(أنه) أي أبو الزبير (سمع عبد الرحمن بن أيمن) بنصب الدال مفعول (مولى عروة) بدل من عبد الرحمن (يسأل) أي عبد الرحمن (بن عمر) بالنصب (وأبو الزبير يسمع) جملة حالية (قال) أي عبد الرحمن (كيف ترى) الخطاب لابن عمر رضي الله عنهما (ولم يرها شيئا) أي لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك التطليقة شيئا يعتد به
وفيه دليل لمن قال إن طلاق الحائض لا يقع
والقائلون بوقوع طلاق الحائض قالوا إن قوله ولم يرها شيئا منكر لم يقله غير أبي الزبير
قال الخطابي قال أهل الحديث لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا وقد يحتمل أن يكون معناه أنه لم يره شيئا باتا تحرم معه المراجعة ولا يحل له إلا بعد زوج أو لم يره شيئا جائزا في السنة ماضيا في حكم الاختيار وإن كان لازما له على سبيل الكراهة والله أعلم انتهى
وأبو داود أيضا قد أشار إلى نكارة قوله ولم يرها شيئا حيث قال والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير
قال المنذري وأخرجه النسائي<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أخرج مسلم في صحيحه حديث أبي الزبير هذا بحروفه إلا أنه لم يقل ولم يرها شيئا بل قال فردها وقال إذا طهرت إلى آخره
وقد دل حديث بن عمر هذا على أمور منها تحريم الطلاق في الحيض
ومنها أنه حجة لمن قال بوقوعه قالوا لأن الرجعة إنما تكون بعد الطلاق ونازعهم في ذلك آخرون
وقالوا لا معنى لوقوع الطلاق والأمر بالمراجعة فإنه لو لم يعد الطلاق لم يكن لأمره بالرجعة معنى بل أمره بارتجاعها وهو ردها إلى حالها الأولى قبل تطليقها دليل على أن الطلاق لم يقع
قالوا وقد صرح بهذا في حديث أبي الزبير المذكور آنفا
(قال أبو داود وروي هذا الحديث عن بن عمر إلخ) حاصل كلامه أن هذا الحديث أي حديث بن عمر في تطليقه امرأته حائضا رواه عنه يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وأبو الزبير ومنصور وفي روايات هؤلاء كلهم أن<span class="matn-hr"> </span>Qقالوا وأبو الزبير ثقة في نفسه صدوق حافظ إنما تكلم في بعض ما رواه عن جابر معنعنا لم يصرح بسماعه منه وقد صرح في هذا الحديث بسماعه من بن عمر فلا وجه لرده
قالوا ولا يناقض حديثه ما تقدم من قول بن عمر فيه أرأيت إن عجز واستحمق وقوله فحسبت من طلاقها لأنه ليس في ذلك لفظ مرفوع إلى النبي
وقوله ولم يرها شيئا مرفوع صريح في عدم الوقوع
قالوا وهذا مقتضى قواعد الشريعة
فإن الطلاق لما كان منقسما إلى حلال وحرام كان قياس قواعد الشرع أن حرامه باطل غير معتد به كالنكاح وسائر العقود التي تنقسم إلى حلال وحرام ولا يرد على ذلك الظهار فإنه لا يكون قط إلا حراما لأنه منكر من القول وزور فلو قيل لا يصح لم يكن للظهار حكم أصلا
قالوا وكما أن قواعد الشريعة أن النهي يقتضي التحريم فكذلك يقتضي الفساد وليس معنا ما يستدل به على فساد العقد إلا النهي عنه
قالوا ولأن هذا طلاق منع منه صاحب الشرع وحجر على العبد في اتباعه فكما أفاد منعه وحجره عدم جواز الإيقاع أفاد عدم نفوذه وإلا لم يكن للحجر فائدة وإنما فائدة الحجر عدم صحة ما حجر على المكلف فيه
قالوا ولأن الزوج لو أذن له رجل بطريق الوكالة أن يطلق امرأته طلاقا معينا فطلق غير ما أذن له فيه لم ينفذ لعدم إذنه
والله سبحانه إنما أذن للعبد في الطلاق المباح ولم يأذن له في المحرم فكيف تصححون ما لم يأذن به وتوقعونه وتجعلونه من صحيح أحكام الشرع
النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر أي من الحيضة التي طلقها فيها ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك وليس في رواياتهم ذكر حيضة أخرى سوى التي طلقها فيها
ومثل هؤلاء رواه محمد بن عبد الرحمن عن سالم عن بن عمر
وروى هذا الحديث الزهري عن سالم عن بن عمر ونافع عنه وفي روايتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر أي من الحيضة التي طلقها فيها ثم تحيض أي حيضة أخرى سوى التي طلقها فيها ثم تطهر أي من الحيضة الثانية ثم إن شاء طلق أو أمسك
ففي روايتهما زيادة وروي عن عطاء الخرساني عن الحسن عن بن عمر مثل روايتهما (والأحاديث<span class="matn-hr"> </span>Qقالوا ولأنه لو كان الطلاق نافذا في الحيض لكان الأمر بالمراجعة والتطليق بعده تكثيرا من الطلاق البغيض إلى الله وتقليلا لما بقي من عدده الذي يتمكن من المراجعة معه
ومعلوم أنه لا مصلحة في ذلك
قالوا وإن مفسدة الطلاق الواقع في الحيض لو كان واقعا لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرة التي تلم شعث النكاح وترقع خرقه
فأما رجعة يعقبها طلاق فلا تزيل مفسدة الطلاق الأول لو كان واقعا
قالوا وأيضا فما حرمه الله سبحانه من العقود فهو مطلوب الإعدام بكل طريق حتى يجعل وجوده كعدمه في حكم الشرع ولهذا كان ممنوعا من فعله باطلا في حكم الشرع والباطل شرعا كالمعدوم
ومعلوم أن هذا هو مقصود الشارع مما حرمه ونهى عنه فالحكم ببطلان ما حرمه ومنع منه أدنى إلى تحصيل هذا المطلوب وأقرب بخلاف ما إذا صحح فإنه يثبت له حكم الوجود
قالوا ولأنه إذا صحح استوى هو والحلال في الحكم الشرعي وهو الصحة
وإنما يفترقان في موجب ذلك من الإثم والذم ومعلوم أن الحلال المأذون فيه لا يساوي المحرم الممنوع منه البتة
قالوا وأيضا فإنما حرم لئلا ينفذ ولا يصح فإذا نفذ وصح وترتب عليه حكم الصحيح كان ذلك عائدا على مقتضى النهي بالإبطال
قالوا وأيضا فالشارع إنما حرمه ونهى عنه لأجل المفسدة التي تنشأ من وقوعه فإن ما نهى عنه الشرع وحرمه لا يكون قط إلا مشتملا عن مفسدة خالصة أو راجحة فنهى عنه قصدا لإعدام تلك المفسدة
فلو حكم بصحته ونفوذه لكان ذلك تحصيلا للمفسدة التي قصد الشارع إعدامها وإثباتا لها
كلها على خلاف ما قال أبو الزبير) أي في قوله ولم يرها شيئا
قال المنذري وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه ونافع أثبت عن بن عمر من أبي الزبير والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه
وقال أبو سليمان الخطابي حديث يونس بن جبير أثبت من هذا
وقال أهل الحديث لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا
وقال أبو عمر النمري ولم يقله عنه أحد غير أبي الزبير وقد رواه عنه جماعة جلة فلم يقل ذلك واحد منهم
وأبو الزبير ليس بحجة في من<span class="matn-hr"> </span>Qقالوا وأيضا فالعقد الصحيح هو الذي يترتب عليه أثره ويحصل منه مقصوده
وهذا إنما يكون في العقود التي أذن فيها الشارع وجعلها أسبابا لترتب آثارها عليها فما لم يأذن فيه ولم يشرعه كيف يكون سببا لترتب آثاره عليه ويجعل كالمشروع المأذون فيه
قالوا وأيضا فالشارع إنما جعل للمكلف مباشرة الأسباب فقط وأما أحكامها المترتبة عليها فليست إلى المكلف وإنما هي إلى الشارع فهو قد نصب الأسباب جعلها مقتضيات لأحكامها وجعل السبب مقدورا للعبد فإذا باشره رتب عليه الشارع أحكامه
فإذا كان السبب محرما كان ممنوعا منه ولم ينصبه الشارع مقتضيا لآثار السبب المأذون فيه والحكم ليس إلى المكلف حتى يكون إيقاعه إليه غير مأذون فيه ولا نصبه الشارع لترتب الآثار عليه فترتيبها عليه إنما هو بالقياس على السبب المباح المأذون فيه وهو قياس في غاية الفساد إذ هو قياس أحد النقيضين على الآخر في التسوية بينهما في الحكم ولا يخفى فساده
قالوا وأيضا فصحة العقد هو عبارة عن ترتب أثره المقصود للمكلف عليه وهذا الترتب نعمة من الشارع أنعم بها على العبد وجعل له طريقا إلى حصولها بمباشرة الأسباب التي أذن له فيها فإذا كان السبب محرما منهيا عنه كانت مباشرته معصية فكيف تكون المعصية سببا لترتب النعمة التي قصد المكلف حصولها قالوا وقد علل من أوقع الطلاق وأوجب الرجعة إيجاب الرجعة بهذه العلة بعينها وقالوا أوجبنا عليه الرجعة معاملة له بنقيض قصده فإنه ارتكب أمرا محرما يقصد به الخلاص من الزوجة فعومل بنقيض قصده فأمر برجعتها
قالوا فما جعلتموه أنتم علة لإيجاب الرجعة فهو بعينه علة لعدم وقوع الطلاق الذي قصده المكلف بارتكابه ما حرم الله عليه
ولا ريب أن دفع وقوع الطلاق أسهل من دفعه بالرجعة فإذا اقتضت هذه العلة دفع أثر الطلاق بالرجعة فلأن تقتضي دفع وقوعه أولى وأحرى
قالوا وأيضا فلله تعالى في الطلاق المباح حكمان أحدهما إباحته والإذن فيه والثاني جعله سببا للتخلص من الزوجة
فإذا لم يكن الطلاق مأذونا فيه انتفى الحكم الأول وهو الإباحة فما
خالفه فيه مثله فكيف بخلاف من هو أثبت منه وقد يحتمل أن يكون معناه أنه لم يره شيئا باتا تحرم معه المراجعة إلى آخر ما نقلت كلام الخطابي تحت قوله ولم يرها شيئا<span class="matn-hr"> </span>Qالموجب لبقاء الحكم الثاني وقد ارتفع سببه
ومعلوم أن بقاء الحكم بدون سببه ممتنع ولا تصح دعوى أن الطلاق المحرم سبب لما تقدم قالوا وأيضا فليس في لفظ الشارع يصح كذا ولا يصح وإنما يستفاد ذلك من إطلاقه ومنعه فما أطلقه وأباحه فباشره المكلف حكم بصحته بمعى أنه وافق أمر الشارع
فصح وما لم يأذن فيه ولم يطلقه فباشره المكلف حكم بعدم صحته بمعنى أنه خالف أمر الشارع وحكمه
وليس معنا ما يستدل به على الصحة والفساد إلا موافقة الأمر والإذن وعدم موافقتهما
فإن حكمتم بالصحة مع مخالفة أمر الشارع وإباحته لم يبق طريق إلى معرفة الصحيح من الفاسد إذ لم يأت من الشرع إخبار بأن هذا صحيح وهذا فاسد غير الإباحة والتحريم فإذا جوزتم ثبوت الصحة مع التحريم فبأي شيء تستدلون بعد ذلك على فساد العقد وبطلانه
قالوا وأيضا فإن النبي قال كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وفي لفظ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد والرد فعل بمعنى المفعول أي فهو مردود وعبر عن المفعول بالمصدر مبالغة حتى كأنه نفس الرد وهذا تصريح بإبطال كل عمل على خلاف أمره ورده وعدم اعتباره في حكمه المقبول ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه بل كونه ردا أبلغ من كونه باطلا إذ الباطل قد يقال لما لا تقع فيه أو لما منفعته قليلة جدا وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئا ولم يترتب عليه مقصوده أصلا
قالوا فالمطلق في الحيض قد طلق طلاقا ليس عليه أمر الشارع فيكون مردودا فلو صح ولزم لكان مقبولا منه وهو خلاف النص
قالوا وأيضا فالشارع أباح للمكلف من الطلاق قدرا معلوما في زمن مخصوص ولم يملكه أن يتعدى القدر الذي حد له ولا الزمن الذي عين له فإذا تعدى ما حد له من العدد كان لغوا باطلا فكذلك إذا تعدى ما حد له من الزمان يكون لغوا باطلا فكيف يكون عدوانه في الوقت صحيحا معتبرا لازما وعدوانه أنه في العدد لغوا باطلا قالوا وهذا كما أن الشارع حد له عددا من النساء معينا في وقت معين فلو تعدى ما حد له من العدد كان لغوا وباطلا
وكذلك لو تعدى ما حد له من الوقت بأن ينكحها قبل انقضاء العدة مثلا أو في وقت الإحرام فإنه يكون لغوا باطلا
فقد شمل البطلان نوعي التعدي عددا أو وقتا
قالوا وأيضا فالصحة إما أن تفسر بموافقة أمر الشارع وإما أن تفسر بترتب أثر الفعل عليه فإن فسرت بالأول لم يكن تصحيح هذا الطلاق ممكنا وإن فسرت بالثاني وجب أيضا أن لا يكون العقد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qالمحرم صحيحا لأن ترتب الثمرة على العقد إنما هو بجعل الشارع العقد كذلك ومعلوم أنه لم يعتبر العقد المحرم ولم يجعله مثمرا لمقصوده كما مر تقديره
قالوا وأيضا فوصف العقد المحرم بالصحة مع كونه منشئا للمفسدة ومشتملا على الوصف المقتضي لتحريمه وفساده جمع بين النقيضين فإن الصحة إنما تنشأ عن المصلحة والعقد المحرم لا مصلحة فيه
بل هو منشأ لمفسدة خالصة أو راجحة
فكيف تنشأ الصحة من شيء هو منشأ المفسدة
قالوا وأيضا فوصف العقد المحرم بالصحة إما أن يعلم بنص من الشارع أو من قياسه أو من توارد عرفه في محال حكمه بالصحة أو من إجماع الأمة
ولا يمكن إثبات شيء من ذلك في محل النزاع بل نصوص الشرع تقتضي رده وبطلانه كما تقدم وكذلك قياس الشريعة كما ذكرناه وكذلك استقراء موارد عرف الشرع في مجال الحكم بالصحة إنما يقتضي البطلان في العقد المحرم لا الصحة وكذلك الإجماع فإن الأمة لم تجمع قط ولله الحمد على صحة شيء حرمه الله ورسوله لا في هذه المسألة ولا في غيرها فالحكم بالصحة فيها إلى أي دليل يستند
قالوا وأما قول النبي مره فليراجعها فهذا حجة لنا على عدم الوقوع لأنه لما طلقها
والرجل من عادته إذا طلق امرأته أن يخرجها عنه أمره بأن يراجعها ويمسكها فإن هذا الطلاق الذي أوقعه ليس بمعتبر شرعا ولا تخرج المرأة عن الزوجية بسببه فهو كقوله لبشير بن سعد في قصة نحله ابنه النعمان غلاما رده
ولا يدل أمره إياه برده على أن الولد قد ملك الغلام وأن الرد إنما يكون بعد الملك فكذلك أمره برد المرأة ورجعتها لا يدل على أنه لا يكون إلا بعد نفوذ الطلاق بل لما ظن بن عمر جواز هذا الطلاق فأقدم عليه قاصدا لوقوعه رد إليه النبي امرأته وأمره أن يردها ورد الشيء إلى ملك من أخرجه لا يستلزم خروجه عن ملكه شرعا كما ترد العين المغصوبة إلى مالكها ويقال للغاصب ردها إليه ولا يدل ذلك على زوال ملك صاحبها عنها وكذلك إذا قيل رد على فلان ضالته ولما باع على أحد الغلامين الأخوين قال له النبي رده رده وهذا أمر بالرد حقيقة
قالوا فقد وفينا اللفظ حقيقته التي وضع لها
قالوا وأيضا فقد صرح بن عمر أن النبي ردها عليه ولم يرها شيئا وتعلقكم على أبي الزبير مما لا متعلق فيه فإن أبا الزبير إنما يخاف من تدليسه وقد صرح هذا بالسماع كما تقدم فدل على أن الأمر بمراجعتها لا يستلزم نفوذ الطلاق
قالوا والذي يدل عليه أن بن عمر قال في الرجل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qيطلق امرأته وهي حائض لا يعتد بذلك ذكره الإشبيلي في الأحكام من طريق محمد بن عبد السلام الخشني قال حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال بن عمر لا يعتد بذلك وذكره بن حزم في كتاب المحلى بإسناده من طريق الخشني
وهذا إسناد صحيح
قالوا وقد روى الدارقطني في سننه بإسناد شيعي عن أبي الزبير قال سألت بن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فقال لي أتعرف عبد الله بن عمر قلت نعم قال طلقت امرأتي ثلاثا على عهد النبي فردها رسول الله إلى السنة قال الدارقطني كلهم شيعة ولم يزد على هذا
ولكن هذا الحديث باطل قطعا ولا تحتج به وإنما ذكرناه للتعريف بحاله ولو كان إسناده ثقات لكان غلطا فإن المعروف من رواية الأثبات عن بن عمر أنه إنما طلق تطليقة واحدة كما رواه مسلم في الصحيح من حديث يونس بن جبير ولكن لو حاكمنا منازعينا إلى ما يقرون به من أن رواية أهل البدع مقبولة فكم في الصحيح من رواية الشيعة الغلاة والقدرية والخوارج والمرجئة وغيرهم لم يتمكنوا من الطعن في هذا الحديث بأن رواته شيعة إذ مجرد كونهم شيعة لا يوجب رد حديثهم
وبعد ففي معارضته بحديث يونس بن جبير أنه طلقها تطليقة كلام ليس هذا موضعه فإن من جعل الثلاث واحدة قال هي ثلاث في اللفظ وهي واحدة في الحكم على ما في حديث أبي الصهباء عن بن عباس
والله أعلم
قالوا وأما قولكم إن نافعا أثبت في بن عمر وأولى به من أبي الزبير وأخص فروايته أولى أن نأخذ بها فهذا إنما يحتاج إليه عند التعارض فكيف ولا تعارض بينهما فإن رواية أبي الزبير صريحة في أنها لم تحسب عليه وأما نافع فرواياته ليس فيها شيء صريح قط أن النبي حسبها عليه بل مرة قال فمه أي فما يكون وهذا ليس بإخبار عن النبي أنه حسبها ومرة قال أرأيت إن عجز واستحمق وهذا رأي محض ومعناه أنه ركب خطة عجز واستحمق أي ركب أحموقة وجهالة فطلق في زمن لم يؤذن له في الطلاق فيه ومعلوم أنه لو كان عند بن عمر أنه حسبها عليه لم يحتج أن يقول للسائل أرأيت إن عجز واستحمق فإن هذا ليس بدليل على وقوع الطلاق فإن من عجز واستحمق يرد إلى العلم والسنة التي سنها رسول الله فكيف يظن بابن عمر أنه يكتم نصا عن رسول الله في الاعتداد بتلك الطلقة ثم يحتج بقوله أرأيت إن عجز واستحمق وقد سأله مرة رجل عن شيء فأجابه بالنص فقال السائل أرأيت إن كان كذا وكذا قال اجعل أرأيت باليمن ومرة قال تحسب من طلاقها وهذا قول نافع ليس قول بن عمر كذلك جاء مصرحا به في هذا الحديث في الصحيحين قال عبد الله لنافع ما فعلت التطليقة قال واحدة أعتد بها وفي بعض ألفاظه فحسبت تطليقة وفي لفظ للبخاري عن سعيد بن جبير عن بن عمر فحسبت علي بتطليقة ولكن هذه اللفظة انفرد بها سعيد بن جبير عنه وخالف نافع وأنس بن سيرين ويونس بن جبير وسائر الرواة عن بن عمر فلم يذكروا فحسبت علي وانفراد بن جبير بها كانفراد أبي الزبير
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qبقوله ولم يرها شيئا فإن تساقطت الروايتان لم يكن في سائر الألفاظ دليل على الوقوع وإن رجح إحداهما على الأخرى فرواية أبي الزبير صريحة في الرفع ورواية سعيد بن جبير غير صريحة في الرفع فإنه لم يذكر فاعل الحساب فلعل أباه رضي الله عنه حسبها عليه بعد موت النبي في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث وحسبه عليهم اجتهادا منه ومصلحة رآها للأمة لئلا يتتابعوا في الطلاق المحرم فإذا علموا أنه يلزمهم وينفذ عليهم أمسكوا عنه وقد كان في زمن النبي لا يحتسب عليهم به ثلاثا في لفظ واحد فلما رأى عمر الناس قد أكثروا منه رأى إلزامهم به والاحتساب عليهم به
قالوا وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة في هذا الباب ويتبين وجهها ويزول عنها التناقض والاضطراب ويستغنى عن تكلف التأويلات المستكرهة لها ويتبين موافقتها لقواعد الشرع وأصوله
قالوا وهذا الظن بعمر رضي الله عنه أنه إذا احتسب على الناس بالطلاق الثلاث احتسب على ابنه بتطليقته التي طلقها في الحيض وكون النبي لم يرها شيئا مثل كون الطلاق الثلاث على عهده كان واحدة
وإلزام عمر الناس بذلك كإلزامه له بهذا وأداه اجتهاده رضي الله عنه إلى أن ذلك كان تخفيفا ورفقا بالأمة لعلة إيقاعهم الطلاق وعدم تتابعهم فيه فلما أكثروا منه وتتابعوا فيه ألزمهم بما التزموه وهذا كما أداه اجتهاده في الجلد في الخمر ثمانين وحلق الرأس فيه والنفي والنبي إنما جلد فيه أربعين ولم يحلق فيه رأسا ولم يغرب فلما رأى الناس قد أكثروا منه واستهانوا بالأربعين ضاعفها عليهم وحلق ونفى
ولهذا نظائر كثيرة ستذكر في موضع آخر إن شاء الله
قالوا وتوهم من توهم أنا خالفنا الإجماع في هذه المسألة غلط فإن الخلاف فيها أشهر من أن يجحد وأظهر من أن يستر
وإذا كانت المسألة من موارد النزاع فالواجب فيها امتثال ما أمر الله به ورسوله من رد ما تنازع فيه العلماء إلى الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله دون تحكيم أحد من الخلق قال تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}
فهذه بعض كلمات المانعين من الوقوع
ولو استوفينا الكلام في المسألة لاحتملت سفرا كبيرا فلنقتصر على فوائد الحديث
قال الموقعون
وفيه دليل على أن الرجعة يستقل بها الزوج دون الولي ورضا المرأة لأنه جعل ذلك إليه دون غيره ودلالة القرآن على هذا أظهر من هذه الدلالة
قال تعالى {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} فجعل الأزواج أحق بالرجعة من المرأة والولي
واختلفوا في قوله مره فليراجعها هل الأمر بالرجعة على الوجوب أو الاستحباب فقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وبن أبي ليلى وسفيان الثوري وأحمد في إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه الأمر بالرجعة استحباب
قال بعضهم لأن ابتداء النكاح إذا لم يكن واجبا فاستدامته كذلك وقال مالك في الأشهر عنه وداود وأحمد في الرواية الأخرى الرجعة واجبة الأمر بها ولأن الطلاق لما كان محرما في هذا الزمن كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجبا وبهذا يبطل قولهم إذا لم يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته فإن الاستدامة ها هنا واجبة لأجل الوقت فإنه لا يجوز فيه الطلاق
قالوا ولأن الرجعة إمساك بدليل قوله {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} فالإمساك مراجعتها في العدة والتسريح تركها حتى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qتنقضي عدتها
وإذا كانت الرجعة إمساكا فلا ريب في وجوب إمساكها في زمن الحيض وتحريم طلاقها فتكون واجبة
ثم اختلف الموجبون للرجعة في علة ذلك فقالت طائفة
إنما أمره برجعتها ليقع الطلاق الذي أراده في زمن الإباحة وهو الطهر الذي لم يمسها فيه فلو لم يرتجعها لكان الطلاق الذي ترتبت عليه الأحكام هو الطلاق المحرم والشارع لا يرتب الأحكام على طلاق محرم فأمر برجعتها ليطلقها طلاقا مباحا يترتب عليه أحكام الطلاق
وقالت طائفة بل أمره برجعتها عقوبة له على طلاقها في زمن الحيض فعاقبه بنقيض قصده وأمره بارتجاعها عكس مقصوده
وقالت طائفة بل العلة في ذلك أن تحريم الطلاق في زمن الحيض معلل بتطويل العدة فأمره برجعتها ليزول المعنى الذي حرم الطلاق في الحيض لأجله
وقال بعض الموجبين إن أبى رجعتها أجبر عليها
فإن امتنع ضرب وحبس فإن أصر حكم عليه برجعتها وأشهد أنه قد ردها عليه فتكون امرأته يتوارثان ويلزمه جميع حقوقها حتى يفارقها فراقا ثانيا قاله أصبغ وغيره من المالكية
ثم اختلفوا
فقال مالك يجبر على الرجعة إن طهرت ما دامت في العدة لأنه وقت للرجعة
وقال أشهب إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت لم تجب رجعتها في هذه الحال وإن كانت في العدة لأنه لا يجب عليه إمساكها في هذه الحال لجواز طلاقها فيه فلا يجب عليه رجعتها فيه إذ لو وجبت الرجعة في هذا الوقت لحرم الطلاق فيه
وقوله حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قال البيهقي أكثر الروايات عن بن عمر أن النبي أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك فإن كانت الرواية عن سالم ونافع وبن دينار في أمره بأن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر محفوظة فقد قال الشافعي يحتمل أن يكون إنما أراد بذلك الاستبراء أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيها بطهر تام ثم حيض تام ليكون تطليقها وهي تعلم عدتها أبالحمل هي أم بالحيض أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qغير جاهل ما صنع أو يرغب فيمسك للحمل أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكف عنه حاملا
آخر كلامه
وأكثر الروايات في حديث بن عمر مصرحة بأنه إنما أذن في طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض ثم تطهر هكذا أخرجاه في الصحيحين من رواية نافع عنه ومن رواية ابنه سالم عنه
وفي لفظ متفق عليه ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها وفي لفظ آخر متفق عليه مره فليراجعها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها ففي تعدد الحيض والطهر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها من رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار وغيرهم والذين زادوا قد حفظوا ما لم يحفظه هؤلاء
ولو قدر التعارض فالزائدون أكثر وأثبت في بن عمر وأخص به فرواياتهم أولى لأن نافعا مولاه أعلم الناس بحديثه وسالم ابنه كذلك وعبد الله بن دينار من أثبت الناس فيه وأرواهم عنه فكيف يقدم اختصار أبي الزبير ويونس بن جبير على هؤلاء ومن العجب تعليل حديث أبي الزبير في ردها عليه من غير احتساب بالطلقة بمخالفة غيره له ثم تقدم روايته التي سكت فيها عن تعدد الحيض والطهر على رواية نافع وبن دينار وسالم فالصواب الذي لا يشك فيه أن هذه الرواية ثابتة محفوظة ولذلك أخرجها أصحاب الصحيحين
واختلف في جواز طلاقها في الطهر المتعقب للحيضة التي طلق فيها على قولين هما روايتان عن أحمد ومالك أشهرهما عند أصحاب مالك المنع حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى تلك الحيضة ثم تطهر كما أمر به النبي
والثاني يجوز طلاقها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى
ووجهه أن التحريم إنما كان لأجل الحيض فإذا طهرت زال موجب التحريم فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده وكما يجوز أيضا طلاقها فيه لو لم يتقدم طلاق في الحيض ولأن في بعض طرق حديث بن عمر في الصحيح ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا وفي لفظ ثم ليطلقها طاهرا من غير جماع في قبل عدتها وفي لفظ فإذا طهرت فليطلقها لطهرها قال فراجعها ثم طلقها لطهرها وفي حديث أبي الزبير وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك وكل هذه الألفاظ في الصحيح
وأما أصحاب القول الثاني فاحتجوا بما تقدم من أمره بإمساكها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر
وقد تقدم
قالوا وحكمة ذلك من وجوه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qأحدها أنه لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها
وهذا عكس مقصود الرجعة فإن الله سبحانه إنما شرع الرجعة لإمساك المرأة وإيوائها ولم شعث النكاح وقطع سبب الفرقة ولهذا سماه إمساكا فأمره الشارع أن يمسكها في ذلك الطهر وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر لتكون الرجعة للإمساك لا للطلاق
قالوا وقد أكد الشارع هذا المعنى حتى إنه أمر في بعض طرق هذا الحديث بأن يمسكها في الطهر المتعقب لتلك الحيضة فإذا حاضت بعده وطهرت فإن شاء طلقها قبل أن يمسها فإنه قال مره فليراجعها فإذا طهرت مسها حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها ذكره بن عبد البر وقال الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المبتغى من النكاح ولا يحصل الوطء إلا في الطهر فإذا وطئها حرم طلاقها فيه حتى تحيض
ثم تطهر فاعتبرنا مظنة الوطء ومحله ولم يجعله محلا للطلاق
الثاني أن الطلاق حرم في الحيض لتطويل العدة عليها فلو طلقها عقب الرجعة من غير وطء لم تكن قد استفادت بالرجعة فائدة فإن تلك الحيضة التي طلقت فيها لم تكن تحتسب عليها من العدة وإنما تستقبل العدة من الطهر الذي يليها أو من الحيضة الأخرى على الاختلاف في الأقراء فإذا طلقها عقب تلك الحيضة كانت في معنى ممن طلقت ثم راجعها ولم يمسها حتى طلقها فإنها تبنى على عدتها في أحد القولين لأنها لم تنقطع بوطء فالمعنى المقصود إعدامه من تطويل العدة موجود بعينه هنا لم يزل بطلاقها عقب الحيضة فأراد رسول الله قطع حكم الطلاق جملة بالوطء فاعتبر الطهر الذي هو موضع الوطء فإذا وطىء حرم طلاقها حتى تحيض ثم تطهر
ومنها أنها ربما كانت حاملا وهو لا يشعر فإن الحامل قد ترى الدم بلا ريب وهل حكمه حكم الحيض أو دم فساد على الخلاف فيه فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة بطهر تام ثم بحيض تام فحينئذ تعلم هل هي حامل أو حائل فإنه ربما يمسكها إذا علم أنها حامل منه وربما تكف هي عن الرغبة في الطلاق إذا علمت أنها حامل وربما يزول الشر الموجب للطلاق بظهور الحمل فأراد الشارع تحيق علمها بذلك نظرا للزوجين ومراعاة لمصلحتهما وحسما لباب الندم وهذا من أحسن محاسن الشريعة
وقيل الحكمة فيه أنه عاقبه بأمره بتأخير الطلاق جزاء له على ما فعله من إيقاعه على الوجه المحرم
ورد هذا بأن بن عمر لم يكن يعلم التحريم
وأجيب عنه بأن هذا حكم شامل له ولغيره من الأمة وكونه رضي الله عنه لم يكن عالما بالتحريم يفيد نفي الإثم لا عدم ترتب هذه المصلحة على الطلاق المحرم في نفسه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qوقيل حكمته أن الطهر الذي بعد تلك الحيضة هو من حريم تلك الحيضة فهما كالقرء الواحد فلو شرع الطلاق فيه لصار كموقع طلقتين في قرء واحد وليس هذا بطلاق السنة
وقيل حكمته أنه نهى عن الطلاق في الطهر ليطول مقامه معها ولعله تدعوه نفسه إلى وطئها وذهاب ما في نفسه من الكراهة لها فيكون ذلك حرصا على ارتفاع الطلاق البغيض إلى الله المحبوب إلى الشيطان وحضا على بقاء النكاح ودوام المودة والرحمة والله أعلم
وقوله ثم ليطلقها طاهرا وفي اللفظ الآخر فإذا طهرت فليطلقها إن شاء هل المراد به انقطاع الدم أو التطهر بالغسل أو ما يقوم مقامه من التيمم على قولين هما روايتان عن أحمد إحداهما أنه انقطاع الدم وهو قول الشافعي
والثانية أنه الاغتسال وقال أبو حنيفة إن طهرت لأكثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم وإن طهرت لدون أكثره لم يحل طلاقها حتى تصير في حكم الطاهرات بأحد ثلاثة أشياء إما أن تغتسل وإما أن تتيمم عند العجز وتصلي وإما أن يخرج عنها وقت صلاة لأنه متى وجد أحد هذه الأشياء حكمنا بانقطاع حيضها
وسر المسألة أن الأحكام المترتبة على الحيض نوعان منها ما يزول بنفس انقطاعه كصحة الغسل والصوم ووجوب الصلاة في ذمتها
ومنها ما لا يزول إلا بالغسل كحل الوطء وصحة الصلاة وجواز الليث في المسجد وصحة الطواف وقراءة القرآن على أحد الأقوال فهل يقال الطلاق من النوع الأول أو من الثاني ولمن رجح إباحته قبل الغسل أن يقول الحائض إذا انقطع دمها صارت كالجنب يحرم عليها ما يحرم عليه ويصح منها ما يصح منه ومعلوم أن المرأة الجنب لا يحرم طلاقها
ولمن رجح الثاني أن يجيب عن هذا بأنها لو كانت كالجنب لحل وطؤها ويحتج بما رواه النسائي في سننه من حديث المعتمر بن سليمان قال سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة فانطلق عمر فأخبر النبي بذلك فقال النبي مر عبد الله فليراجعها فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها فإن شاء أن يمسكها فليمسكها فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء
وهذا على شرط الصحيحين وهو مفسر لقوله فإذا طهرت فيجب حمله عليه
وتمام هذه المسألة أن العدة هل تنقضي بنفس انقطاع الدم وتنقطع الرجعة أم لا تنقطع إلا بالغسل وفيه خلاف بين السلف والخلف يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qوقوله ثم ليطلقها طاهرا قبل أن يمس دليل على أن طلاقها في الطهر الذي مس فيه ممنوع منه وهو طلاق بدعة وهذا متفق عليه فلو طلق فيه
قالوا لم يجب عليه رجعتها قال بن عبد البر أجمعوا على أن الرجعة لا تجب في هذه الصورة وليس هذا الإجماع ثابتا وإن كان قد حكاه صاحب المغني أيضا فإن أحد الوجهين في مذهب أحمد وجوب الرجعة في هذا الطلاق حكاه في الرعاية وهو القياس لأنه طلاق محرم فتجب الرجعة فيه كما تجب في الطلاق في زمن الحيض
ولمن فرق بينهما أن يقول زمن الطهر وقت للوطء وللطلاق وزمن الحيض ليس وقتا لواحد منهما فظهر الفرق بينهما فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق الأمر بها في زمنه ولكن هذا الفرق ضعيف جدا فإن زمن الطهر متى اتصل به المسيس صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق سواء ولا فرق بينهما بل الفرق المؤثر عند الناس أن المعنى الذي وجبت لأجله الرجعة إذا طلقها حائضا منتف في صورة الطلاق في الطهر الذي مسها فيه فإنها إنما حرم طلاقها في زمن الحيض لتطويل العدة عليها فإنها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءا اتفاقا
فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل وأما الطهر فإنها تعتد بما بقي منه قرءا ولو كان لحظة فلا حاجة بها إلى أن يراجعها فإن من قال الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عنده عقب طلاقها ومن قال هي الحيض استأنف بها بعد الطهر وهو لو راجعها ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلا في طهر فلا فائدة في الرجعة
هذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين
وبعد ففيه إشكال لا ينتبه له إلا من به خبرة بمأخذ الشرع وأسراره وجمعه وفرقه
وذلك أن النبي أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها وقال فتلك العدة التي أمر بها الله أن تطلق لها النساء وهذا ظاهر في أن العدة إنما يكون استقبالها من طهر لم يمسها فيه إن دل على أنها بالأطهار وأما طهر قد أصابها فيه فلم يجعله النبي من العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء فكما لا تكون عدتها متصلة بالحيضة التي طلق فيها ينبغي أن لا تكون متصلة بالطهر الذي مسها فيه
لأن النبي سوى بينهما في المنع من الطلاق فيهما وأخبر أن العدة التي أمر بها الله أن يطلق لها النساء هي من وقت الطهر الذي لم يمسها فيه فمن أين لنا أن الطهر الذي مسها فيه هو أول العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وهذا مذهب أبي عبيد وهو في الظهور والحجة كما ترى وقال الإمام أحمد والشافعي ومالك وأصحابهم لو بقي من الطهر لحظة حسبت لها قرءا وإن كان قد جامع فيه إذا قلنا الأقراء الأطهار
قال المنتصرون لهذا القول إنما حرم الطلاق في زمن الحيض دفعا لضرر تطويل العدة عليها فلو لم تحتسب ببقية الطهر قرءا كان الطلاق في زمن الطهر أضر بها وأطول عليها
وهذا ضعيف جدا فإنها إذ طلقت فيه قبل المسيس احتسب به وأما إذا طلقت بعد المسيس كان حكمها حكم المطلقة في زمن الحيض فكما لا تحتسب ببقية الحيضة لا تحتسب ببقية هذا الطهر المسوسة فيه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qقالوا ولم يحرم الطلاق في الطهر لأجل التطويل الموجود في الحيض بل إنما حرم لكونها مرتابة فلعلها قد حملت من ذلك الوطء فيشتد ندمه إذا تحقق الحمل ويكثر الضرر
فإذا أراد أن يطلقها طلقها طاهرا من غير جماع لأنهما قد تيقنا عدم الريبة وأما إذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة وأقدم على فراقها حاملا
قالوا فهذا الفرق بين الطلاق في الحيض والطهر المجامع فيه
قالوا وسر ذلك أن المرأة إن كانت حاملا من هذا الوطء فعدتها بوضع الحمل وإن لم تكن قد حملت منه فهو قرء صحيح فلا ضرر عليها في طلاقها فيه
ولمن نصر قول أبي عبيد أن يقول الشارع إنما جعل استقبال عدة المطلقة من طهر لم يمسها فيه ليكون المطلق على بصيرة من أمره والمطلقة على بصيرة من عدتها أنها بالأقراء
فأما إذا مسها في الطهر ثم طلقها لم يدر أحاملا أم حائلا ولم تدر المرأة أعدتها بالحمل أم بالأقراء فكان الضرر عليهما في هذا الطلاق أشد من الضرر في طلاقها وهي حائض فلا تحتسب ببقية ذلك الطهر قرءا كما لم يحتسب الشارع به في جواز إيقاع الطلاق فيه
وهذا التفريع كله على أقوال الأئمة والجمهور
وأما من لم يوقع الطلاق البدعي فلا يحتاج إلى شيء من هذا
وقوله ليطلقها طاهرا أو حاملا دليل على أن الحامل طلاقها سني قال بن عبد البر لا خلاف بين العلماء أن الحامل طلاقها للسنة قال الإمام أحمد أذهب إلى حديث سالم عن أبيه ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا وعن أحمد رواية أخرى أن طلاق الحامل ليس بسني ولا بدعي وإنما يثبت لها ذلك من جهة العدد لامن جهة الوقت ولفظه الحمل في حديث بن عمر انفرد بها مسلم وحده في بعض طرق الحديث
ولم يذكرها البخاري
فلذلك لم يكن طلاقها سنيا ولا بدعيا لأن الشارع لم يمنع منه
فإن قيل إذا لم يكن سنيا كان طلاقها بدعيا لأن النبي إنما أباح طلاقها في طهر لم يمسها فيه فإذا مسها في الطهر وحملت واستمر حملها استمر المنع من الطلاق فكيف يبيحه تجدد ظهور الحمل فإذا لم يثبتوا هذه اللفظة لم يكن طلاق الحامل جائزا
فالجواب أن المعنى الذي لأجله حرم الطلاق بعد المسيس معدوم عند ظهور الحمل لأن المطلق عند ظهور الحمل قد دخل على بصيرة فلا يخاف ظهور أمر يتجدد به الندم وليست المرأة مرتابة لعدم اشتباه الأمر عليها بخلاف طلاقها مع الشك في حملها
والله أعلم
وقوله طاهرا أو حاملا احتج به من قال الحامل لا تحيض لأنه حرم الطلاق في زمن الحيض وأباحه في وقت الطهر والحمل فلو كانت الحامل تحيض لم يبح طلاقها حاملا إذا رأت الدم وهو خلاف الحديث
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qولأصحاب القول الآخر أن يجيبوا عن ذلك بأن حيض الحامل لم يكن له تأثير في العدة بحال لا في تطويلها ولا تخفيفها إذا عدتها بوضع الحمل أباح الشارع طلاقها حاملا مطلقا وغير الحامل لم يبح طلاقها إلا إذا لم تكن حائضا لأن الحيض يؤثر في العدة لأن عدتها بالأقراء فالحديث دل على أن المرأة لها حالتان أحدهما أن تكون حائلا فلا تطلق إلا في طهر لم يمسها فيه
والثانية أن تكون حاملا فيجوز طلاقها
والفرق بين الحامل وغيرها في الطلاق إنما هو بسبب الحمل وعدمه لا بسبب حيض ولا طهر ولهذا يجوز طلاق الحامل بعد المسيس دون الحائل وهذا جواب سديد والله أعلم
وقد أفردت لمسألة الحامل هل تحيض أم لا مصنفا مفردا
وقد احتج بالحديث من يرى أن السنة تفريق الطلقات على الأقراء فيطلق لكل قرء طلقة وهذا قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين وعن أحمد رواية كقولهم
قالوا وذلك لأن النبي إنما أمره بإمساكها في الطهر المتعقب للحيض لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق طهر كامل والسنة أن يفصل بين الطلقة والطلقة قرء كامل فإذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت
طلقها طلقة بائنة لحصول الفصل بين الطلقتين بطهر كامل
قالوا فلهذا المعنى اعتبر الشارع الفصل بين الطلاق الأول والثاني
قالوا وفي بعض حديث بن عمر السنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء وروى النسائي في سننه عن بن مسعود قال طلاق السنة أن يطلقها تطليقة وهي طاهر في غير جماع فإذا حاضت فطهرت طلقها أخرى فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ثم تعتد بعد ذلك بحيضة
وهذا الاستدلال ضعيف فإن النبي لم يأمره بإمساكها في الطهر الثاني ليفرق الطلقات الثلاث على الأقراء ولا في الحديث ما يدل على ذلك وإنما أمره بطلاقها طاهرا قبل أن يمسها وقد ذكرنا حكمة إمساكها في الطهر الأول
وأما قوله والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء فهو حديث قد تكلم الناس فيه وأنكروه على عطاء الخرساني فإنه انفرد بهذه اللفظة دون سائر الرواة قال البيهقي وأما الحديث الذي رواه عطاء الخرساني عن بن عمر في هذه القصة أن النبي قال السنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء فإنه أتى في هذا الحديث بزيادات لم يتابع عليها وهو ضعيف في الحديث لا يقبل منه ما ينفرد به
وأما حديث بن مسعود فمع أنه موقوف عليه فهو حديث يرويه أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله واختلف على أبي إسحاق فيه فقال الأعمش عنه كما تقدم وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع ولعل هذا حديثان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qوالذي يدل عليه أن الأعمش قال سألت إبراهيم فقال لي مثل ذلك
وبالجملة فهذا غايته أن يكون قول بن مسعود وقد خالفه علي وغيره
وقد روي عن بن مسعود روايتان إحداهما التفريق والثانية إفراد الطلقة وتركها حتى تنقضي عدتها
قال طلاق السنة أن يطلقها وهي طاهر ثم يدعها حتى تنقضي عدتها أو يراجعها إن شاء ذكره بن عبد البر عنه
ولأن هذا أردأ طلاق لأنه طلاق من غير حاجة إليه وتعريض لتحريم المرأة عليه إلا بعد زوج وإصابة والشارع لا غرض له في ذلك ولا مصلحة للمطلق فكان بدعيا
والله أعلم
وقوله فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء احتج به من يرى الأقراء هي الأطهار
قالوا واللام بمعنى الوقت كقوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس} وقول العرب كتب لثلاث مضين ولثلاث بقين
وفي الحديث فليصلها حين ذكرها ومن الغد للوقت قالوا فهذه اللام الوقتية بمعنى (فيه)
وأجاب الآخرون عن هذا بأن اللام في قوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} هي اللام المذكورة في قوله أن تطلق لها النساء ولا يصح أن تكون وقتية ولا ذكر أحد من أهل العربية أن اللام تأتي بمعنى في أصلا
ولا يصح أن تكون هنا بمعنى في ولو صح في غير هذا الموضع لأن الطلاق لا يكون في نفس العدة ولا تكون عدة الطلاق ظرفا له قط وإنما اللام هنا على بابها للاختصاص
والمعنى طلقوهن مستقبلات عدتهن ويفسر هذا قراءة النبي في حديث بن عمر فطلقوهن في قبل عدتهن أي في الوقت الذي تستقبل فيه العدة
وعلى هذا فإذا طلقها في طهرها استقبلت العدة من الحيضة التي تليه فقد طلقها في قبل عدتها بخلاف ما إذا طلقها حائضا فإنها لا تعتد بتلك الحيضة وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها ثم تشرع في العدة فلا يكون طلاقها حائضا طلاقا في قبل عدتها وقد أفردت لهذه المسألة مصنفا مستقلا ذكرت فيه مذاهب الناس ومآخذهم وترجيح القول الراجح والجواب عما احتج به أصحاب القول الآخر
وقوله مره فليراجعها دليل على أن الأمر بالأمر بالشيء أمر به
وقد اختلف الناس في ذلك وفصل النزاع أن المأمور الأول إن كان مبلغا محضا كأمر النبي آحاد الصحابة أن يأمر الغائب عنه يأمره فهذا أمر به من جهة الشارع قطعا ولا يقبل ذلك نزاعا أصلا ومنه قوله مرها فلتصبر ولتحتسب وقوله مروهم بصلاة كذا في حين كذا ونظائره فهذا الثاني مأمور به من جهة الرسول فإذا عصاه المبلغ إليه فقد عصى أمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه والمأمور الأول مبلغ محض وإن كان الأمر متوجها إلى المأمور الأول توجه التكليف والثاني غير مكلف لم يكن أمرا للثاني من جهة الشارع كقوله مروهم بالصلاة لسبع
فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمر الصبيان بالصلاة فهذا فصل الخطاب في هذا الباب
والله أعلم بالصواب
فهذه كانت نبهنا بها على بعض فوائد حديث بن عمر فلا تستطلها فإنها مشتملة على فوائد
$ 5 - (باب الرجل يراجع ولا يشهد)
(عن يزيد الرشك) بكسر المهملة وإسكان المعجمة هو بن أبي يزيد الضبعي (ثم يقع بها) أي يجامعها للرجعة (ولا تعد) نهى عن العود إلى ترك الإشهاد وقد استدل بالحديث من قال بوجوب الإشهاد على الراجعة
وقد ذهب إلى عدم وجوب الإشهاد في الرجعة أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه
واستدل لهم بحديث بن عمر السالف فإن فيه أنه قال صلى الله عليه وسلم فليراجعها ولم يذكر الإشهاد
وقال مالك والشافعي إنه يجب الإشهاد في الرجعة
والاحتجاج بحديث الباب لا يصلح للاحتجاج لأنه قول صحابي في أمر من مسارح الاجتهاد وما كان كذلك فليس بحجة لولا ما وقع من قوله طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة
هذا تلخيص ما في النيل
قال المنذري وأخرجه بن ماجه<span class="matn-hr"> </span>Qجمة وقواعد مهمة ومباحث لمن قصده الظفر بالحق وإعطاء كل ذي حق حقه من غير ميل مع ذي مذهبه ولا خدمة لإمامة وأصحابه بحديث رسول الله بل تابع للدليل حريص على المظفر بالسنة والسبيل يدور مع الحق أنى توجهت ركائبه ويستقر معه حيث استقرت مضاربه ولا يعرف قدر هذا السير إلا من علت همته وتطلعت نوازع قلبه واستشرفت نفسه إلى الارتضاع من ثدي الرسالة والورود من عين حوض النبوة والخلاص من شباك الأقوال المتعارضة والآراء المتناقضة إلى فضاء العلم الموروث عمن لا ينطق عن الهوى ولا يتجاوز نطقه البيان والرشاد والهدى وبيداء اليقين التي من حلها حشد في زمرة العلماء وعد من ورثة الأنبياء وما هي إلا أوقات محدودة وأنفاس على العبد معدودة فلينفقها فيما شاء
أنت القتيل لكل من أحببته فانظر لنفسك في الهوى من تصطفي
$ 6 - (باب في سنة طلاق العبد)
(أنه استفتى بن عباس) أي أنه طلب الفتوى من بن عباس (في مملوك كانت تحته مملوكة) أي كانت في نكاحه (فطلقها) أي طلق المملوك المملوكة (ثم عتقا) بصيغة المجهول (بعد ذلك) أي بعد الطلاق (هل يصلح له) أي هل يجوز للمملوك (أن يخطبها) من الخطبة بالكسر (قال) أي بن عباس (نعم) أي يجوز له
قال الخطابي في المعالم لم يذهب إلى هذا أحد من العلماء فيما أعلم وفي إسناده مقال
ومذهب عامة الفقهاء أن المملوكة إذا كانت تحت مملوك فطلقها تطليقتين أنها لا تصلح له إلا بعد زوج
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
وأبو الحسن هذا قد ذكر بخير وصلاح وقد وثقه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان غير أن الراوي عنه عمر بن معتب وقد قال علي بن المديني عمر بن المعتب منكر الحديث وسئل أيضا عنه فقال مجهول لم يرو عنه غير يحيى يعني بن أبي كثير
وقال أبو عبد الرحمن النسائي عمر بن معتب ليس بالقوي
وقال الأمير أبو نصر منكر الحديث
هذا آخر كلامه
ومعتب بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء ثالث الحروف وكسرها وبعدها باء موحدة
انتهى كلام المنذري
(بإسناده ومعناه بلا إخبار) أي بإسناد الحديث المذكور ومعناه لكن بصيغة العنعنة دون صيغة الإخبار (بقيت لك واحدة) أي تطليقة واحدة لأنها صارت حرة وطلاقها ثلاثة (قال بن
المبارك لمعمر من أبو الحسن هذا لقد تحمل صخرة عظيمة إلخ) ليست هذه العبارة في رواية اللؤلؤي ولذا لم يذكرها المنذري رحمه الله وذكرها الخطابي ثم قال بعد ذلك يريد بذلك إنكار ما جاء به من هذا الحديث
(طلاق الأمة) مصدر مضاف لمفعوله أي تطليقها (تطليقتان وقروؤها حيضتان) وفي الرواية الآتية وعدتها حيضتان<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وليس في المسألة إجماع فإن إحدى الروايتين عن الإمام أحمد القول بهذا الحديث قال ولا أرى شيئا يدفعه وغير واحد يقول به أبو سلمة وجابر وسعيد بن المسيب هذا آخر كلامه
وقال مرة حديث عثمان وزيد في تحريمها عليه جيد وحديث بن عباس يرويه عمر بن معتب ولا أعرفه ثم ذكر كلام بن المبارك
قال أحمد أما أبو حسن فهو عندي معروف ولكن لا أعرف عمر بن معتب
وقال الإمام أحمد في رواية بن منصور في عبد تحته مملوكة وطلقها تطليقتين ثم عتقا يتزوجها وتكون على واحدة على حديث عمر بن معتب
وقال في رواية أبي طالب في هذه المسألة يتزوجها ولا يبالي عتقا أو بعد العدة وهو قول بن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سلمة وقتادة
قال أبو بكر عبد العزيز إن صح الحديث فالعمل عليه وإن لم يصح فالعمل على حديث عثمان وزيد
وحديث عثمان وزيد الذي أشار إليه هو ما رواه الأثرم في سننه عن سليمان بن يسار أن نفيعا مكاتب أم سلمة طلق امرأته حرة بتطليقتين فسأل عثمان وزيد بن ثابت عن ذلك فقالا حرمت عليك
قال الخطابي في المعالم اختلف العلماء في هذا فقالت طائفة الطلاق بالرجال والعدة بالنساء روي ذلك عن بن عمر وزيد بن ثابت وبن عباس وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق فإذا كانت أمة تحت حر فطلاقها ثلاث وعدتها قراءان وإن كانت حرة تحت عبد فطلاقها اثنتان وعدتها ثلاثة أقراء في قول هؤلاء
وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري الحرة تعتد ثلاثة أقراء كانت تحت حر أو عبد وطلاقها ثلاث كالعدة والأمة تعتد قرءين وتطلق تطليقتين سواء كانت تحت حر أو عبد والحديث حجة لأهل العراق إن ثبت ولكن أهل الحديث ضعفوه ومنهم من تأوله على أن يكون الزوج عبدا انتهى
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه
وقال أبو داود هو حديث مجهول
وقال الترمذي حديث غريب ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعلم له في العلم غير هذا الحديث
هذا آخر كلامه
