضع بالكوفة كانت الرسل تنزل فيه إذا حضرت من الخلفاء إلى الأمراء وكان أبو موسى أميرا على الكوفة في زمن عمر رضي الله عنه
وقوله ها هنا وثم سواء يريد أنهما متساويان في صحة الصلاة
وحديث أنس في قصة أناس من عرينة الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها دليل ظاهر على طهارة أبوال الإبل أيضا
قال الحافظ في فتح الباري وأما شربهم البول فاحتج به من قال بطهارته أما من الإبل فبهذا الحديث وأما من مأكول اللحم فبالقياس عليه انتهى
وذهب إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه الإمام مالك وأحمد بن حنبل وعطاء والثوري وبن أبي ليلى وإبراهيم النخعي وغيرهم وهذا هو المذهب المنصور والقوي من حيث الدليل وسمعت شيخنا العلامة المحدث الفقيه سلطان العلماء السيد محمد نذير حسين الدهلوي أدام الله بركاته علينا يقول به والله أعلم
وأما حديث عبد الله بن مسعود يقول أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغاية فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذا ركس فلا تدل على نجاسة عموم الروثة لأنه صرح بن خزيمة في صحيحه في رواية له في هذا الحديث أنها كانت روثة حمار
على أن نقل التيمي أن الروث مختص من الخيل والبغال والحمير وإنا لا نقول بطهارة روث البغال والحمر الأهلية
وأما النهي عن الاستنجاء بالروثة مطلقا فقد جاءت علة النهي عنه كونها من أم الجن لا من جهة أنها نجسة وذهب الإمام الشافعي<span class="matn-hr"> </span>Qثم حضرت الظهر فقام وتوضأ وصلى ثم أكل فحضرت العصر فقام فصلى ولم يتوضأ فكأن آخر الأمرين من رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار
فالحديث له قصة فبعض الرواة اقتصر على موضع الحجة فحذف القصة وبعضهم ذكرها وجابر روى الحديث بقصته
والله أعلم
والجمهور (أي جمهور أصحابه) بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره
وقال دواد الظاهري إن الأبوال كلها سواء كانت أبوال مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم والأرواث كلها كذلك طاهرة إلا بول الآدمي وغائطه وهذان المذهبان ليس عليهما برهان يقنع به القلب
$ 3 - (باب الوضوء من مس اللحم النيء)