وقد ذكر له أبو أحمد بن عدي حديثا آخر رواه عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران كل ليلة<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وللحديث بعد علة عجيبة ذكرها البخاري في تاريخه الكبير قال مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعه طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان قال أبو عاصم حدثنا بن جريج عن مظاهر ثم لقيت مظاهرا فحدثنا به وكان أبو عاصم يضعف مظاهرا وقال يحيى بن سليمان حدثنا بن وهب قال حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه أنه كان جالسا عند أبيه فأتاه رسول الأمير فقال إن الأمير يقول لك كم عدة الأمة قال عدة الأمة حيضتان وطلاق الحر الأمة ثلاث وطلاق العبد الحرة تطليقتان وعدة الحرة ثلاث حيض ثم قال للرسول أين تذهب قال أمرني أن أسأل القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله قال فأقسم عليك إلا رجعت إلي فأخبرتني ما يقولان فذهب ورجع إلى أبي فأخبره أنهما قالا كما قال وقالا له قل إن هذا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولكن عمل به المسلمون
قلت ومظاهر هذا مخزومي مكي ضعفه أبو عاصم النبيل
وقال يحيى بن معين ليس بشيء مع أنه لا يعرف
وقال أبو حاتم الرازي منكر الحديث
وقال الخطابي والحديث حجة لأهل العراق إن ثبت ولكن أهل الحديث ضعفوه ومنهم من تأوله على أن يكون الزوج عبدا
وقال البيهقي لو كان ثابتا قلنا به إلا أنا لا نثبت حديثا يرويه من تجهل عدالته وبالله التوفيق
هذا آخر كلامه
ومظاهر بضم الميم وفتح الظاء المعجمة وبعد الألف هاء مكسورة وراء مهملة
(باب في الطلاق
قبل النكاح)</span>
(لا طلاق إلا فيما تملك) أي لا صحة له وقد وقع الإجماع على أنه لا يقع الطلاق الناجز على الأجنبية وأما التعليق نحو أن يقول إن تزوجت فلانة فهي طالق فذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أنه لا يقع وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يصح التعليق مطلقا
وذهب مالك في المشهور عنه وربيعة والثوري والليث والأوزاعي وبن أبي ليلى إلى التفصيل وهو أنه إن جاء بحاصر نحو أن يقول كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو بلد كذا فهي طالق صح الطلاق ووقع وإن عمم لم يقع شيء
وهذا التفصيل لا وجه له إلا مجرد الاستحسان كما أنه لا وجه للقول بإطلاق الصحة
والحق أنه لا يصح الطلاق قبل النكاح<span class="matn-hr"> </span>Qوذكر الدارقطني حديث مظاهر ثم قال والصحيح عن القاسم خلاف هذا وذكر عن القاسم أنه قيل له بلغك في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا
وذكره الدارقطني أيضا من حديث بن عمر مرفوعا وقال تفرد به عمر بن شبيب والصحيح أنه من قول بن عمر
مطلقا
كذا في النيل (زاد بن الصباح) أي في روايته (ولا وفاء نذر إلا فيما تملك) فلو قال لله علي أن أعتق هذا العبد ولم يكن ملكه وقت النذر لم يصح النذر فلو ملكه بعد هذا لم يعتق عليه كذا في المرقاة قال المنذري
وأخرجه الترمذي وبن ماجه بنحوه
وقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم
وقال الترمذي حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب
وقال أيضا سألت محمد بن إسماعيل فقلت أي شيء أصح في الطلاق قبل النكاح فقال حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
وقال الخطابي وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره وأجراه على عمومه إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال والحديث حسن انتهى كلام المنذري
(من حلف على معصية فلا يمين له ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين له) وهو تخصيص بعد تعميم كالحلف على ترك الكلام مع أخيه
قال الخطابي هذا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون أراد به اليمين المطلقة من الأيمان فيكون معنى قوله لا يمين له أي لا يبر بيمينه لكن يحنث ويكفر كما روي أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه والوجه الآخر أن يكون أراد به النذر الذي مخرجه مخرج اليمين كقوله إن فعلت فلله علي أن أذبح ولدي فإن هذه يمين باطلة لا يلزم الوفاء بها ولا يلزمه فيها كفارة ولا فدية وكذلك فيمن نذر أن يذبح ولده على سبيل التبرر والتقرب
فالنذر لا ينعقد فيه والوفاء به لا يلزم به وليس فيها كفارة والله أعلم
(ولا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى) أي في الطاعة لا في المعصية
$ 8 - (باب في الطلاق)
على غلط قال في فتح الودود وقع في بعض النسخ على غيظ بدل قوله على غلط أي في حالة الغضب وهكذا في كثير من النسخ وفي بعضها على غلط فالمعنى في حالة يخاف عليه الغلط وهي حالة الغضب والأقرب أنه غلط والصواب غيظ والله أعلم
ثم الطلاق في غيظ واقع عند الجمهور
وفي رواية عن الحنابلة أنه لا يقع والظاهر أنه مختار المصنف رحمه الله تعالى انتهى
قلت وفي بعض النسخ الموجودة عندي على غضب بدل قوله على غلط وفي نسخة الخطابي على إغلاق
(كان يسكن إيليا) قال في المجمع هو بالمد والقصر مدينة بيت المقدس (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) وفي بعض النسخ في غلاق
(قال أبو داود الغلاق أظنه في الغضب) فعند المصنف رحمه الله معنى الإغلاق الغضب وفسره علماء الغريب بالإكراه وهو قول بن قتيبة والخطابي وبن السيد وغيرهم وقيل الجنون واستبعده المطرزي وقيل الغضب وكذا فسره أحمد ورده بن السيد فقال لو كان كذلك لم يقع على أحد طلاق لأن أحدا لا يطلق حتى يغضب
وقال أبو عبيد الإغلاق التضييق
كذا في التلخيص
والحديث أخذ به من لم يوقع الطلاق والعتاق من المكره وهو<span class ="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال شيخنا والإغلاق انسداد
باب العلم والقصد عليه
يدخل فيه طلاق المعتوه والمجنون والسكران والمكره والغضبان الذي لا يعقل ما يقول لأن كلا من هؤلاء قد أغلق عليه باب العلم والقصد والطلاق إنما يقع من قاصد له عالم به
والله أعلم
مالك والشافعي وأحمد وعند الحنفية يصح طلاقه وعتاقه
قال المنذري وأخرجه بن ماجه
وفي إسناده محمد بن عبيد بن صالح المكي وهو ضعيف
والمحفوظ فيه إغلاق وفسروه بالإكراه لأن المكره يغلق عليه أمره وتصرفه وقيل كأنه يغلق عليه ويحبس ويضيق عليه حتى يطلق وقيل الإغلاق ها هنا الغضب كما ذكره أبو داود وقيل معناه النهي عن إيقاع الطلاق الثلاث كله في دفعة واحدة لا يبقى منه شيء ولكن ليطلق للسنة كما أمر انتهى
(باب في الطلاق على الهزل)
(عن بن ماهك) بفتح الهاء هو يوسف بن ماهك الفارسي المكي (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد) الهزل أن يراد بالشيء غير ما وضع له بغير مناسبة بينهما والجد ما يراد به ما وضع له أو ما صلح له اللفظ مجازا (النكاح والطلاق والرجعة) بكسر الراء وفتحها ففي القاموس بالكسر والفتح عود المطلق إلى طليقته
وفي المشارق للقاضي عياض ورجعة المطلقة فيها الوجهان والكسر أكثر وأنكر بن مكي الكسر ولم يصب
قال الخطابي اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان انسان البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به ولا ينفعه أن يقول كنت لاعبا أو هازلا أو لم أنوه طلاقا أو ما أشبه ذلك من الأمور
واحتج بعض العلماء في ذلك بقول الله سبحانه وتعالى ولا تتخذوا آيات الله هزوا وقال لو أطلق للناس ذلك لتعطلت الأحكام ولم يؤمن مطلق أو ناكح أو معتق أن يقول كنت في قولي هازلا فيكون في ذلك<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد احتج به من يرى طلاق المكره لازما قال لأنه أكثر ما فيه أنه لم يقصده والقصد لا يعتبر في الصريح بدليل وقوعه من الهازل واللاعب وهذا قياس فاسد فإن المكره غير قاصد للقول ولا لموجبه وإنما حمل عليه وأكره على التكلم به ولم يكره على القصد
وأما الهازل فإنه تكلم باللفظ اختيارا وقصد به غير موجبه وهذا ليس إليه بل إلى الشارع فهو أراد اللفظ الذي إليه وأراد أن لا يكون موجبه وليس إليه فإن من باشر سبب لكم باختياره لزمه مسببه ومقتضاه وإن لم يرده
وأما المكره فإنه لم يرد لا هذا ولا هذا فقياسه على الهازل غير صحيح
إبطال حكم الله تعالى وذلك غير جائز فكل من تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه ولم يقبل منه أن المدعى خلافه وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له والله أعلم انتهى قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه
وقال الترمذي حديث حسن غريب
هذا آخر كلامه
وقال أبو بكر المعافري روي فيه والعتق ولم يصح شيء منه فإن كان أراد ليس منه شيء على شرط الصحيح فلا كلام وإن أراد أنه ضعيف ففيه نظر فإنه يحسن كما قال الترمذي
(باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث)
(والمطلقات يتربصن) أي ينتظرن (ثلاثة قروء) جمع قرء بالفتح وهو الطهر أو الحيض قولان (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) من الولد أو الحيض (اية) بالغصب أي أتم الآية وتمام الآية (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم) فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا كلمة إن وصلية (فنسخ ذلك) أي كون الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ثلاثا (فقال الطلاق مرتان الآية) أي التطليق الشرعي مرة بعد مرة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة
وفي رواية النسائي (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) أي فعليكم إمساكهن بعد<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله لم يذكر أبو داود في النسخ غير هذين
وفيه أحاديث أصح وأصرح منها منها حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها وقال والله لا آويك إلي
ولا تحلين أبدا فأنزل الله عز
التطليقتين بأن تراجعوهن من غير ضرار أو إرسالهن بإحسان
قال في معالم التنزيل روي عن عروة بن الزبير قال كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عد وكان الرجل يطلق امرأته فإذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها يقصد مضارتها فنزلت الطلاق مرتان يعني الطلاق الذي يملك الرجعة عقيبه مرتان فإذا طلق ثلاثا فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر انتهى
واعلم أن نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث إنما هو إذا كانت مفرقة في ثلاثة أطهار وأما إذا كانت في مجلس واحد فهي واحدة لحديث بن عباس كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة
رواه مسلم وسيأتي في هذا الكتاب أيضا
فيجوز للرجل أن يراجع امرأته بعد ما طلقها ثلاثا في مجلس واحد كما يجوز له الرجعة بعد ما طلقها واحدة
فإن قلت يجوز لأحد أن يدعي أن حديث بن عباس الذي يدل على كون التطليقات الثلاث المرسلة في مجلس واحد واحدة منسوخ أيضا بحديث الباب فما الجواب قلت دعوى نسخ حديث بن عباس موقوف على ثبوت معارض مقاوم متراخ فأين هذا
وأما حديث الباب فلو صح لم يكن فيه حجة فإنه إنما فيه أن الرجل كان يطلق امرأته ويراجعها بغير عدد فنسخ ذلك وقصر على ثلاث فيها تنقطع الرجعة فأين في ذلك الإلزام بالثلاث بفم واحد ثم كيف يستمر المنسوخ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنه لا تعلم به الأمة وهو من أهم الأمور المتعلقة بحل الفروج ثم كيف يقول عمر رضي الله عنه إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة وهل للأمة أناة في المنسوخ بوجه ما ثم كيف يعارض الحديث الصحيح بحديث الباب الذي فيه علي بن الحسين بن واقد وهو ضعيف
قال المنذري وأخرجه النسائي وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال<span class="matn-hr"> </span>Qوجل (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ من كان منهم طلق أو لم يطلق ورواه الترمذي متصلا عن عائشة ثم قال والمرسل أصح
وفيه حديث عائشة في امرأة رفاعة وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وهو في الصحيحين وهو صريح في تحريمها عليه بعد الطلقة الثالثة
(وإخوته) بالجر عطف على ركانة أي وأبو إخوة ركانة (أم ركانة) بالنصب مفعول طلق (فقالت ما يغني) أي أبو ركانة (إلا كما تغني هذه الشعرة) تريد أنه عنين (فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية) بالرفع على الفاعلية أي غيرة وغضب (أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبديزيد) أي أن ركانة وإخوته متشابهون في الخلقة والصورة فهم أولاده ولا شك في رجوليته وليس كما زعمت امرأته المزنية (ففعل) أي فطلقها (أم ركانة) بالنصب بدل من امرأتك (وإخوته) بالجر أي وأم إخوته (طلقها ثلاثا) أي في مجلس واحد (قد علمت راجعها) أي قد علمت أنك طلقتها ثلاثا ولكن الطلاق الثلاث في مجلس واحد واحدة فراجعها
ولفظ أحمد طلق ركانة امرأته في مجلس واحد ثلاثا فحزن عليها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها واحدة
والحديث يدل على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد تقع واحدة ويجوز له أن يراجعها وهو الحق الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيجيء تحقيق هذه المسألة إن شاء الله تعالى ياأيها النبي إذا طلقتم النساء<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والحديث الذي رححه أبو داود هو حديث نافع بن عجير أن ركانة بن عبيد طلق امرأته سهمة البتة فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال والله ما أردت إلا واحدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم والله ما أردت إلا واحدة فقال ركانة والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلقها الثانية في زمن عمر رضي الله عنه والثالثة في زمن عثمان رضي الله عنه قال أبو داود وهذا أصح من حديث بن جريج يعني الحديث الذي قبل هذا
تم كلامه
وهذا هو الحديث الذي ضعفه الإمام أحمد والناس فإنه من رواية عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير عن ركانة ومن رواية الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده وكلهم ضعفاء والزبير أضعفهم وضعف البخاري أيضا هذا الحديث قال علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه لم يصح حديثه
الخطاب للنبي بلفظ الجمع أو على إرادة ضم أمته إليه والتقدير ياأيها النبي وأمته وقيل هو على إضمار قل أي قل لأمتك
والثاني أليق فخص النبي عليه الصلاة والسلام بالنداء لأنه إمام أمته اعتبارا بتقدمه وعمم بالخطاب كما يقال لأمير القوم يافلان افعلوا كذا
قال الحافظ في الفتح فطلقوهن لعدتهن أي عند ابتداء شروعهن في العدة واللام للتوقيت كما يقال لقيته لليلة بقيت من الشهر
قال مجاهد في قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن قال بن عباس في قبل عدتهن
أخرجه الطبري بسند صحيح
قاله الحافظ (وحديث نافع بن عجير) مبتدأ وخبره قوله أصح وحديث نافع بن عجير يأتي في باب في البتة (وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة) بالجر عطف على نافع أي وحديث عبد الله بن علي
وحديثه أيضا يأتي في الباب المذكور (أصح) أي من حديث بن عباس المذكور والحاصل أن حديث نافع بن عجير وحديث عبد الله بن علي الآتيين أصح من حديث بن عباس المذكور
وبين وجه كونهما أصح منه بقوله (لأنهم ولد الرجل إلخ) وحاصله أن نافع بن عجير وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة من أولاد ركانة وهما<span class ="matn-hr"> </span>Qوأما قول أبي داود إنه أصح من حديث بن جريج فلأن بن جريج رواه عن بعض بني رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم عن عكرمة عن بن عباس ولأبي رافع بنون ليس فيهم من يحتج به إلا عبيد الله بن رافع ولا نعلم هل هو هذا أو غيره ولهذا والله أعلم رجح أبو داود حديث نافع بن عجير عليه ولكن قد رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس
وهذا أصح من حديث نافع بن عجير ومن حديث بن جريج
وقد صحح الإمام أحمد هذا السند في قصة رد زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي العاص بن الربيع وقال الصحيح حديث بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها على أبي العاص بالنكاح الأول وهو بهذا الإسناد بعينه من رواية بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس
وهكذا ذكر الثوري والدارقطني أن رواية بن إسحاق هي الصواب
وحكموا له على رواية حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها عليه بنكاح جديد وحجاج بن أرطاة أعرف من نافع بن عجير ومن معه
وبالجملة فأبو داود لم يتعرض لحديث محمد بن إسحاق ولا ذكره
والله أعلم
قد بينا في حديثهما أن ركانة إنما طلق امرأته البتة فحديثهما أصح لأن أولاد الرجل أعلم بما جرى به من غيرهم
والمؤلف رحمه الله يعيد كلامه هذا بعد ذكر حديثهما في باب في البتة وهناك يظهر لك ما فيه
قال المنذري قال الخطابي في إسناد هذا الحديث مقال لأن بن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع ولم يسمه والمجهول لا تقوم به الحجة
وحكي أيضا أن الإمام أحمد بن حنبل كان يضعف طرق هذا الحديث كلها انتهى
حتى ظننت أنه رادها إليه) أي حتى ظننت أن بن عباس يرد المرأة إلى ذلك الرجل (فيركب الحموقة) أي يفعل فعل الأحمق (عصيت ربك) أي بتطليقك الثلاث دفعة (فطلقوهن في قبل عدتهن) قال النووي هذه قراءة بن عباس وبن عمر وهي شاذة لا يثبت قرآنا بالإجماع ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا وعند محققي الأصوليين انتهى
وقال الحافظ نقلت هذه القراءة أيضا عن أبي وعثمان وجابر وعلي بن الحسين وغيرهم انتهى
وفتوى بن عباس هذا يدل على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا مجموعة بانت منه لكن هذا رأيه وروايته المرفوعة الصحيحة الآتية في هذا الباب تدل على أنها لا تبين منه بل تكون الطلاق الثلاث المجموعة واحدة رجعية والمعتبر هو رواية الراوي لا رأيه كما تقرر في مقره
وأيضا سيأتي عن بن عباس بسند صحيح أنه قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة
ففتوى بن عباس هذا يناقض فتواه الأول فإذن لم يبق الاعتبار إلا على روايته
ثم أورد أبو داود عدة متابعات لفتوى بن عباس وقال (قال أبو داود روى هذا الحديث
حميد الأعرج وغيره عن مجاهد عن بن عباس) هذا هو المتابع الأول (ورواه شعبة إلى قوله عن بن عباس) هو المتابع الثاني (وأيوب وبن جريج إلى عن بن عباس) أي روى هذا الحديث أيوب وبن جريج الخ وهو الثالث من المتابعات (وبن جريج عن عبد الحميد إلى عن بن عباس) أي روى هذا الحديث بن جريج إلخ وهو الرابع من المتابعات (ورواه الأعمش إلى عن بن عباس) هو الخامس من المتابعات (وبن جريج عن عمرو بن دينار عن بن عباس) هو السادس من المتابعات (كلهم قالوا في الطلاق الثلاث إنه أجازها) أي أمضاها ولم يقل إنها واحدة (قال وبانت منك) هذا بيان لقوله أجازها (نحو حديث إسماعيل) بالنصب أي كلهم قالوا نحو حديث إسماعيل (بفم واحد) أي بلفظ واحد (فهي واحدة) فتوى بن عباس هذا يوافق روايته الآتية وإسناده على ما قال بن القيم على شرط البخاري (ورواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا) أي كون الطلاق الثلاث بفم واحد واحدة (قوله) أي قول عكرمة (ولم يذكر) أي إسماعيل بن إبراهيم (بن عباس) بالنصب على المفعولية
واعلم أن بن عباس كما كان يفتي بأن الطلاق الثلاث واحدة كذلك كان يفتي به صاحبه عكرمة أيضا فحدث أيوب عنه بعض أصحابه فتوى بن عباس وحدث بعضهم فتواه نفسه (وصار قول بن عباس إلى قوله حتى تنكح زوجا غيره) والحديث سكت عنه المنذري
وغرض المؤلف أن بن عباس ترك الإفتاء بكون الثلاث واحدة وصار قائلا بأن المرأة لا تحل
بعد الثلاث حتى تنكح زوجا غيره ولكن قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب قال دخل الحكم بن عيينة على الزهري وأنا معهم فسألوه عن البكر تطلق ثلاثا فقال سئل عن ذلك بن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن عمر فكلهم قالوا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره قال فخرج الحكم فأتى طاؤسا وهو في المسجد فأكب عليه فسأله عن قول بن عباس فيها وأخبره بقول الزهري قال فرأيت طاؤسا رفع يديه تعجبا من ذلك
وقال والله ما كان بن عباس يجعلها إلا واحدة (وروى مالك عن يحيى) والحديث أخرجه مالك في الموطأ ولفظه مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير بن عبد الله بن الأشج أنه أخبره عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري أنه كان جالسا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر قال فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فماذا تريان فقال عبد الله بن الزبير إن هذا الأمر ما بلغ لنا فيه قول فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة فاسألهما ثم آتنا فأخبرنا فذهب فسألهما فقال بن عباس لأبي هريرة أفته ياأبا هريرة فقد جاءتك معضلة فقال أبو هريرة الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره وقال بن عباس مثل ذلك أيضا
قال مالك وعلى ذلك الأمر عندنا
قال مالك والثيب إذا ملكها الرجل ولم يدخل بها إنها تجري مجرى البكر الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره انتهى
(قال أبو داود وقول بن عباس إلى قوله هذا مثل خبر الصرف قال فيه ثم إنه رجع عنه
الصرف بفتح المهملة دفع ذهب وأخذ فضة وعكسه
قاله الحافظ والأولى في تعريف الصرف أن يقال هو بيع النقود والأثمان بجنسها
واعلم أن بن عباس كان يعتقد أولا أنه لا ربا فيما كان يدا بيد وأنه يجوز بيع درهم بدرهمين ودينار بدينارين وصاع تمر بصاعي تمر وكذا الحنطة وسائر الربويات وكان معتمده حديث أسامة بن زيد إنما الربا في النسيئة ثم رجع عن ذلك وقال بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض حين بلغه حديث أبي سعيد كما ذكر مسلم في صحيحه
وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي سألت أبا مجلز عن الصرف فقال كان بن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا بعين يدا بيد وكان يقول إنما الربا في النسيئة فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث وفيه التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدا بيد مثلا بمثل فمن زاد فهو ربا
فقال بن عباس أستغفر الله وأتوب إليه فكان ينهى عنه أشد النهي
فإذا عرفت هذا فاعلم أن المؤلف يقول إن بن عباس كان يقول أولا بجعل الطلاق الثلاث واحدة ثم رجع عنه
وقال بوقوع الثلاث كما كان يقول أولا في الصرف من أنه لا ربا إلا في النسيئة ثم رجع عنه وقال بربا الفضل
قلت رجوعه في مسألة الصرف ببلوغ حديث أبي سعيد واستغفاره عما أفتى أولا ونهيه عند أشد النهي ظاهرة لا سترة فيه وأما رجوعه في مسألة الطلاق ففيه خفاء كيف ولم يثبت لا بسند صحيح ولا ضعيف أنه بلغه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ناسخة لروايته الآتية موجبة لرجوعه عنها وكذا لم يرد في شيء من الروايات أنه استغفر عن جعل الثلاث واحدة أو نهى عنه أحدا وأمر الطلاق أشد من أمر الربا
وإفتائه بخلاف روايته لا يستلزم على وجود ناسخ لروايته
وسيأتي وجه وجيه لإفتائه بوقوع الثلاث في كلام الإمام بن القيم إن شاء الله تعالى
(قال بن عباس بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها إلى قوله قد تتابعوا فيها) أي في التطليقات الثلاث دفعة وقوله تتابعوا بالباء الموحدة وفي بعض النسخ
تتايعوا بياء مثناة من تحت وهما بمعنى أي أسرعوا في التطليقات الثلاث بأن أوقعوها دفعة (قال أجيزوهن عليهم) أي أمضوا الثلاث عليهم
وقد تمسك بهذه الرواية من ذهب إن أن المطلقة إن كانت مدخولة وقعت الثلاث وإن لم تكن مدخولة فواحدة
ويجاب بأن التقييد بقبل الدخول لا ينافي صدق الرواية الأخرى الصحيحة على المطلقة بعد الدخول وغاية ما في هذه الرواية أنه وقع فيها التنصيص على بعض أفراد مدلول الرواية الصحيحة الآتية بعد هذه الرواية وذلك لا يوجب الاختصاص بالبعض الذي وقع التنصيص عليه على أن هذه الرواية ضعيفة
قال المنذري الرواة عن طاؤس مجاهيل التتايع التهافت في الشيء واللجاج ولا يكون التتايع بالياء إلا بالشر ووقع عن بعض الرواة بالباء بواحدة والأكثر على الأول انتهى كلام المنذري
(أن أبا الصهباء قال لابن عباس أتعلم إلخ) وفي رواية لمسلم عن بن عباس قال كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال البيهقي هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم فأخرجه مسلم وتركه البخاري وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر الروايات عن بن عباس وساق الروايات عنه ثم قال فهذه رواية سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وعمر بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير ورويناه عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري كلهم عن بن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن قال بن المنذر فغير جائز أن نظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ثم يفتي بخلافه
وقال الشافعي فإن كان يعني قول بن عباس إن الثلاث كانت تحتسب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فالذي يشبه والله أعلم أن يكون بن عباس قد علم أن كان شيء فنسخ
قال البيهقي
ورواية عكرمة عن بن عباس فيها تأكيد لصحة هذا التأويل يريد البيهقي الحديث الذي ذكره أبو داود في باب نسخ المراجعة وقد تقدم
عليهم فأمضاه عليهم
وقوله أناة بفتح الهمزة أي مهلة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة قاله النووي
وهذا الحديث الصحيح يدل على أن الطلاق الثلاث إذا أوقعت مجموعة وقعت واحدة قال الحافظ في الفتح وهو منقول عن علي وبن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير نقل ذلك بن مغيث في كتاب الوثائق له وعزاه لمحمد بن وضاح ونقل الغنوي ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهما ونقله بن المنذر عن أصحاب بن عباس كعطاء وطاوس وعمرو بن دينار ويتعجب من بن التين حيث جزم بأن لزوم الثلاث لا اختلاف فيه وإنما الاختلاف في التحريم مع ثبوت الاختلاف كما ترى انتهى
وقال الحافظ بن القيم في إعلام الموقعين وهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة كلهم معه في عصره وثلاث سنين من عصر عمر رضي الله عنه على هذا المذهب فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا واحدا أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرا للفتوى به بل كانوا ما بين مفت ومقر بفتيا وساكت غير منكر وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق رضي الله عنه إلى ثلاث سنين من خلافة عمر وهم يزيدون على الألف قطعا كما ذكر يونس بن بكير عن بن إسحاق وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر رضي الله عنهما كان على أن الثلاث واحدة<span class="matn-hr"> </span>Qوقال أبو العباس بن سريج يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من الطلاق الثلاث وهو أن يفرق بين اللفظ
كأن يقول أنت طالق أنت طالق أنت طالق وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر والناس على صدقهم وسلامتهم لم يكن ظهر فيهم الخب والخداع فكانوا يصدقون أنهم أرادوا به التوكيد ولا يريدون الثلاث
ولما رأى عمر رضي الله عنه في زمانه أمورا ظهرت وأحوالا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار فألزمهم الثلاث
وقال بعضهم إن ذلك إنما جاء في غير المدخول بها وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب بن عباس ورووا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها لأنها بالواحدة تبين فإذا قال أنت طالق بانت وقوله ثلاثا وقع بعد البينونة ولا يعتد به وهذا مذهب إسحاق بن راهويه
وقال بعضهم قد ثبت عن فاطمة بنت قيس أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثا فأبانها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجعل لها نفقة ولا سكنى وفي حديث بن عمر أنه قال يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا قال إذن عصيت ربك وبانت منك امرأتك رواه الدارقطني
وعن علي رضي الله عنه أنه قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا طلق امرأته البتة فغضب وقال يتخذون آيات الله هزوا أو دين الله هزوا ولعبا من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره رواه الدارقطني أيضا
فتوى أو إقرار أو سكوت ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا الإجماع قديم ولم تجتمع الأمة ولله الحمد على خلافه بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن وإلى يومنا هذا فأفتى به حبر الأمة عبد الله بن عباس وأفتى أيضا بالثلاث أفتى بهذا وهذا وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف حكاه عنهما بن وضاح وعن علي وبن مسعود روايتان كما عن بن عباس
وأما التابعون فأفتى به عكرمة وأفتى به طاؤس
وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق حكاه الإمام أحمد وغيره عنه وأفتى به خلاس بن عمرو والحارث العكلي
وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه حكاه عنهم بن المغلس وبن حزم وغيرهما وأفتى به بعض أصحاب مالك حكاه التلمساني في شرح التفريع لابن حلاب قولا لبعض المالكية وأفتى به بعض الحنفية حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل وأفتى به بعض أصحاب أحمد حكاه شيخ الإسلام بن تيمية عنه قال وكان الجد يفتي به أحيانا انتهى كلامه
وذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء إلى أن الثلاث تقع ثلاثا وحديث بن عباس الصحيح الصريح في عدم وقوع الثلاث حجة عليهم
وأجيب من قبلهم عن حديث بن عباس بأجوبة لا يخلو واحد منها عن التكلف والتعسف ومحل بسطها والكشف عما فيها هو غاية المقصود
وللقائلين بأن الثلاث واحدة حديث آخر صحيح وهو ما أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى بن عباس عن بن عباس قال طلق ركانة بن عبديزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا قال فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها<span class="matn-hr"> </span>Qقالوا وهذه الأحاديث أكثر وأشهر من حديث أبي الصهباء وقد عمل بها الأئمة فالأخذ بها أولى
وقال بعضهم المراد أنه كان المعتاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تطليقة واحدة وقد اعتاد الناس الآن التطليقات الثلاث والمعنى كان الطلاق الموقع الآن ثلاثا موقعا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة
وقال بعضهم ليس في هذا الحديث أن ذلك كان بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فيقر عليه والحجة إنما هي في إقراره بعد بلوغه ولما بلغه طلاق ركانة امرأته البتة استحلفه ما أردت بها إلا واحدة ولو كان الثلاث واحدة لم يكن لاستحلافه معنى وأنها واحدة سواء أراد بها الثلاث أو الواحدة
قال طلقتها ثلاثا قال فقال في مجلس واحد قال نعم قال فإنما تملك واحدة فأرجعها إن شئت
قال فراجعها
فكان بن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر
قال بن القيم في إعلام الموقعين وقد صحح الإمام هذا الإسناد وحسنه
قال الحافظ في فتح الباري الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه من طريق محمد بن إسحاق
وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات
وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء أحدها أن محمد بن إسحاق وشيخه مختلف فيهما وأجيب بأنهم احتجوا في عدة من الأحكام بمثل هذا الإسناد كحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على أبي العاص بن الربيع زينب ابنته بالنكاح الأول وليس كل مختلف فيه مردود
الثاني معارضته بفتوى بن عباس بوقوع الثلاث كما تقدم من رواية مجاهد وغيره فلا يظن بابن عباس أنه كان عنده هذا الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يفتي بخلافه إلا بمرجح ظهر له وراوي الخبر أخبر من غيره بما روى
وأجيب بأن الاعتبار برواية الراوي لا برأيه لما يطرق رأيه من احتمال النسيان وغير ذلك
وأما كونه تمسك بمرجح فلم ينحصر في المرفوع لاحتمال التمسك بتخصيص أو تقييد أو تأويل وليس قول مجتهد حجة على مجتهد آخر
الثالث أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث فقال طلقها ثلاثا فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث بن عباس الرابع أنه مذهب شاذ فلا يعمل به
وأجيب بأنه نقل عن علي وبن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير مثله نقل ذلك بن مغيث في كتاب الوثائق له وعزاه لمحمد بن وضاح ونقل الغنوي ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهما ونقله بن المنذر عن أصحاب بن عباس كعطاء وطاؤس وعمرو بن دينار انتهى كلام الحافظ<span class="matn-hr"> </span>Qوقال بعضهم الإجماع منعقد على خلاف هذا الحديث والإجماع معصوم من الغلط والخطأ دون خبر الواحد
وقال بعضهم إنما هذا في طلاق السنة
فإنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يراد بها الواحدة كما أراد بها ركانة ثم تتايع الناس فيها فأرادوا بها الثلاث فألزمهم عمر إياها
فهذه عشرة مسالك للناس في رد هذا الحديث
وقال أبو بكر بن العربي المعافري في كتابه الناسخ والمنسوخ (غائلة) قال تعالى (الطلاق مرتان) زل قوم في آخر الزمان فقالوا إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم وجعلوه واحدة ونسبوه
قلت قد أجاب الحافظ عن الجواب الأول والثاني والرابع ولم يجب عن الثالث بل قواه وجوابه ظاهر من كلام بن القيم في الإغاثة حيث قال إن أبا داود إنما رجح حديث البتة على حديث بن جريج لأنه روى حديث بن جريج من طريق فيها مجهول ولم يرو أبو داود الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من طريق محمد بن إسحاق أن ركانة طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فلذا رجح أبو داود حديث البتة ولم يتعرض لهذا الحديث ولا رواه في سننه ولا ريب أنه أصح من الحديثين
وحديث بن جريج شاهد له وعاضد فإذا انضم حديث أبي الصهباء إلى حديث بن إسحاق وإلى حديث بن جريج مع اختلاف مخارجها وتعدد طرقها أفاد العلم بأنها أقوى من البتة بلا شك
ولا يمكن من شم روائح الحديث ولو على بعد أن يرتاب في ذلك فكيف يقدم الحديث الضعيف الذي ضعفه الأئمة ورواته مجاهيل على هذه الأحاديث انتهى كلام بن القيم
فإن قلت قد ثبت من حديث بن عباس أن الصحابة كلهم قد أجمعوا على أن الثلاث واحدة فكيف خالفهم عمر رضي الله عنه حيث أمضاها عليهم
قلت لم يخالف عمر رضي الله عنه إجماع من تقدمه بل رأى إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم لما علموا أنه حرام وتتابعوا فيه ولا ريب أن هذا سائغ للأمة أن يلزموا الناس ما ضيقوا به على أنفسهم ولم يقبلوا فيه رخصة الله عز وجل وتسهيله ورخصته بل اختاروا الشدة والعسر<span class="matn-hr"> </span>Qإلى السلف الأول فحكوه عن علي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وبن مسعود وبن عباس وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة المغموز المرتبة ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل وغوى قوم من أهل المسائل
فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه وقالوا إن قوله أنت طالق ثلاثا كذب لأنه لم يطلق ثلاثا كما لو قال طلقت ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة وكما لو قال أحلف ثلاثا كانت يمينا واحدة
(منبهة) لقد طوفت في الآفاق ولقيت من علماء الإسلام وأرباب المذاهب كل صادق فما سمعت لهذه المقالة بخبر ولا أحسست لها بأثر إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزا ولا يرون الطلاق واقعا
ولذلك قال فيهم بن سكرة الهاشمي يا من يرى المتعة في دينه حلا وإن كانت بلا مهر ولا يرى تسعين تطليقة تبين منه ربة الخدر من ها هنا طابت مواليدكم فاغتنموها يابني القطر وقد اتفق علماء الإسلام وأرباب الحل والعقد في الأحكام على أن الطلاق الثلاث في كلمة
فكيف بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكمال نظره للأمة وتأديبه لهم ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه وأمير المؤمنين رضي الله عنهم لم يقل لهم إن هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو رأي رآه مصلحة للأمة يكفهم بها التسارع إلى إيقاع الثلاث ولهذا قال فلو أنا أمضيناه وفي لفظ آخر فأجيزوهن عليهم أفلا ترى أن هذا رأي منه رآه للمصلحة لا إخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما علم رضي الله عنه أن تلك الأناة والرخصة نعمة من الله على المطلق ورحمة به وإحسان إليه وأنه قابلها بضدها ولم يقبل رخصة الله وما جعله له من الأناة عاقبه بأن حال بينه وبينها وألزمه<span class ="matn-hr"> </span>Qوإن كان حراما في قول بعضهم وبدعة في قول الآخرين لازم وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين وعلم الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري وقد قال في صحيحه باب جواز الثلاث لقوله تعالى {الطلاق مرتان} وذكر حديث اللعان فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يغير عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقر على الباطل ولأنه جمع ما فسح له في تفريقه فألزمته الشريعة حكمه وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد
وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة فهذا في معناها
فكيف إذا صرح بها وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملة ولا عند أحد من الأئمة
فإن قيل ففي صحيح مسلم عن بن عباس وذكر حديث أبي الصهباء هذا
قلنا هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه الأول أنه حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على إجماع الأمة ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم نقل العدل عن العدل ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا
الثاني إن هذا الحديث لم يرو إلا عن بن عباس ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس
فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد وكيف خفي على جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا بن عباس وكيف خفي على أصحاب بن عباس إلا طاوس الثالث يحتمل أن يراد به قبل الدخول
وكذلك تأوله النسائي فقال
باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول
بالزوجة
وذكر هذا الحديث بنصه
الرابع أنه يعارضه حديث محمود بن لبيد قال أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته
ما التزمه من الشدة والاستعجال وهذا موافق لقواعد الشريعة بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدرا وشرعا فإن الناس إذا تعدوا حدوده ولم يقفوا عندها ضيق عليهم ما جعله لمن اتقاه من المخرج
وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه
من قال من الصحابة رضي الله عنهم من المطلق ثلاثا إنك لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا كما قاله بن مسعود وبن عباس فهذا نظر أمير المؤمنين رضي الله عنه ومن معه من الصحابة لا أنه رضي الله عنه غير أحكام الله وجعل حلالها حراما
فهذا غاية التوفيق بين النصوص وفعل أمير المؤمنين رضي الله عنه ومن معه كذا في زاد المعاد
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي
$ 1 - (باب في ما عني به الطلاق والنيات)
(إنما الأعمال بالنية) وفي بعض النسخ بالنيات
قال الخطابي معناه أن صحة الأعمال ووجوب أحكامها إنما تكون بالنية وأن النية هي المصرفة لها إلى جهاتها ولم يرد به أعيان الأعمال لأن أعيانها حاصلة بغير نية (وإنما لامرىء ما نوى) أشار به إلى أن تعيين المنوي شرط فلو كان على إنسان صلوات لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل شرط أن ينوي كونها ظهرا أو غيره فلولا هذا القول لاقتضى الكلام الأول أن تصح الفائتة بلا تعيين
كذا قال بن<span class="matn-hr"> </span>Qثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله رواه النسائي
فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بل أمضاه وكما في حديث عويمر العجلاني في اللعان حيث أمضى طلاقه الثلاث ولم يرده
الخامس وهو قوي في النظر والتأويل أنه قال كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة يحتمل أن يريد به كان حكم الثلاث إذا وقعت أن تجعل واحدة وأن يريد به كانت عبارة الثلاث على عهده أن تذكر واحدة فلما تتابع الناس في الطلاق وذكروا الثلاث بدل الواحدة أمضى ذلك عمر كما أمضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عويمر حين طلق ثلاثا
فلا يبقى في المسألة إشكال
فهذا أقصى ما يرد به هذا الحديث
الملك والعلقمي (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) أي انتقاله من دار الكفر إلى دار الإسلام قصدا وعزما (فهجرته إلى الله ورسوله) فإن قلت الشرط والجزاء قد اتحدا قلنا لا اتحاد لأن التكرار قد يفيد الكمال كما قال أبو النجم وشعري شعري أي شعر كامل والمعنى فهجرته كاملة (ومن كانت هجرته لدنيا) اللام للتعليل أو بمعنى إلى ودنيا بغير تنوين لأنها تأنيث أدنى وجمعها دنى ككبرى وكبر (يصيبها) أي يحصلها (أو امرأة يتزوجها) إنما ذكرها مع كونها مندرجة تحت دنيا تعريضا لمن هاجر إلى المدينة في نكاح مهاجرة فقيل له مهاجر أم قيس أو تنبيها على زيادة التحذير من ذلك وهذا من باب ذكر الخاص بعد العام لمزيته (فهجرته إلى ما هاجر إليه) يعني لا يثاب على هجرته
قال الخطابي في المعالم في الحديث دليل على أن المطلق إذا طلق بصريح لفظ الطلاق أو ببعض الكنائي التي يطلق بها ونوى عددا من أعداد الطلاق كان ما نواه من العدد واقعا واحدة أو ثنتين أو ثلاثا وإلى هذه الجملة ذهب الشافعي وصرف الألفاظ على مصارف النيات وقال في الرجل يقول لامرأته أنت طالق ونوى ثلاثا أنها تطلق ثلاثا وكذلك قال مالك بن أنس وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وقد روي ذلك عن عروة بن الزبير
وقال أصحاب الرأي هي واحدة وهو أحق بها وكذلك قال سفيان الثوري والأوزاعي وأحمد
انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
(أن عبد الله بن كعب) خبر إن قوله قال سمعت (وكان) أي عبد الله (قائد كعب) من القود نقيض السوق فهو من أمام وذاك من خلف (من بنيه) أي من بنيهم
وكان أبناؤه أربعة عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وعبيد الله (قال سمعت كعب بن مالك) وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم (فساق قصته) وقصته مذكورة في الصحيحين (حتى إذا مضت أربعون) أي يوما (من الخمسين) أي التي منع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس من الكلام فيها مع هؤلاء (إذا
رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الواقدي هو خزيمة بن ثابت (يأتي) وفي بعض النسخ يأتيني (يأمرك أن تعتزل امرأتك) الاعتزال بالفارسية بيكسو شدن (فقلت أطلقها أم ماذا أفعل) أي ما المراد بالاعتزال الطلاق أو غيره (قال لا بل اعتزلها فلا تقربنها) أي ليس المراد بالاعتزال الطلاق بل عدم القربان (فقلت لامرأتي الحقي) بفتح الحاء
قال الخطابي في الحديث دلالة على أنه إذا قال لها الحقي بأهلك ولم يرده طلاقا أنه لا يكون طلاقا وكذلك سائر الكنايات كلها على قياسه
وكان أبو عبيد يقول في قوله الحقي بأهلك إنها تطليقة يكون فيها العبد مالكا للرجعة إلا أن يكون أراد ثلاثا انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مطولا ومختصرا
$ 2 - (باب في الخيار)
(عن أبي الضحى) هو مسلم بن صبيح بالتصغير مشهور بكنيته أكثر من اسمه (خيرنا) أي معشر أمهات المؤمنين وذلك بعد نزول قوله تعالى ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (فاخترناه) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياة الدنيا وزينتها (فلم يعد) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (ذلك) أي التخيير (شيئا) أي من الطلاق وفي رواية لمسلم فلم يعده طلاقا وفي أخرى له فلم يكن طلاقا
وفي الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وجماهير العلماء أن من خير زوجته فاختارته لم يكن ذلك طلاقا ولا يقع به فرقة وروي عن علي وزيد بن ثابت والحسن والليث بن سعد أن نفس التخيير يقع به بائنة سواء اختارت زوجها أم لا
وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك
قال القاضي لا يصح هذا عن مالك ثم هو مذهب ضعيف مردود بحديث الباب الصحيح الصريح ولعل القائلين به لم يبلغهم
هذا الحديث
كذا قال النووي
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
$ 3 - (باب في أمرك بيدك)
(هل تعلم أحدا قال يقول الحسن في أمرك بيدك) أي أنها ثلاث (قال) أي أيوب (لا) أي لا أعلم أحدا قال يقول الحسن إلخ (إلا شيء حدثناه) الضمير يرجع إلى شيء (عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه) أي قال إنها ثلاث
وفي رواية الترمذي قلت لأيوب هل علمت أحدا قال في أمرك بيدك أنها ثلاث إلا الحسن قال لا إلا الحسن ثم قال اللهم غفرا إلا ما حدثني قتادة عن كثير مولى بني سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث
وكذلك في رواية النسائي
فعلم أن في رواية المؤلف حذفا واختصارا (فسألته فقال ما حدثت بهذا قط) وفي رواية الترمذي والنسائي فسألته فلم يعرفه (فقال بلى) أي قد حدث (ولكنه نسي) أي عن التحديث
واعلم أن إنكار الشيخ أنه حدث بذلك إن كان على طريقة الجزم كما وقع في رواية المؤلف فلا شك أنه علة<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هكذا وقع في السنن لأبي داود ولم يفسر قول الحسن في حديثه
ورواه الترمذي مفسرا عن حماد بن زيد قال قلت لأيوب هل علمت أحدا قال أمرك بيدك ثلاثا إلا الحسن قال لا ثم قال اللهم غفرا إلا ما حدثني قتادة عن كثير مولى بني سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث ثم ذكر الترمذي عن البخاري أنما هو موقوف
قال أبو محمد بن حزم وكثير مولى بني سلمة مجهول وعن الحسن في أمرك بيدك قال ثلاث
قادحة وإن لم يكن على طريقة الجزم بل عدم معرفة ذلك الحديث وعدم ذكر الجملة والتفصيل بدون تصريح بالإنكار كما في رواية الترمذي والنسائي فليس ذلك مما يعد قادحا في الحديث وقد بين هذا في علم اصطلاح الحديث
وقد استدل بهذا الحديث على من قال لامرأته أمرك بيدك كان ذلك ثلاثا
قال الترمذي قد اختلف أهل العلم في أمرك بيدك فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود هي واحدة وهو قول غير واحد من أهل العلم من التابعين ومن بعدهم
وقال عثمان بن عفان وزيد بن ثابت القضاء ما قضت
وقال بن عمر إذا جعل أمرها بيدها وطلقت نفسها ثلاثا وأنكر الزوج وقال لم أجعل أمرها بيدها إلا في واحدة استحلف الزوج وكان القول قوله مع يمينه
وذهب سفيان وأهل الكوفة إلى قول عمر وعبد الله
وأما مالك بن أنس فقال القضاء ما قضت وهو قول أحمد
وأما إسحاق فذهب إلى قول بن عمر انتهى كلام الترمذي
وقوله القضاء ما قضت معناه الحكم ما نوت من رجعية أو بائنة واحدة أو ثلاثا
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي
وقال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب
وذكر عن البخاري أنه قال وإنما هو عن أبي هريرة موقوف ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعا
وقال النسائي هذا حديث منكر
(عن الحسن في أمرك بيدك قال ثلاث) يعني إذا قال الزوج لزوجته أمرك بيدك فلها أن تختار ثلاثا فتقع الثلاث
وقد تقدم الاختلاف فيه والحديث سكت عنه المنذري
$ 4 - (باب في البتة)
(أخبرنا محمد بن إدريس الشافعي) هو الإمام المعروف صاحب المذهب (طلق امرأته
سهيمة) بالتصغير (البتة) بهمزة وصل أي قال أنت طالق البتة (فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم) المختار بناءه للفاعل قاله القارىء (وقال والله ما أردت إلا واحدة) عطف على فأخبر (فردها إليه)
قال الخطابي فيه بيان أن طلاق البتة واحدة إذا لم يرد بها أكثر من واحدة وأنها رجعية غير بائن انتهى
وقال القارىء طلاق البتة عند الشافعي واحدة رجعية وإن نوى بها اثنتين أو ثلاثا فهو ما نوى
وعند أبي حنيفة واحدة بائنة وإن نوى ثلاثا فثلاث
وعند مالك ثلاث
واستدل بالحديث على أن الطلاق الثلاث مجموعة تقع ثلاثا ووجه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم أحلفه أنه أراد بالبتة واحدة فدل على أنه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده ولو لم يفترق الحال لم يحلفه
وأجيب بأن الحديث ضعيف ومع ضعفه مضطرب ومع اضطرابه معارض بحديث بن عباس أن الطلاق كان عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة فالاستدلال بهذا الحديث ليس بصحيح
وإن شئت الوقوف على ضعفه واضطرابه فراجع التعليق المغني شرح الدارقطني فإنه قد بين فيه أخونا المعظم أبو الطيب ضعف الحديث واضطرابه بالبسط والتفصيل
(عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أنه طلق الحديث) قال<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي تاريخ البخاري علي بن يزيد بن ركانة القرشي عن أبيه لم يصح حديثه هذا لفظه
وقال
المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه
وقال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال فيه اضطراب
هذا آخر كلامه
وفي إسناده الزبير بن سعيد الهاشمي فقد ضعفه غير واحد
وذكر الترمذي أيضا عن البخاري أنه مضطرب فيه تارة قيل فيه ثلاثا وتارة قيل فيه واحدة وأصحه أنه طلقها البتة وأن الثلاث ذكرت فيه على المعنى
وقال أبو داود حديث نافع بن عجير حديث صحيح وفيما قاله نظر فقد تقدم عن الإمام أحمد بن حنبل أن طرقه ضعيفة وضعفه أيضا البخاري وقد وقع الاضطراب في إسناده وفي متنه انتهى كلام المنذري
(قال أبو داود وهذا أصح من حديث بن جريج أن ركانة طلق امرأته إلخ) قال بن القيم في حاشية السنن إن أبا داود لم يحكم بصحته وإنما قال بعد روايته هذا أصح من حديث بن جريج أنه طلق امرأته ثلاثا وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيح فإن حديث بن جريج ضعيف وهذا ضعيف أيضا فهو أصح الضعيفين عنده وكثيرا ما يطلق أهل الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين وهو كثير من كلام<span class="matn-hr"> </span>Qعبد الحق الإشبيلي في سنده كلهم ضعيف والزبير أضعفهم
وذكر الترمذي في كتاب العلل عن البخاري أنه مضطرب فيه تارة قيل فيه ثلاثا وتارة قيل فيه واحدة
ثم ذكر الشيخ بن القيم كلام الحافظ المنذري واعتراضه على أبي داود في تصحيحه ثم قال الشيخ وفيما قاله المنذري نظر فإن أبا داود لم يحكم بصحته وإنما قال بعد روايته هذا أصح من حديث بن جريج أنه طلق امرأته ثلاثا لأنهم أهل بيته وهم أعلم بقضيتهم وحديثهم وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيح فإن حديث بن جريج ضعيف وهذا ضعيف أيضا فهو أصح الضعيفين عنده وكثيرا ما يطلق أهل الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين
وهو كثير في كلام المتقدمين
ولو لم يكن اصطلاحا لهم لم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه فإنك تقول لأحد المريضين هذا أصح من هذا ولا يدل على أنه صحيح مطلقا
والله أعلم
المتقدمين ولو لم يكن اصطلاحا لهم لم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه فإنك تقول لأحد المريضين هذا أصح من هذا ولا يدل على أنه صحيح مطلقا انتهى كلامه
وقال بن القيم في الإغاثة إن أبا داود إنما رجح حديث البتة على حديث بن جريج لأنه روى حديث بن جريج من طريق فيها مجهول ولم يرو أبو داود الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من طريق محمد بن إسحاق أن ركانة طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فلذا رجح أبو داود حديث البتة ولم يتعرض لهذا الحديث ولا رواه في سننه ولا ريب أنه أصح من الحديثين وحديث بن جريج شاهد له انتهى بقدر الحاجة
وقد نقلناه فيما قبل بأزيد من هذا
$ 5 - (باب في الوسوسة بالطلاق)
قال في القاموس الوسوسة حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير كالوسواس بالكسر والاسم بالفتح وقد وسوس له وإليه
(إن الله تجاوز لأمتي) وفي رواية البخاري عن أمتي أي عفا عنهم (عما لم تتكلم به) إن كان قوليا (أو تعمل به) إن كان فعليا (وبما حدثت به أنفسها) بالنصب على المفعولية يقال حدثت نفسي بكذا أو بالرفع على الفاعلية يقال حدثتني نفسي بكذا
قال الخطابي وفيه أنه إذا طلق امرأته بقلبه ولم يتكلم به بلسانه فإن الطلاق غير واقع وبه قال عطاء بن رباح وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق
وقال الزهري إذا عزم على ذلك وقع الطلاق لفظ به أو لم يلفظ وبه قال مالك والحديث حجة عليه انتهى
واستدل به على أن من كتب الطلاق طلقت امرأته لأنه عزم بقلبه وعمل بكتابته وهو قول الجمهور وشرط مالك فيه الإشهاد على ذلك
قاله الحافظ
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه بنحوه
$ 16 - (باب في الرجل يقول لامرأته يا أختي)
(عن أبي تميمة) هو طريف بن مجالد (الهجيمي) بضم الهاء وفتح الجيم (ياأخية) تصغير أخت (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي على الإنكار (فكره ذلك) أي قوله لامرأته ياأخية (ونهى عنه) قال الخطابي في المعالم إنما كره ذلك من أجل أنه مظنة للتحريم وذلك أن من قال لامرأته أنت كأختي وأراد به الظهار كان مظاهرا كما يقول أنت كأمي وكذلك هذا في كل امرأة من ذوات المحارم
وعامة أهل العلم وأكثرهم متفقون على هذا إلا أن ينوي بهذا الكلام الكرامة فلا يلزمه الظهار وإنما اختلفوا فيه إذا لم يكن له نية فقال كثير منهم لا يلزمه شيء
وقال أبو يوسف إن لم يكن له نية فهو تحريم
وقال محمد بن الحسن هو ظهار إذا لم يكن له نية فكره له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول لئلا يلحقه بذلك ضرر في أهل أو يلزمه كفارة في مال انتهى
قال المنذري هذا مرسل
(سمع رجلا يقول لامرأته ياأخية فنهاه) قال بن بطال ومن ثم قال جماعة من العلماء يصير بذلك مظاهرا إذا قصد ذلك فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى اجتناب اللفظ المشكل كذا في الفتح (قال أبو داود ورواه) أي حديث أبي تميمة (عبد العزيز بن المختار عن خالد) هو الحذاء (عن أبي عثمان عن أبي تميمة) فزاد عبد العزيز بين خالد وأبي تميمة أبا عثمان ورواه مرسلا ورواه شعبة عن خالد هو الحذاء (عن رجل عن أبي تميمة) فزاد شعبة بينهما رجلا ورواه مرسلا وأما خالد الطحان في الطريقة الأولى فلم يذكر بينهما واسطة وكذا عبد السلام في
الطريقة الثانية إلا أن الطحان رواه مرسلا وعبد السلام رواه متصلا فوقع الاختلاف الموجب لاضطراب الحديث
(اثنتان في ذات الله) أي في طلب رضاه
اعلم أن الثالثة كانت لدفع الفساد عن سارة وفيها رضا الله أيضا لكن لما كان له نفع طبيعي فيها خصص اثنتين بذات الله دونها (قوله إني سقيم) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي أحد تلك الكذبتين قوله إني سقيم بيانه ما روي أن إبراهيم قال له أبوه لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا فخرج معهم ولما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم تأويله إن قلبي سقيم بكفركم أو مراده الاستقبال (وقوله بل فعله كبيرهم هذا) بيانه ما روي أنه عليه السلام بعد ما ألقى نفسه وذهبوا رجع وكسر أصنامهم وعلق الفأس على كبيرهم فلما رجعوا رأوا أحوالهم فقالوا أنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم قال بل فعله كبيرهم
تأويله أنه أسند الفعل إلى سببه إذ كبيرهم كان حاملا له على ذلك
وقيل أراد بكبيرهم نفسه أي متكبرهم وعلى هذا يكون الإسناد حقيقيا (في أرض جبار<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفيه دليل على أن من قال لامرأته إنها أختي أو أمي على سبيل الكرامة والتوقير لا يكون مظاهرا
وعلى هذا فإذا قال لعبده هو حر يعني أنه ليس بفاجر لم يعتق وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي أن يفتى بخلافه فإن السيد إذا قيل له عبدك فاجر زان فقال ما هو إلا حر قطع سامعه أنه إنما أراد الصفة لا العين وكذلك إذا قيل له جاريتك تبغي فقال إنما هي حرة
وسمي قول إبراهيم هذا كذبا لأنها تورية
وقد أشكل على الناس تسميتها كذبة لكون المتكلم إنما أراد باللفظ المعنى الذي قصده فكيف يكون كذبا والتحقيق في ذلك أنها كذب بالنسبة إلى إفهام المخاطب لا بالنسبة إلى غاية المتكلم فإن الكلام له نسبتان نسبة إلى المتكلم ونسبة إلى المخاطب فلما أراد الموري أن يفهم المخاطب خلاف ما قصده بلفظه أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار وإن كان المتكلم صادقا باعتبار قصده ومراده
اسمه عمرو بن امرئ القيس وكان على مصر وقيل اسمه صادق وكان على الأردن وقيل سنان بن علوان (فأتي) على البناء للمفعول (هي أحسن الناس) في مسند أبي يعلى من حديث أنس أعطي يوسف وأمه شطر الحسن يعني سارة (وإنه) أي الشأن (ليس اليوم مسلم غيري وغيرك) يشكل عليه كون لوط عليه السلام كان معه كما قال تعالى فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي ويمكن أن يجاب بأن مراده ليس مسلم بتلك الأرض التي وقع فيها ما وقع ولم يكن معه لوط عليه السلام إذ ذاك
كذا في الفتح
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
$ 7 - (باب في الظهار)
بكسر المعجمة هو قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي
قال الحافظ واختلف فيما إذا لم يعين الأم كأن قال كظهر أختي مثلا فعن الشافعي في القديم لا يكون ظهارا بل يختص بالأم كما ورد في القرآن وكذا في حديث خولة التي ظاهر منها أوس وقال في الجديد يكون ظهارا وهو قول الجمهور انتهى<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قد ورد في هذه الكفارة أنه أمره بإطعام وسق والوسق ستون صاعا وهو أكثر ما قيل فيه وذهب إليه سفيان الثوري وأصحاب الرأي مع قولهم إن الصاع ثمانية أرطال بالعراقي وورد فيها أنه أمر امرأة أوس بن الصامت أن تكفر عنه بالعرق الذي دفعه إليها والعرق الذي أعانته به
واختلف في مقدار ذلك العرق فقيل ستون صاعا وهو وهم وقيل ثلاثون هو الذي رجحه أبو
(قال بن العلاء بن علقمة بن عياش) أي قال محمد بن العلاء في روايته عن محمد بن عمرو بن عطاء بن علقمة بن عياش بزيادة بن علقمة بن عياش (قال بن العلاء البياضي) أي قال في روايته عن سلمة بن صخر البياضي (قال كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري) كناية عن كثرة شهوته ووفور قوته (يتايع بي) أي يلازمني ملازمة الشر وفي نسخة يتتايع والتتايع الوقوع في الشر من غير فكرة وروية والمتابعة عليه (حتى ينسلخ شهر رمضان) فيه دليل على أن الظهار المؤقت ظهار كالمطلق منه وهو إذا ظاهر من امرأته إلى مدة ثم أصابها قبل انقضاء تلك المدة واختلفوا فيه إذا بر ولم يحنث فقال مالك وبن وأبي ليلى إذ قال لامرأته أنت علي كظهر أمي إلى الليل لزمته الكفارة وإن لم يقربها
وقال أكثر أهل العلم لا شيء عليه إذا لم يقربها
وجعل الشافعي في الظهار المؤقت قولين أحدهما أنه ليس بظهار قاله الخطابي في المعالم (فلم ألبث) أي لم أتأخر
واللبث في الفارسية درنك كردن (أن نزوت) أي وقعت (أنت بذاك ياسلمة) أي أنت الملم بذلك أو أنت المرتكب له
كذا في المعالم (قال حرر رقبة) قال الخطابي فيه دليل على أنه إذا أعتق رقبة ما كانت من صغير أو<span class="matn-hr"> </span>Qداود على حديث يحيى بن آدم وقيل خمسة عشر فيكون العرقان ثلاثين صاعا لكل مسكين نصف صاع وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ومالك
وفي الرواية الأخرى أن التمر الذي أمره أن يتصدق به كان قريبا من خمسة عشر صاعا وإلى هذا ذهب الشافعي وعطاء والأوزاعي وروي عن أبي هريرة فيكون لكل مسكين مد وهو مقدار لا شيء بالنسبة إلى ما يوجبه أهل الرأي فإنهم يوجبون صاعا وهو ثمانية أرطال فيوجبون زيادة على ما يوجبه هؤلاء ست مرات
وأخذ الشافعي ذلك من حديث المجامع في رمضان فإن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بعرق فيه خمسة عشر صاعا فقال خذه وتصدق به وسيأتي إن شاء الله تعالى
كبير أعور كان أو أعرج فإنه يجزيه إلا ما يمنع دليل الإجماع منه وهو الزمن الذي لا حراك به انتهى (ما أملك رقبة غيرها) أي غير رقبتي هذه (وضربت صفحة رقبتي) زاد أحمد بيدي
قال في القاموس الصفح الجانب ومنك جنبك ومن الوجه والسيف عرضه (وسقا من تمر) الوسق ستون صاعا (بين ستين مسكينا) ظاهره أنه لا بد من إطعام ستين مسكينا ولا يجزئ إطعام دونهم وإليه ذهب الشافعي ومالك
وقال أبو حنيفة إنه يجزئ إطعام واحد ستين يوما (لقد بتنا وحشين) قال في النهاية يقال رجل وحش بالسكون إذا كان جائعا لا طعام له وقد أوحش إذا جاع (بني زريق) بتقديم الزاي على الراء (فليدفعها) أي التمر (فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر) أخذ بظاهره الثوري وأبو حنيفة وأصحابه فقالوا الواجب لكل مسكين صاع من تمر أو ذرة أو شعير أو زبيب أو نصف صاع من بر
وقال الشافعي إن الواجب لكل مسكين مد وتمسك بالروايات التي فيها ذكر العرق وتقديره بخمسة عشر صاعا
وظاهر الحديث أن الكفارة لا تسقط بالعجز عن جميع أنواعها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعانه بما يكفر به بعد أن أخبره أنه لا يجد رقبة ولا يتمكن من إطعام ولا يطيق الصوم وإليه ذهب الشافعي وأحمد في روايته عنه وذهب قوم إلى السقوط وذهب آخرون إلى التفصيل فقالوا تسقط كفارة صوم رمضان لا غيرها من الكفارات كذا في النيل (وكل أنت وعيالك بقيتها) أي بقية الصدقة التي بقيت بعد إطعام ستين<span class="matn-hr"> </span>Qثم اختلفوا في البر هل هو على النصف من ذلك أم هو وغيره سواء فقال الشافعي مد من الجميع وقال مالك مدان من الجميع وقال أحمد وأبو حنيفة البر على النصف من غيره على أصلهما فعند أحمد مد من بر أو نصف صاع من غيره وعند أبي حنيفة مدان من بر أو نصف صاع من غيره على اختلافهما في الصاع
مسكينا (وبياضة بطن من بني زريق) وهو بياضة بن عامر بن زريق بن عبدحارثة بن مالك بن زيد مناة من ولد جشم بن الخزرج كذا في تاج العروس
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه
وقال الترمذي هذا حديث حسن
وقال محمد يعني البخاري سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر
وقال البخاري أيضا هو مرسل سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر هذا آخر كلامه
وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه
(تجادلك في زوجها) هذه الآية الكريمة نزلت في خولة ويقال لها خويلة بالتصغير ظاهر منها زوجها وكان الظهار طلاقا في الجاهلية فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حرمت عليه فحلفت أنه ما ذكر طلاقا فقال حرمت عليه فقالت أشكو إلى الله فاقتي وجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وترفع رأسها إلى السماء وتشكو إلى الله (إلى الفرض) أي إلى ما فرض الله تعالى من الكفارة وتمام الآية وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير
الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم
إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور
والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير
فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (ما به من صيام أي) أي ليس فيه قوة صيام (بعرق) بفتحتين هو السفيفة المنسوجة من الخوص قبل أن يجعل منها
الزنبيل أو الزنبيل نفسه (قال والعرق ستون صاعا) قال في النيل هذه الرواية تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة
قال الذهبي لا يعرف ووثقه بن حبان وفيها أيضا محمد بن إسحاق وقد عنعن والمشهور عرفا أن العرق يسع خمسة عشر صاعا كما روى ذلك الترمذي بإسناد صحيح من حديث سلمة نفسه
انتهى
(قال أبو داود في هذا) أي في هذا الحديث دلالة على أنها (إنما كفرت) خويلة (عنه) عن زوجة أوس بن الصامت (من غير أن تستأمره) في أداء الكفارة وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجازها وأمضاها
(والعرق مكتل) قال في القاموس المكتل كمنبر زنبيل يسع خمسة عشر صاعا (هذا أصح من حديث يحيى بن آدم) يعني الحديث الذي قبله
(قال يعني العرق زنبيلا يأخذ خمسة عشر صاعا) معنى يأخذ يسع واعلم أنه وقع الاختلاف في تفسير العرق ففي رواية يحيى بن آدم عن بن إدريس عن بن إسحاق أنه ستون صاعا وفي رواية محمد بن سلمة عن بن إسحاق أنه مكتل يسع ثلاثين صاعا وفي رواية يحيى عن أبي سلمة أنه زنبيل يسع خمسة عشر صاعا فدل أن العرق قد يختلف في السعة والضيق فيكون بعض الأعراق أكبر وبعضها أصغر فذهب الشافعي منها إلى التقدير الذي جاء في خبر أبي هريرة من رواية أبي سلمة وهو خمسة عشر صاعا في كفارة المجامع في شهر رمضان وكذلك قال الأوزاعي وأحمد بن حنبل لكل مسكين مد وكذلك قال مالك إلا أنه قال بمد هشام وهو مد وثلث وذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي إلى حديث سلمة بن صخر وهو أحوط الأمرين وقد يحتمل أن يكون الواجب عليه ستين صاعا ثم يؤتي
بخمسة عشر صاعا فيقول تصدق بها ولا يدل ذلك أنها تجزئه عن جميع الكفارة ولكنه يتصدق بها في الوقت ويكون الباقي دينا عليه حتى يجده إلا أن إسناد حديث أبي هريرة أجود وأحسن اتصالا من حديث سلمة بن صخر كذا في المعالم بأدنى تغيير واختصار
(على أفقر مني) بحذف همزة الاستفهام وفي بعض النسخ بذكرها (قلت له) أي لمحمد بن الوزير والجملة بيان لقرأت (وهو) أي أوس (من أهل بدر قديم الموت) قال بن حبان مات أيام عثمان
قاله الحافظ (والحديث مرسل) أي منقطع وقد يجيء عند المحدثين المرسل والمنقطع بمعنى
(أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت) وفي رواية يوسف بن عبد الله المتقدمة أن اسم زوجة أوس خويلة فلعلها كانت تدعى بالاسمين أو جميلة صفتها أي امرأة جميلة كانت تحت أوس والله أعلم (وكان رجلا به لمم) قال الخطابي في المعالم معنى اللمم ها هنا شدة الإلمام بالنساء وشدة الحرص والتوقان إليهن
يدل على ذلك قوله في هذا الحديث من الرواية الأولى كنت امرأ أصيب من النساء مالا يصيب غيري وليس معنى اللمم ها هنا الخبل
والجنون ولو كان به ذاك ثم ظاهر في تلك الحالة لم يكن يلزمه شيء ولا غيرها والله أعلم
انتهى
(ثم واقعها) أي جامعها (فاعتزلها حتى تكفر عنك) أي عن ظهارك
والحديث دليل على أنه يحرم وطء الزوجة التي ظاهر منها قبل التكفير وهو مجمع عليه لقوله تعالى من قبل أن يتماسا فلو وطىء لم يسقط التكفير ولا يتضاعف لقوله صلى الله عليه وسلم حتى تكفر عنك قال الصلت بن دينار سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل التكفير فقالوا كفارة واحدة وهو قول الأئمة الأربعة
وروى سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم أنه يجب على من وطىء قبل التكفير ثلاث كفارات
وذهب الزهري وسعيد بن جبير وأبو يوسف إلى سقوط الكفارة بالوطء
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه يجب عليه كفارتان وهو قول عبد الرحمن بن مهدي
واختلف في مقدمات الوطء هل تحرم مثل الوطء إذا أراد أن يفعل شيئا منها قبل التكفير أم لا فذهب الثوري والشافعي في أحد قوليه إلى أن المحرم هو الوطء وحده لا المقدمات وذهب الجمهور إلى أنها تحرم كما يحرم الوطء كذا في النيل والسبل
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه وقال الترمذي في حديث غريب صحيح
وقال النسائي المرسل أولى بالصواب من المسند
وقال أبو بكر المعافري ليس في الظهار حديث صحيح يعول عليه وفيما قاله نظر فقد صححه الترمذي كما ترى ورجال إسناده ثقات وسماع بعضهم من بعض مشهور وترجمة عكرمة عن بن عباس احتج بها البخاري في غير موضع
(حدثنا الزعفراني إلخ) هذا الحديث ليس في بعض النسخ (بريق ساقها) أي لمعانها وحسنها (في القمر) أي في ضوئه
$ 18 - (باب في الخلع)
الخلع بضم المعجمة وسكون اللام هو فراق الزوجة على مال مأخوذ من خلع الثوب لأن المرأة لباس الرجل مجازا وضم المصدر تفرقة بين المعنى الحقيقي والمجازي والأصل قوله تعالى فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به كذا في السبل
(في غير ما بأس) وفي رواية من غير ما بأس أي لغير شدة تلجئها إلى سؤال المفارقة وما زائدة للتأكيد (فحرام عليها رائحة الجنة) أي ممنوع عنها وذلك على نهج الوعيد والمبالغة في التهديد أو وقوع ذلك متعلق بوقت دون وقت أي لا تجد رائحة الجنة أول ما وجدها المحسنون أو لا تجد أصلا وهذا من المبالغة في التهديد
ونظير ذلك كثير
قاله القاضي
ولا بدع أنها تحرم لذة الرائحة ولو دخلت الجنة
قاله القارىء
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه وقال الترمذي حديث حسن وذكر أن بعضهم رواه ولم يرفعه
(إلى الصبح) أي إلى صلاة الصبح (عند بابه) أي باب رسول الله صلى الله عليه وسلم (في الغلس) هو ظلمة آخر الليل اختلط بضوء الصباح (لا أنا ولا ثابت بن قيس) أي لا يمكن الاجتماع بيننا (كل ما أعطاني عندي) مبتدأ وخبر أي كل ما أعطاني من المهر موجود عندي (خذ منها فأخذ منها) فيه أنه قد أخذ منها جميع ما كان أعطاها
وقد اختلف الناس في هذا فكان سعيد بن المسيب يقول لا يأخذ منها جميع ما أعطاها ولا يزيد على ما ساق إليها شيئا وذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك جائز على ما تراضيا عليه قل أو كثر قاله الخطابي (وجلست في أهلها) فيه دليل على أنه لا سكنى للمختلعة على الزوج قاله الخطابي
وقال في هذا الحديث دليل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق ولو كان طلاقا لاقتضي فيه شرائط الطلاق من وقوعه في طهر لم تمسس فيه المطلقة ومن كونه صادرا من قبل الزوج وحده من غير مراضاة المرأة فلما لم يتعرف النبي صلى الله عليه وسلم الحال في ذلك وأذن له في مخالعتها في مجلسه ذلك دل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق
وإلى هذا ذهب بن عباس واحتج بقوله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف الآية قال ثم ذكر الخلع فقال فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ثم ذكر الطلاق فقال فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فلو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا
وإلى هذا ذهب طاؤس وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وروي عن علي وعثمان وبن مسعود رضي الله عنهم أن الخلع تطليقة بائنة وبه قال الحسن وإبراهيم النخعي وعطاء وبن المسيب وشريح والشعبي ومجاهد ومكحول والزهري وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي وكذلك قال مالك والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وهو أصحهما والله أعلم انتهى باختصار يسير
قال المنذري وأخرجه النسائي
(فضربها فكسر بعضها) وفي رواية النسائي عن الربيع بنت معوذ فكسر يدها (فاشتكته إليه) ظاهر هذه الرواية أنها اشتكت للضرب فهي معارضة بما في صحيح البخاري إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين وأجيب بأنها لم تشكه للضرب بل لسبب آخر وهو أنه كان دميم الخلقة ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند بن ماجه كانت حبيبة بنت سهل عند ثابت بن قيس وكان رجلا دميما فقالت والله لولا مخافة الله إذا دخل علي لبصقت في وجهه وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال بلغني أنها قالت يارسول الله بي من الجمال ما ترى وثابت رجل دميم (فقال ويصلح ذلك) أي هل يجوز أن آخذ بعض مالها وأفارقها (فإني أصدقتها) أي جعلت صداقها (حديقتين) الحديقة البستان
والحديث سكت عنه المنذري
(فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة) قال الخطابي في معالم السنن هذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق لأن الله تعالى قال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد انتهى
والحديث سكت عنه المنذري<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى النسائي حديث امرأة ثابت بن قيس موصولا مطولا عن الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي وأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال له خذ الذي لها عليك وخل سبيلها قال نعم فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها
(عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا) أي لم يذكر الصحابي
قال المنذري وأخرجه الترمذي مسندا وقال هذا حديث حسن غريب
(عن بن عمر قال عدة المختلعة حيضة) قال الترمذي اختلف أهل العلم في عدة المختلعة فقال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن عدة المختلعة عدة المطلقة وهو قول الثوري وأهل الكوفة وبه يقول أحمد وإسحاق
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم عدة المختلعة حيضة قال إسحاق وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي انتهى<span class="matn-hr"> </span>Qقال الترمذي في جامعه الصحيح في حديث الربيع أنها أمرت أن تعتد وهذا مرفوع وقد صرح في الرواية الأخرى أن الذي أمرها بذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الترمذي حديث بن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة وقال هذا حديث حسن غريب
والمعروف عن إسحاق أن عدتها حيضة وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد نقلها عنه أبو القاسم وهو قول عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وعن بن عمر روايتان إحداهما أن عدتها عدة المطلقة ذكره مالك في الموطأ عن نافع عنه
والثانية حيضة نقلها بن المنذر عنه وهي رواية القعنبي عنه
قال أبو داود عن القعنبي عن مالك عن نافع عن بن عمر قال عدة المختلعة حيضة اختار بن المنذر أن عدتها حيضة
وقد ذكر الله تعالى في آية الطلاق ثلاثة أحكام أحدها أن التربص فيه ثلاثة قروء الثاني أنه مرتان الثالث أن الزوج أحق برد امرأته في المرتين
فالخلع ليس بداخل في الحكم الثالث اتفاقا وقد دلت السنة أنه ليس داخلا في الحكم الأول وذلك يدل على عدم دخوله في حكم العدد فيكون فسخا
وهذا من أحسن ما يحتج به على ذلك
$ 19 - (باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد)
أي حال كونها تحت حر أو عبد
قال النووي أجمعت الأمة على أن الأمة إذا أعتقت تحت زوجها وهو عبد كان لها الخيار في فسخ النكاح فإن كان حرا فلا خيار لها عند مالك والشافعي والجمهور
وقال أبو حنيفة له الخيار واحتج برواية من روى أنه كان زوجها حرا وقد ذكرها مسلم من رواية شعبة بن عبد الرحمن بن القاسم لكن قال شعبة ثم سألته عن زوجها فقال لا أدري
واحتج الجمهور بأنها قضية واحدة
والروايات المشهورة في صحيح مسلم وغيره أن زوجها كان عبدا
قال الحافظ رواية من روى أنه كان حرا غلط وشاذة مردودة لمخالفتها المعروف في روايات الثقات انتهى
(أن مغيثا) بضم أوله وكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة ثم مثلثة اسم زوج بريرة مولاة عائشة رضي الله عنها (كان عبدا) وعند الترمذي من طريق أيوب وقتادة عن عكرمة عن بن عباس أن زوج بريرة كان عبدأسود لبني المغيرة يوم أعتقت بريرة وهذا يرد قول من قال كان عبدا قبل العتق حرا بعده (اشفع لي إليها) أي إلى بريرة لترجع إلى عصمتي (أتأمرني بذاك) أي<span class="matn- hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هكذا الرواية وأمرها أن تعتد وزاد الدارقطني عدة الحرة ولعله مدرج من تفسير بعض الرواة
وقد روى بن ماجة في سننه أخبرنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت أمرت بريرة أن يعتد بثلاث حيض وهذا مع أنه إسناد الصحيحين فلم يروه أحد من أهل الكتب الستة إلا بن ماجة ويبعد أن تكون الثلاث حيض محفوظة
فإن مذهب عائشة أن الأقراء الأطهار وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المختلعة أن تستبرىء بحيضة كما تقدم فهذه أولى ولأن الأقراء الثلاث إنما جعلت في حق المطلقة ليطول زمن الرجعة فيتمكن زوجها من رجعتها متى شاء ثم أجرى الطلاق كله مجرى واحدا
وطرد هذا أن المزني بها تستبرأ بحيضة وقد نص عليه أحمد
وبالجملة فالأمر بالتريص ثلاثة قروء إنما هو للمطلقة والمعتقة إذا فسخت فهي بالمختلعة
على سبيل الحتم
وعند بن مسعود من مرسل بن سيرين بسند صحيح فقالت يارسول الله أشيء واجب علي قال لا (قال لا) أي لا آمر حتما
قال الخطابي في قول بريرة أتأمرني بذلك يارسول الله دليل على أن أصل أمره صلى الله عليه وسلم على الحتم والوجوب (إنما أنا شافع) أي أقول ذلك على سبيل الشفاعة لا على سبيل الحتم عليك (فكان دموعه) أي دموع مغيث (تسيل) أي تجري لفرط محبته لها (على خده) وفي رواية البخاري على لحيته (للعباس) هو بن عبد المطلب والد راوي الحديث (ألا تعجب من حب مغيث إلخ) قيل إنما كان التعجب لأن الغالب في العادة أن المحب لا يكون إلا محبوبا
قال المنذري وأخرجه البخاري بمعناه
(فخيرها) أي بين اختيار الزوج واختيار الفسخ (وأمرها أن تعتد) أي بثلاث حيض كما أخرج بن ماجه من طريق الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض قال المنذري وأخرجه البخاري مختصرا وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه بمعناه<span class="matn-hr"> </span>Qوالأمة المستبرأة أشبه إذ المقصود براءة رحمها فالاستدلال على تعدد الأقراء في حقها بالآية غير صحيح لأنها ليست مطلقة ولو كانت مطلقة لثبت لزوجها عليها الرجعة
وأما الأحاديث في هذه اللفظة ففي صحتها نظر وحديث الدارقطني المعروف أن الحسن رواه مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بريرة أن تعتد عدة الحرة ورواه البيهقي في سننه من حديث عكرمة عن بن عباس
وفيه وجه رابع وهو أنه جعل عدتها عدة المطلقة رواه البيهقي من حديث أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
ورواه أبو يعلى الموصلي عن محمد بن بكار عن أبي معشر
فهذه أربعة أوجه أحدها أن تعتد
الثاني عدة الحرة
الثالث عدة المطلقة
الرابع بثلاث حيض
(ولو كان) أي زوج بريرة حرا لم يخيرها أي بريرة
وفي هذا الحديث دليلان على كون زوج بريرة عبدا أحدهما إخبار عائشة إنه كان عبدا وهي صاحبة القضية والثاني قولها لو كان حرا لم يخبرها ومثل هذا لا يكاد واحد يقوله إلا توقيفا
قاله النووي
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي
(عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) أي القاسم بن محمد بن أبي بكر بن أخي عائشة (وكان زوجها عبدا) الظاهر أن الواو للحال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال والحديث أخرجه مسلم والنسائي
$ 0 - (باب من قال كان حرا)
(عن عائشة أن زوج بريرة كان حرا حين أعتقت) استدل به أبو حنيفة رحمه الله على أن للأمة المعتقة الخيار إذا كان زوجها حرا ولكن في كون قوله كان حرا موصولا كلام
قال المنذري وقوله كان حرا هو من كلام الأسود بن يزيد جاء ذلك مفسرا وإنما وقع مدرجا في الحديث
وقال البخاري قول الأسود منقطع وقول بن عباس رأيته عبدا أصح
هذا آخر كلامه
وقد روي عن الأسود عن عائشة أن زوجها كان عبدا فاختلفت الرواية عن الأسود ولم تختلف عن بن عباس وغيره ممن قال كان عبدا وقد جاء عن بعضهم أنه قول إبراهيم النخعي
وعن بعضهم أنه من قول الحكم بن عتيبة
قال البخاري وقول الحكم مرسل هذا آخر كلامه
وروى القاسم بن محمد وعروة بن الزبير ومجاهد وعمرة بنت عبد الرحمن كلهم عن عائشة أن زوج بريرة كان عبدا والقاسم هو بن أخي عائشة وعروة هو بن أختها وكانا يدخلان عليها بلا حجاب وعمرة كانت في حجر عائشة وهؤلاء أخص الناس بها وأيضا فإن عائشة رضي الله عنها كانت تذهب إلى خلاف ما روي عنها وكان رأيها لا يثبت لها الخيار تحت الحر
وروى نافع عن صفية بنت أبي عبيد أن زوج بريرة كان عبدا
قال البيهقي إسناد صحيح
وقال إبراهيم بن أبي طالب خالف الأسود بن يزيد الناس في زوج بريرة فقال إنه حر وقال الناس إنه عبد انتهى كلام المنذري
قال الحافظ في الفتح وحاول بعض الحنفية ترجيح رواية من قال كان حرا على رواية من قال كان عبدا فقال الرق تعقبه الحرية بلا عكس وهو كما قال لكن محل طريق الجمع إذا تساوت الروايات في القوة أما مع التفرد في مقابلة الاجتماع فتكون الرواية المنفردة شاذة والشاذ مردود ولهذا لم يعتبر الجمهور طريق الجمع بين الروايتين مع قولهم إنه لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع
والذي يتحصل من كلام محققيهم وقد أكثر منه الشافعي ومن تبعه أن محل الجمع إذا لم يظهر الغلط في إحدى الروايتين ومنهم من شرط التساوي في القوة انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وبن ماجه بنحوه
$ 1 - (باب حتى يكون لها الخيار)
أي إلى متى
(عن محمد بن إسحاق إلخ) حاصله أن الحديث رواه محمد بن إسحاق بإسنادين مرسلا ومتصلا أحدهما عن أبي جعفر وعن أبان بن صالح كلاهما عن مجاهد بن جبر أن بريرة أعتقت مرسلا وثانيهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة متصلا هكذا قاله المزي في الأطراف فإنه أورد رواية مجاهد هذه في المراسيل في ترجمة أبان بن صالح بن عمير القرشي عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج المكي ولم يذكر هذا الحديث في ترجمة مجاهد بن جبر عن عائشة
وكذا أورد الحافظ المزي هذا الحديث في ترجمة محمد بن
إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة كذا في غاية المقصود (عبد لآل أبي أحمد) بالجر بدل من مغيث (إن قربك) بكسر الراء أي جامعك (فلا خيار لك) فيه دليل على أن خيار من عتقت على التراخي وأنه يبطل إذا مكنت الزوج من نفسها وإلى ذلك ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وهو قول للشافعي وله قول آخر أنه على الفور وفي رواية عنه أنه إلى ثلاثة أيام وقيل بقيامها من مجلس الحاكم وقيل من مجلسها وهذان القولان للحنفية والقول الأول هو الظاهر لإطلاق التخيير لها إلى غاية هي تمكينها من نفسها ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها إن تشأ فارقته وإن وطىء لها فلا خيار لها ولا تستطيع فراقه
وفي رواية للدارقطني إن وطئك فلا خيار لك كذا في النيل
قال المنذري في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه
2 -
باب في المملوكين
أي الذين أحدهما زوج للآخر يعتقان معا هل تخير امرأته أي زوجة المملوك المفهوم من المملوكين
(مملوكين لها) أي كائنين ثابتين لعائشة (زوج) أي هما زوج أي رجل وامرأة لأن الزوج في الأصل يطلق على شيئين بينهما ازدواج وقد يطلق على فرد منهما
قال الطيبي قوله لها زوج كذا في سنن أبي داود وفي إعرابه إشكال إلا أن يقدر أحدهما زوج للآخر أو بينهما<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله واستدل به من يقول إن التخيير إنما يكون للمعتقة تحت عبد ولو كان لها خيار إذ كانت تحت حر لم يكن لتقديم عتق الزوج عليها معنى ولا فائدة
وفيه نظر
ازدواج وفي أكثر النسخ للمصابيح وفي شرح السنة زوجين على أنه صفة مملوكين والضمير في لها لعائشة وفي بعض نسخ المصابيح مملوكة لها فالضمير للجارية كذا في المرقاة
قلت في بعض نسخ أبي داود الموجودة بأيدينا زوجين وفي بعضها زوجا وامرأته وفي الأكثر زوج (فسألت) أي عائشة (فأمرها أن تبدأ بالرجل) أي بإعتاق الرجل قبل المرأة لأن إعتاقه لا يوجب فسخ النكاح وإعتاق المرأة يوجبه فالأول أولى بالابتداء لئلا ينفسخ النكاح إن بدىء به
هذا حاصل كلام المظهر قال القارىء والأظهر أنه إنما بدىء به لأنه الأكمل والأفضل أو لأن الغالب استنكاف المرأة عن أن يكون زوجها عبدا بخلاف العكس والله تعالى أعلم انتهى
قال الخطابي في المعالم في هذا دلالة على أن الخيار بالعتق إنما يكون للأمة إذا كانت تحت عبد ولو كان لها خيار إذا كانت تحت حر لم يكن لتقديم عتق الزوج عليها معنى ولا فيه فائدة قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه وفي إسناده عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب وقد ضعفه يحيى بن معين وقال مرة ثقة وقال النسائي ليس بذلك القوي
$ 3 - (باب إذا أسلم أحد الزوجين)
(فردها عليه) فيه التفات وفي بعض النسخ علي بتشديد الياء
والحديث يدل على أن الزوجين إذا أسلما معافهما على نكاحهما ولا يسأل عن كيفية وقوعه قبل الإسلام هل وقع صحيحا أم لا ما لم يكن المبطل قائما كما إذا أسلمنا وقد نكحها وكانت هي محرما له بنسب إرضاع قال المنذري وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح
(فجاء زوجها) أي زوجها الأول (وعلمت بإسلامي) أي ومع هذا تزوجت (من زوجها الآخر) بكسر الخاء
والحديث دليل على أنه إذا أسلم الزوج وعلمت امرأته بإسلامه فهي في عقد نكاحه وإن تزوجت فهو تزوج باطل تنتزع من الزوج الآخر
قال القارىء ناقلا عن المظهر إذا أسلما قبل انقضاء العدة ثبت النكاح بينهما سواء كانا على دين واحد كالكتابيين والوثنيين أو أحدهما كان على دين والآخر على دين وسواء كانا في دار الإسلام أو في دار الحرب أو أحدهما في أحدهما والآخر في الآخر وهذا مذهب الشافعي وأحمد
وقال أبو حنيفة تحصل الفرقة بينهما بأحد ثلاثة أمور انقضاء العدة أو عرض الإسلام على الآخر مع الامتناع عنه أو بنقل أحدهما من دار الإسلام إلى دار الحرب أو بالعكس وسواء عنده الإسلام قبل الدخول أو بعده انتهى
قال المنذري وأخرجه بن ماجه
$ 4 - (باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها)
(ولم يحدث شيئا) وفي رواية لأحمد ولم يحدث شهادة ولا صداقا (قال محمد بن<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال الإمام أحمد حديث بن عباس في هذا أصح قيل له
أليس يروي أنه ردها بنكاح مستأنف قال ليس لذلك أصل
وقال بن عبد البر قصة أبي العاص مع امرأته لا تخلو من أن تكون قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار فتكون منسوخة بما جاء بعدها أو تكون حاملا واستمر حملها حتى أسلم زوجها أو
عمرو في حديثه بعد ست سنين
وقال الحسن بن علي بعد سنتين) ووقع في رواية بعد ثلاث سنين وأشار الحافظ في الفتح إلى الجمع فقال المراد بالست ما بين هجرة زينب وإسلامه وبالسنتين أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى لاهن حل لهم وقدومه مسلما فإن بينهما سنتين وأشهرا
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه
وفي حديث الترمذي بعد ست سنين وفي حديث بن ماجه بعد سنتين
وقال الترمذي ليس بإسناده بأس ولكن لا يعرف وجه هذا الحديث ولعله قد جاء هذا من قبل داود بن الحصين من قبل حفظه
وحكي عن يزيد بن هارون أنه ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد وقال حديث بن عباس أجود إسنادا والعمل على حديث عمرو بن شعيب
وقال الخطابي وهذا أصح فإنه يحتمل أن يكون عدتها قد تطاولت لاعتراض سبب حتى بلغت المدة المذكورة في الحديث
إما الطولى منها وإما القصرى إلا أن حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس نسخه وقد ضعف أمرها علي بن المديني وغيره من علماء الحديث
وقال بعضهم معنى ردها عليه على النكاح الأول أي على مثل النكاح الأول في<span class="matn-hr"> </span>Qمريضة لم تحض ثلاث حيضات حتى أسلم أو تكون ردت إليه بنكاح جديد ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب تم كلامه
وللناس في حديث بن عباس عدة طرق أحدها رده باستمرار العمل على خلافه قال الترمذي سمعت عبد بن حميد يقول سمعت يزيد بن هارون يقول حديث بن عباس أجود إسنادا والعمل على حديث عمرو بن شعيب
وقال بن عبد البر لم يختلف العلماء أن بانقضاء العدة ينفسخ النكاح إلا شيء روي عن النخعي شذ فيه عن جماعة العلماء فلم يتبعه عليه أحد زعم أنها ترد إلى زوجها وإن طالت المدة
الثاني معارضته بحديث عمرو بن شعيب
الثالث تضعيف داود بن الحصين عن عكرمة
الرابع حمله على ردها بنكاح مثل الأول لم يحدث فيه شيئا
الخامس حمله على تطاول زمن العدة
السادس القول بموجبه ويروى عن علي بن أبي طالب وإبراهيم النخعي وغيرهما
الصداق والحباء لم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره
وقال البخاري حديث بن عباس أصح في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب
وقال الدارقطني في حديث عمرو بن شعيب هذا لا يثبت والصواب حديث بن عباس
وقال الخطابي إنما ضعفوا حديث عمرو بن شعيب من قبل الحجاج بن أرطاة لأنه معروف بالتدليس وحكى محمد بن عقيل أن يحيى بن سعيد قال لم يسمعه حجاج بن عمرو
انتهى كلام المنذري
وقال الحافظ وأحسن المسالك في تقرير الحديثين ترجيح حديث بن عباس كما رجحه الأئمة وحمله على تطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلام أبي العاص ولا مانع من ذلك انتهى
وقال بن القيم في زاد المعاد ما محصله إن اعتبار العدة لم يعرف في<span class="matn-hr"> </span>Qالسابع أن تحريم نكاح الكفار إنما كان في سورة الممتحنة وهي نزلت بعد الحديبية فلم يكن نكاح الكافر المسلمة قبل ذلك حراما ولهذا في قصة الممتحنة لما نزلت {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} عمد عمر إلى امرأتين له فطلقهما ذكره البخاري
فدل على أن التحريم كان من يومئذ
وإذا ثبت هذا فأبو العاص بن الربيع إنما أسلم في زمن الهدنة بعد ما أخذت سرية زيد بن حارثة ما معه فأتى المدينة فأجارته زينب فأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم جوارها ودخل عليها فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له وكان هذا بعد نزول آية التحريم في الممتحنة ثم إن أبا العاص رجع إلى مكة فأدى ما كان عنده من بضائع أهل مكة ثم أسلم وخرج إلى المدينة فلم يطل الزمان بين إسلامه ونزول آية التحريم فردها عليه بالنكاح الأول
الثامن أن حديث بن عباس في قصته منسوخ وسلك ذلك الطحاوي وادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها إليه بعد رجوعه من بدر حين أسر وروى في ذلك عن الزهري أنه أخذ أسيرا يوم بدر فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه ابنته ثم إن الله سبحانه حرم نكاح الكفار في قضية الممتحنة
التاسع ما حكاه عن بعض أصحابهم في الجمع بين الحديثين بأن عبد الله بن عمرو علم تحريم نكاح الكافر فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاح جديد فقال ردها عليه بنكاح جديد ولم يعلم بن عباس بالتحريم فقال ردها بالنكاح الأول لأنه لم يكن عنده بينهما فسخ نكاح
فهذه مجامع طرق الناس في هذا الحديث
أفسدها هذان الآخران فإنهما غلط محض والنبي صلى الله عليه وسلم لم يردها على أبي العاص يوم بدر قط وإنما الحديث في قصة بدر
أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقه
شيء من الأحاديث وإلا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل المرأة هل انقضت عدتها أم لا ولو كان الإسلام بمجرد فرقة لكانت طلقة بائنة ولا رجعة فيها فلا يكون الزوج أحق بها إذا أسلم وقد دل حكمه صلى الله عليه وسلم أن النكاح موقوف فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت وإن أحبت انتظرته وإذا أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح
قال ولا نعلم أحدا جدد بعد الإسلام نكاحه البتة بل الواقع أحد الأمرين إما افتراقهما<span class="matn-hr"> </span>Qوشرط عليه أن يرد عليه ابنته لأنها كانت بمكة فلما أسر أبو العاص أطلقه بشرط أن يرسلها إلى أبيها ففعل ثم أسلم بعد ذلك بزمان في الهدنة هذا هو المعروف الذي لا يشك فيه من له علم بالمغازي والسير وما ذكروه عن الزهري وقتادة فمنقطع لا يثبت
وأما المسلك التاسع فمعاذ الله أن يظن بالصحابة أنهم يروون أخبارا عن الشيء الواقع والأمر بخلافه بظنهم واعتقادهم وهذا لا يدخله إلا الصدق والكذب فإنه إخبار عن أمر واقع مشاهد هذا يقول ردها بنكاح جديد فهل يسوغ أن يخبر بذلك بناء على اعتقاده من غير أن يشهد القصة أو تروى له وكذا من قال ردها بالنكاح الأول
وكيف يظن بعبد الله بن عمرو أنه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عقد نكاح لم يثبته ولم يشهده ولا حكي له وكيف يظن بابن عباس أن يقول ردها بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا وهو لا يحيط علما بذلك ثم كيف يشتبه على مثله نزول آية الممتحنة وما تضمنته من التحريم قبل رد زينب على أبى العاص ولو قدر اشتباهه عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لحداثة سنه أفترى دام هذا الاشتباه عليه واستمر حتى يرويه كبيرا وهو شيخ الإسلام ومثل هذه الطرق لا يسلكها الأئمة ولا يرضى بها الحذاق
وأما تضعيف حديث داود بن الحصين عن عكرمة فمما لا يلتفت إليه
فإن هذه الترجمة صحيحة عند أئمة الحديث لا مطعن فيها وقد صحح الإمام أحمد والبخاري والناس حديث بن عباس وحكموا له على حديث عمرو بن شعيب وأما حملها على تطاول العدة فلا يخفى بعده
وأما حمله على أنه ردها بنكاح جديد مثل الأول ففي غاية البعد واللفظ ينبو عنه
وأما رده بكونه خلاف الإجماع ففاسد إذ ليس في المسألة إجماع والخلاف فيها أشهر والحجة تفصل بين الناس
وليس القول في الحديث إلا أحد قولين إما قول إبراهيم النخعي وإما قول من يقول إن التحريم لم يكن ثابتا إلى حين نزول الممتحنة فكانت الزوجية مستمرة قبل ذلك
فهذان المسلكان أجود ما سلك في الحديث
والله أعلم
ونكاحها غيره وإما بقاؤهما على النكاح الأول إذا أسلم الزوج وإما تنجيزا لفرقة أو مراعاة العدة فلم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بواحد منهما مع كثرة من أسلم في عهده
قال الشوكاني هذا كلام في غاية الحسن والمتانة
$ 5 - (باب فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع)
أو أختان (عن حميضة) بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية وفتح الضاد المعجمة (بن الشمردل) بفتح الشين المعجمة وفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المعجمة آخره لام بوزن سفرجل
قال الحافظ مقبول من الثالثة (قال مسدد) أي في روايته (بن عميرة) أن نسب مسدد قيسا إلى أبيه وقال عن الحارث بن قيس بن عميرة وقال وهب في روايته أي قال الحارث بن قيس الأسدي (اختر منهن أربعا) ظاهره يدل على أن الاختيار في ذلك إليه يمسك من شاء منهن سواء كان عقد عليهن كلهن في عقد واحد أو لا لأن الأمر قد فوض إليه من<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد اختصر كلام البخاري ونحن نذكره لكمال الفائدة قال البخاري حديث غيلان بن سلمة يعني من حديث عبد الله بن عمر غير محفوظ والصحيح ما رواه شعيب وغيره عن الزهري عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان أسلم قال البخاري وأما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلا من ثقيف طلق نساءه فقال عمر رضي الله عنه لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال
وقال بن عبد البر الأحاديث في تحريم ما زاد على الأربع كلها معلولة
وقال بن القطان هذا حديث مختلف فيه على الزهري ومالك ومعمر يقولان عنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من ثقيف ويونس في روايته عنه يقول عن الزهري عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لغيلان حين أسلم ذكره بن وهب عن يونس وروى الليث عن يونس
الاختيار من غير استفصال وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق
وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري إن نكحهن في عقد واحد فرق بينه وبينهن وإن كان نكح واحدة بعد الأخرى حبس أربعا منهن الأولى فالأولى ويترك سائرهن
هذا تلخيص ما قال الخطابي في المعالم
وقال علي القارىء في المرقاة قال المظهر فيه أن أنكحة الكفار صحيحة حتى إذا أسلموا لم يؤمروا بتجديد النكاح إلا إذا كان في نكاحهم من لا يجوز الجمع بينهن من النساء وأنه لا يجوز أكثر من أربع نسوة وأنه إذا قال اخترت فلانة وفلانة للنكاح ثبت نكاحهن وحصلت الفرقة بينه وبين ما سوى الأربع من غير أن يطلقهن
وقال قال محمد في موطئه بهذا نأخذ يختار منهن أربعا أيتهن شاء ويفارق ما بقي
وأما أبو حنيفة رحمه الله فقال الأربع الأول جائز ونكاح من بقي منهن باطل وهو قول إبراهيم النخعي
قال بن الهمام والأوجه قول محمد
انتهى
(قال أحمد بن إبراهيم هذا هو الصواب يعني قيس بن الحارث) قال الحافظ في التقريب قيس بن الحارث الأسدي ويقال الحارث بن قيس قال المنذري وفي روايته قيس بن الحارث وضعفه بعضهم وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضعفه<span class="matn-hr"> </span>Qعن بن شهاب بلغني عن عثمان بن أبي سويد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث
وروى شعيب بن أبي حمزة وغير واحد عن الزهري حديث عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان أسلم ذكره البخاري والناس وقال معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان أسلم ذكره الإمام أحمد بن حنبل وغيره
فهذه خمس وجوه
آخر كلامه
وقد رواه الدارقطني من حديث سيف بن عبد الله الجرمي أخبرنا سرار بن مجشر عن أيوب عن نافع وسالم عن بن عمر أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسك منهن أربعا فلما كان زمن عمر طلقهن فقال له عمر راجعهن وإلا ورثتهن مالك وأمرت بقبرك يرجم
ولكن سيف وسرار ليسا بمعروفين بحمل الحديث وحفظه وقال الدارقطني في كتاب العلل وقد ذكر هذا الحديث تفرد به سيف بن عبد الله الجرمي عن سرار وسرار ثقة من أهل البصرة
ومعلوم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته بل لو تفرد به من هو أجل من سيف لكان تفرده علة
والله أعلم
غير واحد من الأئمة
وقال أبو القاسم البغوي ولا أعلم للحارث بن قيس حديثا غير هذا
وقال أبو عمر النمري ليس له إلا حديث واحد ولم يأت من وجه صحيح
وقد أخرج الترمذي وبن ماجه من حديث عبد الله بن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير أربعا منهن
قال البخاري هذا حديث غير محفوظ يعني أن الصحيح إرساله وقد ذكر ذلك وبينه
وقال مسلم بن الحجاج أهل اليمن أعرف بحديث معمر فإن حدث به ثقة من غير أهل البصرة موصولا (هكذا في نسخة المنذري من غير ذكر الجزاء أي فأخذ به) وأخرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن عباس وإسناده ضعيف
(عن أبي وهب الجيشاني) بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها معجمة قيل اسمه ديلم بن هوشع وقال بن يونس هو عبيد بن شرحبيل مقبول من الرابعة
كذا في التقريب (عن الضحاك بن فيروز) بفتح فائه غير منصرف للعجمة والعلمية (عن أبيه) هو فيروز وهو من أبناء فارس من فرس صنعاء وكان ممن وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة باليمن قتل في آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصله خبره في مرضه الذي مات فيه (طلق أيتهما شئت) ذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أنه لو أسلم رجل وتحته أختان وأسلمتا<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث يرويه أبو وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز عن أبيه
قال البخاري في إسناد هذا الحديث نظر
ووجه قوله أن أبا وهب والضحاك مجهول حالهما وفيه يحيى بن أيوب ضعيف
وقوله طلق أيتهما شئت دليل على أنه طلق واحدة لم يكن اختيارا لها كما قال أصحابنا وأصحاب الشافعي قالوا لأن الطلاق إنما يكون للزوجة لا للأجنبية فإذا طلقها كان دليلا على استبقاء نكاحها وهذا ضعيف جدا فإن طلاقه لها إنما هو رغبة عنها وقطع لنكاحها فكيف يكون
معه كان له أن يختار إحداهما سواء كانت المختارة تزوجها أولا أو آخرا
وقال أبو حنيفة رحمه الله إن تزوجهما معا لا يجوز له أن يختار واحدة منهما وإن تزوجهما متعاقبتين له أن يختار الأولى منهما دون الأخيرة
كذا في المرقاة
قلت والظاهر ما ذهب إليه الأولون لتركه صلى الله عليه وسلم للاستفصال قال الخطابي فيه حجة لمن ذهب إلى أن اختياره إحداها لا يكون فسخا لنكاح الأخرى حتى يطلقها
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه
وقال الترمذي حديث حسن وفي لفظ الترمذي اختر أيتهما شئت
ولفظ بن ماجه طلق كما ذكره أبو داود<span class="matn-hr"> </span>Qاختيارا لها وهو لو قال طلقت هذه وأمسكت هذه أو اخترت هذه جعلتم التي اختار إمساكها مفارقة والتي اختار طلاقها مختارة وهذا معلوم أنه ضد مقصوده
وأقصى ما في الباب أنه استعمل لفظ الطلاق في مفارقتها النبي صلى الله عليه وسلم قال له فارق سائرهن والمفارقة أيضا من سرائح الطلاق عندكم فإذا قال فارقت هذه كان اختيارا لها وهذا أحد الوجهين لهم
وإنما يكون مفارقا لها إذا قال فسخت نكاح هؤلاء أو اخترت هؤلاء ونحوه وصاحب الشرع قد أمره بالفراق
وإذا أتى باللفظ الذي أمره به كان ذلك فراقا لا اختيارا
وأما قولهم إن الطلاق لا يكون في زوجة
قلنا هذا ينتقض بالفسخ وإنكم قد قلتم لو فسخ نكاح إحداهن كان اختيارا للباقيات ومعلوم أن الفسخ لا يكون إلا في زوجة فما هو جوابكم في الفسخ هو الجواب في الطلاق
وأيضا فالطلاق جعل عبارة عن الفسخ وإخراجا للمطلقة واستبقاء للأخرى فكأنه قال أرسلت هذه وسيبتها ونحوه وأمسكت هذه
وأيضا فإن النكاح لم تزل أحكامه كلها بالإسلام ولهذا قلتم إن عدة المفارقات من حين الاختيار لا من حين الإسلام على الصحيح وعللتم ذلك بأنهن إنما بن منه بالاختيار لا بالإسلام فالطلاق أثر في قطع أحكام النكاح وإزالتها
وأيضا فإن العبرة بالقصد والنية وهو لم يرد قط بقوله طلقت هذه اختيارها بل هذا قلب للحقائق وأيضا فإن لفظ الطلاق لم يوضع للاختيار لغة ولا شرعا ولا عرفا ولا هو اصطلاح خاص له يريده بكلامه فحمله على الاختيار ممتنع
$ 26 - (باب إذا أسلم أحد الأبوين لمن يكون الولد)
وفي بعض النسخ مع من يكون
(وهي فطيم) أي مفطومة
قال في القاموس فطم الصبي فصله عن الرضاع فهو مفطوم وفطيم (أو شبهه) أي شبه الفطيم (فقال له) أي لرافع (اقعد ناحية) أي في ناحية (وقال لها) أي لامرأة رافع (اللهم اهداها) أي الصبية (فمالت الصبية إلى أبيها فأخذها)
قال الخطابي في هذا بيان أن الولد الصغير إذا كان بين المسلم والكافر فإن المسلم أحق به وإلى هذا ذهب الشافعي
وقال أصحاب الرأي في الزوجين يفترقان بطلاق والزوجة ذمية أن الأم أحق بولدها ما لم تتزوج ولا فرق في ذلك بين المسلمة والذمية
قال المنذري وأخرجه النسائي
$ 7 - (باب في اللعان)
قال في الفتح اللعان مأخوذ من اللعن لأن الملاعن يقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين
واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية لأنه قول الرجل وهو الذي بدأ به في الآية وهو أيضا يبدأ به وقيل سمي لعانا لأن اللعن الطرد والإبعاد وهو مشترك بينهما وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها
ثم قال وأجمعوا على أن اللعان مشروع وعلى أنه يجوز مع عدم التحقق
واختلف في وجوبه على الزوج لكن لو تحقق أن الولد ليس منه قوي الوجوب
(أن عويمر بن أشقر) بمعجمة فقاف (العجلاني) بفتح العين وسكون الجيم (أرأيت رجلا) أي أخبرني عن حكم رجل (وجد مع امرأته رجلا) أي وجزم أنه زنى بها (أيقتله فيقتلونه) أي قصاصا وفي بعض النسخ فيقتلونه بالياء المثناة من تحت أي يقتله أهل القتيل (أم كيف يفعل) يحتمل أن تكون أم متصلة والتقدير أم يصبر على ما به من المضض ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى الإضراب أي بل هناك حكم آخر لا نعرفه ويريد أن يطلع عليه فلذلك قال سل لي ياعاصم
قال النووي اختلفوا فيمن قتل رجلا قد جزم أنه زنى بامرأته فقال جمهورهم يقتل إلا أن يقوم بذلك بينة أو يعترف له ورثة القتيل ويكون القتيل محصنا والبينة أربعة من العدول من الرجال يشهدون على نفس الزنى
أما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان صادقا فلا شيء عليه (فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها) لما فيها من البشاعة وغيرها
قال النووي المراد كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها لاسيما ما كان فيه هتك ستر مسلم أو إشاعة فاحشة أو شناعة عليه وليس المراد المسائل المحتاج إليها إذا وقعت فقد كان المسلمون يسألون عن النوازل فيجيبهم صلى الله عليه وسلم بغير كراهة (حتى كبر) بفتح الكاف وضم الموحدة أي عظم وزنا ومعنى (لا أنتهي حتى أسأله عنها) أي لا أمتنع عن السؤال (وهو وسط الناس بفتح السين وسكونها (فقال يارسول الله أرأيت) أي أخبرني وعبر بالإبصار عن الإخبار لأن الرؤية سبب العلم وبه يحصل الإعلام
فالمعنى أعلمت فأعلمني (أيقتله فيقتلونه) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه
وفي بعض النسخ فيقتلونه أي يقتله أهل القتيل (قد أنزل فيك وفي
صاحبتك قرآن) أي قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم إلى آخر الآيات (فاذهب فأت بها) يعني فذهب فأتى بها (فلما فرغا) أي عويمر وزوجته عن التلاعن (كذبت عليها يارسول الله إن أمسكتها) أي في نكاحي وهو كلام مستقل (فطلقها عويمر ثلاثا) كلام مبتدأ منقطع عما قبله تصديقا لقوله في أنه لا يمسكها وإنما طلقها لأنه ظن أن اللعان لا يحرمها عليه فأراد تحريمها بالطلاق
قال بعض الشراح قوله كذبت عليها كلام مستقل توطئة لتطليقها ثلاثا يعني إن أمسكت هذه المرأة في نكاحي ولم أطلقها يلزم كأني كذبت فيما قذفتها لأن الإمساك ينافي كونها زانية فلو أمسكت فكأني قلت هي عفيفة لم تزن فطلقها ثلاثا لقوله إنه لا يمسكها انتهى (قال بن شهاب) هو الزهري (فكانت تلك) أي الفرقة بين المتلاعنين
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم وبن ماجه
(أمسك المرأة عندك حتى تلد) هذا صريح في أن اللعان وقع بينهما وهي حامل وفيه جواز لعان الحامل
قال المنذري في إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه
(حضرت لعانهما) أي لعان عويمر وامرأته (ثم خرجت) أي امرأة عويمر (فكان الولد يدعى إلى أمه) لقوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر والحديث سكت عنه المنذري
(أبصروها) أي انظروا المرأة الملاعنة (فإن جاءت به) أي بالولد (أدعج العينين) في النهاية الدعج السواد في العين وغيرهما وقيل الدعج شدة سواد العين في شدة بياضها (عظيم الأليتين) بفتح الهمزة والألية العجيزة وكان الرجل الذي نسب إليه الزنى موصوفا بهذه الصفات (فلا أراه) بضم الهمزة أي لا أظن عويمرا (إلا قد صدق) بتخفيف الدال أي تكلم بالصدق (وإن جاءت به أحيمر) تصغير أحمر (كأنه وحرة) بفتحات دويبة حمراء تلتزق بالأرض (فلا أراه إلا كاذبا) فإن عويمرا كان أحمر (فجاءت به على النعت المكروه) وهو شبهه بمن رميت به
والحديث سكت عنه المنذري
(فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الخطابي يحتمل وجهين أحدهما إيقاع الطلاق وإنفاذه وهذا على قول من زعم أن اللعان لا يوجب الفرقة وأن فراق العجلاني امرأته إنما كان بالطلاق وهو قول عثمان البتي والوجه الآخر أن يكون معناه إنفاذ الفرقة الدائمة المتأبدة وهذا على قول من لا يراها تصلح للزوج بحال وإن أكذب نفسه فيما رماها به وإلى هذا ذهب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري ويعقوب وأحمد وإسحاق ويشهد لذلك قوله عليه السلام ولا يجتمعان أبدا وقال الشافعي إن كانت زوجته أمة فلاعنها ثم اشتراها لم تحل له إصابتها لأن الفرقة وقعت متأبدة فصارت كحرمة الرضاع
ومذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن أنه إذا أكذب نفسه بعد اللعان ارتفع تحريم العقد وكان للزوج نكاحها كما إذا أكذب نفسه بعد اللعان ثبت النسب ولحقه الولد
(ثم لا يجتمعان أبدا) فيه دليل على تأييد الفرقة
قال في النيل والأدلة الصحيحة
الصريحة قاضية بالتحريم المؤبد وكذلك أقوال الصحابة وهو الذي يقتضيه حكم اللعان ولا يقتضي سواه فإن لعنة الله وغضبه قد حلت بأحدهما
وقد وقع الخلاف هل اللعان فسخ أو طلاق فذهب الجمهور إلى أنه فسخ وذهب أبو حنيفة ورواية عن محمد إلى أنه طلاق انتهى
والحديث سكت عنه المنذري
(قال مسدد) أي في روايته (قال) أي سهل (وتم حديث مسدد) أي إلى قوله حين تلاعنا (وقال الآخرون) أي وهب بن بيان وأحمد بن عمرو وعمرو بن عثمان (لم يقل عليها) أي لفظة عليها (لم يتابع بن عيينة) بالنصب مفعول لم يتابع والمراد أن سفيان بن عيينة قد تفرد في حديث سهل بلفظة فرق بين المتلاعنين ولم يتابعه عليها أحد
قال المنذري قال البيهقي ويعني بذلك في حديث الزهري عن سهل بن سعد لا ما رويناه عن الزبيدي عن الزهري يريد أن بن عيينة لم ينفرد وقد تابعه عليها الزبيدي
وذكر البيهقي بعد هذا حديث بن عمر فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني عجلان والمراد من هذا أن الفرقة لم يقع بالطلاق ومعنى التفريق تبيينه صلى الله عليه وسلم الحكم لإيقاع الفراق بدليل قوله قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك
(وكانت) أي المرأة (حاملا) حين وقع اللعان بينهما (فأنكر حملها) أي أنكر الرجل الملاعن حمل المرأة منه
وفيه دليل على جواز الملاعنة بالحمل وإليه ذهب بن أبي ليلى ومالك وأبو عبيد فإنهم قالوا من نفى حمل امرأته لاعن بينهما القاضي وألحق الولد بأمه
وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد وأحمد في رواية لا يلاعن بالحمل وأجابوا بأن اللعان كان بالقذف لا بالحمل قاله العيني (فكان ابنها يدعى إليها) لا إلى زوجها
الملاعن إذ اللعان ينتفي به النسب عنه إن نفاه في لعانه وإذا انتفى منه ألحق بها لأنه متحقق منها (أن يرثها) أي يرث الولد الذي نفاه الرجل الملاعن من المرأة الملاعنة (وترث منه) أي ترث المرأة من الولد
والحديث سكت عنه المنذري
(جلدتموه) أي بحد القذف (أو قتل قتلتموه) أي بالقصاص فقال اللهم افتح) أي احكم أو بين لنا الحكم في هذا والفتاح الحاكم ومنه قوله تعالى ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (ثم لعن) أي الرجل (الخامسة) أي في المرة الخامسة (عليه) أي على نفسه (قال فذهبت) أي المرأة (لتلتعن) أي لتلاعن واللعان والالتعان بمعنى (مه) كلمة زجر (فأبت) أي عن أن تنزجر (لعلها أن تجيء به) أي بالولد (أسود جعدا) أي ليس سبط الشعر
قال الخطابي في معالم السنن قوله لعلها أن تجيء به إلخ دليل على أن المرأة كانت حاملا وأن اللعان وقع على الحمل
وممن رأى اللعان على نفي الحمل مالك والأوزاعي وبن أبي ليلى والشافعي
وقال أبو حنيفة لا تلاعن بالحمل لأنه لا يدري لعله ريح انتهى
قال المنذري وأخرجه مسلم وبن ماجه
(أن هلال بن أمية) بضم همز وفتح ميم وتشديد تحتية (قذف امرأته) أي نسبها إلى الزنى (بشريك بن سحماء) بفتح أوله (البينة) بالنصب أي أحضر البينة (أوحد) بالرفع أي أتحضر البينة أو يقع حد (في ظهرك) أي على ظهرك (يلتمس البينة) جواب إذا بتقدير الاستفهام على سبيل الاستبعاد والالتماس الطلب
وفي رواية البخاري ينطلق يلتمس البينة (ولينزلن) بفتح اللام وضم التحتية وسكون النون وكسر الزاي المخففة وفي آخره نون مشددة القذف (ما يبريء) بتشديد الراء وتخفيفها أي ما يدفع ويمنع (من الحد) أي من حد القذف (والذين يرمون أزواجهم) أي يقذفون زوجاتهم (قرأ) وفي بعض النسخ فقرأ أي ما بعده من الآيات (فأرسل إليهما) أي إلى هلال بن أمية وامرأته (فجاءا) بلفظ التثنية (فشهد) أي لاعن (الله يعلم) وفي رواية البخاري إن الله يعلم (أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب) قال عياض ظاهره أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان فيؤخذ منه عرض التوبة على المذنب ولو بطريق الإجمال وأنه يلزم من كذبه التوبة من ذلك
وقال الداودي قال ذلك قبل اللعان تحذيرا لهما منه والأول أظهر وأولى بسياق الكلام
قال الحافظ والذي قاله الداودي أولى من جهة أخرى وهي مشروعية الموعظة قبل الوقوع في المعصية بل هو أحرى مما بعد الوقوع انتهى
قلت وسياق هذا الحديث ظاهر فيما قال الداودي (إنها موجبة) أي للعذاب الأليم إن كنت كاذبة (فتلكأت) بتشديد الكاف أي توقفت يقال تلكأ في الأمر إذا تبطأ عنه وتوقف فيه (ونكصت) أي رجعت وتأخرت وفي القرآن نكص على عقبيه والمعنى أنها سكتت بعد الكلمة الرابعة (أنها سترجع) أي عن مقالها في تكذيب الزوج ودعوى البراءة عما رماها به (سائر اليوم) أي في
جميع الأيام وأبد الدهر أو فيما بقي من الأيام بالإعراض عن اللعان والرجوع إلى تصديق الزوج وأريد باليوم الجنس ولذلك أجراه مجرى العام والسائر كما يطلق للباقي يطلق للجميع (فمضت) أي في الخامسة (أبصروها) أي انظروا وتأملوا فيما تأتي به من ولدها (أكحل العينين) أي الذي يعلو جفون عينيه سواد مثل الكحل من غير اكتحال (سابغ الأليتين) أي عظيمهما (خدلج الساقين) أي سمينهما (فهو) أي الولد (لولا ما مضى من كتاب الله) من بيان لما أي لولا ما سبق من حكمه بدرء الحد عن المرأة بلعانها (لكان لي ولها شأن) أي في إقامة الحد عليها أو المعنى لولا أن القرآن حكم بعدم الحد على المتلاعنين وعدم التعزير لفعلت بها ما يكون عبرة للناظرين وتذكرة للسامعين
فإن قلت الحديث الأول من الباب يدل على أن عويمرا هو الملاعن والآية نزلت فيه والولد شابهه وهذا الحديث يدل على أن هلالا هو الملاعن والآية نزلت فيه والولد شابهه ويجاب بأن النووي قال اختلفوا في نزول آية اللعان هل هو بسبب عويمر أم بسبب هلال وقال الأكثرون إنما نزلت في هلال وأما قوله عليه السلام لعويمر إن الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك فقالوا معناه الإشارة إلى ما نزل في قصة هلال لأن ذلك حكم عام لجميع الناس ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعا فلعلهما سألا في وقتين متقاربين فنزلت الآية فيهما وسبق هلال باللعان انتهى
كذا في القسطلاني (قال أبو داود وهذا) أي هذا الحديث الذي فيه قصة اللعان لهلال بن أمية (تفرد به أهل المدينة) كعكرمة عن بن عباس وهما من أهل المدينة وما روى هذه القصة غير أهل المدينة (حديث بن بشار) بيان لهذا (حديث هلال) بدل من حديث بن بشار
قال المنذري وأخرجه البخاري والترمذي وبن ماجه
(أن يضع) أي الرجل (يده) الضمير للرجل (على فيه) أي على فم الرجل الملاعن (يقول) حال من ضمير يضع (إنها) أي الشهادة الخامسة (موجبة) أي لغضب الله وعقابه
قال المنذري وأخرجه النسائي
(أحد الثلاثة) هم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك (فلم يهجه) من هاج أي لم يزعج هلال ذلك الرجل ولم ينفره ومعناه بالفارسية تنبيه وسرزنش نكرداورا (الآيتين كلتيهما) أي قرأ الآيتين كلتيهما (فسري) أي كشف الوحي (قد جعل الله لك فرجا) بفتح الفاء والراء بالفارسية كشايش (وذكرهما) من التذكير (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي لأصحابه (فتلكأت) أي توقفت (ولا ترمى) أي لا تقذف المرأة بالزنى (ولا يرمى ولدها) أي لا يقال لولدها إنه ولد زنا (ومن رماها أو
رمى ولدها فعليه الحد) فيه دليل على أنه يجب الحد على من رمى المرأة التي لاعنها زوجها بالرجل الذي اتهمها به وكذلك يجب على من قال لولدها إنه ولد زنا وذلك لأنه لم يتبين صدق ما قاله الزوج
والأصل عدم الوقوع في المحرم ومجرد وقوع اللعان لا يخرجها عن العفاف والأعراض محمية عن الثلب ثلب بالفتح عيب ثلاب جمع منتهى الأرب مالم يحصل اليقين (وقضى أن لا بيت) أي لا مسكن (لها) أي لامرأة هلال (عليه) أي على هلال (ولا قوت) أي ولا نفقة (من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها) قال الخطابي فيه أن اللعان فسخ وليس بطلاق وأنه ليس للملاعنة على زوجها سكنى ولا نفقة وإليه ذهب الشافعي
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن اللعان تطليقة بائنة ولها السكنى والنفقة في العدة انتهى (إن جاءت به) أي بالولد (أصيهب) تصغير الأصهب وهو من الرجال الأشقر ومن الإبل الذي يخالط بياضه حمرة (أريصح) تصغير الأرصح وهو خفيف الأليتين أبدلت السين منه صادا وقد يكون تصغير الأرسع أبدلت عينه حاء (أثيبج) تصغير الأثبج وهو الناتئ الثبج وهو ما بين الكاهل ووسط الظهر قاله السيوطي
وفي المصباح الثبج بفتحتين ما بين الكاهل إلى الظهر والأثبج على وزن احمر الناتىء الثبج وقيل العريض الثبج ويصغر على القياس فيقال أثيبج انتهى (حمش الساقين) بمفتوحة فساكنة فمعجمة أي دقيق الساقين (أورق) هو الأسمر (جعدا) بفتح الجيم وسكون المهملة بعدها دال مهملة
قال في القاموس الجعد من الشعر خلاف السبط أو القصير منه (جماليا) قال في المجمع هو بتشديد الياء الضخم الأعضاء التام الأوصال كأنه الجمل (خدلج الساقين) بفتح الخاء والدال المهملة وتشديد اللام أي ممتلىء الساقين وعظيمهما (سابغ الأليتين) أي تامهما وعظيمهما (لولا الأيمان) أي الشهادات
واستدل به من قال إن اللعان يمين وإليه ذهب الشافعي والجمهور وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي في قول أنه شهادة وفيه مذاهب أخر ذكرها الحافظ في فتح الباري (فكان) أي الولد (أميرا على
مضر) قبيلة
قال المنذري في إسناده عباد بن منصور وقد تكلم فيه غير واحد وكان قدريا داعية
(حسابكما) أي محاسبتكما وتحقيق أمركما ومجازاته (على الله أحدكما كاذب) أي في نفس الأمر ونحن نحكم بحسب الظاهر (لا سبيل لك عليها) أي لا يجوز لك أن تكون معها بل حرمت عليك أبدا
واستدل به من قال بوقوع الفرقة بنفس اللعان من غير احتياج إلى تفريق الحاكم وقد تقدم بعض الكلام فيه (قال يارسول الله مالي) هو فاعل فعل محذوف أي أيذهب مالي وأين يذهب مالي الذي أعطيتها مهرا (قال لا مال لك) أي باق عندها (فهو بما استحللت من فرجها) أي فمالك في مقابلة وطئك إياها
وفيه أن الملاعن لا يرجع بالمهر عليها إذا دخل عليها وعليه اتفاق العلماء وأما إن لم يدخل بها فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لها نصف المهر وقيل لها الكل وقيل لا صداق لها (فذلك) أي عود المهر إليك (أبعد لك) لأنه إذا لم يعد إليك حالة الصدق فلأن لا يعود إليك حالة الكذب أولى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي
(قلت لابن عمر رجل قذف امرأته) أي ما الحكم فيه (قال) أي بن عمر (بين أخوي بني العجلان) يعني عويمرا وامرأته وهو من باب التغليب حيث جعل الأخت كالأخ وأما إطلاق الأخوة فبالنظر إلى أن المؤمنين إخوة أو إلى القرابة التي بينهما بسبب أن الزوجين كليهما من قبيلة عجلان (يرددها) أي كلمة الله يعلم إلى تائب (ففرق بينهما) استدل به من قال إن الفرقة لا تقع إلا بتفريق الحاكم
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه
(أن رجلا) هو عويمر (وانتفى من ولدها) أي أنكر الرجل انتساب الولد إليه (وألحق الولد بالمرأة) أي في النسب والوراثة فيرث ولد الملاعنة منها وترث منه ولا وراثة بين الملاعن وبينه
وبه قال جمهور العلماء
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
(قال أبو داود الذي تفرد به إلخ) حاصله أن مالكا تفرد بهذه الزيادة أي بزيادة قوله وألحق الولد بالمرأة في حديث بن عمر
وقد جاءت في حديث سهل بن سعد كما تقدم من رواية يونس عن الزهري بلفظ ثم خرجت حاملا فكان الولد يدعى إلى أمه
ومن رواية الأوزاعي عن الزهري بلفظ فكان يدعى يعني الولد لأمه ومن رواية فليح عن الزهري بلفظ وكانت حاملا فأنكر حملها فكان ابنها يدعى إليها
وقوله الذي تفرد به مالك مبتدأ وخبره قوله وألحق الولد بالمرأة
وأما قوله قال يونس عن الزهري إلخ ففيه أن يونس لم يقل في روايته عن الزهري لفظه وأنكر حملها فكان ابنها يدعى إليها وإنما قالها فليح في روايته عن الزهري والله تعالى أعلم
$ 8 - (باب إذا شك في الولد)
(يولد أسود) زاد في رواية للبخاري ومسلم وإني أنكرته أي لسواد الولد مخالفا للون
أبويه وأراد نفيه عنه (ما ألوانها) أي ما ألوان تلك الإبل (حمر) بضم فسكون جمع أحمر (من أورق) غير منصرف للوصف ووزن الفعل
قال في القاموس ما في لونه بياض إلى سواد
وقال غيره الذي فيه سواد ليس بحالك بأن يميل إلى الغبرة ومنه قيل للحمامة ورقاء (إن فيها لورقا) بضم فسكون جمع أورق وعدل عنه إلى جمعه مبالغة في وجوده (فأنى تراه) بضم التاء أي فمن أين تظن الورق (عسى أن يكون نزعه عرق) بكسر أوله والمراد بالعرق ها هنا الأصل من النسب وأصل النزع الجذب أي قلعه وأخرجه من ألوان فحله ولقاحه وفي المثل العرق نزاع والعرق الأصل مأخوذ من عرق الشجرة يعني أن لونه إنما جاء لأنه في أصوله البعيدة ما كان في هذا اللون (قال وهذا) أي الولد الأسود (عسى أن يكون نزعه عرق) أي عسى أي يكون في أصولك أو في أصول امرأتك من يكون في لونه سواد فأشبهه واجتذبه إليه وأظهر لونه عليه
قال النووي في هذا الحديث أن الولد يلحق الزوج وإن خالف لونه لونه حتى لو كان الأب أبيض والولد أسود أو عكسه لحقه ولا يحل له نفيه بمجرد المخالفة في اللون وكذا لو كان الزوجان أبيضين فجاء الولد أسود أو عكسه لاحتمال أنه نزعه عرق من أسلافه انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن ماجه
وهذا الرجل هو ضمضم بن قتادة
(وهو) أي الرجل الفزاري (يعرض) بتشديد الراء من التعريض وهو ذكر شيء يفهم منه شيء آخر لم يذكر ويفارق الكناية بأنها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع يقوم مقامه (بأن ينفيه) أي الولد
وفيه أن التعريض ينفي الولد ليس نفيا وأن التعريض بالقذف ليس قذفا
وهو مذهب الشافعي وموافقيه
كذا قال النووي
(وإني أنكره) أي أستغربه بقلبي أن يكون مني لا أنه نفاه عن نفسه بلفظه
قاله النووي
$ 29 - (باب في التغليظ في الانتفاء)
(أيما امرأة أدخلت على قوم) أي بالانتساب الباطل (من) مفعول أدخلت (ليس منهم) أي من ذلك القوم (فليست) أي المرأة (من الله) أي من دينه أو رحمته (في شيء) أي شيء يعتد به (ولن يدخلها الله جنته) أي مع من يدخلها من المحسنين بل يؤخرها أو يعذبها ما شاء إلا أن تكون كافرة فيجب عليها الخلود كذا في المرقاة (جحد ولده) أي أنكره ونفاه (وهو ينظر إليه) أي الرجل ينظر إلى الولد وهو كناية عن العلم بأنه ولده أو الولد ينظر إلى الرجل ففيه إشعار إلى قلة شفقته ورحمته وكثرة قساوة قلبه وغلظته (احتجب الله تعالى منه) أي حجبه وأبعده من رحمته (وفضحه) أي أخزاه (على رؤوس الأولين والآخرين) أي عندهم
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
وقال البخاري عبد الله بن يونس عن سعيد المقبري روى عنه يزيد بن الهاد يعرف بحديث واحد
وقال بن أبي حاتم عبد الله بن يونس يعرف بحديث واحد عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر هذا الحديث روى عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد سمعت أبي يقول ذلك
0 -
باب في ادعاء ولد الزنى
(عن سلم يعني بن أبي الذيال) بفتح المعجمة والتحتانية الثقيلة
قال الحافظ ثقة قليل
الحديث (لا مساعاة في الإسلام) قال في النهاية المساعاة الزنى وكان الأصمعي يجعلها في الإماء دون الحرائر لأنهن كن يسعين لمواليهن فيكسبن لهم بضرائب كانت عليهن
ساعت الأمة إذا فجرت وساعاها فلان إذا فجر بها مفاعلة من السعي كأن كلا منهما يسعى لصاحبه في حصول غرضه فأبطله الإسلام ولم يلحق النسب بها وعفا عما كان منها في الجاهلية ممن ألحق بها (من ساعي) أي زنى أمة الرجل وفجر بها على نهج المعروف (في الجاهلية) فحصل به ولد (فقد لحق) الولد المتولد من الزنى (بعصبته) يشبه أن يكون المعنى أي بمولاه وسيده وهو مولى الأمة الفاجرة
قال في معالم السنن إن أهل الجاهلية كانت لهم إماء يساعين وهن البغايا اللواتي ذكرهن الله تعالى في قوله عزوجل ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إذا كان سادتهن يلمون بهن ولا يجتنبوهن فإذا جاءت إحداهن بولد وكان سيدها يطؤها وقد وطئها غيره بالزنى فربما ادعاه الزاني وادعاه السيد فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالولد لسيدها لأن الأمة فراش السيد كالحرة ونفاه عن الزاني انتهى (ولدا من غير رشدة) يقال هذا ولد رشدة بالكسر والفتح من كان بنكاح صحيح وولد زنية من كان بضده
قال المنذري في إسناده رجل مجهول
(وهو أشبع) أي حديث الحسن أتم من حديث شيبان (قضى) أي أراد أن يقضي (أن كل مستلحق) هو بفتح الحاء الذي طلب الورثة أن يلحقوه بهم واستلحقه أي ادعاه (استلحق<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال بعضهم هذه أحكام وقعت في أول زمن الشريعة إلى أن أن قال ثم ذكر الاستلحاق قال الشيخ شمس الدين وليس كما قال فإن هذا القضاء إنما وقع بالمدينة المنورة بعد قيام الإسلام ومصيرها دار هجرة
وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم على صور الصورة الأولى أن يكون الولد من أمته التي في ملكه وقت الإصابة فإذا استلحقه لحق به من
بصيغة المجهول صفة لقوله مستلحق (بعد أبيه) أي بعد موت أبي المستلحق (الذي يدعى) بالتخفيف أي المستلحق (له) أي لأبيه يعني ينسبه إليه الناس بعد موت سيد تلك الأمة ولم ينكر أبوه حتى مات (ادعاه ورثته) هذه الجملة خبر إن وقيل إنها صفة ثانية لمستلحق وخبر إن محذوف أي من كان دل عليه ما بعده (فقضى) الفاء تفصيلية أي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضي فقضى كما في قوله تعالى فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم (أن كل من كان من أمة) أي كل ولد حصل من جارية (يملكها) أي سيدها (يوم أصابها) أي في وقت جامعها (فقد لحق بمن استلحقه) يعني إن لم ينكر نسبه منه في حياته وهو معنى قوله (وليس له) أي للولد (مما قسم) بصيغة المجهول أي في الجاهلية بين ورثته (قبله) أي قبل الاستلحاق (من الميراث شيء) لأن ذلك الميراث وقعت قسمته في الجاهلية والإسلام يعفو عما وقع في الجاهلية (وما أدرك) أي الولد (من ميراث لم يقسم فله نصيبه) أي فللولد حصته (ولا يلحق) قال القارىء في المرقاة بفتح أوله وفي نسخة بضمه أي لا يلحق الولد (إذا كان أبوه الذي يدعى له) أي ينتسب إليه (أنكره) أي أبوه لأن الولد انتفى عنه بإنكاره وهذا إنما يكون إذا ادعى الاستبراء بأن يقول مضى عليها حيض بعد ما أصابها وما وطىء بعد مضي الحيض حتى ولدت وحلف على الاستبراء<span class="matn-hr"> </span>Qحين استلحقه وما قسم من ميراثه قبل استلحاقه لم ينقض ويورث من المستلحق وما كان بعد استلحاقه من ميراث لم يقسم ورث منه نصيبه فإنه إنما تثبت بنوته من حين استلحقه فلا تنعطف على ما تقدم من قسمة المواريث وإن أنكره لم يلحق به وسماه أباه على كونه يدعى له ويقال إنه منه لا أنه أبوه في حكم الشرع إذ لو كان حكما لم يقبل إنكاره له ولحق به
الصورة الثانية أن يكون الولد من أمة لم تكن في ملكه وقت الإصابة فهذا ولد زنا لا يلحق به ولا يرثه بل نسبه منقطع منه
وكذلك إذا كان من حرة قد زنى بها فالولد غير لاحق به ولا يرث منه وإن كان هذا الزاني الذي يدعى الولد له يعني أنه منه قد ادعاه لم تفد دعواه شيئا بل الولد ولد زنا وهو لأهل أمه إن كانت أمة فمملوكة لمالكها وإن كانت حرة فنسبه إلى أمه وأهلها دون هذا الزاني الذي هو منه
وقوله في أول الحديث استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثة الأب ها هنا هو الزاني الذي منه الولد وسماه أبا تسمية مقيدة بكون الولد منه ولهذا قال الذي يدعى له يعني يقال إنه منه
فحينئذ ينتفي عنه الولد (وإن كان) أي الولد عاهر (بها) أي زنى بها (فإنه) أي الولد (لا يلحق) بصيغة المعلوم أو المجهول (ولا يرث) أي ولا يأخذ الإرث (وإن كان الذي يدعى له) وصلية تأكيد ومبالغة لما قبله (هو ادعاه) بتشديد الدال أي انتسبه (فهو ولد زنية) بكسر فسكون (من حرة كان) أي الولد (أو أمة) أي من جارية
قال الخطابي هذه أحكام قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوائل الإسلام ومبادىء الشرع وهي أن الرجل إذا مات واستلحق له ورثته ولدا فإن كان الرجل الذي يدعى الولد له ورثته قد أنكر أنه منه لم يلحق به ولم يرث منه وإن لم يكن أنكره فإن كان من أمته لحقه وورث منه ما لم يقسم بعد من ماله ولم يرث ما قسم قبل الاستلحاق وإن كان من أمة غيره كابن وليدة زمعة أو من حرة زنى بها لا يلحق به ولا يرث بل لو استلحقه الواطىء لم يلحق به فإن الزنى لا يثبت النسب
قال النووي معناه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشا له فأتت بولد لمدة<span class="matn-hr"> </span>Qويدعى له في الجاهلية أنه أبوه فإذا ادعاه ورثة هذا الزاني فالحكم ما ذكر
ونظير هذا القضاء قصة سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في بن أمة زمعة فإن ورثة عتبة وهو سعد ادعى الولد أنه من أخيه وادعى عبد أنه أخوه ولد على فراش أبيه فألحقه النبي صلى الله عليه وسلم بمالك الأمة دون عتبة
وهو تفسير قوله وإن كان من أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق به ولا يرث وسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى
وقد يتمسك به من يقول الأمة لا تكون فراشا وإنما يلحق الولد للسيد بالدعوى لا بالفراش كقول أبي حنيفة لقوله من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه فإنما جعله لاحقا به بالاستلحاق لا بالإصابة ولكن قصة عبد بن زمعة أصح من هذا وأصرح في كون الأمة تصير فراشا كما تكون الحرة يلحق الولد بسيدها بحكم الفراش كما يلحق بالحرة كما سيأتي
وليس في حديث عمرو بن شعيب أنه لا يلحق ولده من أمته إلا بالاستلحاق وإنما فيه أنه عند تنازع سيدها والزاني في ولدها يلحق بسيدها الذي استلحقه دون الزاني وهذا مما لا نزاع فيه فالحديثان متفقان
والله أعلم
الإمكان لحقه وصار ولدا له يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة سواء كان موافقا له في الشبه أو مخالفا له
نقله السيوطي رحمه الله كذا في المرقاة
قال المنذري قد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب وروى عن عمرو هذا الحديث محمد بن راشد بن المكحول وفيه مقال
$ 1 - (باب في القافة)
جمع قائف هو من يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه قاله في المجمع
(قال مسدد وبن السرح) أي في روايتهما بعد قوله دخل علي (يوما مسرورا) يوما ظرف لدخل ومسرورا حال من ضمير دخل (وقال عثمان) أي في روايته (تعرف أسارير وجهه) جملة حالية وتعرف بصيغة المجهول والأسارير هي الخطوط التي في الجبهة واحدها سر وسرر وجمعه أسرار وجمع الجمع أسارير (أي عائشة) أي ياعائشة فأي نداء للقريب (ألم تري) بحذف النون أي ألم تعلمي (أن مجززا) بكسر الزاي الأولى مشددة بضم الجيم (المدلجي) نسبة إلى مدلج بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام وكان القيافة فيهم وفي بني أسد يعترف لهم العرب (رأى زيدا) أي بن حارثة (وأسامة) أي بن زيد متبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم (قد غطيا) أي سترا (بقطيفة) أي كساء غليظ (وبدت) أي ظهرت (كان أسامة أسود) كانت أمه حبشية سوداء اسمها بركة وكنيتها أم أيمن
قال الخطابي في هذا الحديث دليل على ثبوت أمر القافة وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يظهر السرور إلا بما هو حق عنده وكان الناس قد ارتابوا في زيد بن حارثة وابنه أسامة وكان زيد أبيض وأسامة أسود فتمارى الناس في ذلك وتكلموا بقول كان يسوء رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعه فلما سمع هذا القول من مجزز فرح به وسري
عنه
وممن أثبت الحكم بالقافة عمر بن الخطاب وبن عباس وبه قال عطاء وإليه ذهب الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وهو قول عامة أصحاب الحديث
وقال أصحاب الرأي في الولد المشكل يدعيه اثنان يقضى به لهما وأبطل الحكم بالقافة
انتهى
(بإسناده ومعناه) أي بإسناد الحديث المذكور ومعناه (قال) أي الليث في روايته (تبرق) بفتح التاء وضم الراء أي تضيء وتستنير من السرور والفرح قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
$ 2 - (باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد)
(عن الأجلح) بتقديم الجيم على الحاء (يختصمون إليه في ولد) جملة حالية (لاثنين) قد وقع في بعض النسخ بعد قوله لاثنين لفظ منهما ولا يظهر له وجه (طيبا بالولد) من طابت نفسه بالشيء
إذا سمحت به من غير كراهة ولا غضب (لهذا) أي الثالث (فغليا) بالتحتانية من
غلت القدر أي صاحا وفي بعض النسخ غلبا بالموحدة (متشاكسون) أي متنازعون (فمن قرع) أي فمن خرج القرعة باسمه (وعليه) أي على من خرج باسمه القرعة (ثلثا الدية) أي ثلثا القيمة والمراد قيمة الأم فإنها انتقلت إليه من يوم وقع عليها بالقيمة
كذا في فتح الودود
وروى الحديث الحميدي في مسنده وقال فيه فأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه (حتى بدت) أي ظهرت (أضراسه) الأضراس الأسنان سوى الثنايا الأربعة (أو) للشك (نواجذه) هي من الأسنان الضواحك التي تبدو عند الضحك والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان والمراد الأول لأنه ما كان يبلغ به الضحك حتى يبدو آخر أضراسه فورد كل ضحكه التبسم وإن أريد بها الأواخر لاشتهارها بها فوجهه أن يراد مبالغة مثله في ضحكه من غير أن يراد ظهور نواجذه
كذا في المجتمع
قال المنذري في هذا الحديث دليل على أن الولد لا يلحق بأكثر من أب واحد وفيه إثبات القرعة في أمر وإحقاق القارع
وللقرعة مواضع غير هذا في العتق وتساوي البينتين في الشيء يتداعاه اثنان فصاعدا وفي الخروج بالنساء في الأسفار وفي قسم المواريث وإفراز الحصص بها وقد قال بجميع وجوهها نفر من العلماء ومنهم من قال بها في بعض هذه المواضع ولم يقل بها في بعض
وممن قال بظاهر حديث زيد بن أرقم إسحاق بن راهويه وقال هو السنة في دعوى الولد وكان الشافعي يقول به في القديم
وقيل لأحمد في حديث زيد هذا فقال حديث القافة أحب إلي
وقد تكلم بعضهم في إسناد حديث زيد بن أرقم وقد قيل فيه إنه منسوخ
انتهى
وقال في النيل واعلم أنه لا معارضة بين حديث العمل بالقافة وحديث العمل بالقرعة لأن كل واحد منهما دل على أن ما استعمل عليه طريق شرعي فأيما حصل وقع به الإلحاق فإن حصلا معا فمع الاتفاق لا إشكال ومع الاختلاف الظاهر أن الاعتبار بالأول منهما لأنه طريق شرعي يثبت به الحكم ولا ينقصه طريق آخر يحصل بعده
قال المنذري وأخرجه النسائي وفي إسناده الأجلح واسمه يحيى بن عبد الله الكندي ولا يحتج بحديثه
(حدثنا خشيش) بمعجمات مصغرا (بثلاثة) أي بثلاثة رجال (وهو) أي علي رضي الله عنه (أتقران) بصيغة التثنية (لهذا) أي لهذا الثالث (بالذي صارت عليه القرعة) أي بالذي خرجت باسمه القرعة
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
ورواه بعضهم مرسلا
وقال النسائي هذا صواب وقال الخطابي وقد تكلم بعضهم في إسناد حديث زيد بن أرقم
هذا آخر كلامه
ويشبه أن يكون المراد بذلك الحديث المتقدم فأما حديث عبد خير فرجال إسناده ثقات غير أن الصواب فيه الإرسال<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال أبو محمد بن حزم هذا الحديث إسناده صحيح كلهم ثقات قال فإن قيل
إنه خبر قد اضطرب فيه فأرسله شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن مجهول ورواه أبو إسحاق الشيباني عن رجل من حضرموت عن زيد بن أرقم قلنا قد وصله سفيان وليس هو بدون شعبة عن صالح بن حي وهو ثقة عن عبد خير وهو ثقة عن زيد بن أرقم
هذا آخر كلامه
وهذا الحديث قد اشتمل على أمرين أحدهما إلحاق المتنازع فيه بالقرعة وهو مذهب إسحاق بن راهويه قال هو السنة في دعوى الولد وكان الشافعي يقول به في القديم
وذهب أحمد ومالك إلى تقديم حديث القافة عليه فقيل لأحمد في حديث زيد هذا فقال حديث القافة أحب إلي
ولم يقل أبو حنيفة بواحد من الحديثين لا بالقرعة ولا بالقافة
الأمر الثاني جعله ثلثي الدية على من وقعت له القرعة وهذا مما أشكل على الناس ولم يعرف له وجه
وسألت عنه شيخنا فقال له وجه ولم يزد
(عن الخليل أو بن الخليل) هو عبد الله بن الخليل أو بن أبي الخليل الحضرمي أبو الخليل الكوفي مقبول من الثانية
وفرق البخاري وبن حبان بين الراوي عن علي فقال فيه بن أبي الخليل والراوي عن زيد بن أرقم فقال فيه بن الخليل كذا في التقريب
(باب في وجوه النكاح التي كان يتناكح بها أهل الجاهلية)
(محمد بن مسلم بن شهاب) هو الزهري (أن النكاح كان في الجاهلية) أي في زمن الجاهلية (على أربعة أنحاء) بالحاء المهملة جمع نحو بمعنى النوع أي على أربعة أنواع (فنكاح منها) وهو الأول (يخطب) الخطبة بضم الخاء وكسرها باختلاف معنيين فيقال في الموعظة خطب القوم وعليهم من باب قتل خطبة بالضم وخطب المرأة إلى القوم إذا طلب أن يتزوج منهم واختطبها والاسم الخطبة بالكسر كذا في المصباح (وليته) كابنة أخيه (فيصدقها) بضم أوله أي يعين صداقها ويسقي مقداره (ثم ينكحها) أي يعقد عليها (ونكاح آخر) وهو<span class ="matn-hr"> </span>Qولكن قد رواه الحميدي في مسنده بلفظ آخر يدفع الإشكال جملة قال وأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه وهذا لأن الولد لما لحق به صارت أم ولد وله فيها ثلثها فغرمه قيمة ثلثيها اللذين أفسدهما على الشريكين بالاستيلاد فلعل هذا هو المحفوظ وذكر ثلثي دية الولد وهم أو يكون عبر عن قيمة الجارية بالدية لأنها هي التي يودي بها فلا يكون بينهما تناقض
والله أعلم
الثاني (إذا طهرت) بفتح الطاء المهملة وضم الهاء (من طمثها) بفتح الطاء المهملة وسكون الميم بعدها مثلثة وكان السر في ذلك أن يسرع علوقها منه (أرسلي إلى فلان) أي رجل من أشرافهم (فاستبضعي) بموحدة بعدها ضاد معجمة أي اطلبي منه المباضعة وهي الجماع لتحملي منه (أصابها زوجها) أي جامعها (وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد) أي اكتسابا من ماء الفحل لأنهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم ورؤسائهم في الشجاعة أو الكرام أو غير ذلك (ونكاح آخر) وهو الثالث (يجتمع الرهط) أي الجماعة (كلهم يصيبها) أي يطؤها والظاهر أن ذلك إنما يكون عن رضى منها وتواطؤ بينهم وبينها (وقد ولدت) بضم التاء لأنه كلامها (وهو ابنك يافلان) أي إن كان ذكرا فلو كانت أنثى لقالت هي ابنتك لكن يحتمل أن يكون لا تفعل ذلك إلا إذا كان ذكرا لما عرف من كراهتهم في البنت وقد كان منهم من يقتل بنته التي يتحقق أنها بنت فضلا عمن تجيء بهذه الصفة كذا في الفتح (فتسمي) أي المرأة (فيلحق به) أي بالرجل الذي تسميه (وهن البغايا) جمع بغية وهي الزانية (كن ينصبن) بكسر الصاد أي يرفعن (تكن علما) بفتح اللام أي علامة (جمعوا لها) ضبطه القسطلاني بضم الجيم وكسر الميم وقال أي جمعوا لها الناس (القافة) بالقاف وتخفيف الفاء جمع قائف وهو الذي يعرف شبه الولد بالوالد بالآثار الخفية (فالتاطه) أي التصق به
وأصل اللوط بفتح اللام اللصوق
(كله) دخل فيه ما ذكرت وما استدرك عليها (إلا نكاح أهل الإسلام اليوم) أي الذي بدأت بذكره وهو أن يخطب الرجل إلى الرجل فيزوجه كما سبق
قال المنذري وأخرجه البخاري
$ 4 - (باب الولد للفراش)
(اختصم سعد بن أبي وقاص) هو أحد العشرة المبشرة (وعبد بن زمعة) بفتح الزاي والميم وقد تسكن الميم (في بن أمة زمعة) بالإضافة أي بن أمته وهي جارية زانية كانت في الجاهلية لزمته (أخي عتبة) يضم أوله وسكون فوقية بن أبي وقاص وهو الذي كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومات كافرا (فأقبضه) بكسر الموحدة أي أمسكه (فإنه ابنه) أي فإن بن أمة زمعة بن أخي عتبة (الولد للفراش) قال في النيل اختلف في معنى الفراش فذهب الأكثر إلى أنه اسم للمرأة وقد يعبر به عن حالة الافتراش
وقيل إنه اسم للزوج روي ذلك عن أبي حنيفة
وفي القاموس أن الفراش زوجة الرجل انتهى مختصرا
قال النووي معنى قوله الولد للفراش أنه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشا<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أشكل هذا الحديث على كثير من الناس من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سودة بالاحتجاب منه وقد ألحقه بزمعة فهو أخوها ولهذا قال الولد للفراش قالوا فكيف يكون أخاها في الحكم وتؤمر بالاحتجاب منه فقال بعضهم هذا على سبيل الورع لأجل الشبه الذي رآه بعينه وقال بعضهم إنما جعله عبدا لزمعة قال والرواية هو لك عبد فإنما جعله عبدا لعبد بن زمعة لكونه رأى شبهه بعتبة فيكون منه غير لاحق بواحد منهما فيكون عبدا لعبد بن زمعة إذ هو ولد زنا من جارية زمعة وهذا تصحيف منه وغلط في الرواية والمعنى فإن الرواية الصحيحة هو لك يا عبد بن زمعة ولو صحت
له فأتت بولد لمدة الإمكان منه لحقه الولد وصار ولدا يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة سواء كان موافقا له في الشبه أم مخالفا ومدة إمكان كونه منه ست أشهر من حين أمكن اجتماعهما
وأما ما تصير به المرأة فراشا فإن كانت زوجة صارت فراشا بمجرد عقد النكاح ونقلوا في هذا الإجماع وشرطوا إمكان الوطء بعد ثبوت الفراش فإن لم يكن بأن نكح المغربي مشرقية ولم يفارق واحد منهما وطنه ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر لم يلحقه لعدم إمكان كونه منه
هذا قول مالك والشافعي والعلماء كافة إلا أبا حنيفة فلم يشترط الإمكان بل اكتفى بمجرد العقد قال حتى لو طلق عقب العقد من غير إمكان وطء فولدت لستة أشهر من العقد لحقه الولد
وهذا ضعيف ظاهر الفساد ولا حجة له في إطلاق الحديث لأنه خرج على الغالب وهو حصول الإمكان عند العقد
هذا حكم الزوجة وأما الأمة فعند الشافعي ومالك تصير فراشا بالوطء ولا تصير فراشا بمجرد الملك حتى لو بقيت في ملكه سنين وأتت بأولاد ولم يطأها ولم يقر بوطئها لا يلحقه أحد منهم فإذا وطئها صارت فراشا فإذا أتت بعد الوطء بولد أو أولاد لمدة الإمكان لحقوه
وقال أبو حنيفة لا تصير فراشا إلا إذا ولدت ولدا واستلحقه فما تأتي به بعد ذلك يلحقه إلا إن نفيه انتهى (وللعاهر الحجر) العاهر الزاني وعهر زنى وعهرت زنت والعهر الزنى أي وللزاني الخيبة ولا حق له في الولد
وعادة العرب أن تقول له الحجر وبفيه الأثلب وهو التراب ونحو ذلك يريدون ليس له إلا الخيبة
وقيل المراد بالحجر هنا أنه يرجم بالحجارة وهذا ضعيف لأنه ليس كل زان يرجم وإنما يرجم المحصن خاصة ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد عنه
والحديث إنما ورد في نفي الولد عنه (واحتجبي منه) أي من بن أمة زمعة (ياسودة) هي بنت زمعة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم<span class="matn-hr"> </span>Qرواية هو لك عبد فإنما هي على إسقاط حرف النداء كقوله تعالى {يوسف أعرض عن هذا} ولا يتصور أن يجعله عبدا له وقد أخبره أنه ولد على فراش أبيه ويحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الولد للفراش
وهذه الزيادة التي ذكرها أبو داود وهي قوله هو أخوك يا عبد ترفع الإشكال ورجال إسنادها ثقات
ولو لم تأت فالحديث إنما يدل على إلحاقه بعبد أخا له
وأما أمره سودة وهي أخته بالاحتجاب منه فهذا يدل على أصل وهو تبعيض أحكام النسب فيكون أخاها في التحريم والميراث وغيره ولا يكون أخاها في المحرمية والخلوة والنظر إليها لمعارضة الشبه للفراش فأعطى الفراش حكمه من ثبوت الحرمة وغيرها وأعطى الشبه حكمه من عدم ثبوت المحرمية لسودة
وهذا باب من دقيق العلم وسره لا يلحظه إلا الأئمة المطلعون على أغواره المعنيون بالنظر في
قال النووي أمرها به ندبا واحتياطا لأنه في ظاهر الشرع أخوها لأنه ألحق بأبيها لكن لما رأى الشبه البين بعتبة خشي أن يكون من مائه فيكون أجنبيا منها فأمرها بالاحتجاب منه احتياطا
قال المازري وزعم بعض الحنفية أنه إنما أمرها بالاحتجاب لأنه جاء في رواية احتجبي منه فإنه ليس بأخ لك وقوله ليس بأخ لك لا يعرف في هذا الحديث بل هي زيادة باطلة مردودة والله أعلم انتهى (فقال هو أخوك ياعبد) وكذا وقع في رواية للبخاري ووقع في أخرى له ولغيره بلفظ هو لك ياعبد بن زمعة واللام في قوله لك للاختصاص لا للتمليك كما قيل
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي
(ابني) خبر إن (عاهرت) أي زنيت وهذه الجملة مستأنفة لإثبات الدعوة (لا دعوة) بكسر الدال أي لا دعوى نسب
قال في النهاية الدعوة بالكسر في النسب وهو أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشيرته وقد كانوا يفعلونه فنهي عنه وجعل الولد للفراش (الولد للفراش إلخ) تقدم معناه
قال المنذري وقد تقدم الكلام في الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب<span class ="matn-hr"> </span>Qمأخذ الشرع وأسراره ومن نبا فهمه عن هذا وغلظ عنه طبعه فلينظر إلى الولد من الرضاعة كيف هو بن في التحريم لا في الميراث ولا في النفقة ولا في الولاية وهذا ينفع في مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني فإنها بنته في تحريم النكاح عليه عند الجمهور وليست بنته في الميراث ولا في النفقة ولا في المحرمية
وبالجملة فهذا من أسرار الفقه ومراعاة الأوصاف التي تترتب عليها الأحكام وترتيب مقتضى كل وصف عليه
ومن تأمل الشريعة أطلعته من ذلك على أسرار وحكم تبهر الناظر فيها
ونظير هذا ما لو أقام شاهدا واحدا وحلف معه على سارق أنه سرق متاعه ثبت حكم السرقة في ضمان المال على الصحيح ولم يثبت حكمها في وجوب القطع اتفاقا فهذا سارق من وجه دون وجه ونظائره كثيرة
فإن قيل فكيف تصنعون في الرواية التي جاءت في هذا الحديث واحتجبي منه ياسودة فإنه ليس لك بأخ
(عن رباح) قال في الخلاصة رباح الكوفي عن عثمان وعنه الحسن بن سعد مجهول وقال في هامشه وذكره بن حبان في الثقات (رومية) بالنصب صفة أمه (ثم طبن لها) بفتح الباء أي أفسدها وبكسرها من الطبانة بمعنى الفطنة أي هجم على باطنها وهي وافقته على المراودة
كذا في فتح الودود
وقال في المجمع أصل الطبانة الفطنة طبن لكذا أي هجم على باطنها وخبر أمرها وإنها ممن تواتيه على المراودة
هذا إن روي بكسر الباء وعلى فتحها بمعنى خيبها وأفسدها انتهى (رومي) بالرفع صفة غلام (يوحنة) بضم المثناة من تحت وسكون واو وفتح مهملة وتشديد نون (فراطنها) أي كلمها كلاما لا يفهمه غيرها (كأنه وزغة) بفتحات وهي ما يقال له سام أبرص (أحسبه) قائله موسى بن إسماعيل شيخ أبى داود (قال مهدي) أي بن ميمون في روايته (فسألهما) أي فسأل عثمان العبد الرومي والأمة الرومية (وأحسبه قال) أي مهدي (فجلدها) أي الأمة (وجلده) أي العبد والحديث سكت عنه المنذري<span class="matn-hr"> </span>Qقيل هذه الزيادة لا نعلم ثبوتها ولا صحتها ولا يعارض بها ما قد علمت صحته ولو صحت لكان وجهها ما ذكرناه أنه ليس لها بأخ في الخلوة والنظر وتكون مفسرة لقوله واحتجبي منه والله أعلم
وهذا الولد الذي وقع فيه الاختصام هو عبد الرحمن بن زمعة مذكور في كتاب الصحابة
وهو حجة على من يقول إن الأمة لا تكون فراشا ويحمل قوله الولد للفراش على الحرة فإن سبب الحديث في الأمة فلا يتطرق إليه تخصيص لأن محل السبب فيه كالنص وما عداه في حكم الظاهر
والله أعلم
$ 35 - (باب من أحق بالولد)
(كان بطني له وعاء) بكسر أوله أي ظرفا حال حمله (وثديي له سقاء) بكسر أوله أي حال رضاعه (وحجري) قال في القاموس الحجر مثلث المنع وحضن الإنسان (حواء) بالكسر أي مكانا يحويه ويحفظه ويحرسه ومراد الأم بذلك أنها أحق به لاختصاصها بهذه الأوصاف دون الأب (أن ينتزعه) أي يأخذه (أنت أحق به) أي بولدك (ما لم تنكح) بفتح حرف المضارعة وكسر الكاف أي ما لم تتزوجي
قال في النيل في الحديث دليل على أن الأم أولى بالولد من الأب ما لم يحصل مانع من ذلك كالنكاح لتقييده صلى الله عليه وسلم للأحقية بقوله ما لم تنكحي وبه قال مالك والشافعية والحنفية
وقد حكى بن المنذر الإجماع عليه وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن النكاح إذا كان بذي رحم محرم للمحضون لم يبطل به حق حضانتها
وقال الشافعي يبطل مطلقا لأن الدليل لم يفصل وهو الظاهر انتهى ملخصا
والحديث سكت عنه المنذري
(أن أبا ميمونة سلمى) قال في التقريب أو ميمونة الفارسي المدني الأبار قيل اسمه سليم أو سلمان أو سلمى وقيل أسامة ثقة من الثالثة ومنهم من فرق بين الفارسي والأبار وكل منهما مدني يروي عن أبي هريرة والله أعلم انتهى (فادعياه) أي فادعى كل منهما الابن (رطنت له بالفارسية) في النهاية الرطانة بفتح الراء وكسرها والتراطن كلام لا يفهمه الجمهور وإنما هو مواضعة بين اثنين أو جماعة والعرب تخص بالرطانة غالب كلام العجم وفي
الصحاح رطنت له إذا كلمته بالعجمية فالمعنى تكلمت بالفارسية (استهما عليه) أي على الابن والمعنى اقترعي أنت وأبوه ففيه تغليب الحاضر على الغائب (ورطن) أبو هريرة (لها) أي للمرأة (من يحاقني) بالحاء المهملة والقاف المشددة أي من ينازعني (إني لا أقول هذا) أي هذا القول أو هذا الحكم (إلا أني) بفتح الهمزة أي لأني (من بئر أبي عنبة) بعين مهملة مكسورة فنون مفتوحة فموحدة أظهرت حاجتها إلى الولد ولعل محمل الحديث تعد مدة الحضانة مع ظهور حاجة الأم إلى الولد واستغناء الأب عنه مع إرادته إصلاح الولد
قاله السندي (استهما عليه) أي على الابن
قال في النيل فيه دليل على أن القرعة طريق شرعية عند تساوي الأمرين وأنه يجوز الرجوع إليها كما يجوز الرجوع إلى التخيير وقد قيل إنه يقدم التخيير عليها وليس في حديث أبي هريرة هذا ما يدل على ذلك بل ربما دل على عكسه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهما أولا بالاستهام ثم لما لم يفعلا خير الولد وقد قيل إن التخيير أولى لاتفاق ألفاظ الأحاديث عليه وعمل الخلفاء الراشدين به انتهى (فقال النبي صلى الله عليه وسلم) أي للولد (فخذ بيد أيهما شئت) قال الخطابي في المعالم هذا في الغلام الذي قد عقل واستغنى عن الحضانة وإذا كان كذلك خير بين والديه
وقد اختلف العلماء في ذلك فقال الشافعي إذا صار بن سبع سنين أو ثماني سنين خير وبه قال إسحاق
وقال أحمد يخير إذا كبر وقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري الأم أحق بالغلام حتى يأكل وحده ويلبس وحده وبالجارية حتى تحيض ثم الأب أحق الوالدين
وقال مالك الأم أحق بالجواري وإن حضن حتى ينكحن وأما الغلمان فهو أحق بهم حتى يحتلموا
قال الخطابي يشبه أن يكون من ترك التخيير وصار إلى أن الأب أحق بالولد إذا استغنى عن الحضانة إنما ذهب إلى أن الأم إنما حظها الحضانة لأنها أرفق بذلك وأحسن تأتيا له فإذا جاوز الولد حد الحضانة فإنه يحتاج إلى الأدب والمعاش والأب أبصر بأسبابهما وأوقى له من الأم ولو ترك الصبي واختياره لمال إلى البطالة واللعب قال وإن صح الحديث فلا مذهب عنه انتهى
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه مختصرا
ومطولا وقال الترمذي حديث حسن صحيح وذكر أن أبا ميمونة اسمه سليم وقال غيره اسمه سلمان ووقع في أصل سماعنا سلمى كما ذكرنا
(زيد بن حارثة) أي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم (بابنة حمزة) أي بن عبد المطلب وكان قد استشهد بأحد وهي يتيمة (فقال جعفر) أي بن أبي طالب يكنى أبا عبد الله وكان أكبر من علي بعشر سنين (وعندي خالتها) هي أسماء بنت عميس (فذكر) أي علي رضي الله عنه (قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأما الجارية) أي ابنة حمزة (وإنما الخالة أم) فيه دليل على أن الخالة في الحضانة بمنزلة الأم
وقد ثبت بالإجماع أن الأم أقدم الحواضن فمقتضى التشبيه أن تكون الخالة أقدم من غيرها من أمهات الأم وأقدم من الأب والعمات لكن فيه اختلاف العلماء ذكره صاحب النيل وقال والأولى تقديم الخالة بعد الأم على سائر الحواضن لنص الحديث وفاء بحق التشبيه المذكور وإلا كان لغوا
قال واستشكل كثير من الفقهاء وقوع القضاء منه صلى الله عليه وسلم لجعفر وقالوا إن كان القضاء له فليس بمحرم لها وهو وعلي سواء في قرابتها وإن كان القضاء للخالة فهي مزوجة وتقدم أن زواج الأم مسقط لحقها من الحضانة فسقوط حق الخالة بالزواج أولى
وأجيب عن ذلك بأن القضاء للخالة والزواج لا يسقط حقها من الحضانة مع رضا الزوج كما ذهب إليه أحمد والحسن البصري وبن حزم
وقيل إن النكاح إنما يسقط حضانة الأم وحدها حيث كان المنازع لها الأب ولا يسقط حق غيرها ولا حق الأم حيث كان المنازع لها غير الأب وبهذا يجمع بين حديث علي هذا وحديث أنت أحق به ما لم تنكحي وإليه ذهب بن جريج
انتهى بتغير بعض الألفاظ
قال المنذري وأخرج الترمذي من حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الخالة بمنزلة الأم
وفي الحديث قصة طويلة
وقال هذا حديث صحيح
هذا آخر كلامه
وبنت حمزة هذه عمارة وقيل هي أمامة تكنى أم الفضل
وأخرجه البخاري من حديث البراء بن عازب في أثناء الحديث الطويل في قصة الحديبية
(عن هانيء وهبيرة عن علي) وفي بعض النسخ
عن هانئ بن هانئ وهبيرة بن يريم عن علي
قلت هانئ بن هانئ الكوفي قال بن المديني مجهول وقال النسائي لا بأس به
وهبيرة بن يريم الكوفي قال أحمد لا بأس به ووثقه بن حبان
وقال النسائي ليس بالقوي (تنادي ياعم ياعم) مكررا للتأكيد وأصله ياعمي فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة (وقال) أي لفاطمة رضي الله عنها (دونك) بكسر الكاف أي خذي (بنت عمك) بالنصب على المفعولية (فحملتها) أي فحملت فاطمة رضي الله عنها بنت حمزة (وقال جعفر ابنة عمي) أي هي ابنة عمي
والحديث سكت عنه المنذري
$ 6 - (باب في عدة المطلقة)
(فأنزل الله عز وجل حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق) والمنزل قوله تعالى
والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء (فإن كانت) أي أسماء بنت يزيد (أول من أنزلت فيها) بالنصب خبر كانت
قال المنذري في إسناده إسماعيل بن عياش وقد تكلم فيه غير واحد انتهى
$ 7 - (باب في نسخ ما استثنى به من عدة المطلقات)
(والمطلقات يتربصن) أي ينتظرن (من المحيض) أي الحيض (إن ارتبتم) أي شككتم في عدتهن (فنسخ من ذلك) أي الكلام الثاني نسخ من الكلام الأول بعض صور المطلقات وهي صورة الإياس وأوجب فيها ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء (وقال وإن طلقتموهن إلخ) أي قال ناسخا من الأول بعض الصور أيضا وهي ما إذا كان الطلاق قبل الدخول فلا عدة هناك أصلا
قال المنذري وأخرجه النسائي وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وهو ضعيف
$ 8 - (باب في المراجعة)
(طلق حفصة) هي بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين
قال الشيخ الدهلوي في
المدارج إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة واحدة فلما بلغ هذا الخبر عمر رضي الله عنه فاهتم له فأوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة
كذا في إنجاح الحاجة
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
$ 9 - (باب في نفقة المبتوتة)
(طلقها البتة) وفي بعض الروايات الآتية أنه طلقها ثلاثا وفي بعضها طلقها آخر ثلاث تطليقات وفي بعضها فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها
والجمع بين هذه الروايات أنه كان طلقها قبل هذا طلقتين ثم طلقها هذه المرة الطلقة الثالثة فمن روى أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات أو طلقها طلقة كانت بقيت لها فهو ظاهر ومن روى البتة فمراده طلقها طلاقا صارت به مبتوتة بالثلاث ومن روى ثلاثا أراد تمام الثلاث
كذا أفاد النووي (وهو) أي أبو عمرو (فأرسل إليها وكيله بشعير) أي للنفقة (فتسخطته) من باب التفعل أي استقلته يقال سخط عطاءه أي استقله ولم يرض به
وفي رواية مسلم فسخطته
قال القارىء ويمكن أن يكون من باب الحذف والإيصال والضمير يرجع إلى الوكيل أي غضبت على الوكيل بإرساله الشعير قليلا أو كثيرا (والله ما لك علينا من شيء) أي لأنك بائنة أو من شيء غير الشعير (ليس لك عليه نفقة) أي ولا سكنى كما في بعض الروايات الآتية (إن تلك) بكسر الكاف أي هي (يغشاها) أي يدخل عليها (تضعين ثيابك) أي لا تخافين من نظر رجل إليك
قال النووي أمرها بالانتقال إلى بيت بن أم مكتوم لأنه لا يبصرها ولا يتردد إلى بيته من يتردد إلى بيت أم شريك حتى إذا وضعت ثيابها للتبرز نظروا إليها
وقد احتج بعض الناس بهذا على جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف نظره إليها وهو ضعيف والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه
النظر إليها لقوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم الآية ولحديث أم سلمة أفعمياوان أنتما وأيضا ليس في هذا الحديث رخصة لها في النظر إليه بل فيه أنها آمنة عنده من نظير غيره وهي مأمورة بغض بصرها عنه انتهى (فإذا حللت) أي خرجت من العدة (فآذنيني) بالمد وكسر الذال أي فأعلميني (وأبا جهم) بفتح فسكون هو عامر بن حذيفة العدوي القرشي وهو مشهور بكنيته وهو الذي طلب النبي صلى الله عليه وسلم أنبجانيته في الصلاة
قال النووي وهو غير أبي جهم المذكور في التيمم وفي المرور بين يدي المصلي (فلا يضع عصاه عن عاتقه) بكسر الفوقية أي منكبه وهو كناية عن كثرة الأسفار أو عن كثرة الضرب وهو الأصح بدليل الرواية الأخرى أنه ضراب للنساء ذكره النووي وقال فيه دليل على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند المشاورة وطلب النصيحة ولا يكون هذا في الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة (فصعلوك) بضم الصاد أي فقير (لا مال له) صفة كاشفة (انكحي) بهمز وصل وكسر الكاف أي تزوجي (فكرهته أي) ابتداء لكونه مولى أسود جدا
وإنما أشار صلى الله عليه وسلم بنكاح أسامة لما علمه من دينه وفضله وحسن طرائقه وكرم شمائله فنصحها بذلك (ثم قال انكحي) إنما كرر عليها الحث على زواجه لما علم من مصلحتها في ذلك وكان كذلك ولذا قالت فجعل الله تعالى إلخ (واغتبطت به) بفتح التاء والباء أي صرت ذات غبطة بحيث اغتبطتني النساء لحظ كان لي منه قاله القارىء وقال النووي قال أهل اللغة الغبطة أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه وليس هو الحسد تقول منه غبطته بما نال أغبطه بكسر الباء غبطا وغبطة فاغتبط هو كمنعته فامتنع وحبسته فاحتبس انتهى
وفي الحديث حجة لمن قال إن المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ولا سكنى
قال النووي اختلف العلماء في المطلقة البائن الحائل (أي غير الحامل) هل لها النفقة والسكنى أم لا فقال عمر بن الخطاب وأبو حنيفة وآخرون لها السكنى والنفقة
وقال بن عباس وأحمد لا سكنى لها ولا نفقة
وقال مالك والشافعي وآخرون يجب لها السكنى ولا نفقة لها
واحتج من أوجبهما جميعا بقوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم فهذا أمر بالسكنى
وأما النفقة فلأنها محبوسة عليه
وقد قال عمر لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم بقول امرأة جهلت أو نسيت
قال العلماء الذي في كتاب ربنا إنما هو إثبات
السكنى
قال الدارقطني قوله وسنة نبينا هذه زيادة غير محفوظة لم يذكرها جماعة من الثقات
واحتج من لم يوجب نفقة ولا سكنى بحديث فاطمة بنت قيس واحتج من أوجب السكنى دون النفقة لوجوب السكنى بظاهر قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم ولأن وجوب النفقة بحديث فاطمة مع ظاهر قول الله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فمفهومه أنهن إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن
وأجاب هؤلاء عن حديث فاطمة في سقوط النفقة بما قاله سعيد بن المسيب وغيره أنها كانت امرأة لسنة واستطالت على أحمائها فأمرها بالانتقال فتكون عند بن أم مكتوم
وقيل لأنها خافت في ذلك المنزل بدليل ما رواه مسلم من قولها أخاف أن يقتحم علي ولا يمكن شيء من هذا التأويل في سقوط نفقتها والله أعلم
وأما البائن الحامل فتجب لها السكنى والنفقة
وأما الرجعية فتجبان لها بالإجماع
وأما المتوفى عنها زوجها فلا نفقة لها بالإجماع
والأصح عندنا وجوب السكنى لها فلو كانت حاملا فالمشهور أنه لا نفقة كما لو كانت حائلا
وقال بعض أصحابنا تجب وهو غلط والله أعلم
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي
(أبا حفص بن المغيرة) وقد تقدم في الرواية الأولى أن اسم زوجها أبو عمرو بن حفص
قال النووي هكذا قاله الجمهور أنه أبو عمرو بن حفص وقيل أبو حفص بن عمرو وقيل أبو حفص بن المغيرة (فيه) أي في الحديث (وحديث مالك) أي المذكور أولا
(وخبر خالد بن الوليد) بالنصب عطف على الحديث أي وساق الحديث مع ذكر خبر خالد بن الوليد وهو إتيانه
مع نفر من بني مخزوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما كان في الرواية المتقدمة (أن لا تسبقيني بنفسك) هو من التعريض بالخطبة وهو جائز في عدة الوفاة وكذا في عدة البائن بالثلاث
وفيه قول ضعيف في عدة البائن والصواب الأول لهذا الحديث
(ولا تفوتيني بنفسك) تعريض بالخطبة (قال أبو داود وكذلك) أي بلفظ أن زوجها طلقها ثلاثا (رواه الشعبي) رواية الشعبي أخرجها المؤلف (والبهي) روايته أخرجها مسلم (وعطاء عن عبد الرحمن بن عاصم) رواية عطاء عن عبد الرحمن بن عاصم عن فاطمة بنت قيس أخرجها النسائي (وأبو بكر بن أبي الجهم) روايته أخرجها مسلم (كلهم) أي الشعبي والبهي وعبد الرحمن بن عاصم وأبو بكر بن أبي الجهم
(عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن زوجها إلخ) قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه مختصرا ومطولا
(طلقها آخر ثلاث تطليقات) أي التي كانت باقية لها وقد كان طلقها تطلقتين قبل (قال
أبو داود وكذلك رواه صالح بن كيسان) أي مثل رواية عقيل عن بن شهاب
ورواية صالح عند مسلم (وبن جريج) روايته عند الدارقطني (وشعيب بن أبي حمزة) رواية شعيب عند النسائي (واسم أبي حمزة دينار وهو) أي أبو حمزة
قال في التقريب شعيب بن أبي حمزة الأموي مولاهم واسم أبيه دينار أبو بشر الحمصي ثقة عابد
قال بن معين من أثبت الناس في الزهري
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي
(أرسل مروان) أي قبيصة (أمر) بتشديد الميم أي جعله أميرا (فخرج معه) أي مع علي زوجها (أي زوج فاطمة) (فبعث) أي زوج فاطمة (إليها) أي إلى فاطمة (بتطليقة كانت بقيت لها) وقد كان طلقها تطليقتين قبل (إلا أن تكوني حاملا) فيه دليل على وجوب النفقة للمطلقة بائنا إذا كانت حاملا ويدل بمفهومه على أنها لا تجب لغيرها ممن كان على صفتها في البينونة فلا يرد ما قيل إنه يدخل تحت هذا المفهوم المطلقة الرجعية إذا لم تكن حاملا ولو سلم الدخول لكان الإجماع على وجوب نفقة الرجعية مطلقا مخصصا لعموم ذلك المفهوم (فأذن لها) فيه دليل على أنه يجوز للمطلقة بائنا الانتقال من المنزل الذي وقع عليها الطلاق البائن
وهي فيه فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى ولا يخرجن كذا في النيل (فسنأخذ بالعصمة) بكسر العين أي بالثقة والأمر القوي الصحيح
قاله النووي (فطلقوهن لعدتهن) تمام الآية وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (حتى لا تدري) أي قرأت إلى قوله تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا
(قالت) أي فاطمة (فأي أمر يحدث بعد الثلاث) أي أن الآية لم تتناول المطلقة البائن وإنما هي لمن كانت له مراجعة لأن الأمر الذي يرجى إحداثه هو الرجعة لا سواه فأي أمر يحدث بعد الثلاث من الطلاق
قال الحافظ في الفتح وقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى يحدث بعد ذلك أمرا المراجعة قتادة والحسن والسدي والضحاك أخرجه الطبري عنهم ولم يحك عن أحد غيرهم خلافه
وحكى غيره أن المراد بالأمر ما يأتي من قبل الله تعالى من نسخ أو تخصيص أو نحو ذلك فلم ينحصر ذلك في المراجعة
انتهى
(وكذلك رواه يونس عن الزهري) أي مثل رواية معمر عن الزهري المذكورة (وأما الزبيدي) بالزاي والموحدة مصغرا هو محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الحمصي القاضي ثقة ثبت من كبار أصحاب الزهري (فروى الحديثين جميعا حديث عبيد الله) ولفظ حديث منصوب بدل من قوله الحديثين
وعبيد الله هذا هو بن عبد الله بن عتبة (بمعنى معمر) أي كما روى معمر عن الزهري عن عبيد الله (وحديث أبي سلمة) عطف على قوله حديث عبيد الله (بمعنى عقيل) أي كما روى عقيل عن الزهري عن أبي سلمة
وحاصله أن الزبيدي روى حديث عبيد الله المذكور آنفا بمعنى معمر لا بلفظه وروى أيضا حديث أبي سلمة المذكور قبل حديث عبيد الله بمعنى عقيل الراوي عن بن شهاب
(ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري) وحديثه عند أحمد في مسنده ولفظه حدثنا يعقوب وهو بن إبراهيم حدثنا أبي عن بن إسحاق قال وذكر محمد بن مسلم الزهري أن قبيصة بن ذؤيب حدثه أن بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وكانت فاطمة بنت قيس خالتها وكانت عند عبد الله بن عمرو بن عمرو بن عثمان طلقها ثلاثا فبعث إليها خالتها فاطمة بنت قيس فنقلتها إلى بيتها ومروان بن الحكم على المدينة
قال قبيصة فبعثني إليها مروان فسألتها ما حملها على أن تخرج امرأة من بيتها قبل أن تنقضي عدتها قال فقالت لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بذلك
قال ثم قصت علي حديثها ثم قالت وأنا أخاصمكم بكتاب الله يقول الله عزوجل في كتابه إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة إلى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ثم قال عزوجل فإذا بلغن أجلهن الثالثة فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف والله ما ذكر الله بعد الثالثة حبسا مع ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال فرجعت إلى مروان فأخبرته خبرها فقال حديث امرأة حديث امرأة قال ثم أمر بالمرأة فردت إلى بيتها حتى انقضت عدتها انتهى (بمعنى) أي بالمعنى الذي دل ذلك المعنى (على خبر عبيد الله بن عبد الله) وذلك المعنى هو رواية قبيصة بن ذؤيب لذلك الحديث عن فاطمة بنت قيس ويدل على روايته لذلك عنها قوله (حين قال فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره بذلك) فمراجعة قبيصة من فاطمة إلى مروان تدل على أن قبيصة رواه عن فاطمة مشافهة
فشبه أن يكون مراد المؤلف والله أعلم أن رواية محمد بن إسحاق عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب ليست بمستبعدة وإن كان روى معمر عن الزهري عن عبيد الله وروى عقيل عن الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة
قلت وذلك لأن الزهري أدرك عصر قبيصة فكيف ينكر لقاءه عن قبيصة وهذا التوجيه أشبه إلى الصواب
وفيه تأويل ضعيف أي وروى الزهري عن قبيصة لا من صريح لفظ قبيصة حيث شافه قبيصة الزهري بهذا الحديث بل رواه بالمعنى وبالاستنباط حيث دل وأرشد على ذلك المعنى المأخوذ وعلى ذلك الاستنباط خبر عبيد الله بن عبد الله وفيه قوله فرجع قبيصة إلى مروان
فأخبره بذلك فدلس الزهري وروى عن قبيصة بن ذؤيب لكن لفظ أحمد وذكر الزهري أن قبيصة بن ذؤيب حدثه يدفع هذا التأويل
كذا في غاية المقصود والله أعلم
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي
وذكر أبو مسعود الدمشقي أن حديث عبيد الله هذا مرسل
$ 0 - (باب من أنكر ذلك على فاطمة)
(مع الأسود) أي بن يزيد (فقال) أي الأسود (ما كنا لندع كتاب ربنا وسنة نبينا) قال النووي قال العلماء الذي في كتاب ربنا إنما هو إثبات السكنى
قال الدارقطني وسنة نبينا هذه زيادة غير محفوظة لم يذكرها جماعة من الثقات
انتهى وما وقع في بعض الروايات عن عمر أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها السكنى والنفقة فقد قال الإمام أحمد لا يصح ذلك عن عمر
وقال الدارقطني السنة بيد فاطمة قطعا وأيضا تلك الرواية من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت عمر بسنتين (لقول امرأة لا ندري أحفظت ذلك أم لا<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال أبو داود في المسائل سمعت أحمد بن حنبل وذكر له قول عمر لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة فلم يصحح هذا عن عمر وقال الدارقطني هذا الكلام لا يثبت عن عمر يعني قوله سنة نبينا ثم ذكر أحاديث الباب ثم قال بعد انتهاء آخر الباب اختلف الناس في المبتوتة هل لها نفقة أو سكنى على ثلاثة مذاهب وعلى ثلاث روايات عن أحمد أحدها أنه لا سكنى لها ولا نفقة وهو ظاهر مذهبه
وهذا قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وجابر وعطاء وطاوس والحسن وعكرمة وميمون بن مهران وإسحاق بن راهويه وداود بن علي وأكثر فقهاء الحديث وهو مذهب صاحبة القصة فاطمة بنت قيس وكانت تناظر عليه
والثاني ويروى عن عمر وعبد الله بن مسعود أن لها السكنى والنفقة
وهو قول أكثر أهل
فإن قلت إن ذلك القول من عمر يتضمن الطعن على رواية فاطمة قلت هذا مطعن باطل بإجماع المسلمين للقطع بأنه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه رد خبر المرأة لكونها امرأة<span class="matn-hr"> </span>Qالعراق وقول بن شبرمة وبن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن أبي صالح وأبي حنيفة وأصحابه وعثمان البتي والعنبري
وحكاه أبو يعلى القاضي في مفرداته رواية عن أحمد وهي غريبة جدا والثالث أن لها السكنى دون النفقة وهذا قول مالك والشافعي وفقهاء المدينة السبعة وهو مذهب عائشة أم المؤمنين
وأسعد الناس بهذا الخبر من قال به وأنه لا نفقة لها ولا سكنى وليس مع رده حجة تقاومه ولا تقاربه
قال بن عبد البر أما من طريق الحجة وما يلزم منها فقول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأرجح لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نصا صريحا فأي شيء يعارض هذا إلا مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو المبين عن الله مراده ولا شيء يدفع ذلك ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله تعالى {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم}
وأما قول عمر ومن وافقه فقد خالفه علي وبن عباس ومن وافقهما والحجة معهم ولو لم يخالفهم أحد منهم لما قبل قول المخالف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة على عمر وعلى غيره
ولم يصح عن عمر أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة فإن أحمد أنكره وقال أما هذا فلا
ولكن قال لا نقبل في ديننا قول امرأة وهذا أمر يرده الإجماع على قبول المرأة في الرواية فأي حجة في شيء يخالفه الإجماع وترده السنة ويخالفه فيه علماء الصحابة وقال إسماعيل بن إسحاق نحن نعلم أن عمر لا يقول لا ندع كتاب ربنا إلا لما هو موجود في كتاب الله تعالى والذي في الكتاب أن لها النفقة إذا كانت حاملا لقوله تعالى {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} وأما غير ذوات الحمل فلا يدل إلا على أنهن لا نفقة لهن لاشتراطه الحمل في الأمر بالإنفاق
آخر كلامه
والذي ردوا خبر فاطمة هذا ظنوه معارضا للقرآن فإن الله تعالى قال {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} وقال {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} وهذا لو كان كما ظنوه لكان في السكنى خاصة وأما إيجاب النفقة لها فليس في القرآن إلا ما يدل على أنه لا نفقة لهن كما قال القاضي إسماعيل لأن الله سبحانه وتعالى شرط في وجوب الإنفاق أن يكن من أولات الحمل وهو يدل على أنها إذا كانت حاملا فلا نفقة لها كيف وإن القرآن لا يدل على وجوب السكنى للمبتوتة بوجه ما فإن السياق كله إنما هو في الرجعية
يبين ذلك قوله تعالى {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} وقوله {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} وهذا في البائن
فكم من سنة قد تلقتها الأمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم السنة ولم ينقل أيضا عن أحد من المسلمين أنه يرد الخبر بمجرد تجويز نسيان<span class="matn-hr"> </span>Qمستحيل ثم قال (أسكنوهن) واللاتي قال فيهن {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} قال فيهن {أسكنوهن} و {لا تخرجوهن من بيوتهن} وهذا ظاهر جدا
وشبهة من ظن أن الآية في البائن قوله تعالى {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} قالوا ومعلوم أن الرجعية لها النفقة حاملا كانت أو حائلا وهذا لا حجة فيه فإنه إذا أوجب نفقتها حاملا لم يدل ذلك على أنه لا نفقة لها إذا كانت حائلا بل فائدة التقييد بالحمل التنبيه على اختلاف جهة الإنفاق بسبب الحمل قبل الوضع وبعده فقبل الوضع لها النفقة حتى تضعه فإذا وضعته صارت النفقة بحكم الإجارة ورضاعة الولد وهذه قد يقوم غيرها مقامها فيه فلا تستحقها لقوله تعالى {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} وأما النفقة حال الحمل فلا يقوم غيرها مقامها فيه بل هي مستمرة حتى تضعه
فجهة الإنفاق مختلفة
وأما الحائل فنفقتها معلومة من نفقة الزوجات فإنها زوجة ما دامت في العدة فلا حاجة إلى بيان وجوب نفقتها
وأما الحامل فلما اختلف جهة النفقة عليها قبل الوضع وبعده ذكر سبحانه الجهتين والسببين وهذا من أسرار القرآن ومعانيه التي يختص الله بفهمها من يشاء
وأيضا فلو كان قوله تعالى {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} في البوائن لكان دليلا ظاهرا على أن الحائل البائن لا نفقة لها لا شتراط الحمل في وجوب الاتفاق والحكم المعلق بالشرط يعدم عند عدمه وأما آية السكنى فلا يقول أحد إنها مختصة بالبائن لأن السياق يخالفه ويبين أن الرجعية مرادة منها فإما أن يقال هي مختصة بالرجعية كما يدل عليه سياق الكلام وتتحد الضمائر ولا تختلف مفسراتها بل يكون مفسر قوله {فأمسكوهن} هو مفسر قوله {أسكنوهن} وعلى هذا فلا حجة في سكنى البائن
وإما أن يقال هي عامة للبائن والرجعية وعلى هذا فلا يكون حديث فاطمة منافيا للقرآن بل غايته أن يكون مخصصا لعمومه وتخصيص القرآن بالسنة جائز واقع هذا لو كان قوله (أسكنوهن) عاما فكيف ولا يصح فيه العموم لما ذكرناه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا نفقة لك ولا سكنى وقوله في اللفظ الآخر إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة رواه الإمام أحمد والنسائي وإسناده صحيح
وفي لفظ لأحمد إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما
ناقله ولو كان ذلك مما يقدح به لم يبق حديث من الأحاديث النبوية إلا وكان مقدوحا فيه لأن تجويز النسيان لا يسلم منه أحد فيكون ذلك مفضيا إلى تعطيل السنن بأسرها مع كون فاطمة<span class="matn-hr"> </span>Qكانت عليها الرجعة فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى وهذا يبطل كل ما تأولوا به حديث فاطمة فإن هذا فتوى عامة وقضاء عام في حق كل مطلقة فلو لم يكن لشأن فاطمة ذكر في المبين لكان هذا اللفظ العام مستقلا بالحكم لا معارض له بوجه من الوجوه
فقد تبين أن القرآن لا يدل على خلاف هذا الحديث بل إنما يدل على موافقته كما قالت فاطمة بيني وبينكم القرآن
ولما ذكر لأحمد قول عمر لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة تبسم أحمد وقال أي شيء في القرآن خلاف هذا وأما قوله في الحديث وسنة نبينا فإن هذه اللفظة وإن كان مسلم رواها فقد طعن فيها الأئمة كالإمام أحمد وغيره
قال أبو داود في كتاب المسائل سمعت أحمد بن حنبل وذكر له قول عمر لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة قلت أيصح هذا عن عمر قال لا
وروى هذه الحكاية البيهقي في السنن والآثار عن الحاكم عن بن بطة عن أبي حامد الأشعري عن أبي داود
وقال الدارقطني هذا اللفظ لا يثبت يعني قوله وسنة نبينا ويحيى بن آدم أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه وقد تابعه قبيصة بن عقبة فرواه عن عمار بن رزيق مثل قول يحيى بن آدم سواء والحسن بن عمارة متروك وأشعت بن سوار ضعيف ورواه الأعمش عن إبراهيم دون قوله وسنة نبينا والأعمش أثبت من أشعت وأحفظ وقال البيهقي هذه اللفظة أخرجها مسلم في صحيحه
وذهب غيره من الحفاظ إلى أن قوله وسنة نبينا غسر محفوظة في هذا الحديث فقد رواه يحيى بن آدم وغيره عن عمار بن رزيق في السكنى دون هذه اللفظة وكذلك رواه الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر دون قوله وسنة نبينا وإنما ذكره أبو أحمد عن عمار وأشعث عن الحكم وحماد عن إبراهيم عن الأسود عن عمر والحسن بن عمارة عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن الخليل الحضرمي عن عمر ثم ذكر كلام الدارقطني أنها لا تثبت
فقد تبين أنه ليس في السنة ما يعارض حديث فاطمة كما أنه ليس في الكتاب ما يعارضه
وفاطمة امرأة جليلة من فقهاء الصحابة غير متهمة في الرواية
وما يرويه بعص الأصوليين لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت غلط ليس في الحديث وإنما الذي في الحديث حفظت أم نسيت هذا لفظ مسلم
قال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد أنه ذكر عند الشعبي قول عمر هذا حفظت أم نسيت فقال الشعبي امرأة من قريش ذات عقل ورأي تنسى قضاء قضي به عليها قال وكان الشعبي يأخذ بقولها
المذكورة من المشهورات بالحفظ كما يدل على ذلك حديثها الطويل في شأن الدجال ولم تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة يخطب به على المنبر فوعته جميعه فكيف يظن بها أن<span class="matn-hr"> </span>Qوقال ميمون بن مهران لسعيد بن المسيب تلك امرأة فتنت الناس لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فتنت الناس وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة
ثم رد خبرها بأنها امرأة مما لا يقول به أحد وقد أخذ الناس برواية من هو دون فاطمة وبخبر الفريعة وهي امرأة وبحديث النساء كأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن من الصحابيات بل قد احتج العلماء بحديث فاطمة هذا بعينه في أحكام كثيرة
منها نظر المرأة إلى الرجل ووضعها ثيابها في الخلوة وجواز الخطبة على خطبة الغير إذا لم تجبه المرأة ولم يسكن إليها وجواز نكاح القرشية لغير القرشي ونصيحة الرجل لمن استشاره في أمر يعيب من استشاره فيه وأن ذلك ليس بغيبة ومنها الإرسال بالطلاق في الغيبة
ومنها التعريض بخطبة المعتدة البائن بقوله لا تفوتيني بنفسك
ومنها احتجاج الأكثرين به على سقوط النفقة للمبتوتة التي ليست بحامل
فما بال حديثها محتجا به في هذه الأحكام دون سقوط السكنى فإن حفظته فهو حجة في الجميع وإن لم يكن محفوظا لم يجز أن يحتج به في شيء
والله أعلم
وقال الشافعي في القديم فإن قال قائل فإن عمر بن الخطاب اتهم حديث فاطمة بنت قيس وقال لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة قلنا لا نعرف أن عمر اتهمها وما كان في حديثها ما تتهم له ما حدثت إلا بما يجب وهي امرأه من المهاجرين لها شرف وعقل وفضل ولو رد شيء من حديثها كان إنما يرد منه أنه أمرها بالخروج من بيت زوجها فلم تذكر هي لم أمرت بذلك وإنما أمرت به لأنها استطالت على أحمائها فأمرت بالتحول عنهم للشر بينها وبينهم فكأنهم أحبوا لها ذكر السبب الذي له أخرجت لئلا يذهب ذاهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن تعتد المبتوتة حيث شاءت في غير بيت زوجها
وهذا الذي ذكره الشافعي هو تأويل عائشة بعينه وبه أجابت مروان لما احتج عليها بالحديث كما تقدم
ولكن هذا التأويل مما لا يصح دفع الحديث به من وجوه
أحدها أنه ليس بمذكور في القصة ولا علق عليه الحكم قط لا باللفظ ولا بالمفهوم وإن كان واقعا فتعليق الحكم به تعليق على وصف لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم ولا في لفظه قط ما يدل على إسقاط السكنى به وترك لتعليق الحكم بالوصف الذي اعتبره وعلق به الحكم وهو عدم ثبوت الرجعة
الثاني أنكم لا تقولون به فإن المرأة ولو استطالت ولو عصت بما عسى أن تعصى به لا يسقط
تحفظ مثل هذا وتنسى أمرا متعلقا بها مقترنا بفراق زوجها وخروجها من بيته
كذا في النيل
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي مختصرا ومطولا
(لقد عابت ذلك) أي قول فاطمة بأنه لا نفقة ولا سكنى للمطلقة البائن (في مكان وحش) بفتح الواو وسكون الحاء المهملة بعدها شين معجمة أي خال ليس به أنيس (فلذلك رخص لها) أي في الانتقال
قال المنذري وأخرجه بن ماجه
وأخرجه البخاري تعليقا<span class="matn-hr"> </span>Qحقها من السكنى كما لو كانت حاملا بل كان يستكرى لها من حقها في مال زوجها وتسكن ناحية
وقد أعاذ الله فاطمة بنت قيس من ظلمها وتعديها إلى هذا الحد كيف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعنفها بذلك ولا نهاها عنه ولا قال لها إنما أخرجت من بيتك بظلمك لأحمائك بل قال لها إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة وهذا هو الوجه الثالث وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لها السبب الذي من أجله سقط حقها من السكنى وهو سقوط حق الزوج من الرجعة وجعل هذا قضاء عاما لها ولغيرها فكيف يعدل عن هذا الوصف إلى وصف لو كان واقعا لم يكن له تأثير في الحكم أصلا وقد روى الحميدي في مسنده هذا الحديث وقال فيه يا ابنة قيس إنما لك السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك الرجعة ورواه الأثرم فأين التعليل بسلاطة اللسان مع هذا البيان ثم لو كان ذلك صحيحا لما احتاج عمر في رده إلى قوله لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة بل كان يقول لم يخرجها من السكنى إلا بذاؤها وسلطها ولم يعللها بانفراد المرأة به وقد كان عمر رضي الله عنه يقف أحيانا في انفراد بعض الصحابة كما طلب من أبي موسى شاهدا على روايته وغيره
وقد أنكرت فاطمة على من أنكر عليها وردت على من رد عليها وانتصرت لروايتها ومذهبها
رضي الله عنهم أجمعين
وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في المتلاعنين أن لا يبت لها عليه ولا قوت ولو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي سقوط النفقة والسكنى لأنها إنما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع والبائن قد فقد في حقها ذلك ولهذا وجبت للرجعية لتمكنه من الاستمتاع بها وأما البائن فلا سبيل له إلى الاستمتاع بها إلا بما يصل به إلى الأجنبية وحبسها لعدته لا يوجب نفقة كما لو وطئها بشبهة وكالملاعنة والمتوفى عنها زوجها
والله أعلم
(ألم تري) بحذف النون (إلى قول فاطمة) أي بنت قيس (قالت) أي عائشة (أما) بالتخفيف للتنبيه (إنه) أي الشأن (لا خير لها) أي لفاطمة (في ذكر ذلك) فإنها تذكر على وجه يقع الناس في الخطأ
قاله السندي
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه
(إنما كان ذلك) أي انتقالها من مسكن الزوج
قال المنذري هذا مرسل
(طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم) هي بنت أخي مروان واسمها عمرة (فانتقلها) أي نقلها من مسكنها الذي طلقت فيه (وهو أمير المدينة) أي يومئذ من قبل معاوية وولي الخلافة بعد ذلك (واردد المرأة) أي عمرة بنت عبد الرحمن (إلى بيتها) أي الذي طلقت فيه (فقال مروان في حديث سليمان إن عبد الرحمن غلبني) وهو موصول بالإسناد المذكور إلى يحيى بن سعيد وهو الذي فصل بين حديثي شيخيه فساق ما اتفقا عليه ثم بين لفظ سليمان وحده ولفظ القاسم بن محمد وحده وقول مروان إن عبد الرحمن غلبني أي لم يطعني في ردها إلى بيتها وقيل مراده غلبني بالحجة لأنه احتج بالشر الذي كان بينهما كذا في الفتح (لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة) لأنه لا حجة فيه لجواز انتقال المطلقة من منزلها بغير سبب
وقال في الكواكب كان لعلة وهو أن مكانها كان وحشا مخوفا عليها أو لأنها كانت لسنة استطالت على أحمائها كذا في القسطلاني (فقال مروان إن كان بك الشر) أي إن كان عندك أن سبب خروج
فاطمة ما وقع بينها وبين أقارب زوجها من الشر فهذا السبب موجود ولذلك قال (فحسبك) أي فيكفيك (ما كان بين هذين) أي عمرة وزوجها يحيى وهذا مصير من مروان إلى الرجوع عن رد خبر فاطمة فقد كان أنكر الخروج مطلقا كما مر ثم رجع إلى الجواز بشرط وجود عارض يقتضي جواز خروجها من منزل الطلاق
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه مختصرا
(فدفعت) بصيغة المتكلم المجهول (تلك امرأة فتنت الناس) أي بذكر هذا الحديث على وجه يقع الناس في الخطأ (كانت لسنة) بكسر السين أي كانت تأخذ الناس وتجرحهم بلسانها (فوضعت) على البناء للمجهول أي أخرجت من بيت زوجها وجعلت كالوديعة عند بن أم مكتوم
وهذا الأثر سكت عنه المنذري
$ 1 - (باب في المبتوتة تخرج بالنهار)
(طلقت) بضم الطاء وتشديد اللام (ثلاثا) أي ثلاث تطليقات أو ثلاث مرات (تجد) بفتح أوله وضم الجيم بعدها دال مهملة أي تقطع ثمر نخلها (لعلك أن تصدقي) بحذف إحدى التائين (أو) للتنويع
قال الخطابي وجه استدلال أبي داود من هذا الحديث في أن للمعتدة في الطلاق أن تخرج بالنهار هو أن جداد النخل في غالب العرف لا يكون إلا نهارا وقد نهي عن جداد الليل ونخل الأنصار قريب من دورهم فهي إذا خرجت بكرة للجداد أمكنها أن تسمي في بيتها لقرب المسافة وهذا في المعتدة من التطليقات الثلاث فأما الرجعية فإنها لا تخرج ليلا ولا نهارا
وقال أبو حنيفة لا تخرج المبتوتة ليلا ولا نهارا كالرجعية
وقال الشافعي
تخرج نهارا ولا تخرج ليلا على ظاهر الحديث انتهى
قال القارىء تعليل للخروج ويعلم منه أنه لولا التصدق لما جاز لها الخروج أو للتنويع بأن يراد بالتصدق الفرض وبالخير التطوع والهدية والإحسان إلى الجار يعني أن يبلغ مالك نصابا فتؤدي زكاته وإلا فافعلي معروفا من التصدق والتقرب والتهادي
وفيه أن حفظ المال واقتناءه لفعل المعروف مرخص انتهى
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي وبن ماجه
$ 2 - (باب نسخ متاع المتوفى عنها زوجها)
بما فرض لها من الميراث (والذين يتوفون منكم ويذرون) أي يتركون (أزواجا وصية) بالنصب أي فليوصوا وصية
وفي قراءة بالرفع أي عليكم وصية (متاعا) أي متعوهن متاعا وهو نفقة سنة لطعامها وكسوتها وسكناها وما تحتاج إليه (غير إخراج) حال أي غير مخرجات من مسكنهن
والحديث أخرجه النسائي وأخرجه أيضا من قول عكرمة وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال قاله المنذري
$ 3 - (باب إحداد المتوفى عنها زوجها)
قال أهل اللغة الإحداد والحداد مشتق من الحد وهو المنع لأنها تمنع الزينة والطيب يقال أحدت المرأة تحد إحدادا وحدت تحد بضم الحاء وتحد بكسرها حدا
كذا قال
الجمهور إنه يقال أحدت وحدت
وقال الأصمعي لا يقال إلا أحدت رباعيا ويقال امرأة حاد ولا يقال حادة
وأما الإحداد في الشرع فهو ترك الطيب والزينة
(على أم حبيبة) أي بنت أبي سفيان أم المؤمنين رضي الله عنها (فدعت بطيب) أي طلبت طيبا (فيه صفرة خلوق) على وزن صبور ضرب من الطيب وهو إما مجرور على إضافة صفرة إليه أو مرفوع على أنه صفة لصفرة (ثم مست بعارضيها) أي بجانبي وجه نفسها وهما جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما دون الأذن (لا يحل) أي لا يجوز (لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) قال الطيبي رحمه الله الوصف بالإيمان إشعار بالتعليل وأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترىء على مثله من العظام (أن تحد) بضم الفوقية وكسر الحاء المهملة من الإحداد أو بفتح الفوقية وضم الحاء وكسرها أي أن تمنع نفسها من الزينة وتترك الطيب (إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) قال النووي فيه دليل على وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها وهو مجمع عليه في الجملة وإن اختلفوا في تفصيله فيجب على كل معتدة عن وفاة سواء المدخول بها وغيره والصغيرة والكبيرة والبكر والثيب والحرة والأمة والمسلمة والكافرة هذا مذهب الشافعي والجمهور
وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين وأبو ثور وبعض المالكية لا يجب على الزوجة الكتابية بل يختص بالمسلمة لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله فخصه بالمؤمنة
ودليل الجمهور أن المؤمن هو الذي يستثمر خطاب الشارع وينتفع به وينقاد له
وقال أبو حنيفة أيضا لا إحداد على الصغيرة ولا على الزوجة الأمة
وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد ولا على الأمة إذا توفي عنهما سيدهما ولا على الزوجة الرجعية
واختلفوا في المطلقة ثلاثا فقال عطاء وربيعة ومالك والليث والشافعي وبن المنذر لا إحداد عليها
قال وقال الحكم وأبو حنيفة والكوفيون وأبو ثور وأبو عبيد عليها الإحداد انتهى
(حين توفي أخوها) سمي في بعض الموطآت عبد الله وكذا هو في صحيح بن حبان من طريق أبي مصعب وإن المعروف أن عبد الله بن جحش قتل بأحد شهيدا وزينب بنت أبي
سلمة يومئذ طفلة فيستحيل أن تكون دخلت على زينب بنت جحش في تلك الحالة وأنه يجوز أن يكون عبيد الله المصغر فإن دخول زينب بنت أبي سلمة عند بلوغ الخبر إلى المدينة بوفاته كان وهي مميزة أو الميت كان أخا زينب بنت جحش من أمها أو من الرضاعة كذا في الفتح
(قالت زينب وسمعت أمي أم سلمة) هذا هو الحديث الثالث وأما سلمة بدل من أمي (إن ابنتي توفي زوجها عنها) واسمه المغيرة المخزومي (وقد اشتكت عينها) وفي بعض النسخ عينيها بصيغة التثنية
قال بن دقيق العيد يجوز فيه وجهان ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل وهي المرأة ورجح هذا ووقع في بعض الروايات عيناها يعني وهو يرجح الضم وهذه الرواية في مسلم وعلى الضم اقتصر النووي وهو الأرجح والذي رجح الأول هو المنذري (فنكحلها) بالنون المفتوحة وبضم الحاء وفي بعض النسخ أفنكحلها بذكر الهمزة وفي بعضها أفتكحلها بتاء التأنيث والضمير البارز إليها أو إلى عينها (لا) أي لا تكحلها (مرتين أو ثلاثا) أي قال مرتين أو ثلاثا (كل ذلك) بالنصب (يقول لا) قال الطيبي صفة مؤكدة لقوله ثلاثا
قال النووي فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا
وجاء في الحديث الآخر في الموطأ وغيره في حديث أم سلمة اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار
ووجه الجمع بين الأحاديث أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل لها وإن احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل مع أن الأولى تركه فإن فعلته مسحته بالنهار إنما هي أي العدة الشرعية (أربعة أشهر وعشرا) بالنصب على حكاية لفظ القرآن
قال الحافظ ولبعضهم بالرفع وهو واضح (ترمي بالبعرة) بفتح الموحدة والعين وتسكن وهي روث البعير (على رأس الحول) أي في أول السنة (قال حميد) هو بن نافع راوي الحديث
وهو موصول بالإسناد المبدوء به (وما ترمي بالبعرة) أي بيني لي المراد بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة
(دخلت حفشا) بكسر الحاء المهملة وإسكان الفاء وبالشين المعجمة أي بيتا صغيرا حقيرا قريب السمك (ولم تمس) بفتح التاء الفوقية والميم (حتى تمر بها سنة) أي من وفاة زوجها (ثم تؤتى) بضم أوله وفتح ثالثه (بدابة) بالتنوين قال في القاموس ما دب من الحيوان وغلب على ما يركب ويقع على المذكر (حمار) بالتنوين والجر على البدل (أو شاة أو طائر) أو للتنويع لا للشك وإطلاق الدابة عليهما بطريق الحقيقة اللغوية كما مر (فتفتض به) بفاء فمثناة فوقية ففاء ثانية ففوقية أخرى فضاد معجمة مشددة
قال بن قتيبة سألت الحجازيين عن الافتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ولا تزيل شعرا ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تفتض أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش بعد ما تفتض به
وقال الخطابي هو من فضضت الشيء إذا كسرته وفرقته أي أنها كانت تكسر ما كانت فيه من الحداد بتلك الدابة
قال الأخفش معناه تتنظف به وهو مأخوذ من الفضة تشبيها له بنقائها وبياضها وقيل تمسح به ثم تفتض أي تغتسل بالماء العذب حتى تصير بيضاء نقية كالفضة
وقال الخليل الفضيض الماء العذب يقال افتضضت أي اغتسلت به كذا قال القسطلاني (فقلما تفتض بشيء) أي مما ذكر (إلا مات) أي ذلك الشيء (فتعطى) بصيغة المجهول (فترمي بها) في رواية بن الماجشون عن مالك فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالا لها
وفي رواية بن وهب من وراء ظهرها
قاله القسطلاني (ثم تراجع بعد) أي بعد ما ذكر من الافتضاض والرمي (من طيب أو غيره) مما كانت ممنوعة منه في العدة
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
$ 44 - (باب في المتوفى عنها تنتقل)
(أن الفريعة) بضم فاء وفتح راء (بنت مالك بن سنان) بكسر أوله (وهي) أي الفريعة (أخبرتها) أي أخبرت الفريعة زينب (تسأله) حال (في بني خدرة) بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة أبو قبيلة (في طلب أعبد) بفتح فسكون فضم جمع عبد (أبقوا) بفتح الموحدة أي هربوا (بطرف القدوم) بفتح القاف وتشديد الدال وتخفيفها أيضا موضع على ستة أميال من المدينة (ولا نفقة) بالجر أي ولا في نفقة (في الحجرة) أي الحجرة الشريفة (أو في المسجد) أي النبوي وهو مسجد المدينة (دعاني) أي دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم (أو أمرني) وفي بعض النسخ أمر بي والشك من الفريعة (فدعيت له) أي نوديت وطلبت عنده (فرددت عليه) أي أعدت عليه ما قلته سابقا (فقال امكثي بضم الكاف أي توقفي واثبتي (في بيتك) أي الذي كنت فيه (حتى يبلغ الكتاب) أي العدة المكتوب عليها أي المفروضة (أجله) أي مدته
والمعنى حتى تنقضي العدة وسميت العدة كتابا لأنها فريضة من الله تعالى قال تعالى كتب عليكم أي فرض وهو اقتباس من قوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ونظائر الاقتباس في الأخبار كثيرة ولا عبرة لقول من كرهه كما بسطه السيوطي في الإتقان (فلما كان
عثمان بن عفان) أي خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه وفي رواية مالك فلما كان أمر عثمان (فاتبعه وقضى به) أي اتبع عثمان ما أخبرته به وحكم به
قال العلامة القاضي الشوكاني في النيل قد استدل بحديث فريعة على أن المتوفى عنها تعتد في المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه ولا تخرج منه إلى غيره
وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم
وقد أخرج ذلك عبد الرزاق عن عمر وعثمان وبن عمر وأخرجه أيضا سعيد بن منصور عن أكثر أصحاب بن مسعود والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب وعطاء وأخرجه حماد عن بن سيرين وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم والأوزاعي وإسحاق وأبو عبيد
قال وحديث فريعة لم يأت من خالفه بما ينتهض لمعارضته فالتمسك به متعين
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح
(باب من رأى التحول للمتوفى عنها زوجها إلى مكان آخر)
وبوب النسائي بقوله باب الرخصة للمتوفى عنها زوجها أن تعتد حيث شاءت
(نسخت هذه الآية) الأولى<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله اختلف السلف في وجوب اعتداد المتوفى عنها في منزلها فأوجبه عمر وعثمان وروي عن بن مسعود وبن عمر وأم سلمة وبه يقول الثوري والأوزاعي وإسحاق والأئمة الأربعة
قال بن عبد البر وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر
وروي عن علي وبن عباس وجابر وعائشة تعتد حيث شاءت وقال به جابر بن زيد والحسن وعطاء
ثم اختلف الموجبون لملازمة المنزل فيما إذا جاءها خبر وفاته في غير منزلها
فقال الأكثرون
وهي قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف (عدتها) أي المرأة المتوفى عنها زوجها (عند أهلها) المذكورة في الآية الثانية وهي قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف (فتعتد حيث شاءت) لأن السكنى تبع للعدة فلما نسخ الحول بأربعة الأشهر والعشر نسخت السكنى أيضا (وهو) أي المنسوخ حكمه (قول الله عزوجل غير إخراج) فهذه الآية الثانية التي فيها غير إخراج منسوخ بالآية الأولى (قال عطاء) أيضا (إن شاءت) المتوفى عنها زوجها (اعتدت عند أهله) أي أهل زوجها
ولفظ البخاري عند أهلها (وسكنت في وصيتها) أي المشار إليها بقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول (وإن شاءت خرجت) من بيت زوجها (ثم جاء الميراث) في قوله تعالى ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن (فنسخ السكنى) كما نسخت آية الخروج وهي فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن وجوب الاعتداد عند أهل الزوج (تعتد حيث شاءت) وزاد البخاري ولا سكنى لها
قال العيني وهو قول أبي حنيفة إن المتوفى عنها زوجها لا سكنى لها وهو أحد قولي الشافعي كالنفقة وأظهرهما الوجوب ومذهب مالك أن لها السكنى إذا كانت الدار ملكا للميت انتهى
وفي صحيح البخاري حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا روح حدثنا شبل عن بن أبي نجيح عن مجاهد والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا قال كانت هذه العدة تعتد عند أهل<span class="matn-hr"> </span>Qتعتد في منزلها
وقال إبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها
وحديث الفريعة حجة ظاهرة لا معارض لها
وأما قوله تعالى {فإن خرجن فلا جناح عليكم} فإنها سنة الاعتداد في منزل الزوج فالمنسوخ حكم آخر غير الاعتداد في المنزل وهو استحقاقها للسكنى في بيت الزوج الذي صار للورثة سنة وصية أوصى الله بها الأزواج تقدم به على الورثة ثم نسخ ذلك بالميراث ولم يبق لها استحقاق في السكنى المذكورة فإن كان المنزل الذي توفي فيه الزوج لها أو بذل الورثة لها السكنى لزمها الاعتداد فيه وهذا ليس بمنسوخ فالواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن فالذي نسخ إنما هو اختصاصها بسكنى السنة دون الورثة والذي أمرت به أن تمكث في بيتها حتى تنقضي عدتها ولا تنافي بين الحكمين
والله أعلم
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا يدل على أن بن مسعود يرى نسخ الآية في البقرة بهذه الآية التي في الطلاق وهي قوله {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} وهذا على عرف السلف في النسخ فإنهم
زوجها واجب فأنزل الله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف
قال جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فالعدة كما هي واجب عليها
زعم ذلك عن مجاهد
وقال عطاء قال بن عباس نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت
وقول الله غير إخراج قال عطاء إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول الله فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن قال عطاء ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها
قال الحافظ بن حجر قال بن بطال ذهب مجاهد إلى أن الآية وهي قوله تعالى يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا نزلت قبل الآية التي فيها وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج كما هي قبلها في التلاوة وكان الحامل له على ذلك استشكال أن يكون الناسخ قبل المنسوخ فرأى أن استعمالهما ممكن بحكم غير متدافع لجواز أن يوجب الله على المعتدة تربص أربعة أشهر وعشرا ويوجب على أهلها أن تبقى عندهم سبعة أشهر وعشرين ليلة تمام الحول إن أقامت عندهم
قال وهو قول لم يقله أحد من المفسرين غيره ولا تابعه عليها من الفقهاء أحد بل أطبقوا على أن آية الحول منسوخة وأن السكنى تبع للعدة فلما نسخ الحول في العدة بالأربعة أشهر وعشر نسخت السكنى أيضا
وقال بن عبد البر لم يختلف العلماء أن العدة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر وإنما اختلفوا في قوله غير إخراج فالجمهور على أنه نسخ أيضا
وروى بن أبي نجيح عن مجاهد فذكر حديث الباب قال ولم يتابع على ذلك ولا قال أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين به في مدة العدة بل روى بن جريج عن مجاهد في قدرها مثل ما عليه الناس فارتفع الخلاف واختص ما نقل عن مجاهد وغيره بمدة السكنى على أنه أيضا شاذ لا يعول عليه
والله أعلم
قال العيني وحاصل كلام مجاهد أنه جعل على المعتدة تربص أربعة أشهر وعشرا وأوجب على أهلها أن تبقى عندهم سبعة أشهر وعشرين ليلة تمام الحول
وقال العيني أيضا قال مجاهد إن العدة الواجبة أربعة أشهر وعشرا وتمام السنة باختيارها بحسب الوصية فإن شاءت قبلت الوصية وتعتد إلى الحول وإن شاءت اكتفت
بالواجب
ويقال يحتمل أن يكون معناه العدة إلى تمام السنة واجبة وأما السكنى عند زوجها ففي الأربعة الأشهر والعشر واجبة وفي التمام باختيارها ولفظه فالعدة كما هي واجب عليها
يؤيد هذا الاحتمال وحاصله أنه لا يقوم بالنسخ والله أعلم
وفي جامع البيان في تفسير قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج يعني وحق المتوفى أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا وينفق عليهن من تركته غير مخرجات من مساكنهن وهذا في ابتداء الإسلام ثم نسخت المدة بقوله أربعة أشهر وعشرا والنفقة بالإرث
هذا ما عليه أكثر السلف فكانت الآية متأخرة في التلاوة متقدمة في النزول والله أعلم
قال المنذري وأخرجه البخاري والنسائي
$ 6 - (باب فيما تجتنب المعتدة في عدتها)
(عبد الله بن الجراح القهستاني) قال في المراصد قوهستان بضم أوله ثم السكون وكسر الهاء وسين مهملة بتعريب كوهستان يعني موضع الجبال انتهى مختصرا (لا تحد) بصيغة النفي ومعناه النهي (المرأة) وفي بعض النسخ امرأة (فوق ثلاث) أي ليال أو أيام (ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب) بمهملتين مفتوحة ثم ساكنة ثم موحدة وهو بالإضافة وهي برود اليمن يعصب غزلها أي يربط ثم يصبغ ثم ينسخ معصوبا فيخرج موشى لبقاء ما عصب به أبيض لم ينصبغ
وإنما يعصب السدى دون اللحمة
قال بن المنذر أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة إلا ما صبغ بسواد فرخص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتخذ للزينة بل هو من لباس الحزن وكره عروة العصب أيضا وكره مالك غليظه
قال بن النووي الأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقا وهذا الحديث حجة لمن أجازه
وقال بن دقيق العيد يؤخذ من مفهوم الحديث جواز ما ليس بمصبوغ وهي الثياب البيض ومنع بعض المالكية المرتفع منها الذي يتزين به وكذلك الأسود إذا كان ممن يتزين به
قال النووي ورخص أصحابنا فيما لا يتزين به ولو كان مصبوغا
واختلف في الحرير فالأصح عند الشافعية منعه مطلقا مصبوغا أو غير مصبوغ لأنه أبيح للنساء للتزين به والحادة ممنوعة من التزين فكان في حقها كالرجال
وفي التحلي بالفضة والذهب وباللؤلؤ ونحوه وجهان الأصح جوازه وفيه نظر من جهة المعنى في المقصود بلبسه وفي المقصود بالإحداد فإنه عند تأملها يترجح المنع كذا في الفتح (ولا تكتحل) فيه دليل على منع المعتدة من الاكتحال وقد تقدم الكلام عليه ويأتي بعضه (ولا تمس طيبا) فيه تحريم الطيب على المعتدة وهو كل ما يسمى طيبا ولا خلاف في ذلك (إلا أدنى طهرتها) أي عند قرب طهرها (بنبذة) بضم النون وسكون الموحدة بعدها معجمة وهي القطعة من الشيء وتطلق على الشيء اليسير (من قسط) بضم القاف ضرب من الطيب وقيل هو عود يحمل من الهند ويجعل في الأدوية
قال الطيبي رحمه الله القسط عقار معروف في الأدوية طيب الريح ينحر النفساء والأطفال (أو أظفار) بفتح أوله ضرب من الطيب لا واحد له وقيل واحده ظفر وقيل يشبه الظفر المقلوم من أصله وقيل هو شيء من العطر أسود والقطعة منه شبيهة بالظفر
قال النووي القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للطيب والله أعلم
(وزاد يعقوب) أي في روايته (ولا تختضب) أي بالحناء
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
(بهذا الحديث) أي مثل الحديث المذكور وهو
حديث إبراهيم بن طهمان وعبد الله السهمي عن هشام (وليس في تمام حديثهما) يشبه أن يكون المعنى أي ليس التشبيه ومثليه حديث يزيد بن هارون في تمام حديث إبراهيم بن طهمان وعبد الله السهمي بل مثليته في البعض والحاصل أن حديث يزيد بن هارون عن هشام مثل حديث إبراهيم وعبد الله عن هشام لكن بينهما تغاير قليل
وأخرج مسلم حديث يزيد لكن أحال على ما قبله والله أعلم
(المتوفى عنها زوجها) مبتدأ وخبره لا تلبس (لا تلبس المعصفر) أي المصبوغ بالمعصفر بالضم (ولا الممشقة) بضم الميم الأولى وفتح الشين المعجمة المشددة أي المصبوغة بالمشق بكسر الميم وهو الطين الأحمر الذي يسمى مغرة والتأنيث باعتبار الحالة أو الثياب (ولا الحلي) بضم أوله ويجوز كسرها وبتشديد الياء جمع حلية وهي ما يتزين به من المصاغ وغيره
قال المنذري وأخرجه النسائي
(بنت أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين (فتكتحل بالجلاء) بالكسر والمد
قال الخطابي كحل الجلاء هو الإثمد وسمي جلاء لأنه يجلو البصر (يشتد عليك) الضمير المرفوع في يشتد يرجع إلى أمر والجملة صفة له (حين توفي) بضمتين وتشديد الفاء المكسورة أي مات (أبو سلمة) زوجها الأول قبل النبي صلى الله عليه وسلم (وقد جعلت على عيني صبرا) بفتح صاد وكسر موحدة وفي نسخة بسكونها
قال في القاموس بكسر الباء ككتف ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر وقيل يجوز كلاهما على السوية ككتف وكتف
وقال الجعبري الصبر معروف بفتح الصاد وكسر الباء وجاء إسكانها مع كسر الصاد
وفتحها
وفي المصباح الصبر بكسر الباء في المشهور دواء مر وسكون الباء للتخفيف لغة وروي مع فتح الصاد وكسرها فيكون فيه ثلاث لغات (فقال ما هذا) أي ما هذا التلطخ وأنت في العدة (إنه يشب) بفتح فضم فتشديد موحدة أي يوقد الوجه ويزيد في لونه (وتنزعيه) بكسر الزاي عطف على قوله فلا تجعليه على معنى فاجعليه بالليل وانزعيه بالنهار لأن إلا في الاستثناء المفرغ لغو والكلام مثبت وحذف النون في تنزعيه للتخفيف وهو خبر في معنى الأمر (قال بالسدر) أي امتشطي (تغلفين) بحذف إحدى التاءين من تغلف الرجل بالغالية أي تلطخ بها أي تكثرين منه على شعرك حتى يصير غلافا له فتغطيه كتغطية الغلاف المغلوف وروي بضم التاء وكسر اللام من التغليف وهو جعل الشيء غلافا لشيء
كذا في المرقاة
قال في السبل ذهب الجمهور ومالك وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجوز أي للمعتدة في عدتها الاكتحال بالإثمد مستدلين بحديث أم سلمة الذي أخرجه أبو داود يعني هذا الحديث المذكور آنفا
قال بن عبد البر وهذا عندي وإن كان مخالفا لحديثها الآخر الناهي عن الكحل مع الخوف على العين إلا أنه يمكن الجمع بأنه صلى الله عليه وسلم عرف من الحالة التي نهاها أن حاجتها إلى الكحل خفيفة غير ضرورية والإباحة في الليل لدفع الضرر بذلك
قلت ولا يخفى أن فتوى أم سلمة قياس منها للكحل على الصبر والقياس مع النص الثابت والنهي المتكرر لا يعمل به عند من قال بوجوب الإحداد انتهى
قال المنذري وأخرجه النسائي وأمها مجهولة
$ 7 - (باب في عدة الحامل)
(على سبيعة) بضم السين وفتح الموحدة (الأسلمية) نسبة إلى بني أسلم (وهي حامل
جملة حالية أي فتوفي سعد بن خولة عن سبيعة حال كونها حاملا (فلم تنشب) أي فلم تمكث (فلما تعلت) بتشديد اللام أي طهرت وفي بعض النسخ تعالت وهما بمعنى
قال السندي تعلت بتشديد اللام من تعلى إذا ارتفع أو برأ أي إذا ارتفعت وطهرت أو خرجت من نفاسها وسلمت (تجملت للخطاب) جمع خاطب من الخطبة بالكسر (فدخل عليها أبو السنابل) بفتح السين اسمه عمرو وقيل حبة بالباء الموحدة وقيل بالنون (بن بعكك) بموحدة مفتوحة ثم عين ساكنة ثم كافين الأولى مفتوحة (رجل) بالرفع بدل من أبو السنابل (فأفتاني بأن قد حللت) بضم التاء وفي بعض النسخ بأني قد حللت (قال بن شهاب) هو الزهري (وإن كانت في دمها) أي في دم النفاس (غير أنه) أي الشأن (لا يقربها زوجها) أي لا يجامعها
قال الخطابي في المعالم قد اختلف العلماء في هذا فروي عن علي بن أبي طالب وبن عباس أنهما قالا تنتظر المتوفى عنها آخر الأجلين ومعناه تمكث حتى تضع حملها فإن كانت مدة الحمل من وقت وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرا فقد حلت وإن وضعت قبل ذلك تربصت إلى أن تستوفي المدة
وقال عامة أهل العلم انقضاء عدتها بوضع الحمل طالت المدة أو قصرت وهو قول عمر وبن مسعود وبن عمر وأبي هريرة وغيرهم وبه قال مالك والأوزاعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وكذلك قال الشافعي انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم انتهى
(من شاء لاعنته) من الملاعنة وهو المباهلة أي من يخالفني فإن شاء فليجتمع معي حتى نلعن المخالف للحق وهذا كناية عن قطعه وجزمه بما يقول من غير وهم بخلافه (سورة النساء القصرى) وهي سورة الطلاق (بعد الأربعة الأشهر وعشرا) المذكورة في سورة البقرة فالعمل على المتأخرة لأنها ناسخة للمتقدمة قاله السندي
قال الخطابي يعني بسورة النساء القصرى سورة الطلاق ويريد أن نزول سورة البقرة متقدم على نزول سورة الطلاق وقد ذكر في سورة الطلاق حكم الحامل وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن فظاهر هذا الكلام منه أنه حمله على النسخ وأن ما في سورة الطلاق ناسخ للحكم الذي في سورة البقرة وعامة أهل العلم لا يحملونه على النسخ لكن يرتبون إحدى الآيتين على الأخرى فيجعلون التي في البقرة في عدة غير الحوامل وهذه في عدة الحوامل انتهى
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه<span class="matn-hr"> </span>Qيسمون التخصيص والتقييد نسخا وفي القرآن ما يدل على تقديم آية الطلاق في العمل بها وهو أن قوله تعالى (أجلهن) مضاف ومضاف إليه وهو يفيد العموم أي هذا مجموع أجلهن لا أجل لهن غيره وأما قوله {يتربصن بأنفسهن} فهو فعل مطلق لا عموم له فإذا عمل به في غير الحامل كان تقييدا لمطلقه بآية الطلاق فالحديث مطابق للمفهوم من دلالة القرآن
والله أعلم
$ 48 - (باب في عدة أم الولد)
هي الجارية التي ولدت من سيدها
(لا تلبسوا علينا) بفتح حرف المضارعة وكسر الباء المخففة أي لا تخلطوا ويجوز التشديد كذا في فتح الودود (سنته) هذا لفظ قتيبة والضمير يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يدل عليه لفظ بن المثنى (سنة نبينا) قال الخطابي في المعالم يحتمل وجهين من التأويل أحدهما أن يكون أراد بذلك سنة كان يرويها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا وتوقيفا والوجه الآخر أن يكون ذلك منه اجتهادا على معنى السنة في الحرائر ولو كان معنى السنة التوقيف لأشبه أن يصرح به
وأيضا فإن التلبيس لا يقع في النصوص إنما يكون غالبا في الرأي والاجتهاد وقد تأوله بعضهم على أنه إنما جاء في أم ولد بعينها كان أعتقها صاحبها ثم تزوجها وهذه إذا مات عنها مولاها الذي هو زوجها كانت عدتها أربعة أشهر وعشرا إن لم تكن حاملا بلا خلاف بين أهل العلم<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث يرويه قبيصة بن ذؤيب عن عمرو
وقال الدارقطني قبيصة لم يسمع من عمرو والصواب لا تلبسوا علينا موقوف يعني لم يذكر فيه سنة نبينا وقال الإمام أحمد هذا حديث منكر
آخر كلامه
وقد رواه سليمان بن موسى عن رجاء بن حيوة عن قبيصة عن عمرو قوله عدة أم الولد عدة الحرة وهذا الذي أشار إليه الدارقطني أنه الصواب
وقال بن المنذر ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص
وقال محمد بن موسى سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص فقال لا يصح
وقال الميموني رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا ثم قال أين سنة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا وقال أربعة أشهر وعشرا إنما هي عدة الحرة من النكاح وإنما هذه أمة خرجت من الرق إلى الحرية
وقد روى مالك في الموطأ عن نافع عن بن عمر أنه قال في أم الولد يتوفى عنها سيدها وتعتد بحيضة
واختلف الفقهاء في عدتها فالصحيح أنه حيضة وهو المشهور عن أحمد وقول بن عمر وعثمان وعائشة وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وغيرهم
وعن أحمد رواية أخرى تعتد أربعة أشهر وعشرا وهو قول سعيد بن المسيب وبن سيرين وسعيد بن جبير
وقد اختلف العلماء في عدة أم الولد فذهب الأوزاعي وإسحاق بن راهويه في ذلك إلى حديث عمرو بن العاص وقالا تعتد أم الولد أربعة أشهر وعشرا كالحرة وروي ذلك عن بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن وبن سيرين
وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي عدتها ثلاث حيض وهو قول عطاء والنخعي وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب وبن مسعود
وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل عدتها حيضة وروي ذلك عن بن عمر وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد والشعبي والزهري انتهى (عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا يعني) أي بالمتوفى عنها (أم الولد) هي الجارية التي ولدت من سيدها والمعنى عدة أم الولد التي مات سيدها بأربعة أشهر وعشرا وفي رواية بن ماجه لا تفسدوا علينا سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عدة أم الولد أربعة أشهر وعشرا
قال المنذري وأخرجه بن ماجه وفي إسناده مطر بن طهمان أبو رجاء الوراق وقد ضعفه غير واحد
$ 9 - (باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره)
المراد بالمبتوتة المطلقة ثلاثا
(عن رجل طلق امرأته) وفي رواية النسائي طلق امرأته ثلاثا (ثم طلقها) أي الزوج الثاني (قبل أن يواقعها) أي يجامعها (حتى تذوق عسيلة الآخر ويذوق عسيلتها) أي حتى تذوق المرأة<span class="matn-hr"> </span>Qومجاهد وخلاس بن عمرو وعمر بن عبد العزيز والزهري والأوزاعي وإسحاق
وعن أحمد رواية ثالثة تعتد شهرين وخمسة أيام حكاها أبو الخطاب وهي رواية منكرة عنه قال أبو محمد القدسي ولا أظنها صحيحة عنه وروي ذلك عن عطاء وطاوس وقتادة
وقال أبو حنيفة وأصحابه عدتها ثلاث حيض ويروى ذلك عن علي وبن مسعود وهو قول عطاء وإبراهيم النخعي والثوري
لذة جماع الزوج الثاني ويذوق لذة جماعها والعسيلة مصغرة في الموضعين واختلف في توجيهه فقيل تصغير العسل لأن العسل مؤنث جزم بذلك القزار قال وأحسب التذكير لغة
وقال الأزهري يذكر ويؤنث وقيل لأن العرب إذا حقرت الشيء أدخلت فيه هاء التأنيث
وقيل المراد قطعة من العسل والتصغير للتقليل إشارة إلى أن القدر القليل كاف في تحصيل ذلك بأن يقع تغييب الحشفة في الفرج
وقيل معنى العسيلة النطفة وهذا يوافق قول الحسن البصري
وقال جمهور العلماء ذوق العسيلة كناية عن الجماع وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة ويدل على ذلك حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال العسيلة هي الجماع رواه أحمد والنسائي وزاد الحسن البصري حصول الإنزال
قال بن بطال شذ الحسن في هذا وخالف سائر الفقهاء
وقالوا يكفي ما يوجب الحد ويحصن الشخص ويوجب كمال الصداق ويفسد الحج والصوم وقال أبو عبيدة العسيلة لذة الجماع والعرب تسمي كل شيء تستلذه عسلا
وحديث الباب يدل على أنه لا بد فيمن طلقها زوجها ثلاثا ثم تزوجها زوج آخر من الوطء فلا تحل للأول إلا بعده
قال بن المنذر أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلا سعيد بن المسيب قال ولا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج
ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن
هذا مأخوذ من الفتح والنيل
قال المنذري وأخرجه النسائي وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه من حديث عروة عن عائشة
$ 0 - (باب في تعظيم الزنى)
(عن عبد الله) أي بن مسعود (أن تجعل لله ندا) بكسر النون أي مثلا ونظيرا في دعائك أو عبادتك (وهو خلقك) فوجود الخلق يدل على الخالق واستقدامة الخلق تدل على توحيده إذ لو كان إلهين لم يكن على الاستقامة (خشية أن يأكل معك) بنصب خشية على العلية (أن
تزاني حليلة جارك) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام الأولى أي زوجته لأنها تحل له فهي فعيلة بمعنى فاعلة أو من الحلول لأنها تحل معه ويحل معها وإنما كان ذلك لأنه زنا وإبطال لما أوصى الله به حفظ حقوق الجيران
وقال في التنقيح تزاني تفاعل وهو أن يقتضي أن يكون من الجانبين
قال في المصابيح لعله نبه به على شدة قبح الزنى إذا كان منه لا منها بأن يغشاها نائمة أو مكرهة فإنه إذا كان زناه بها مع المشاركة منها له والطواعية كبيرا كان زناه بدون ذلك أكبر وأقبح من باب الأولى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
(قال وأخبرني أبو الزبير) أي قال حجاج وأخبرني به أبو الزبير كما أخبرني غيره (جاءت مسكينة لبعض الأنصار) أي أمة مسكينة لبعضهم وفي بعض النسخ مسيكة بضم الميم وفتح السين بالتصغير لكن الظاهر في هذه الرواية هو الأول كما لا يخفى (يكرهني) بضم حرف المضارع من الإكراه (على البغاء) أي الزنى (ولا تكرهوا فتياتكم) أي إمائكم (على البغاء) أي على الزنى وتمام الآية إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن
فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم قال المنذري وقد أخرج مسلم في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله أن جارية لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يريدهما على الزنى فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزوجل ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا إلى قوله غفور رحيم وحكى بعضهم أن عبد الله بن أبي كانت له ست جوار يأخذ أجورهن معاذة ومسيكة وأروى وقتيلة وعمرة وأميمة
(قال قال سعيد بن أبي الحسن إلخ) مراده أن المغفرة والرحمة لهن لكونهن مكرهات لا لمن أكرههن
وقوله المكرهات بيان للضمير المجرور في قوله لهن
والحديث سكت عنه المنذري
$ 14 - كتاب الصيام
(باب مبدإ فرض الصيام)
أي هذا الباب في بيان ابتداء فرض الصيام
كتب عليكم) أي فرض (الصيام) قال الحافظ في الفتح الصوم والصيام في اللغة الإمساك وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة
وقال صاحب المحكم الصوم ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام يقال صام صوما وصياما ورجل صائم وصوم وقال الراغب الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير صائم وفي الشرع إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب انتهى (كما كتب) أي فرض
قال العيني إنهم تكلموا في هذا التشبيه فقيل إنه تشبيه في أصل الوجوب لا في قدر الواجب والتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه كما في قوله صلى الله عليه وسلم إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر وهذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي
وقيل هذا التشبيه في الأصل والقدر والوقت جميعا وكان على الأولين صوم رمضان لكنهم زادوا في العدد ونقلوا من أيام الحر إلى أيام الاعتدال
وقال الطبري وقال آخرون بل التشبيه إنما هو من أجل أن صومهم كان من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة وكان ذلك فرض على المؤمنين في أول ما افترض عليهم الصوم
(العتمة) بفتح العين والتاء أي العشاء (إلى القابلة) أي الليلة المستقبلة (فاختان رجل نفسه) افتعال من الخيانة أي خان يعني ظلم (فجامع امرأته) بيان للخيانة (وقد صلى العشاء) الواو للحال أي بعد صلاة العشاء (ولم يفطر) أي لم يأكل هذا الرجل شبعان ولم يتعش وإن كان أفطر وقت الإفطار (ذلك) الحكم (يسرا) بعد العسر (ورخصة ومنفعة) فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل (فقال) الله عزوجل (تختانون أنفسكم) يعني تجامعون النساء وتأكلون وتشربون في الوقت الذي كان حراما عليكم
ذكره الطبري
وفي تفسير بن أبي حاتم عن مجاهد تختانون أنفسكم قال تظلمون أنفسكم
قاله العيني (وكان هذا) أي قوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم إلى قوله وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر (ويسر) للناس
قال المنذري في إسناده علي بن حسين بن واقد وهو ضعيف
(كان الرجل إذا صام فنام) وفي رواية البخاري إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر
قال الحافظ في الفتح وفي رواية زهير كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئا ولا يشرب ليله ويومه حتى تغرب الشمس
ولأبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا لم يطعموا شيئا من ذلك إلى مثلها
فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيدا بالنوم وهذا هو المشهور في حديث غيره وقيد المنع من ذلك في حديث بن عباس الذي سبق بصلاة العتمة
قلت يحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالبا والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث انتهى
وقال في فتح الودود وقد يقال لا منافاة بينهما فيجوز تقييد المنع بكل منهما فأيهما تحقق أولا تحقق المنع (لم يأكل) هو جواب إذا (إلى مثلها) أي إلى الليلة الأخرى (وإن صرمة بن قيس) وفي
رواية البخاري وإن قيس بن صرمة بكسر الصاد المهملة وسكون الراء هكذا سمي في هذه الرواية ولم يختلف على إسرائيل فيه إلا في رواية أبي أحمد الزبيري عنه فإنه قال صرمة بن قيس أخرجه أبو داود ولأبي نعيم في المعرفة من طريق الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس مثله
قال وكذا رواه أشعث بن سوار عن عكرمة عن بن عباس فمن قال قيس بن صرمة قلبه كما جزم الداودي والسهيلي وغيرهما بأنه وقع مقلوبا في رواية البخاري
هذا ما قاله الحافظ في الفتح (وكان) أي صرمة (فقال) أي صرمة بن قيس لامرأته (عندك) بكسر الكاف (شيء) من الطعام (قالت لا) أي ليس عندي طعام (وغلبته عينه) أي نام (خيبة لك) بالنصب وهو مفعول مطلق محذوف العامل وقيل إذا كان بغير لام يجب نصبه وإلا جاز والخيبة الحرمان يقال خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب (فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه) وفي رواية البخاري فلما انتصف النهار غشي عليه وفي رواية أحمد فأصبح صائما فلما انتصف النهار فتحمل رواية البخاري وأحمد على أن الغشي وقع في آخر النصف الأول من النهار (يعمل يومه في أرضه) وفي مرسل السدي كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة فعلى هذا فقوله في أرضه إضافة اختصاص
قاله الحافظ في الفتح (الرفث) هو الجماع (إلى قوله من الفجر) ففرح المسلمون بذلك
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري والترمذي والنسائي
(باب نسخ قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية)
أي هذا باب في بيان أن قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية منسوخ
(وعلى الذين يطيقونه) أي الصوم إن أفطروا (فدية) مرفوع على الابتداء وخبره مقدم هو قوله (وعلى الذين
وقراءة العامة فدية بالتنوين وهي الجزاء والبدل من قولك فديت الشيء بالشيء أي هذا بهذا قاله العيني (طعام مسكين) بيان لفدية أو بدل منها وهو نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل العراق وعند أهل الحجاز مد قاله العيني (فعل) ذلك (الآية التي بعدها) يعنى قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه (فنسختها) أي فنسخت هذه الآية فمن شهد منكم الشهر فليصمه الآية الأولى وهي قوله وعلى الذين يطيقونه فدية قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
(وتم له صومه) أي أجرا وإلا فهو مفطر (فقال) الله تعالى فمن تطوع خيرا فهو خير له يعني زاد على مسكين واحد فأطعم عن كل يوم مسكينين فأكثر
وقيل فمن زاد على قدر الواجب عليه فأطعم صاعا وعليه مد فهو خير له قاله في الخازن
وقال في فتح الودود أي فرغب الله تعالى إياهم في الصوم أولا وندتهم إليه بقوله وأن تصوموا خير لكم ليعتادوا الصوم فحين اعتادوا ذلك أوجب عليهم ولم يرد أن قوله وأن تصوموا ناسخ للفدية من أصلها فلعل من قال إنه ناسخ للفدية أراد هذا القدر والله تعالى أعلم انتهى كلام السندي وقال الخازن قيل هو خطاب مع الذين يطيقونه فيكون المعنى وأن تصوموا أيها المطيقون وتتحملوا المشقة فهو خير لكم من الإفطار والفدية
وقيل هو خطاب مع الكافة وهو الأصح<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله اختلف السلف في هذه الآية على أربعة أقوال أحدها أنها ليست بمنسوخة قاله بن عباس
الثاني أنها منسوخة كما قاله سلمة والجمهور
والثالث أنها مخصوصة خص منها القادر الذي لا عذر له وبقيت متناولة للمرضع والحامل
الرابع أن بعضها منسوخ وبعضها محكم
لأن اللفظ عام فرجوعه إلى الكل أولى (وقال) الله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه ففرض الصوم ونسخ التخيير
قال المنذري وفيه علي بن الحسين بن واقد بن المسيح وفيه مقال
(باب من قال هي مثبتة للشيخ والحبلى)
أي هذا باب في بيان أن من قال هذه الآية وعلى الذين يطيقونه ثابتة للشيخ والحبلى وهي غير منسوخة
(قال أثبتت للحبلى) أي أثبتت الآية وعلى الذين يطيقونه لهما ونسخت في الباقي فالنسخ السابق أراد به نسخ العموم والحاصل أن من يطيق الصوم لكن له عذر يناسب الإفطار أو عليه فيه زيادة تعب كالشيخ الكبير فالآية فيه بقيت معمولة ونسخت في غيره وعلى هذا فلا حاجة في بناء هذا الإثبات إلى تقدير لا في قوله وعلى الذين يطيقونه أي لا يطيقونه
قاله السندي والحديث سكت عنه المنذري
(كانت) هذه الآية وعلى الذين يطيقونه (رخصة) ثابتة باقية إلى الآن (للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام) لكن مع شدة وتعب ومشقة عظيمة أو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصيام (أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا) ويؤيد هذا المعنى الأخير ما أخرجه الدارقطني عن عطاء عن بن عباس وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين واحد فمن تطوع خيرا قال زاد مسكينا آخر فهو خير قال وليست بمنسوخة إلا أنه رخص للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام وأمر أن يطعم الذي يعلم أنه لا يطيقه
وهذا إسناد صحيح ثابت
قال في سبل السلام روي عن بن عباس أنه كان يقرأ وعلى الذين يطيقونه أي يكلفونه ولا يطيقونه ويقول ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الهمة انتهى
وقال العيني وقد اختلف السلف في قوله عزوجل وعلى الذين يطيقونه فقال قوم إنها منسوخة واستدلوا بحديث سلمة وبن عمر أي الذي أخرجه البخاري وهو قول علقمة والنخعي والحسن والشعبي وبن شهاب وعلى هذا يكون قراءتهم وعلى الذين يطيقونه بضم الياء وكسر الطاء وسكون الياء الثانية
وعند بن عباس هي محكمة وعليه قراءة يطوقونه بالواو المشددة وروي عنه يطيقونه بفتح الطاء والياء المشددتين ثم إن الشيخ الكبير والعجوز إذا كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة فلهما أن يفطرا أو يطعما لكل يوم مسكينا وهذا قول علي وبن عباس وأبي هريرة وغيرهم انتهى
ومعنى يطوقونه أي يكلفونه ومعنى يطيقونه أي يتكلفونه كما يظهر من كلام العيني
وقال الحافظ في الفتح واتفقت هذه الأخبار على أن قوله وعلى الذين يطيقونه فدية منسوخ وخالف في ذلك بن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه انتهى
(والحبلى والمرضع) أي كانت رخصة للحبلى والمرضع
لقال الخطابي مذهب بن عباس في هذا أن الرخصة مثبتة للحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما وقد نسخت في الشيخ الكبير الذي يطيق الصوم فليس له أن يفطر ويفدي إلا أن الحامل والمرضع وإن كانت الرخصة قائمة لهما فإنه يلزمهما القضاء مع الإطعام وإنما لزمهما الإطعام مع القضاء لأنهما يفطران من أجل غيرهما شفقة على الولد وإبقاء عليه
وإذا كان الشيخ يجب عليه الإطعام وهو إنما رخص له في الإفطار من أجل نفسه فقد عقل أن من يرخص فيه من غيره أولى بالإطعام وهذا على مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل
وقد روي ذلك أيضا عن مجاهد
وأما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فإنه يطعم ولا قضاء عليه لعجزه
وقد روي ذلك عن أنس وكان يفعل ذلك بعد ما أسن وكبر وهو قول أبي حنيفة وأصحابه في الحبلى والمرضع يقضيان ولا يطعمان كالمريض كذلك روي عن الحسن وعطاء والنخعي والزهري
وقال مالك بن أنس الحبلى هي كالمريض تقضي ولا تطعم والمرضع تقضي وتطعم
والحديث سكت عنه المنذري
$ 4 - (باب الشهر يكون تسعا وعشرين)
أي هذا باب في بيان أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين لا أنه يكون دائما كذلك
(إنا) أي العرب وقيل أراد نفسه (أمة) أي جماعة قريش مثل قوله تعالى أمة من الناس يسقون وقال الجوهري الأمة الجماعة
وقال الأخفش هو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع وكل جنس من الحيوان أمة والأمة الطريقة والدين يقال فلان لا أمة له أي لا دين له ولا نحلة له وكسر الهمزة فيه لغة
وقال بن الأثير الأمة الرجل المفرد بدين لقوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله قاله العيني (أمية) بلفظ النسب إلى الأم فقيل أراد أمة العرب لأنها لا تكتب أو منسوب إلى الأم لأن المرأة هذه صفتها غالبا وقيل منسوبون إلى أم القرى وهي مكة أي إنا أمة مكية
قاله الحافظ في الفتح
وقال العيني قيل معناه باقون على ما ولدت عليه الأمهات
وقال الداودي أمة أمية لم يأخذ عن كتب الأمم قبلها إنما أخذت عما جاءه الوحي من الله عزوجل انتهى (لا نكتب ولا نحسب) بالنون فيهما وهما تفسيران لكونهم أمية
قال الحافظ في الفتح والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة وهو محمول على أكثرهم أو المراد نفسه صلى الله عليه وسلم
وقيل للعرب أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة
قال الله تعالى هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة
والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضا إلا النزر اليسير فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير انتهى
قال العيني وقوله لا نحسب بضم السين (الشهر) أي الذي نحن فيه أو جنس الشهر وهو مبتدأ (هكذا) مشارا بها إلى نشر الأصابع العشر (وهكذا) ثانيا (وهكذا) ثالثا خبره بالربط بعد العطف وفسره الراوي بتسعة وعشرين وثلاثين
قلت لفظ هكذا وهكذا وهكذا ثابت في بعض النسخ ثلاث مرات وفي بعض النسخ هكذا وهكذا مرتان وكذا أورده البخاري وفي رواية مختصرا ولفظه الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين
قال الحافظ في الفتح هكذا ذكره آدم شيخ البخاري مختصرا وفيه اختصار عما رواه غندر عن شعبة
أخرجه مسلم عن بن المثنى وغيره عنه بلفظ الشهر هكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين أي أشار أولا بأصابع يديه العشر جميعا مرتين وقبض الإبهام في المرة الثالثة وهذا المعبر عنه بقوله تسع وعشرون وأشار مرة أخرى بهما ثلاث مرات وهو المعبر عنه بقوله ثلاثون انتهى
وقال الخطابي قوله الشهر هكذا يريد أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون وإنما احتاج إلى بيان ما كان موهوما أن يخفى عليهم لأن الشهر في العرف وغالب العادة ثلاثون فوجب أن يكون البيان فيه مصروفا إلى النادر دون المعروف منه فلو أن رجلا حلف أو نذر أن يصوم شهرا بعينه فصام فكان تسعا وعشرين كان بارا في يمينه ونذره ولو حلف ليصومن شهرا لا بعينه فعليه إتمام العدة ثلاثين يوما
وفي الحديث مستدل لمن رأى الحكم بالإشارة وإعمال دلالة الإيماء كمن قال امرأتي طالق وأشار بإصبعه الثلاث أنه يلزمه ثلاث تطليقات على الظاهر من الحال
(وخنس سليمان أصبعه) قال الخطابي أي أضجعها فأخرها عن مقام أخواتها ويقال للرجل إذا كان مع أصحابه في مسير أو سفر فتخلف عنهم قد خنس عن أصحابه انتهى
وقال العيني لفظ خنس بفتح الخاء المعجمة والنون وفي آخره سين مهملة معناه قبض
والمشهور أنه لازم يقال خنس خنوسا ويروى حبس بالحاء المهملة والباء الموحدة بمعنى خنس وهي رواية الكشميهني
انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم وبن ماجه
(الشهر تسع وعشرون) ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه أو هو محمول على الأكثر الأغلب لقول بن مسعود ما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين أخرجه أبو داود والترمذي
قاله في الفتح (فلا تصوموا حتى تروه) أي الهلال لا يقال إنه إضمار قبل الذكر لدلالة السياق عليه كقوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس أي لأبوي الميت
قاله العيني
وقال في الفتح ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد بل المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك إما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأي آخرين انتهى (ولا تفطروا حتى تروه) أي هلال شوال
وقد استفيد من هذا الحديث أن وجوب الصوم ووجوب الإفطار عتد انتهاء الصوم متعلقا برؤية الهلال (فإن غم عليكم) بضم الغين المعجمة وتشديد الميم أي حال بينكم وبينه غيم
قاله الحافظ
وقال العيني أي فإن ستر الهلال عليكم ومنه الغم لأنه يستر القلب والرجل الأغم المستور الجبهة بالشعر وسمي السحاب غيما لأنه يستر السماء ويقال غم الهلال إذا استتر ولم ير لاستتاره بغيم ونحوه وغممت الشيء أي غطيته انتهى (فاقدروا له) أي للشهر
قال الطيبي أي فاقدروا عدد الشهر الذي كنتم فيه
انتهى
وقال الزركشي يعني حققوا مقادير أيام شعبان حتى تكملوه ثلاثين يوما انتهى
وقال العيني هو بضم الدال وكسرها يقال قدرت لأمر كذا إذا نظرت فيه ودبرته انتهى
وفي رواية البخاري الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين
قال في الفتح قال الجمهور المراد بقوله فاقدروا له أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين ويرجح هذا التأويل الروايات الأخر المصرحة بالمراد وهي فأكملوا العدة ثلاثين ونحوها
وأولى ما فسر الحديث بالحديث انتهى
قال الخطابي قوله فاقدروا له معناه التقدير بإكمال العدد ثلاثين يقال قدرت الشيء أقدره قدرا بمعنى قدرته تقديرا ومنه قوله تعالى وقدرنا فنعم القادرون وكان بعض أهل المذهب يذهب في ذلك غير هذا المذهب وتأوله على التقدير بحساب سير القمر في المنازل والقول الأول أشبه ألا تراه يقول في الرواية الأخرى فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما حدثناه جعفر بن نصير الخالدي حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا سليمان بن داود حدثنا إبراهيم بن سعد عن بن شهاب عن بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما وعلى هذا قول عامة أهل العلم
ويؤكد ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الشك
وكان أحمد بن حنبل يقول إذا لم ير الهلال لتسع وعشرين من شعبان لعلة في السماء صام الناس فإن كان صحو لم يصوموا تباعا لمذهب بن عمر (نظر له) بصيغة
المجهول أي لعبد الله بن عمر (فإن رئي) أي الهلال (فذاك) يعني أصبح بن عمر صائما (وإن لم ير) أي الهلال (ولم يحل) من حال يحول
(ولا قترة) بفتحات
قال الخطابي القترة الغبرة في الهواء الحائل بين الإبصار وبين رؤية الهلال (دون منظره) أي قريب منظره (سحاب أو قترة) أي غبار في تلك الليلة وهي ليلة الثلاثين من شعبان (أصبح) بن عمر (صائما) قال الخطابي وكان مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب صوم يوم الشك إذا كان في السماء سحاب أو قترة فإن كان صحو ولم ير الناس أفطر مع الناس انتهى
قال بن الجوزي في التحقيق لأحمد في هذه المسألة وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال
أحدها يجب صومه على أنه من رمضان ثانيها لا يجوز فرضا ولا نفلا مطلقا بل قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة وبه قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك ثالثها المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر
واحتج الأول بأنه موافق لرأي الصحابي راوي الحديث
قال أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع عن بن عمر فذكر الحديث بلفظ فاقدروا له قال نافع فكان بن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال أصبح صائما
وأما ما روى الثوري في جامعه عن عبد العزيز بن حكيم سمعت بن عمر يقول لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه فالجمع بينهما أنه في الصورة التي أوجب فيها الصوم لا يسمى يوم شك وهذا هو المشهور عن أحمد أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته فأما إذا حال دون منظره شيء فلا يسمى شكا واختار كثير من المحققين من أصحابه الثاني انتهى
قلت قد جاء في رواية البخاري وغيره فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين وفي رواية للبخاري وأبي داود وغيرهما قال عمار من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فهذان يدلان على عدم جواز الصوم يوم الشك وعلى عدم جواز صوم رمضان إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان وما ذهب إليه أحمد بن حنبل هو قول ضعيف
وقول عمار رضي الله عنه من قبيل المرفوع لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه وسيجيء بعض بيانه في باب كراهية صوم يوم الشك إن شاء الله تعالى
(قال) نافع (وكان بن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب) قال الخطابي يريد أنه كان يفعل ذلك الصنيع في شهر شعبان احتياطا للصوم ولا يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان ولا يفطر إلا مع الناس انتهى
قال المنذري وأخرج مسلم منه المسند فقط
(زاد) أي أيوب في رواية عبد الوهاب عنه دون حماد (إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا) أي لثلاثين في ليلة فلان وفلان (فالصوم إن شاء الله لكذا وكذا) أي بحساب الثلاثين في يوم فلان وفلان (إلا أن يروا) أي الناس (الهلال قبل ذلك) أي الثلاثين فيكون الصوم بحساب تسعة وعشرين من شعبان
قال المنذري وهذا الذي قاله عمر بن عبد العزيز قضت به الروايات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(لما صمنا) ما موصولة أو مصدرية
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي
(شهرا عيد) أي شهر رمضان وشهر ذي الحجة
قال في الفتح أطلق على رمضان أنه<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي معناه أقوال
شهر عيد لقربه من العيد أو لكون هلال العيد ربما رئي في اليوم الأخير من رمضان
قاله الأثرم
والأول أولى
ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم المغرب وتر النهار أخرجه الترمذي من حديث بن عمر وصلاة المغرب ليلية جهرية وأطلق كونها وتر النهار لقربها منه وفيه إشارة إلى أن وقتها يقع أول ما تغرب الشمس انتهى (لا ينقصان) قال الخطابي اختلف الناس في تأويله على وجوه فقال بعضهم معناه أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب وقال بعضهم معناه أنهما لا يكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعين في النقصان إذا كان أحدهما تسعا وعشرين كان الآخر ثلاثين على الإكمال
قلت وهذا القول لا يعتمد لأن دلالته تختلف<span class="matn-hr"> </span>Qأحدها لا يجتمع نقصهما معا في سنة واحدة وهذا منصوص الإمام أحمد
والثاني أن هذا خرج على الغالب والغالب أنهما لا يجتمعان في النقص وإن وقع نادرا
والثالث أن المراد بهذا تلك السنة وحدها ذكره جماعة
الرابع أنهما لا ينقصان في الأجر والثواب وإن كان رمضان تسعا وعشرين فهو كامل في الأجر
الخامس أن المراد بهذا تفضيل العمل في عشر ذي الحجة وأنه لا ينقص أجره وثوابه عن ثواب شهر رمضان
وقد اختلف في أيام العشر من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان أيهما أفضل قال شيخنا وفصل الخطاب أن ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة فإن فيها ليلة القدر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في تلك الليالي ما لا يجتهد في غيرها من الليالي وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الآخر من رمضان لحديث بن عباس وقول النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الأيام عند الله يوم النحر وما جاء في يوم عرفة
السادس أن الناس كان يكثر اختلافهم في هذين الشهرين لأجل صومهم وحجهم فأعلمهم صلى الله عليه وسلم أن الشهرين وإن نقصت أعدادهما فحكم عبادتها على التمام والكمال ولما كان هذان الشهران هما أفضل شهور العام وكان العمل فيهما أحب إلى الله من سائر الشهور رغب النبي صلى الله عليه وسلم في العمل وأخبر أنه لا ينقص ثوابه وإن نقص الشهران
والله أعلم
قالوا ويشهد لهذا التفسير ما رواه الطبراني في معجمه من حديث عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه يرفعه كل شهر حرام لا ينقص ثلاثين يوما وثلاثين ليلة ورجال إسناده ثقات
وهذا لا يمكن حمله إلا على الثواب أي للعامل فيها ثواب ثلاثين يوما وليلة وإن نقص عدده
والله أعلم
إلا أن يحمل الأمر في ذلك على الغالب الأكبر
وقال بعضهم إنما أراد بهذا تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة فإنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان انتهى (رمضان وذو الحجة) بدلان أو بيانان أو هما خبرا مبتدأ محذوف تقديره أحدهما رمضان والآخر ذو الحجة
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن ماجه
(باب إذا أخطأ القوم الهلال)
أي هذا باب في بيان أن قوما اجتهدوا في رؤية الهلال فأخطئوا وذلك مثلا أن قوما لم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفتروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعة وعشرين فما حكمه
(فيه) أي في حديث أيوب بسنده المذكور (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (وفطركم يوم تفطرون) هو محل الترجمة وفي رواية الترمذي حدثنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إبراهيم بن المنذر أخبرنا إسحاق بن جعفر بن محمد حدثني عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون قال الترمذي فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس انتهى يعني هو عند الله مقبول
قال الخطابي معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعا وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لا شيء عليهم من وزر أو عتب وكذلك هذا في الحج إذا أخطئوا يوم عرفة فإنه ليس عليهم إعادته ويجزيهم أضحاؤهم كذلك وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده ولو كلفوا إذا أخطئوا العدد ثم يعيدوا لم يأمنوا أن يخطئوا ثانيا وأن لا يسلموا من الخطأ ثالثا ورابعا فأما ما كان سبيله الاجتهاد كان الخطأ غير مأمون فيه انتهى
قال المنذري وقيل فيه الإشارة إلى يوم الشك لا يصام احتياطا وإنما يصوم يوم يصوم الناس وقيل فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن
يصوم به ويفطر دون من لم يعلم وقيل إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أن هذا لا يكون صوما له كما لم يكن للناس انتهى (وكل عرفة موقف) أي لا تتوهموا أن الموقف يختص بما وقفت فيه بل يجزئ الوقوف بأي جزء من عرفة (وكل منى منحر) أي محل للنحر (وكل فجاج) جمع فج وهو الطريق الواسع (مكة منحر) يعني في أي محل من حوالي مكة ينحر الهدي يجوز لأنها من أرض الحرم وأراد به التوسعة ونفي الحرج (وكل جمع) أي مزدلفة
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي من حديث سعيد بن سعيد المقبري عن أبي هريرة وقال حسن غريب انتهى
وفي البدر المنير بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة ولم يلقه قاله بن معين وأبو زرعة انتهى<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وأما حديث أبي داود فقال يحيى بن معين محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة
قال الترمذي وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس
وقال الخطابي في معنى الحديث إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعا وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لا شيء عليهم من وزر أو عنت وكذلك في الحج إذا أخطئوا يوم عرفة ليس عليهم إعادة
وقال غيره في الإشارة إلى أن يوم الشك لا يصام احتياطا وإنما يصام يوم يصوم الناس
وقيل فيه الرد على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم ويفطر دون من يعلم
وقيل إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا له صوما كما لم يكن للناس
هذا آخر كلامه
وفيه دليل على أن المنفرد بالرؤية لا يلزمه حكمها لا في الصوم ولا في الفطر ولا في التعريف
$ 6 - (باب إذا أغمي الشهر)
أي أخفي هلال شهر شعبان بنحو غيم والألف واللام فيه للعهد أي ماذا يفعل يكمل عدة شعبان ثلاثين يوما أو يصوم لرمضان يقال أغمي الخبر إذا خفي
(يتحفظ من شعبان) أي يتكلف في عد أيام شعبان لمحافظة صوم رمضان (فإن غم عليه) أي شعبان (عد) أي شعبان
قال المنذري قال الدارقطني هذا إسناد صحيح هذا آخر كلامه
ورجال إسناده كلهم محتج بهم في الصحيحين على الاتفاق والانفراد ومعاوية بن صالح الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس وإن كان قد تكلم فيه بعضهم فقد احتج به مسلم في صحيحه وقال البخاري قال علي يعني بن المديني كان عبد الرحمن بن مهدي يوثقه ويقول نزل الأندلس وقال أحمد بن حنبل كان ثقة وقال أبو زرعة الرازي ثقة
(لا تقدموا الشهر) الأقرب معنى أنه من التقديم أي لا تحكموا بالشهر قبل أوانه ولا تقدموه عن وقته بل اصبروا حتى تروا الهلال
قاله في الفتح الودود (أو تكملوا العدة) أي ثلاثين يوما وهو محل الترجمة لأن إكمال العدة في حالة الغيم ضروري<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث وصله صحيح فإن الذين وصلوه أوثق وأكثر من الذين أرسلوه والذي أرسله هو الحجاج بن أرطاة عن منصور وقول النسائي لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث عن حذيفة غير
قال المنذري والحديث أخرجه النسائي مسندا ومرسلا وقال لا أعلم أحدا من أصحاب منصور قال في هذا الحديث عن حذيفة غير جرير يعني بن عبد الحميد
وقال البيهقي وصله جرير عن منصور فذكر حذيفة فيه وهو ثقة حجة وروى له الثوري وجماعة عن منصور عن ربعي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
(باب من قال فإن غم عليكم)
أي ستر هلال رمضان عليكم فصوموا ثلاثين وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء خلافا لأحمد بن حنبل
(لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين) وفي رواية البخاري لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين الحديث
قال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر رمضان لمعنى رمضان انتهى
أي لتعظيمه
وقال الحافظ في الفتح قال العلماء معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان والحكمة فيه التقوي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط
وقيل الحكمة فيه خشية اختلاط<span class="matn-hr"> </span>Qجرير إنما عنى تسمية الصحابي وإلا فقد رواه الثوري وغيره عن ربعي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا موصول ولا يضره عدم تسمية الصحابي ولا يعلل بذلك قال
الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ولفظ النسائي فيه صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالا وفي لفظ للنسائي أيضا فأكملوا العدة عدة شعبان رواه من حديث أبي يونس عن سماك عن عكرمة عنه قال الدارقطني ولم يقل في حديث بن عباس فأكملوا عدة شعبان غير آدم
قال حدثنا شعبة حدثني عمرو بن مرة قال سمعت أبا البختري الطائي يقول أهل هلال رمضان ونحن بذات الشقوق فشككنا في الهلال فبعثنا رجلا إلى بن عباس فسأله فقال بن عباس
النفل بالفرض
وقيل لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم وهذا هو المعتمد (إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم) معنى الاستثناء أن من كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده وألفه وترك المألوف شديد وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما
قاله الحافظ في الفتح (حتى تروه) أي هلال رمضان (ثم صوموا حتى تروه) أي هلال شوال (فإن حال دونه) أي عند الهلال (غمامة) أي سحابة (فأتموا العدة) أي عدة رمضان (والشهر تسع وعشرون) يعني أنه قد يكون تسعا وعشرين لا أنه يكون دائما كذلك<span class="matn-hr"> </span>Qإن الله أمده لرؤيته
فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين قال الدارقطني صحيح عن شعبة ورواه حصين وأبو خالد الدالاني عن عمرو بن مرة ولم يقل فيه عدة شعبان غير آدم وهو ثقة
قال الشيخ شمس الدين حديث أبي هريرة هذا قد روي في الصحيح بثلاثة ألفاظ أحدها هذا اللفظ الثاني صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة وفي رواية فعدوا ثلاثين اللفظ الثالث فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين
وهذا اللفظ الأخير للبخاري وحده وقد علل بعلتين إحداهما أنه من رواية محمد بن زياد عنه وقد خالفه فيه سعيد بن الميسب فقال فيه
فصوموا ثلاثين
قالوا وروايته أولى لإمامته واشتهار عدالته وثقته ولاختصاصه بأبي هريرة وصهره منه ولموافقة روايته لرأي أبي هريرة ومذهبه فإن مذهب أبي هريرة وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعمرو بن العاص وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء صيام يوم الغيم
قالوا فكيف يكون عند أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وسلم فأكملوا عدة شعبان ثم يخالفه العلة الثانية ما ذكر الإسماعيلي قال وقد روينا هذا الحديث عن غندر وبن مهدي وبن علية وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وأبي داود كلهم عن شعبة لم يذكر أحد منهم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للخبر وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بين من رواه عنه وجه
هذا آخر كلامه
وقد رواه الدارقطني فقال فيه فعدوا ثلاثين يعني عدوا شعبان ثلاثين ثم قال أخرجه البخاري عن
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي والنسائي بنحوه
وقال الترمذي حسن صحيح
وأخرج مسلم في صحيحه والنسائي وبن ماجه في سننهما من حديث سعيد بن<span class="matn-hr"> </span>Qآدم فقال فيه فعدوا شعبان ثلاثين ولم يقل يعني وهذا يدل على أن قوله يعني من بعض الرواة والظاهر أنه آدم وأنه قوله وقد تقدم حديث بن عباس في ذلك وتفرد آدم أيضا فيه بقوله فأكملو عدة شعبان ثلاثين وسائر الرواة إنما قالوا فأكملوا العدة كما رواه حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن بن عباس وسفيان عن عمرو عن محمد بن حنين عن بن عباس وحاتم بن أبي صغيرة عن سماك عن عكرمة عن بن عباس وأبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن بن عباس وحصين عن عمرو بن مرة عن أبي البختري وأبو خالد الدالاني عن عمرو عن أبي البختري كلهم قال في حديثه فأكملوا العدة ومنهم من قال فأكملوا ثلاثين وقال آدم من بينهم عدة شعبان فهذه الزيادة من آدم في حديث بن عباس كهي في حديث أبي هريرة وسائر الرواة على خلافه فيه
قال بعض الحفاظ وهذا يدل على أن هذا تفسير منه في الحديثين
ومدار هذا الباب على حديث بن عباس وأبي هريرة وبن عمر وعائشة وحذيفة ورافع بن خديج وطلق بن علي وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر فهذه عشرة أحاديث فأما حديث بن عباس وأبى هريرة فقد ذكرناهما
وأما حديث بن عمر وعائشة وحذيفة فقد تقدمت
وأما حديث رافع بن خديج فرواه الدارقطني من حديث الزهري عن حنظلة بن علي الأسلمي عن رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحصوا عدة شعبان لرمضان ولا تقدموا الشهر بصوم فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما ثم أفطروا
فإن الشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس إبهامه في الثالثة وفيه الواقدي وهو وإن كان ضعيفا فليس العمدة على مجرد حديثه
وأما حديث طلق فرواه الدارقطني أيضا من حديث أبي يونس عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الله الأهلة مواقيت للناس فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين قال محمد بن جابر سمعت هذا منه وحديثين آخرين
ومحمد بن جابر وإن كان ليس بالقوي فالعمدة على ما تقدم
وأما حديث سعد فرواه النسائي عن محمد بن سعد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشهر هكذا
المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الهلال فصوموا وإن رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما
(باب في التقدم)
أي التقدم بالصوم في شعبان على رمضان
(هل صمت من سرر شعبان) أي من آخره
قال الحافظ في الفتح والسرر بفتح السين المهملة ويجوز كسرها وضمها جمع سرة ويقال أيضا سرار بفتح أوله وكسره ورجح الفراء الفتح وهو من الاستسراء
قال أبو عبيد والجمهور المراد بالسرر هنا آخر الشهر سميت بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين انتهى
وقال الخطابي هذان الحديثان يعني حديث لا تقدموا الشهر بصيام يوم وحديث هل صمت من سرر شعبان متعارضان في الظاهر ووجه الجمع بينهما أن الأمر بالصوم إنما هو شيء كان للرجل قد أوجبه على نفسه بنذره فأمره بالوفاء به أو كان ذلك عادة اعتادها أو آخر الشهور فتركه لاستقبال الشهر فاستحب له صلى الله عليه وسلم أن يقضيه
وأما النهي عنه في حديث بن عباس فهو أن يبتديه المرء متبرعا به من غير إيجاب نذر ولا عادة قد كان تعودها فيما مضى والله أعلم (فإذا أفطرت) أي انسلخ رمضان (فصم يوما) أي عوضا منه فاستحب له الوفاء به
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي
(بدير مسحل) قال في<span class="matn-hr"> </span>Qوهكذا وهكذا يعني تسعة وعشرين وفي رواية ثم قبض في الثالثة الإبهام في اليسرى
وأما حديث عمار بن ياسر فسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى
القاموس الدير خان النصارى والخان الحانوت أو صاحبه انتهى
والحانوت الدكان
وقال في تاج العروس ومسحل اسم رجل وهو أبو الدهناء امرأة العجاج انتهى
ولعل مسحلا كان باني هذا الدير أو مالكه (على باب حمص) قال في مراصد الاطلاع حمص بالكسر ثم السكون والصاد مهملة بلد مشهور كبير (فقال) معاوية (قد رأينا الهلال) أي هلال شعبان (وأنا متقدم) رمضان (بالصيام) وهو محل الترجمة (أن يفعله) أي تقديم رمضان بالصوم (قال) أبو الأزهر<span class ="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أشكل هذا على الناس فحمله طائفة على الاحتياط لدخول رمضان قالوا وسرر الشهر وسراره بكسر السين وفتحها ثلاث لغات وهو آخره وقت استسرار هلاله فأمره إذا أفطر أن يصوم يوما أو يومين عوض ما فاته من صيام سرره احتياطا
وقالت طائفة منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز سرره أوله وسراره أيضا فأخبره أنه لم يصم من أوله فأمره بقضاء ما أفطر منه
ذكره أبو داود عن الأوزاعي وسعيد
وأنكر جماعة هذا التفسير فرأوه غلطا قالوا فإن سرار الشهر آخره سمي بذلك لاستسرار القمر فيه
وقالت طائفة سرره هنا وسطه وسر كل شيء جوفه وقال البيهقي فعلى هذا أراد أيام البيض
هذا آخر كلامه
ورجح هذا بأن في بعض الروايات فيه أصمت من سرة هذا الشهر وسرته وسطه كسرة الآدمي
وقالت طائفة هذا على سبيل استفهام الإنكار والمقصود منه الزجر
قال بن حبان في صحيحه وقوله صلى الله عليه وسلم أصمت من سرر هذا الشهر لفظة استخبار عن فعل مرادها الإعلام بنفي جواز استعمال ذلك الفعل منه كالمنكر عليه لو فعله وهذا كقوله لعائشة أتسترين الجدار وأراد به الإنكار عليها بلفظ الاستخبار
وأمره صلى الله عليه وسلم بصوم يومين من شوال أراد به انتهاء السرار وذلك أن الشهر إذا كان تسعا وعشرين يستسر القمر يوما واحدا وإذا كان الشهر ثلاثين يستسر القمر يومين والوقت الذي خاطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب يشبه أن يكون عدد شعبان كان ثلاثين فمن أجله أمر بصوم يومين من شوال
آخر كلامه
وقالت طائفة لعل صوم سرر هذا الشهر كان الرجل قد أوجبه على نفسه بنذر فأمره بالوفاء
وقالت طائفة لعل ذلك الرجل كان قد اعتاد صيام آخر الشهر فترك آخر شعبان لظنه أن صومه
(فقام إليه) أي إلى معاوية (السبئي) بمفتوحة وفتح موحدة فكسر همزة وقصر نسبة إلى سبأ عامر بن سحب قاله المغني (قال) معاوية (صوموا الشهر وسره) قال في النهاية أراد صوموا أول الشهر وآخره انتهى
وقال الخطابي والعرب يسمي الهلال الشهر يقول رأيت الشهر أي الهلال انتهى
وقال في فتح الودود صوموا الشهر وسره بكسر فتشديد يقال سر الشهر وسراره وسرره لآخره لاستتار القمر فيه ويحتمل أن المراد بالشهر رمضان وسره أي آخره لتأكيد الاستيعاب أو المراد بآخره آخر شعبان وإضافته إلى رمضان للاتصال والخطاب لمن يعتاد أو لبيان الجواز ويحتمل أن المراد بالشهر كل شهر والمراد صوموا أول كل شهر وآخره والمقصود بيان الإباحة انتهى
(يعني الأوزاعي يقول سره أوله) قال الخطابي وأنا أنكر هذا التفسير وأراه غلطا في النقل ولا أعرف له وجها في اللغة والصحيح أن سره آخره هكذا حدثنا أصحابنا عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل حدثنا محمود بن خالد الدمشقي عن الوليد عن الأوزاعي قال سره آخره وهذا هو الصواب وفيه لغات يقال سر الشهر وسرار الشهر وسمي آخر الشهر سرا لاسترار القمر فيه وإذا كان أول الشهر مأمورا بصيامه في قوله صوموا الشهر فقد علم أن الأمر بصيام سره هو غيره أوله<span class="matn-hr"> </span>Qيكون استقبالا لرمضان فيكون منهيا عنه فاستحب له النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضيه ورجح هذا بقوله إلا صوم كان يصومه أحدكم فليصمه والنهي عن التقدم لمن لا عادة له
فيتفق الحديثان
والله أعلم
$ 9 - (باب إذا رؤي الهلال في بلد قبل اخرين بليلة)
أي فما حكمه
(بعثته) أي كريبا (قال) كريب (حاجتها) أي أم الفضل (فاستهل) هو بضم التاء بصيغة المجهول (قال) بن عباس (أنت رأيته) أي الهلال (قال) بن عباس (أو نراه) أي الهلال (هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) قد تمسك بحديث كريب هذا من قال إنه لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد غيرها ووجه الاحتجاج به أن بن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام وقال في آخر الحديث هكذا أمرنا فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر
قال الخطابي اختلف الناس في الهلال يستهله أهل بلد في ليلة ثم يستهله أهل بلد آخر في ليلة قبلها أو بعدها فذهب إلى ظاهر الحديث بن عباس والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وعكرمة وهو مذهب إسحاق بن راهويه وقال لكل قوم رؤيتهم
وقال أكثر الفقهاء إذا ثبت بخبر الناس أن أهل البلد من البلدان قد رأوه قبلهم فعليهم قضاء ما أفطروه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل انتهى
وقال في فتح الودود قوله هكذا أمرنا يحتمل أن المراد به أنه أمرنا أن لا نقبل شهادة الواحد في حق الإفطار أو أمرنا بأن نعتمد على رؤية أهل بلدنا ولا نعتمد عن رؤية غيرهم وإلى المعنى الثاني تميل ترجمة المصنف لكن المعنى الأول محتمل فلا يستقيم الاستدلال إذ الاحتمال يفسد الاستدلال انتهى
وقال الشوكاني في النيل بعد نقل الأقوال واعلم أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية بن عباس لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إليه بقوله هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قوله فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين والأمر الكائن من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم انتهى ملخصا
وقال الحافظ في الفتح وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب أحدها لأهل كل بلد رؤيتهم وفي صحيح مسلم من حديث بن عباس ما يشهد له وحكاه بن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه وحكاه الماوردي وجها للشافعية
ثانيها مقابله إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية لكن حكى بن عبد البر الإجماع على خلافه وقال أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس
قال القرطبي قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم
وقال بن الماجشون لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع
وقال بعض الشافعية إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدا وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي
وفي ضبط البعد أوجه أحدها اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في الروضة وشرح المهذب
ثانيها مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في الصغير والنووي في شرح مسلم
ثالثها اختلاف الأقاليم
رابعها حكاه السرخسي فقال يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم
خامسها قول بن الماجشون المتقدم انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي
(عن الحسن في رجل) هذا الحديث وجد في نسخة واحدة
وقال الحافظ المزي هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة انتهى
كذا في غاية المقصود
(باب كراهية صوم يوم الشك)
(عن صلة) قال الحافظ في الفتح أما صلة فهو بكسر المهملة وتخفيف اللام المفتوحة بن زفر بزاي وفاء وزن عمر كوفي عبسي بموحدة ومهملة من كبار التابعين وفضلائهم (يشك فيه) هل هو من شعبان أو من رمضان وهو على بناء المجهول
قال العلامة العيني ويوم الشك هو اليوم الذي يتحدث الناس فيه برؤية الهلال ولم يثبت رؤيته أو شهد واحد فردت شهادته أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما (فأتي بشاة) وفي رواية الترمذي فأتي بشاة مصلية فقال كلوا (فتنحى بعض القوم) أي اعتزل واحترز عن أكله (فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم) قال في الفتح استدل به على تحريم صوم يوم الشك لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع
قال بن عبد البر هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك
قيل فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية يعني أبا القاسم الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زمانا ومكانا وغير ذلك انتهى<span class="matn- hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وذكر جماعة أنه موقوف ونظير هذا قول أبي هريرة من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله والحكم على الحديث بأنه مرفوع بمجرد هذا اللفظ لا يصح وإنما هو لفظ الصحابي قطعا ولعله فهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين أن صيام يوم الشك تقدم فهو معصية كما فهم أبو هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه أن ترك الإجابة معصية لله ورسوله ولا يجوز أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله والصحابي إنما يقول ذلك استنادا منه إلى دليل فهم
وقال الخطابي اختلف الناس في معنى النهي عن صيام يوم الشك فقال قوم إنما نهى عن صيامه إذا نوى به أن يكون من رمضان فأما من نوى به صوم يوم من شعبان فهو جائز
هذا قول مالك بن أنس والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه ورخص فيه على هذا الوجه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقالت طائفة لا يصام ذلك اليوم عن فرض ولا تطوع للنهي فيه وليقع الفصل بذلك بين شعبان ورمضان
وهكذا قال عكرمة
وروى معناه عن أبي هريرة وبن عباس رضي الله عنهما وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر تصومان ذلك اليوم وقالت عائشة رضي الله عنها لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان
وكان مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما صوم يوم الشك إذا كان في السماء سحاب أو قترة فإن كان صحو ولم ير الناس الهلال أفطر مع الناس وإليه ذهب أحمد بن حنبل وقال الشافعي إن وافق يوم الشك يوما كان يصومه صامه وإلا لم يصمه وهو أن يكون من عادته أن يصوم انتهى
وقد مر بعض بيانه في باب الشهر يكون تسعا وعشرين
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح
وذكر أبو القاسم البغوي في حديث أبي هريرة فقد عصى الله ورسوله أنه موقوف وذكر أبو عمر بن عبد البر أن هذا مسند عندهم ولا يختلفون يعني في ذلك
$ 1 - (باب في من يصل شعبان برمضان)
(لا تقدموا صوم رمضان) قد مر بيانه ومعناه في باب من قال فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين
(إلا أن يكون صوم) يكون هنا تامة معناه إلا أن يوجد صوم (يصومه رجل) وكان ذلك<span class="matn-hr"> </span>Qمنه أن مخالفة مقتضاه معصية ولعله لو ذكر ذلك الدليل لكان له محمل غير ما ظنه فقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضا في كثير من وجوه دلالة النصوص
الصوم نذرا معينا أو نفلا معتادا أو صوما مطلقا غير مقيد برمضان (فليصم ذلك الصوم) قال الخطابي معناه أن يكون قد اعتاد صوم الاثنين والخميس فيوافق صوم المعتاد فيصومه ولا يتعمد صومه إذا لم يكن له عادة وهذا قريب من معنى الحديث الأول انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
(لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان) وفي رواية بن أبي لبيد عن أبي سلمة عن عائشة عند مسلم كان يصوم شعبان إلا قليلا ورواه الشافعي من هذا الوجه بلفظ بل كان يصوم إلى آخره وهذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داود وغيره أنه كان لا يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصله برمضان أي كان يصوم معظمه
ونقل الترمذي عن بن المبارك أنه قال جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كله ويقال قام فلان ليلته أجمع ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره
قال الترمذي كان بن المبارك جمع بين الحديثين بذلك وحاصله أن الرواية الأولى مفسرة للثانية مخصصة لها وأن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال
قاله الحافظ في الفتح قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه وقال الترمذي حديث حسن
$ 2 - (باب في كراهية ذلك)
(فأخذ) عباد (بيده) أي العلاء (فأقامه) أي أقام عباد العلاء (ثم قال) عباد (إن هذا) أي<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله الذين ردوا هذا الحديث لهم مأخذان أحدهما أنه لم يتابع العلاء عليه أحد بل انفرد به عن الناس وكيف لا يكون هذا معروفا عند
العلاء (عن أبيه) وهو عبد الرحمن (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) قال الخطابي هذا الحديث كان ينكره عبد الرحمن بن مهدي من حديث العلاء وروت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله ويصله برمضان ولم يكن يصوم من السنة شهرا تاما غيره ويشبه أن يكون حديث العلاء إن ثبت على معنى كراهية صوم يوم الشك ليكون في ذلك اليوم مفطرا أو يكون ما استحب الصيام في بقية شعبان ليتقوى بذلك على صيام الفرض في شهر رمضان كما كره للحاج الصوم بعرفة ليتقوى بالإفطار على الدعاء انتهى
قال الحافظ في الفتح قال القرطبي لا تعارض بين حديث النهي عن صوم نصف شعبان الثاني والنهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين وبين وصال شعبان برمضان والجمع ممكن بأن يحمل النهي على من ليست له عادة بذلك ويحمل الأمر على من له عادة حملا للمخاطب بذلك على ملازمة عادة الخير حتى لا يقطع انتهى ملخصا
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه
وقال الترمذي حسن<span class="matn-hr"> </span>Qأصحاب أبي هريرة مع أنه أمر تعم به البلوى ويتصل به العمل والمأخذ الثاني أنهم ظنوه معارضا لحديث عائشة وأم سلمة في صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله أو قليلا منه وقوله إلا أن يكون لأحدكم صوم فليصمه وسؤاله للرجل عن صومه سرر شعبان
قالوا وهذه الأحاديث أصح منه
وربما ظن بعضهم أن هذا الحديث لم يسمعه العلاء من أبيه
وأما المصححون له فأجابوا عن هذا بأنه ليس فيه ما يقدح في صحته وهو حديث على شرط مسلم فإن مسلما أخرج في صحيحه عدة أحاديث عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة وتفرده به تفرد ثقة بحديث مستقل وله عدة نظائر في الصحيح
قالوا والتفرد الذي يعلل به هو تفرد الرجل عن الناس بوصل ما أرسلوه أو رفع ما وقفوه أو زيادة لفظة لم يذكروها
وأما الثقة العدل إذا روى حديثا وتفرد به لم يكن تفرده علة فكم قد تفرد الثقات بسنن عن النبي صلى الله عليه وسلم عملت بها الأمة
صحيح
حكى أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال هذا حديث منكر
قال وكان عبد الرحمن يعني بن مهدي لا يحدث به ويحتمل أن يكون الإمام أحمد إنما أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن فإن فيه مقالا لأئمة هذا الشأن
ومن قال إن النهي عن الصيام بعد النصف من شعبان لأجل التقوي على صيام رمضان والاستجمام له فقد أبعد فإن نصف شعبان إذا أضعف كان كل شعبان أحرى أن يضعف
وقد جوز العلماء صيام جميع شعبان
والعلاء بن عبد الرحمن وإن كان فيه مقال فقد حدث عنه الإمام مالك مع شدة انتقاده الرجال وتحريه في ذلك
وقد احتج به مسلم في صحيحه وذكر له أحاديث انفرد بها رواتها وكذلك فعل البخاري أيضا
وللحفاظ في الرجال مذاهب فعل كل منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول والرد رضي الله عنهم والله أعلم<span class="matn-hr"> </span>Qقالوا وأما ظن معارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان فلا معارضة بينهما وإن تلك الأحاديث تدل على صوم نصفه مع ما قبله وعلى الصوم المعتاد في النصف الثاني وحديث العلاء يدل على المنع من تعمد الصوم بعد النصف لا لعادة ولا مضافا إلى ما قبله ويشهد له حديث التقدم
وأما كون العلاء لم يسمعه من أبيه فهذا لم نعلم أن أحدا علل به الحديث فإن العلاء قد ثبت سماعه من أبيه
وفي صحيح مسلم عن العلاء عن أبيه بالعنعنة غير حديث
وقد قال (1)
لقيت العلاء بن عبد الرحمن وهو يطوف فقلت له برب هذا البيت حدثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا انتصف شعبان فلا تصوموا فقال ورب هذا البيت سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره
$ 13 - (باب شهادة رجلين على رؤية هلال شوال)
(جديلة قيس) قال في تاج العروس الجديلة كسفينة القبيلة وبنو جديلة بطن في قيس وهم فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان وبطن آخر في الأزد وهم بنو جديلة بن معاوية بن عمرو بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد (أن ننسك) أن نعبد والنسك العبادة ومعناه نحج (للرؤية) أي لرؤية هلال ذي الحجة (وشهد شاهدا عدل) قال في فتح الودود استدل المصنف بجواز الحج بشهادة رجلين على ثبوت هلال شوال (فسألت الحسين) السائل أبو مالك (ثم لقيني) أي الحسين (فقال) الحسين (هو) أي الأمير (وصدق) الأمير (كان) عبد الله بن عمر (أعلم بالله منه) أي من الأمير (فقال) عبد الله بن عمر (بذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الخطابي لا أعلم اختلافا في أن شهادة الرجلين العدلين مقبولة في رؤية هلال شوال وإنما اختلفوا في شهادة رجل واحد فقال أكثر العلماء لا يقبل فيه أقل من شاهدين عدلين وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه أجاز شهادة رجل واحد في أضحى أو فطر ومال إلى هذا القول بعض أهل الحديث وزعم أن باب رؤية الهلال باب الإخبار فلا يجري مجرى الشهادات
ألا ترى أن شهادة الواحد مقبولة في رؤية هلال شهر رمضان وكذلك يجب أن تكون مقبولة في هلال شهر شوال
قلت لو كان ذلك من باب الإخبار لجاز فيه أن يقول أخبرني فلان أنه رأى الهلال فلما
لم يجز ذلك على الحكاية عن غيره علم أنه ليس من باب الإخبار والدليل على ذلك أنه يقول أشهد أني رأيت هلال رمضان خصوصا وذلك لأن الواحد العدل فيه كاف عند جماعة من العلماء واحتج بخبر بن عمر رضي الله عنهما قال أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رأيت الهلال فأمر الناس بالصيام
قلت ومن ذهب إلى هذا الوجه أجاز فيه المرأة والعبد انتهى
قال المنذري قال الدارقطني هذا إسناد متصل صحيح
(لأهلا الهلال) أي لرأيا الهلال (أمس) اسم علم على اليوم الذي قبل يومك ويستعمل فيما قبله مجازا (عشية) العشي ما بين الزوال إلى الغروب والمعنى بالفارسية دي وقت شام (فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس) فيه رد على من زعم أن أمره صلى الله عليه وسلم بالإفطار خاص بالركب
قال الخطابي فيه أن شهادة الواحد العدل في رؤية هلال رمضان مقبولة وإليه ذهب الشافعي في أحد قوليه وهو قول أحمد بن حنبل وكان أبو حنيفة وأبو يوسف يجيزان على هلال رمضان شهادة الرجل الواحد العدل وإن كان عبدا وكذلك المرأة الواحدة وإن كانت أمة ولا يجيزان في هلال الفطر أو رجلا وامرأتين وكان الشافعي لا يجيز في ذلك شهادة النساء وكان مالك والأوزاعي وإسحاق بن راهويه يقولون لا يقبل على هلال شهر رمضان ولا على هلال الفطر أقل من شاهدين عدلين
وفي قول بن عمر تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبوله في ذلك قوله وحده دليل على وجوب قبول أخبار الآحاد وأنه لا فرق بين أن يكون المخبر بذلك منفردا عن الناس وحده وبين أن يكون مع جماعة من الناس ولا يشاركه أصحابه في ذلك انتهى
قال المنذري قال البيهقي وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم ثقات سموا أو لم يسموا
$ 14 - (باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان)
(عن سماك) يعني الوليد بن أبي ثور وزائدة كلاهما عن سماك (جاء أعرابي) أي واحد من الأعراب وهم سكان البادية (فقال إني رأيت الهلال) يعني وكأن غيما
وفيه دليل على أن الإخبار كاف ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة ولا إلى الدعوى قاله علي القارىء (أذن في الناس) أي ناد في محضرهم وأعلمهم
قال الخطابي وفيه حجة لمن أجرى الأمر في رؤية هلال شهر رمضان مجرى الإخبار ولم يحملها على أحكام الشهادات
وفيه أيضا حجة لمن رأى أن الأصل في المسلمين العدالة وذلك أنه لم يطلب أن يعلم من الأعرابي غير الإسلام فقط ولم يبحث بعد ذلك عن عدالته وصدق لهجته انتهى
والحديث سكت عنه المنذري<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى البيهقي في سننه من حديث محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت حسين أن رجلا شهد عند علي على رؤية هلال شهر رمضان فصام وأحسبه قال وأمر الناس أن يصوموا وقال لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان
وفي سنن الدارقطني من حديث أبي إسماعيل حفص بن عمر الأيلي عن مسعر بن كدام وأبي عوانة عن عبد الملك من ميسرة عن طاوس عن بن عمر وبن عباس قالا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال شهر رمضان وقالا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجيز شهادة الإفطار إلا برجلين
وأبو إسماعيل هذا ضعيف جدا وأبو حاتم يرميه بالكذب
(من الحرة) قال في المصباح المنير الحرة بالفتح أرض ذات حجارة سود والجمع حرار مثل كلبة وكلاب (فأتي به) أي بالأعرابي (فقال) النبي صلى الله عليه وسلم (قال نعم) أي الأعرابي (وشهد) الأعرابي (فأمر) النبي صلى الله عليه وسلم
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه مسندا ومرسلا وقال الترمذي فيه اختلاف وذكر النسائي أن المرسل أولى بالصواب وأن سماك بن حرب إذا انفرد بأصل لم يكن حجة لأنه كان يلقن فيتلقن
(تراءى الناس الهلال) قال المظهر الترائي أن يري بعض القوم بعضا والمراد منه هنا الاجتماع للرؤية لقوله (فأخبرت) أي وحدي (أني رأيته) أي الهلال (فصام) النبي صلى الله عليه وسلم (بصيامه) أي بصيام رمضان
قال المنذري قال الدارقطني تفرد به مروان بن محمد عن بن وهب وهو ثقة
$ 5 - (باب في توكيد السحور)
السحور بالضم مصدر وبالفتح اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب والمحفوظ عند المحدثين الفتح
(عن أبيه) أي لموسى وهو علي
قال في التقريب علي بن رباح بن قصير ضد
الطويل اللخمي أبو عبد الله البصري ثقة والمشهور فيه علي بالتصغير وكان يغضب منها من صغار الثالثة مات سنة بضع عشرة ومائة
(إن فصل ما بين صيامنا) الفصل بمعنى الفاصل وما موصولة وإضافته من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الفارق الذي بين صيامنا وصيام أهل الكتاب
قاله في فتح الودود
وقال علي القارىء ما زائدة أضيف إليها الفصل بمعنى الفرق (أكلة السحر) بفتح الهمزة المرة وإن كثر المأكول
وقال زين العرب الأكلة بالضم اللقمة
وقال التوربشتي والمعنى أن السحور هو الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب لأن الله تعالى أباحه لنا إلى الصبح بعد ما كان حراما علينا أيضا في بدء الإسلام وحرمه عليهم بعد أن يناموا أو مطلقا ومخالفتنا إياهم تقع موقع الشكر لتلك النعمة
انتهى
وفي القاموس السحر هو قبيل الصبح وفي الكشاف هو السدس الأخير من الليل
قاله علي القارىء
وقال الخطابي معنى هذا الكلام الحث على السحر وفيه إعلام بأن هذا الدين يسر لا عسر فيه وكان أهل الكتاب إذا ناموا بعد الإفطار لم يحل لهم معاودة الأكل والشرب إلى وقت الفجر بقوله عزوجل فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر قال المنذري والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي
$ 6 - (باب من سمى السحور الغداء)
(عن العرباض) بكسر العين (إلى السحور) بفتح السين ويجوز ضمها قال بن الأثير في النهاية السحور بالفتح اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب وبالضم المصدر والفعل نفسه
وأكثرها ما يروى بالفتح وقيل إن الصواب بالضم لأنه بالفتح الطعام
والبركة والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام (هلم) معناه تعال وفيه لغتان فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجمع
والاثنين والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح وبنو تميم تثني وتجمع وتؤنث فتقول هلم وهلمي وهلما وهلموا قاله بن الأثير في النهاية
وقال علي القارىء وجاء التنزيل بلغة الحجاز قل هلم شهداءكم أي أحضروهم (إلى الغداء المبارك) والغداء مأكول الصباح وأطلق عليه لأنه يقوم مقامه
قال الخطابي إنما سماه غداء لأن الصائم يتقوى به على صيام النهار فكأن قد تغدى والعرب تقول غدا فلان لحاجته إذا بكر فيها وذلك من لدن وقت السحور إلى وقت طلوع الشمس
انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه النسائي وفي إسناده الحارث بن زياد
قال أبو عمر النمري ضعيف مجهول يروي عن أبي رهم السمعي حديثه منكر
(نعم سحور المؤمن) الحديث وجد في نسخة واحدة
وقال الحافظ المزي هذا الحديث في رواية أبي بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم انتهى
كذا في غاية المقصود
$ 7 - (باب وقت السحور)
(من سحوركم) قال العيني قال شيخنا رحمه الله رويناه بفتح السين وضمها وهو بالضم الفعل وبالفتح اسم لما يتسحر به كالوضوء والسعوط والحنوط ونحوها (ولا بياض الأفق الذي هكذا) يعني بياض الأفق المستطيل (حتى يستطير) أي ينتشر بياض الأفق معترضا
قال الخطابي قوله حتى يستطير معناه يعترض في الأفق ينتشر ضوءه هناك قال الشاعر فهان على سراة بنى لؤي حريق بالبويرة مستطير انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه ومسلم والترمذي والنسائي
(أو قال ينادي) شك من الراوي (ليرجع قائمكم) ومعناه أنه إنما يؤذن بليل ليعلمكم بأن الفجر ليس ببعيد فيرد القائم المتهجد إلى راحته لينام غفوة ليصبح نشيطا أو يوتر إن لم يكن أوتر قاله النووي (وينتبه نائمكم) وفي رواية لمسلم ويوقظ نائمكم
قال النووي أي ليتأهب للصبح أيضا بفعل ما أراد من تهجد قليل أو إيتار إن لم يكن أوتر أو سحور إن أراد الصوم أو اغتسال أو وضوء أو غير ذلك مما يحتاج إليه قبل الفجر (وجمع يحيى كفه حتى يقول هكذا ومد يحيى بإصبعيه السبابتين) ورواية مسلم أصرح ولفظها إن الفجر ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض ولكن الذي يقول هكذا ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
(ولا يهيدنكم) قال الحافظ هو بكسر الهاء انتهى
وقال الخطابي معناه لا يمنعكم الأكل وأصل الهيد الزجر يقال للرجل أهيده هيدا إذا زجرته ويقال في زجر الدواب هيد هيد انتهى (الساطع المصعد) قال الخطابي سطوعها ارتفاعها مصعدا قبل أن يعترض انتهى
قال بن الأثير في النهاية قوله ولا يهيدنكم الساطع المصعد أي لا تنزعجوا للفجر المستطيل فتمتنعوا به عن السحور فإنه الصبح الكاذب وأصل الهيد الحركة وقد هدت الشيء أهيده هيدا إذا حركته وأزعجته والساطع المصعد يعني الصبح الأول المستطيل يقال سطع الصبح يسطع فهو ساطع أول ما ينشق مستطيلا انتهى
(حتى يعترض لكم الأحمر) قال الخطابي معنى الأحمر ها هنا أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة وذلك أن البياض إذا تتام طلوعه ظهرت أوائل الحمرة والعرب تشبه الصبح بالبلق من الخيل لما فيه من بياض وحمرة انتهى
قلت وقد يطلق الأحمر على الأبيض
قال في تاج العروس الأحمر ما لونه الحمرة ومن المجاز الأحمر من لا سلاح معه في الحرب والأحمر تمر للونه والأحمر الأبيض ضد وبه فسر بعض الحديث بعثت إلى الأحمر والأسود والعرب تقول امرأة حمراء أي بيضاء انتهى
فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم حتى يعترض لكم الأحمر أي الأبيض وهو بياض النهار من سواد الليل يعني الصبح الصادق قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي وقال حسن غريب من هذا الوجه هذا آخر كلامه
وقيس هذا قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة
(لما نزلت هذه الآية) قال الحافظ في الفتح ظاهره أن عديا كان حاضرا لما نزلت هذه الآية وهو يقتضي تقدم إسلامه وليس كذلك لأن نزول فرض الصوم كان متقدما في أوائل الهجرة وإسلام عدي كان في التاسعة أو العاشرة
فيؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله لما نزلت أي لما تليت علي عند إسلامي أو لما بلغني نزول الآية أو في السياق حذف تقديره لما نزلت الآية ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع (أخذت) وقد روى أحمد حديثه من طريق مجالد بلفظ علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام فقال صل كذا وصم كذا فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود قال فأخذت خيطين الحديث
انتهى (عقالا) بكسر المهملة أي حبلا
قاله الحافظ (فلم أتبين) أي لم أتميز بين العقال الأبيض والأسود (فقال) النبي صلى الله عليه وسلم (إن وسادك إذا لطويل عريض) قال العيني الوساد والوسادة المخدة والجمع وسائد ووسد انتهى
وقال الخطابي فيه قولان أحدهما يريد إن نومك لكثير عنى بالوسادة عن النوم إذا كان النائم يتوسد أو يكون أراد إن ليلك إذا لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل والشرب حتى يتبين لك سواد العقال من بياضه والقول الآخر أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام والعرب تقول فلان عريض القفا إذا كانت فيه غباوة وغفلة
وقد روي في هذا الحديث من طريق آخر أنه قال إنك عريض القفا والعرب تسمي الصبح أول ما يبدو خيطا انتهى
وقال النووي قال القاضي معناه إن جعلت تحت وسادك الخيطين الذين أرادهما الله تعالى وهما الليل والنهار فوسادك يعلوهما ويغطيهما وحينئذ يكون عريضا انتهى (إنما هو) أي الخيط الأسود والأبيض قال الحافظ في الفتح ولو أكل ظانا أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور لأن الآية دلت على الإباحة إلى أن يحصل التبيين وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن بن عباس قال أحل الله لك الأكل والشرب ما شككت
ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه وروى بن أبي شيبة من طريق أبي الضحى قال سأل رجل بن عباس عن السحور فقال له رجل من جلسائه كل حتى لا تشك فقال بن عباس إن هذا لا يقول شيئا كل ما شككت حتى لا تشك
قال بن المنذر وإلى هذا القول صار أكثر العلماء وقال مالك يقضي انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
8 -
باب الرجل يسمع النداء
أي أذان الصبح والإناء على يده
(النداء) أي أذان الصبح (والإناء) أي الذي يأكل منه أو يشرب منه (على يده) جملة حالية (فلا يضعه) أي الإناء (حتى يقضي حاجته منه) أي بالأكل<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث أعله بن القطان بأنه مشكوك في اتصاله قال لأن أبا داود قال أنبأنا عبد
والشرب قال الخطابي هذا على قوله إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بن أم مكتوم أو يكون معناه إن سمع الأذان وهو يشك في الصبح مثل أن يكون السماء متغيمة فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع لعلمه أن دلائل الفجر معدومة ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضا فإذا علم انفجار الصبح فلا حاجة إلى أوان الصباح أذان الصارخ لأنه مأمور بأن يمسك عن الطعام والشراب إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر انتهى قال في فتح الودود قال البيهقي إن صح هذا يحمل عند الجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم قال حين كان المنادي ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبل طلوع الفجر قلت من يتأمل في هذا الحديث وكذا حديث كلوا واشربوا حتى يؤذن بن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر وكذا ظاهر قوله تعالى حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر يرى أن المدار هو تبين الفجر وهو يتأخر عن أوائل الفجر بشيء والمؤذن لانتظاره يصادف أوائل الفجر فيجوز<span class="matn-hr"> </span>Qالأعلى بن حماد أظنه عن حماد عن محمد بن عمرو عن أبي هريرة فذكره وقد روى النسائي عن زر قال قلنا لحذيفة أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع
وقد اختلف في هذه المسألة
فروى إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت ثم ذكر إسحاق عن أبي بكر الصديق وعلي وحذيفة نحو هذا ثم قال وهؤلاء لم يروا فرقا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة
هذا آخر كلام إسحاق
وقد حكي ذلك عن بن مسعود أيضا
وذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر وهو قول الأئمة الأربعة وعامة فقهاء الأمصار وروى معناه عن عمر وبن عباس
واحتج الأولون بقول النبي صلى الله عليه وسلم فكلوا واشربوا حتى يؤذن بن أم مكتوم ولم يكن يؤذن إلا بعد طلوع الفجر كذا في البخاري وفي بعض الروايات وكان رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت
قالوا وإن النهار إنما هو من طلوع الشمس
واحتج الجمهور بقوله تعالى {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كلوا واشربوا حتى يؤذن بن أم مكتوم وبقوله الفجر فجران فأما الأول فإنه لا يحرم الطعام ولا يحل الصلاة وأما الثاني فإنه يحرم الطعام ويحل الصلاة رواه البيهقي في سننه
قالوا وأما حديث حذيفة فمعلول وعلته الوقف وأن زرا هو الذي تسحر مع حذيفة ذكره النسائي
الشرب حينئذ إلى أن يتبين لكن هذا خلاف المشهور بين العلماء فلا اعتماد عليه عندهم والله أعلم انتهى
وقال في البحر الرائق اختلف المشائخ في أن العبرة لأول طلوعه أو لاستطارته أو لانتشاره والظاهر الأخير لتعريفهم الصادق به
وقال علي القارىء قوله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي حاجته منه هذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع
وقال بن الملك هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح أما إذا علم أنه قد طلع أو شك فيه فلا
وقال القارىء أيضا إن إمكان سرعة أكله وشربه لتقارب وقته واستدراك حاجته واستشراف نفسه وقوة نهمته وتوجه شهوته بجميع همته مما يكاد يخاف عليه أنه لو منع منه لما امتنع فأجازه الشارع رحمة عليه وتدريجا له بالسلوك والسير إليه ولعل هذا كان في أول الأمر انتهى
والحديث سكت عنه المنذري
$ 9 - (باب وقت فطر الصائم)
(قال هشام بن عروة) والحاصل أن وكيعا وعبد الله بن داود روياه عن هشام بن عروة وهو يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عاصم بن عمر
قاله المزي (إذا جاء الليل من ها هنا) أي من جهة المشرق (وذهب النهار من ها هنا) أي من المغرب
قال النووي قال العلماء كل واحد من هذه الثلاثة يعني جاء الليل وذهب النهار وغابت الشمس يتضمن الآخرين ويلازمهما وإنما جمع بينهما لأنه قد يكون في واد ونحوه بحيث لا يشاهد غروب الشمس فيعتمد إقبال الظلام وإدبار الضياء (فقد أفطر الصائم) قال الخطابي معناه أنه قد صار في حكم المفطر وإن لم يأكل وقيل معناه أنه دخل في وقت الفطر وجاز له أن يفطر كما قيل أصبح الرجل إذا دخل في وقت الصبح وأمسى وأظهر كذلك وفيه دليل على بطلان الوصال انتهى
قلت قال في لسان العرب أظهرنا دخلنا في وقت الظهر كأصبحنا وأمسينا في الصباح والمساء انتهى
قال العيني معنى قوله صلى الله عليه وسلم فقد أفطر الصائم أي دخل وقت الإفطار لا أنه يصير مفطرا بغيبوبة الشمس وإن لم يتناول مفطرا
وقال بن خزيمة لفظه خبر ومعناه الأمر أي فليفطر الصائم
انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
(فاجدح لنا) قال العيني اجدح بكسر الهمزة أمر من جدحت السويق وأجدحته أي لتته والمصدر جدح ومادته جيم ودال وحاء مهملة والجدح أن يحرك السويق بالماء فيخوض حتى يستوي وكذلك اللبن ونحوه والمجدح بكسر الميم عود مجنح الرأس تساط به الأشربة وربما يكون له ثلاث شعب
وقال الداودي اجدح يعني احلب ورد ذلك عياض وغيره
وفي المحكم المجدح خشبة في رأسها خشبتان معترضتان وكلما خلط فقد جدح
وعن القزاز هو كالملعقة
وفي المنتهى شراب مجدوح ومجدح أي مخوض والمجدح عود ذو جوانب وقيل هو عود يعرض رأسه والجمع مجاديح انتهى
قال الحافظ فاجدح بالجيم ثم الحاء المهملة والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له المجدح مجنح الرأس انتهى (إن عليك نهارا) هذا ظن من بلال لما رأى من ضوء الشمس ساطعا وإن كان جرمها غائبا وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده أن ذلك نهار يحرم فيه الأكل مع تجويزه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى ذلك الضوء تاما فقصد زيادة الإعلام فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن الضوء واعتبر غيبوبة الشمس
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم النسائي
$ 0 - (باب ما يستحب من تعجيل الفطر)
(ظاهرا) أي غالبا وعاليا أو واضحا ولائحا (ما عجل الناس الفطر) ما ظرفية أي مدة
تعجيلهم الفطر (لأن اليهود والنصارى يؤخرون) أي الفطر
قال الطيبي في هذا التعليل دليل على أن قوام الدين الحنيفي على مخالفة الأعداء من أهل الكتاب وأن في موافقتهم تلفا للدين انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه النسائي وبن ماجه وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه
(عن أبي عطية قال دخلت على عائشة أنا ومسروق) كلاهما تابعي (رجلان) مبتدأ (من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم) صفة وهي مسوغة لكون المبتدأ نكرة والخبر الجملة قوله أحدهما يعجل الإفطار إلى قوله يؤخر الصلاة (قلنا عبد الله) بن مسعود والآخر أبو موسى
قال المنذري والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي
$ 1 - (باب ما يفطر عليه)
(عمها) أي للرباب وهو بكسر الميم بدل من سلمان (فإن الماء طهور) أي بالغ في الطهارة فيبتدأ به تفاؤلا بطهارة الظاهر والباطن
قال الطيبي أي لأنه مزيل المانع من أداء العبادة ولذا من الله تعالى على عباده وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقال بن الملك يزيل العطش عن النفس انتهى
ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام عند الإفطار ذهب الظمأ قاله علي القارىء
وقال المنذري والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه
وقال المنذري حسن صحيح
(يفطر) أي في صيامه (قبل أن يصلي) أي المغرب (حسا حسوات) بفتحتين أي شرب ثلاث مرات
قاله علي القارىء
وقال بن الأثير في النهاية
الحسوة بالضم الجرعة من الشراب بقدر ما يحسى مرة واحدة والحسوة بالفتح المرة انتهى
وقال في لسان العرب الحسوة المرة الواحدة وقيل الحسوة والحسوة لغتان
قال بن السكيت حسوت شريف حسوا وحساء والحسوة ملء الفم انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي وقال حسن غريب
وقال أبو بكر البزار وهذا الحديث لا يعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا جعفر بن سليمان وذكره بن عدي أيضا في أفراد جعفر عن ثابت انتهى
$ 2 - (باب القول عند الإفطار)
وفي بعض النسخ باب ما يقول إذا أفطر
(المقفع) هكذا في النسخ بتقديم القاف على الفاء
قال في التقريب مروان بن سالم المقفع بقاف ثم فاء ثقيلة مصري مقبول
وفي الخلاصة المقفع بفتح القاف وبالفاء وثقه بن حبان (إذا أفطر) أي بعد الإفطار (ذهب الظمأ) بفتحتين قال النووي في الأذكار الظمأ مهموزا لآخر مقصور وهو العطش وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرا لأني رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدودا انتهى
قال علي القارىء وفيه أنه قرئ لا يصيبهم ظماء بالمد والقصر
وفي القاموس ظمئ كفرح ظمأ وظماء وظماءة عطش أو أشد العطش ولعل كلام النووي محمول على أنه خلاف الرواية لا أنه غير موجود في اللغة (وابتلت العروق) أي بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش (وثبت الأجر) أي زال التعب وحصل الثواب
وهذا حث على العبادات فإن التعب
يسر لذهابه وزواله والأجر كثير لثباته وبقائه
قال الطيبي ذكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ أي استلذاذ (إن شاء الله) متعلق بالأخير على سبيل التبرك ويصح التعليق لعدم وجوب الأجر عليه تعالى ردا على المعتزلة أو لئلا يجزم كل أحد فإن ثبوت أجر الأفراد تحت المشيئة
ويمكن أن يكون إن بمعنى إذ فتتعلق بجميع ما سبق
ذكره في المرقاة
قال المنذري وأخرجه النسائي
(عن معاذ بن زهرة) قال في التقريب معاذ بن زهرة ويقال أبو زهرة مقبول من الثالثة فأرسل حديثا فوهم من ذكره في الصحابة (إذا أفطر قال) أي دعا وقال بن الملك أي قرأ بعد الإفطار (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) قال الطيبي قدم الجار والمجرور في القرينتين على العامل دلالة على الاختصاص إظهارا للاختصاص في الافتتاح وإبداء لشكر الصنيع المختص به في الاختتام
كذا في المرقاة
وفي النيل فيه دليل على أنه يشرع للصائم أن يدعو عند إفطاره بما اشتمل عليه من الدعاء انتهى
قال المنذري هذا مرسل
3 -
باب الفطر
الخ (قالت أفطرنا يوما في رمضان في غيم) قال الخطابي اختلف الناس في وجوب القضاء<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله واختلف الناس هل يجب القضاء في هذه الصورة فقال الأكثرون يجب وذهب إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى أنه لا قضاء عليهم وحكمهم حكم من أكل ناسيا وحكي ذلك عن الحسن ومجاهد واختلف فيه على عمر فروى زيد بن وهب قال كنت جالسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر فأتينا بكأس فيها شراب من بيت حفصة فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة قال فجعل الناس يقولون نقضي يوما مكانه فسمع بذلك عمر فقال والله لا نقضيه وما تجانفا لإثم رواه البيهقي وغيره
وقد روى مالك في الموطأ عن زيد بن
في مثل هذا فقال أكثر العلماء القضاء واجب عليه وقال إسحاق وأهل الظاهر لا قضاء عليه ويمسك بقية النهار عن الأكل حتى تغرب الشمس وروي ذلك عن الحسن البصري وشبهوه بمن أكل ناسيا في الصوم
قال الخطابي الناس لا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسيا وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتبين غيبوبة الشمس فالنسيان خطأ في الفعل وهذا خطأ في الوقت والزمان والتحرز ممكن انتهى (قال أبو أسامة) هو حماد بن أسامة الليثي (أمروا) من جهة الشارع (بالقضاء قال) هشام بن عروة (وبد من ذلك) أي هل بد من قضاء فحرف<span class="matn-hr"> </span>Qأسلم أن عمر بن الخطاب أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس فجاءه رجل فقال له يا أمير المؤمنين قد طلعت الشمس فقال عمر الخطب يسير وقد اجتهدنا قال مالك يريد بقوله الخطب يسير القضاء فيما نرى
والله أعلم
وكذلك قال الشافعي وهذا لا يناقض الأثر المتقدم
وقوله وقد اجتهدنا مؤذن بعدم القضاء
وقوله الخطب يسير إنما هو تهوين لما فعلوه وتيسير لأمره
ولكن قد رواه الأثرم والبيهقي عن عمر وفيه من كان أفطر فليصم يوما مكانه وقدم البيهقي هذه الرواية على رواية زيد بن وهب وجعلها خطأ وقال تظاهرت الروايات بالقضاء قال وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة قال وزيد ثقة إلا أن الخطأ عليه غير مأمون
وفيما قاله نظر فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء وإنما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه وكان أبوه صديقا لعمر فذكر القصة وقال فيها من كان أفطر فليصم يوما مكانه
وقدم البيهقي هذه الرواية على رواية زيد بن وهب وجعلها خطأ وقال تظاهرت الروايات بالقضاء قال وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة قال وزيد ثقة إلا أن الخطأ عليه غير مأمون وفيما قاله نظر فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء وإنما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه وكان أبوه صديقا لعمر فذكر القصة وقال فيها من كان أفطر فليصم يوما مكانه ولم أر الأمر بالقضاء صريحا إلا في هذه الرواية وأما رواية مالك فليس فيها ذكر للقضاء ولا لعدمه فتعارضت رواية حنظلة ورواية زيد بن وهب وتفضلها رواية زيد بن وهب بقدر ما بين حنظلة وبينه من الفضل وقد روى البيهقي بإسناد فيه نظر عن صهيب أنه أمر أصحابه بالقضاء في قصة جرت لهم مثل هذه فلو قدر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء لأن الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصوم ولو أكل ناسيا لصومه لم يجب عليه قضاؤه والشريعة لم تفرق بين الجاهل والناسي فإن كل واحد منهما قد فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثام فما الموجب للفرق بينهما في هذا الموضع وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطىء أولى بالعذر من الناسي في مواضع متعددة وقد يقال إنه في صورة الصوم أعذر منه فإنه مأمور بتعجيل الفطر استحبابا فقد بادر إلى أداء ما
الاستفهام مقدر
وفي رواية أبي ذر لصحيح البخاري لا بد من قضاء
قال القسطلاني وهذا مذهب الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة وعليه أن يمسك بقية النهار لحرمة الوقت ولا كفارة عليه وقد روي عن مجاهد وعطاء وعروة عدم القضاء وعن عمر يقضي وفي آخر لا رواهما البيهقي وضعفت الثانية النافية وفي هذا الحديث كما قاله بن المنير أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر فإذا اجتهدوا فأخطئوا فلا حرج عليهم في ذلك انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري والترمذي وبن ماجه
وقال البخاري قال معمر سمعت هشاما يقول لا أدري أقضوا أم لا<span class ="matn-hr"> </span>Qأمر به واستحبه له الشارع فكيف يفسد صومه وفساد صوم الناسي أولى منه لأن فعله غير مأذون له فيه بل غايته أنه عفو فهو دون المخطىء الجاهل في العذر وبالجملة فلم يفرق بينهما في الحج ولا في مفسدات الصلاة كحمل النجاسة وغير ذلك وما قيل من الفرق بينهما بأن الناسي غير مكلف والجاهل مكلف إن أريد به التكليف بالقضاء فغير صحيح لأن هذا هو المتنازع فيه وإن أريد به أن فعل الناسي لا ينتهض سببا للإثم ولا يتناوله الخطاب الشرعي فكذلك فعل المخطىء وإن أريد أن المخطىء ذاكر لصومه مقدم على قطعه ففعله داخل تحت التكليف بخلاف الناسي فلا يصح أيضا لأنه يعتقد خروج زمن الصوم وأنه مأمور بالفطر فهو مقدم على فعل ما يعقده جائزا وخطؤه في بقاء اليوم كنسيان الآكل في اليوم فالفعلان سواء فكيف يتعلق التكليف بأحدهما دون الآخر وأجود ما فرق به بين المسألتين أن المخطئ كان متمكنا من إتمام صومه بأن يؤخر الفطر حتى يتيقن الغروب بخلاف الناسي فإنه لا يضاف إليه الفعل ولم يكن يمكنه الاحتراز وهذا وإن كان فرقا في الظاهر فهو غير مؤثر في وجوب القضاء كما لم يؤثر في الإثم اتفاقا ولو كان منسوبا إلى تفريط للحقه الإثم فلما اتفقوا على أن الإثم موضوع عنه دل على أن فعله غير منسوب فيه إلى تفريط لا سيما وهو مأمور بالمبادرة إلى الفطر والسبب الذي دعاه إلى الفطر غير منسوب إليه في الصورتين وهو النسيان في مسألة الناسي وظهور الظلمة وخفاء النهار في صورة المخطىء فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان وهذا أطعممه الله وسقاه بإخفاء النهار ولهذا قال صهيب هي طعمة الله ولكن هذا أولى فإنها طعمة الله إذنا وإباحة وإطعام الناسي طعمته عفوا ورفع حرج فهذا مقتضى الدليل
$ 24 - (باب في الوصال)
(نهى عن الوصال) أي تتابع الصوم من غير إفطار بالليل
قال الخطابي الوصال من خصائص ما أبيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محظور على أمته ويشبه أن يكون المعنى في ذلك ما يتخوف على الصائم من الضعف وسقوط القوة فيعجزوا عن الصيام المفروض وعن سائر الطاعات أو يملوها إذا نالتهم المشقة فيكون سببا لترك الفريضة
(إني أطعم وأسقى) يحتمل معنيين أحدهما أني أعان على الصيام وأقوى عليه فيكون ذلك لي بمنزلة الطعام والشراب لكم ويحتمل أن يكون قد يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يطعمها فيكون ذلك تخصيصا له وكرامة لا يشركه فيها أحد من أصحابه
قاله الخطابي قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم
(يقول لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) بالجر بحتى الجارة وهو قول اللخمي من المالكية
ونقل عن أحمد
وعبارة المرداوي في تنقيحه ويكره الوصال ولا يكره إلى السحر نصا وتركه أولى انتهى
وقال به أيضا بن خزيمة وطائفة من أهل الحديث (إن لي مطعما) حال كونه (يطعمني) ولي (ساقيا) حال كونه (يسقيني) بفتح أوله
ذكره القسطلاني قال علي القارىء والحكمة في النهي أنه يورث الضعف والسآمة والقصور عن أداء غيره من الطاعات فقيل النهي للتحريم وقيل للتنزيه
قال القاضي والظاهر الأول انتهى
ويؤيد الثاني ما روته عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الوصال رحمة لهم الحديث كما في رياض الصالحين انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم
$ 25 - (باب الغيبة للصائم)
(لم يدع) أي لم يترك (قول الزور) والمراد منه الكذب والإضافة بيانية (فليس لله حاجة) قال بن بطال ليس معناه أنه يؤمر بأن يدع صيامه وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه
قال في الفتح ولا مفهوم لذلك فإن الله لا يحتاج إلى شيء وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة
وقال بن المنير بل هو كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئا طلبه منه فلم يقم به لا حاجة لي في كذا
وقال بن العربي مقتضى هذا الحديث أن لا يثاب على صيامه ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه
واستدل بهذا الحديث على أن هذه الأفعال تنقص ثواب الصوم وتعقب بأنها صغائر باجتناب الكبائر
قاله الشوكاني في النيل (قال أحمد) بن يونس (فهمت إسناده) أي إسناد هذا الحديث وحفظت كما أريد (من بن أبي ذئب) لكن ما سمعت كما ينبغي وما حفظت كما أريد متن الحديث منه لكونه بعيدا أو غير ذلك من الخلل الواقع في سماعه (رجل إلى جنبه) أي بن أبي ذئب
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم وبن ماجه
(فلا يرفث) يريد لا يفحش والرفث هو السخف وفاحش الكلام يقال رفث بفتح الفاء يرفث بضمها وكسرها ورفث بكسرها يرفث بفتحها رفثا ساكنة الفاء في المصدر ورفثا بفتحها في الاسم ويقال أرفث رباعي حكاه القاضي والجهل قريب من الرفث وهو خلاف الحكمة وخلاف الصواب من القول والفعل (فليقل إني صائم إني صائم) هكذا هو مرتين واختلفوا في معناه فقيل يقوله بلسانه ليسمعه الشاتم والمقاتل فيتحرز غالبا وقيل لا
يقوله بلسانه بل يحدث به نفسه ليمنعها من مشاتمته ومقاتلته ومقابلته ويحرس صومه عن المكدرات ولو جمع بين الأمرين كان حسنا
واعلم أن نهي الصائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليس مختصا به بل كل أحد مثله في أصل النهي عن ذلك لكن الصائم آكد والله أعلم كذا قال النووي
وقال الخطابي يتأول على وجهين أحدهما فليقل ذلك لصاحبه نطقا باللسان يرده بذلك عن نفسه والوجه الآخر أن يقول ذلك في نفسه أي ليعلم أنه صائم فلا يخوض معه ولا يكافئه على شتمه لئلا يفسد صومه ولا يحبط أجر عمله
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث أبي صالح السمان عن أبي هريرة
$ 6 - (باب السواك للصائم)
(عن سفيان عن عاصم) أي شريك وسفيان كلاهما عن عاصم بن عبيد الله (يستاك وهو صائم) قال الخطابي السواك مستحب للصائم والمفطر إلا أن قوما من العلماء كرهوا للصائم أن يستاك آخر النهار استبقاء لخلوفه وإلى هذا ذهب الشافعي وهو قول الأوزاعي وروي ذلك<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى بن ماجة من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من خير خصال الصائم السواك قال البخاري وقال بن عمر يستاك أول النهار وآخره وقال زياد بن حدير ما رأيت أحدا أدأب سواكا وهو صائم من عمر رضي الله عنه أراه قال بعود قد ذوي رواه البيهقي
ولو احتج عليه بعموم قوله صلى الله عليه وسلم لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة لكانت حجة وبقوله صلى الله عليه وسلم السواك مطهرة للفم مرضاة للرب وسائر الأحاديث المرغبة في السواك من غير تفصيل
ولم يجيء في منع الصائم منه حديث صحيح
قال البيهقي وقد روي عن علي بإسناد ضعيف إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة وروى عمرو بن قيس عن عطاء عن أبي هريرة قال لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فألقه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وهذا لو صح عن أبي
عن بن عمر رضي الله عنهما وإليه ذهب عطاء ومجاهد
قال المنذري وأخرجه الترمذي وقال حسن
هذا آخر كلامه
في إسناده عاصم بن عبيد الله وقد تكلم فيه غير واحد
وذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه معلقا في الترجمة فقال ويذكر عن عامر بن ربيعة
(باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق)
(تقووا) صيغة أمر جمع المذكر من القوة أي بالأكل والشرب (بالعرج) بفتح العين وسكون الراء قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة (يصب على رأسه الماء وهو صائم) فيه دليل على أنه يجوز للصائم أن يكسر الحر بصب الماء على بعض بدنه أو كله وقد ذهب إلى ذلك الجمهور ولم يفرقوا بين الاغتسال الواجبة والمسنونة والمباحة
وقالت الحنفية إنه يكره الاغتسال للصائم واستدلوا بما أخرجه عبد الرزاق عن علي من النهي عن دخول الصائم الحمام وهو مع كونه أخص من محل النزاع في إسناده ضعف كما قال الحافظ
واعلم أنه يكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق لحديث الأمر بالمبالغة في ذلك إلا أن يكون صائما
واختلف إذا دخل من ماء المضمضة والاستنشاق إلى جوفه خطأ فقالت الحنفية ومالك والشافعي في أحد قوليه والمزني إنه يفسد الصوم وقال أحمد بن حنبل وإسحاق والأوزاعي وأصحاب الشافعي إنه لا يفسد الصوم كالناسي
وقال الحسن البصري والنخعي إنه يفسد إن لم يكن لفريضة (من العطش أو من الحر) شك من الراوي
قال المنذري وأخرجه النسائي مختصرا<span class="matn-hr"> </span>Qهريرة فالثابت عن عمر وبن عمر يخالفه والذين يكرهونه يخالفونه أيضا فإنهم يكرهونه من بعد الزوال وأكثر أهل العلم لا يكرهونه
والله أعلم
(بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) قال الخطابي فيه من الفقه أن وصل الماء إلى موضع الدماغ يفطر الصائم إذا كان ذلك بفعله وعلى قياس ذلك كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو في غيره من حشو جوفه
وقد يستدل به من يوجب الاستنشاق في الطهارة قالوا ولولا وجوبه لكان يطرحه عن الصائم أصلا احتياطا على صومه فلما لم يفعل دل ذلك على أنه واجب لا يجوز تركه وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه انتهى
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه مختصرا ومطولا
وقال الترمذي حسن صحيح
$ 8 - (باب في الصائم يحتجم)
(قال أفطر الحاجم والمحجوم) قال الخطابي اختلف الناس في تأويل هذا الحديث فذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الحجامة تفطر الصائم قولا بظاهر الحديث هذا قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقالا عليهما القضاء وليست عليهما الكفارة
وعن عطاء قال من احتجم وهو صائم في شهر رمضان فعليه القضاء والكفارة
وروي عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يحتجمون ليلا منهم بن عمر وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك رضي الله عنهم
وكان مسروق والحسن وبن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم
وكان الأوزاعي يكره ذلك
وقال بن المسيب والشعبي والنخعي إنما كرهت الحجامة للصائم من أجل الضعف
وممن كان لا يرى بأسا بالحجامة للصائم سفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه
وتأول بعضهم الحديث فقال معنى قوله أفطر الحاجم والمحجوم أي تعرضا للإفطار أما المحجوم فللضعف الذي يلحقه من ذلك إلى أن
يعجز عن الصوم وأما الحاجم فلا بد من أن يصل إلى جوفه من طعام الدم أو من بعض أجزائه إذا ضم شفتيه على قصب الملازم
وهذا كما يقال للرجل يتعرض للمهالك قد هلك فلان وإن كان باقيا سالما وإنما يراد به قد أشرف على الهلاك
وكقوله صلى الله عليه وسلم من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين يريد أنه قد تعرض للذبح وقيل فيه وجه آخر وهو أنه مر بهما مساء فقال أفطر الحاجم والمحجوم كأنه عذرهما بهذا القول إذا كانا قد أمسيا ودخلا في وقت الإفطار كما يقال أصبح الرجل وأمسى وأظهر إذا دخل وقت هذه الأوقات وأحسبه قد روي في بعض هذا الحديث
وقال بعضهم هذا على التغليظ لهما والدعاء عليهما كقوله فيمن صام الدهر لا صام ولا أفطر فمعنى قوله أفطر الحاجم والمحجوم على هذا التأويل أي بطل أجر صيامهما فكأنما صارا مفطرين غير صائمين
وقيل أيضا معناه جاز لهما أن يفطرا كقولك أحصد الزرع إن حان أن يحصد وأركب المهر إذا حان أن يركب انتهى
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
وسئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أيما حديث أصح عندك في أفطر الحاجم والمحجوم فقال حديث ثوبان حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان
(أتى على رجل) أي مر عليه (بالبقيع) أي بمقبرة المدينة (وهو) أي الرجل (وهو) أي<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله ولفظ النسائي فيه عن شداد بن أوس قال كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة لثمان عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان
فمر برجل يحتجم فقال أفطر الحاجم والمحجوم قال وروى بن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفطر الحاجم والمحجوم ورواه أحمد في مسنده وروى أحمد أيضا عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم وروى أحمد أيضا عن أسامة بن زيد عن
النبي صلى الله عليه وسلم (آخذ بيدي) إشارة إلى كمال قربه منه عليه الصلاة والسلام (لثمان عشرة) بسكون الشين ويكسر (خلت) أي مضت (من رمضان) وهذا يدل على كمال حفظ الراوي وضبطه بذكر المكان والزمان وحاله
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
وقد روى هذا الحديث<span class="matn-hr"> </span>Qالنبي صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم وروى الحسن عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي وأعله بالوقف وعن معقل بن سنان الأشجعي أنه قال مر علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال أفطر الحاجم والمحجوم رواه أحمد والنسائي عن الحسن بن معقل
ورواه النسائي أيضا عن الحسن عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الحسن عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أفطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي وعن عطاه عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي
قال المنذري قال أحمد أحاديث أفطر الحاجم والمحجوم ولا نكاح إلا بولي يشد بعضها بعضا وأنا أذهب إليها
قال بن القيم وقال أبو زرعة حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعا أفطر الحاجم والمحجوم حديث حسن ذكره الترمذي عنه
وقال علي بن المديني أيضا في رواية عنه لا أعلم في أفطر الحاجم حديثا أصح من حديث رافع بن خديج وقال في حديث شداد لا أرى الحديثين إلا صحيحين وقد يمكن أن يكون أبو أسماء سمعه منهما
وقال عثمان بن سعيد الدارمي صح عندي حديث أفطر الحاجم والمحجوم من حديث ثوبان وشداد بن أوس وأقول به وسمعت أحمد بن حنبل يقول به وذكر أنه صح عنده حديث ثوبان وشداد
وقال إبراهيم الحربي في حديث شداد هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة قال وهذا الحديث صحيح بأسانيد وبه نقول
وعن قتادة عن شهر عن بلال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم رواه النسائي
وقال الترمذي في كتاب العلل سألت البخاري فقال ليس في هذا الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس فقلت وما فيه من الاضطراب فقال كلاهما عندي صحيح لأن يحيى بن سعيد روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وعن أبي الأشعث عن شداد الحديثين جميعا
فقد حكم البخاري بصحة حديث ثوبان وشداد
بضع عشر صحابيا إلا أن أكثر الأحاديث ضعاف
وقال إسحاق رضي الله عنه حديث شداد إسناده صحيح تقوم به الحجة
وذكر أبو داود بعد هذا حديث ثوبان من طريقين الطريق المتقدم أجود منهما
وقال أحمد رحمه الله أحاديث أفطر الحاجم والمحجوم ولا نكاح إلى بولي يشد بعضها بعضا وأنا أذهب إليها
(عن بن جريج) والحاصل أن محمد بن بكر وعبد الرازق وإسماعيل بن علية ثلاثتهم يروون عن بن جريج
قاله المزي (مصدق) بصيغة المجهول صفة شيخ
(رواه بن ثوبان) هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان (عن أبيه) عبد الرحمن بن ثوبان
9 -
باب في الرخصة
(احتجم وهو صائم) قال الخطابي وهذا يؤكد قول من رخص في الحجامة للصائم<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى الدارقطني في سننه عن أنس قال أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي فقال أفطر هذان ثم رخص النبي بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم قال الدارقطني كلهم ثقات ولا أعلم له علة
ورأى أن الحجامة لا تفسد الصوم وفيه دليل على أن الحجامة لا تضر المحرم ما لم تقطع شعرا
وقد تأول حديث بن عباس رضي الله عنهما من ذهب إلى أن الحجامة تفطر الصائم فقال إنما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم صائما محرما وهو مسافر لأنا لا نعلمه كان محرما وهو مقيم وللمسافر أن يفطر ما شاء من طعام وجماع وحجامة وغيرها
قلت وهذا التأويل غير صحيح لأنه قد أثبته حين احتجم صائما ولو كان يفسد صومه بالحجامة لكان يقال إنه أفطر بالحجامة كما يقال أفطر الصائم بشرب الماء وأكل التمر وما أشبههما ولا يقال أكل تمرا وهو صائم
قال المنذري وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي ولفظ الترمذي احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم صائم
(رواه وهيب بن خالد) كما رواه عبد الوارث (عن أيوب بإسناده) أي عن عكرمة (مثله) أي بلفظ احتجم وهو صائم من غير ذكر لفظ محرم (وجعفر بن ربيعة) أي وكذا روى جعفر بن ربيعة
(عن مقسم عن بن عباس) قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه
وقال الترمذي حسن صحيح<span class="matn-hr"> </span>Qوعن بن سعيد الخدري قال رخص رسول الله في القبلة للصائم ورخص في الحجامة رواه النسائي
فذهب إلى هذه الأحاديث جماعة من العلماء ويروى ذلك عن سعيد بن أبي وقاص وبن مسعود وبن عباس وعبد الله بن عمر والحسين بن علي وزيد بن أرقم وعائشة وأم سلمة وأبى سعيد الخدري وأبي هريرة وهو مذهب عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهما وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة
وذهب إلى أحاديث الفطر بها جماعة منهم علي بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري
وروى المعتمر عن أبيه عن الحسن عن غير واحد من أصحاب النبي قالوا أفطر الحاجم والمحجوم ذكره النسائي
وأما أبو هريرة فروى عنه أبو صالح أفطر الحاجم والمحجوم ذكره النسائي
وروى عنه شقيق بن ثور عن أبيه أنه قال لو احتجم ما بالبيت
ذكره عبد الرزاق والنسائي أيضا
(إبقاء على أصحابه) متعلق بقوله نهى وحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه أيضا عبد الرزاق قال في الفتح وإسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر وقد رواه بن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا ولفظه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم وكرهها للضعف أي لئلا يضعف
وفي الباب عن أنس عند الدارقطني قال في الفتح رواته كلهم من رجال البخاري
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري قال رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة أخرجه النسائي وبن خزيمة والدارقطني
قال الحافظ إسناده صحيح ورجاله ثقات
لكن اختلف في رفعه ووقفه
وقد استدل بالأحاديث المذكورة على أن الحجامة لا تفطر فيجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون سببا للإفطار ولا يكره في حق من كان لا يضعف بها
وعلى<span class="matn-hr"> </span>Qوأما عائشة فروى عطاء وعياض بن عروة عنها أفطر الحاجم والمحجوم ذكره النسائي
وقال البيهقي رويت الرخصة عنها
وذهب إلى الفطر من التابعين عطاء بن أبي رباح والحسن وبن سيرين وذهب إلى ذلك عبد الرحمن بن مهدي والأوزاعي والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن المنذر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة
وأجاب المرخصون عن أحاديث الفطر بأجوبة أحدهما القدح فيها تعليلها
الثاني دعوى النسخ فيها
الثالث أن الفطر فيها لم يكن لأجل الحجامة بل لأجل الغيبة وذكر الحاجم والمحجوم للتعريف لا للتعليل
الرابع تأويلها على معنى أنه قد تعرض لأن يفطر لما يلحقه من الضعف في أفطر بمعنى يفطر
كل حال تجنب الحجامة للصائم أولى فيتعين حمل قوله أفطر الحاجم والمحجوم على المجاز لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي
قاله الشوكاني
(إلا كراهية الجهد) أي المشقة والتعب
قال المنذري
وأخرجه البخاري وقال شبابة قال حدثنا شعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم<span class="matn-hr"> </span>Qالخامس أنه على حقيقته وأنهما قد أفطرا حقيقة ومرور النبي بهما كان مساء في وقت الفطر فأخبر أنهما قد أفطرا ودخلا في وقت الفطر يعني فليصنعا ما أحبا
السادس أن هذا تغليظ ودعاء عليهما لا أنه خبر عن حكم شرعي بفطرهما
السابع أن إفطارهما بمعنى إبطال ثواب صومهما كما جاء خمس يفطرون الصائم الكذب والغيبة والنميمة والنظرة السوء واليمين الكاذبة وكما جاء الحدث حدثان حدث اللسان وهو أشدهما
الثامن أنه لو قدر تعارض الأخبار جملة لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لتأيدها بالقياس وشواهد أصول الشريعة لها إذ الفطر إنما قياسه أن يكون بما يدخل الجوف لا بالخارج منه كالفصاد والتشريط ونحوه
قال المفطرون ليس في هذه الأجوبة شيء يصح
أما جواب المعللين فباطل وإن الأئمة العارفين بهذا الشأن قد تظاهرت أقوالهم بتصحيح بعضها كما تقدم
والباقي إما حسن يصلح للاحتجاج به وحده وإما ضعيف فهو يصلح للشواهد والمتابعات وليس العمدة عليه وممن صحح ذلك أحمد وإسحاق وعلي بن المديني وإبراهيم الحربي وعثمان بن سعيد الدارمي والبخاري وبن المنذر وكل من له علم بالحديث يشهد بأن هذا الأصل محفوظ عن النبي لتعدد طرقه وثقة رواته واشتهارهم بالعدالة
قالوا والعجب ممن يذهب إلى أحاديث الجهر بالبسملة وهي دون هذه الأحاديث في الشهرة والصحة ويترك هذه الأحاديث وكذلك أحاديث الفطر بالقيء مع ضعفها وقلتها وأين تقع من أحاديث الفطر بالحجامة وكذلك أحاديث الإتمام في السفر وأحاديث أقل الحيض وأكثره وأحاديث تقدير المهر بعشرة دراهم وأحاديث الوضوء بنبيذ التمر وأحاديث الشهادة في النكاح وأحاديث التيمم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qضربتان وأحاديث المنع من فسخ الحج إلى التمتع وأحاديث تحريم القراءة على الجنب والحائض وأحاديث تقدير الماء الذي يحمل النجاسة بالقلتين
قالوا وأحاديث الفطر بالحجامة أقوى وأشهر وأعرف من هذا بل ليست دون أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر
وأما قول بعض أهل الحديث لا يصح في الفطر بالحجامة حديث فمجازفة باطلة أنكرها أئمة الحديث كالإمام أحمد لما حكى له قول بن معين أنكره عليه
ثم في هذه الحكاية عنه
أنه لا يصح في مس الذكر حديث ولا في النكاح بلا ولي ولم يلتفت القائلون بذلك إلى قوله
وأما تطرق التعليل إليها فمن نظر في عللها واختلاف طرقها أفاده ذلك علما لا يشك فيه بأن الحديث محفوظ وعلى قول جمهور الفقهاء والأصوليين لا يلتفت إلى شيء من تلك العلل وإنها ما بين تعليل بوقف بعض الرواة
وقد رفعها آخرون أو إرسالها وقد وصلها آخرون وهم ثقات والزيادة من الثقة مقبولة
قالوا فعلى قول منازعينا هذه العلل باطلة لا يلتفت إلى شيء منها
وقد ذكرت عللها والأجوبة عنه في مصنف مفرد في المسألة
قالوا وأما دعوى النسخ فلا سبيل إلى صحتها
ونحن نذكر ما احتجوا به على النسخ
ثم نبين ما فيه
قالوا قد صح عن بن عباس أن النبي احتجم وهو صائم محرم قال الشافعي
وسماع بن عباس من النبي عام الفتح ولم يكن يومئذ محرما ولم يصحبه محرما قبل حجة الإسلام
فذكر بن عباس حجامة النبي عام حجة الإسلام سنة عشر وحديث أفطر الحاجم والمحجوم سنة ثمان فإن كانا ثابتين فحديث بن عباس ناسخ
قالوا ويدل على النسخ حديث أنس في قصة جعفر وقد تقدم
قالوا ويدل عليه حديث أبي سعيد في الرخصة فيها والرخصة لا تكون إلا بعد تقدم المنع
قال المفطرون الثابت أن النبي احتجم وهو محرم وأما قوله وهو صائم فإن الإمام أحمد قال لا تصح هذه اللفظة وبين أنها وهم ووافقه غيره على ذلك وقالوا الصواب احتجم وهو محرم وممن ذكر ذلك عنه الحلال في كتاب العلل
وقد روي هذا الحديث على أربعة أوجه أحدها احتجم وهو محرم فقط
وهذا في الصحيحين
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qالثاني احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم
انفرد به البخاري
الثالث احتجم وهو محرم صائم ذكره الترمذي وصححه والنسائي وبن ماجة
الرابع احتجم وهو صائم فقط
ذكره أبو داود
وأما حديث احتجم وهو صائم فهو مختصر من حديث بن عباس في البخاري احتجم رسول الله وهو محرم واحتجم وهو صائم
وأما حديث احتجم وهو محرم صائم فهذا هو الذي تمسك به من ادعى النسخ
وأما لفظ احتجم وهو صائم فلا يدل على النسخ
ولا تصح المعارضة به لوجوه أحدها أنه لا يعلم تاريخه ودعوى النسخ لا تثبت بمجرد الاحتمال
الثاني أنه ليس فيه أن الصوم كان فرضا
ولعله كان صوم نفل خرج منه
الثالث حتى لو ثبت أنه صوم فرض فالظاهر أن الحجامة إنما تكون للعذر ويجوز الخروج من صوم الفرض بعذر المرض
والواقعة حكاية فعل لا عموم لها
ولا يقال قوله وهو صائم جملة حال مقارنة للعامل فيها
فدل على مقارنة الصوم للحجامة لأن الراوي لم يذكر أن النبي قال إني باق على صومي وإنما رآه يحتجم وهو صائم فأخبره بما شاهده ورآه ولا علم له بنية النبي ولا بما فعل بعد الحجامة مع أن قوله وهو صائم حال من الشروع في الحجامة وابتدائها فكان ابتداؤها مع الصوم وكأنه قال احتجم في اليوم الذي كان صائما فيه ولا يدل ذلك على استمرار الصوم أصلا
ولهذا نظائر منها حديث الذي وقع على امرأته وهو صائم وقوله في الصحيحين وقعت على امرأتي وأنا صائم والفقهاء وغيرهم يقولون وإن جامع وهو محرم وإن جامع وهو صائم
ولا يكون ذلك فاسدا من الكلام فلا تعطل نصوص الفطر بالحجامة بهذا اللفظ المحتمل
وأما قوله احتجم وهو محرم صائم فلو ثبتت هذه اللفظة لم يكن فيها حجة لما ذكرناه ولا دليل فيها أيضا على أن ذلك كان بعد قوله أفطر الحاجم والمحجوم فإن هذا القول منه كان في رمضان سنة ثمان من الهجرة عام الفتح كما جاء في حديث شداد والنبي أحرم بعمرة الحديبية سنة ست وأحرم من العام القابل بعمرة القضية وكلا العمرتين قبل ذلك ثم دخل مكة عام الفتح ولم يكن محرما ثم حج حجة الوداع فاحتجامه وهو صائم محرم لم يبين في أي إحراماته كان وإنما تمكن دعوى النسخ إذا كان ذلك قد وقع في حجة الوداع أو في عمرة الجعرانة حتى يتأخر ذلك عن عام الفتح قال فيه أفطر الحاجم والمحجوم ولا سبيل إلى بيان ذلك
وأما رواية بن عباس له وهو ممن صحب النبي بعد الفتح فلا نثير ظنا فضلا عن النسخ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qبه فإن بن عباس لم يقل شهدت رسول الله ولا رأيته فعل ذلك وإنما روى ذلك رواية مطلقة ومن المعلوم أن أكثر روايات بن عباس إنما أخذها من الصحابة والذي فيه سماعه من النبي لا يبلغ عشرين قصة كما قاله غير واحد من الحفاظ فمن أين لكم أن بن عباس لم يرو هذا عن صحابي آخر كأكثر رواياته وقد روى بن عباس أحاديث كثيرة مقطوع بأنه لم يسمعها من النبي ولا شهدها ونحن نقول إنها حجة لكن لا نثبت بذلك تأخرها ونسخها لغيرها ما لم يعلم التاريخ
وبالجملة فدعوى النسخ إنما تثبت بشرطين أحدهما تعارض المفسر والثاني العلم بتأخر أحدهما
وقد تبين أنه لا سبيل إلى واحد منهما في مسألتنا بل من المقطوع به أن هذه القصة لم تكن في رمضان فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم في رمضان فإن عمره كلها كانت في ذي القعدة وفتح مكة كان في رمضان ولم يكن محرما فغايتها في صوم تطوع في السفر وقد كان آخر الأمرين من رسول الله الفطر في السفر ولما خرج من المدينة عام الفتح صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر والناس ينظرون إليه ثم لم يحفظ عنه أنه صام بعد هذا في سفر قط ولما شك الصحابة في صيامه يوم عرفة أرسلوا أم الفضل إليه بقدح فشربه فعلموا أنه لم يكن صائما فقصة الاحتجام وهو صائم محرم إما غلط كما قال الإمام أحمد وغيره وإما قبل الفتح قطعا وعلى التقديرين فلا يعارض بها قوله عام الفتح أفطر الحاجم والمحجوم
وعلى هذا فحديث بن عباس إما يدل على أن الحجامة لا تفطر أو لا يدل
فإن لم يدل لم يصلح للنسخ
وإن دل فهو منسوخ بما ذكرنا من حديث شداد فإنه مؤرخ بعام الفتح فهو متأخر عن إحرام النبي صائما وتقريره ما تقدم
وهذا القلب في دعوى كونه منسوخا أظهر من ثبوت النسخ به
وعياذا بالله من شر مقلد عصبي يرى العلم جهلا والإنصاف ظلما وترجيح الراجح على المرجوح عدوانا
وهذا المضايق لا يصيب السالك فيها إلا من صدقت في العلم نيته وعلت همته
وأما من أخلد إلى أرض التقليد واستوعر طريق الترجيح فيقال له ما هذا عشك فادرجي
قالوا وأما حديث أنس في قصة جعفر فجوابنا عنه من وجوه أحدها أنه من رواية خالد بن مخلد عن بن المثنى قال الإمام أحمد خالد بن مخلد له مناكير
قالوا ومما يدل على أن هذا الحديث من مناكيره أنه لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمدة لا أصحاب الصحيح ولا أحد من أهل السنن مع شهرة إسناده وكونه في الظاهر على شرط البخاري ولا احتج به الشافعي مع حاجته إلى إثبات النسخ حتى سلك ذلك المسلك في حديث بن عباس فلو كان هذا صحيحا لكان أظهر دلالة وأبين في حصول النسخ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qقالوا وأيضا فجعفر إنما قدم من الحبشة عام خيبر أو آخر سنة ست وأول سنة سبع وقيل عام مؤتة قبل الفتح ولم يشهد الفتح فصام مع النبي رمضانا واحدا سنة سبع وقول النبي أفطر الحاجم والمحجوم بعد ذلك في الفتح سنة ثمان فإن كان حديث أنس محفوظا فليس فيه أن الترخيص وقع بعد عام الفتح وإنما فيه أن الترخيص وقع بعد قصة جعفر وعلى هذا فقد وقع الشك في الترخيص وقوله في الفتح أفطر الحاجم والمحجوم أيهما هو المتأخر ولو كان حديث أنس قد ذكر فيه الترخيص بعد الفتح لكان حجة ومع وقوع الشك في التاريخ لا يثبت النسخ
قالوا وأيضا فالذي يبين أن هذا لا يصح عن أنس ما رواه البخاري في صحيحه عن ثابت قال سئل أنس أكنتم تكرهون الحجامة للصائم قال لا إلا من أجل الضعف وفي رواية على عهد النبي فهذا يدل على أن أنسا لم تكن عنده رواية عن النبي أنه فطر بها ولا أنه رخص فيها بل الذي عنده كراهتها من أجل الضعف ولو علم أن النبي رخص فيها بعد الفطر بها لم يحتج أن يجيب بهذا من رأيه ولم يكره شيئا رخص فيه رسول الله
وأيضا فمن المعلوم أن أهل البصرة أشد الناس في التفطير بها
وذكر الإمام أحمد وغيره أن أهل البصرة كانوا إذا دخل شهر رمضان يغلقون حوانيت الحجامين وقد تقدم مذهب الحسن وبن سيرين إمامي البصرة أنهما كانا يفطران بالحجامة مع أن فتاوى أنس نصب أعينهم وأنس آخر من مات بالبصرة من الصحابة فكيف يكون عند أنس أن النبي رخص في الحجامة للصائم بعد نهيه عنهما والبصريون يأخذون عنه وهم على خلاف ذلك
وعلى القول بالفطر بها لا سيما وحديث أنس فيه أن ثابتا سمعه منه وثابت من أكبر مشايخ أهل البصرة ومن أخص أصحاب الحسن فكيف تشتهر بين أهل البصرة السنة المنسوخة ولا يعلمون الناسخة ولا يعملون بها ولا تعرف بينهم ولا يتناقلونها بل هم على خلافها هذا محال
قالوا وأيضا فأبو قلابة من أخص أصحاب أنس وهو الذي يروي قوله أفطر الحاجم والمحجوم من طريق أبي أسماء عن ثوبان ومن طريق أبي الأشعث عن شداد
وعلى حديثه اعتمده أئمة الحديث وصححوه وشهدوا أنه أصح أحاديث الباب
فلو كان عند أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم تنسخ ذلك لكان أصحابه أعلم بها وأحرص على روايتها من أحاديث الفطر بها
والله أعلم
قالوا وأما حديث أبي سعيد فجوابه من وجوه أحدها أنه حديث قد اختلف فيه عليه فرواه أبو المتوكل عنه واختلف عليه فرفعه المعتمر عن حميد عن أبي المتوكل ووقفه بشر وإسماعيل وبن أبي عدي عن حميد ووقفه أبو نضرة عن أبي سعيد وأبو نضرة من أروى الناس عنه وأعلمهم بحديثه
ووقفه قتادة عن أبي المتوكل فالواقفون له أكثر وأشهر فالحكم لهم عند المحدثين
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qالثاني أن ذكر الحجامة فيه ليس من كلام النبي
قال بن خزيمة الصحيح أن ذكر الحجامة فيه من كلام أبي سعيد ولكن بعض الرواة أدرجه فيه
الثالث أنه ليس فيه بيان للتاريخ ولا يدل على أن هذا الترخيص كان بعد الفتح وقولكم إن الرخصة لا تكون إلا بعد النهي باطل بنفس الحديث فإن فيه رخص رسول الله في القبلة للصائم ولم يتقدم منه نهي عنها
ولا قال أحد إن هذا الترخيص فيها ناسخ لمنع تقدم
وفي الحديث إن الماء من الماء
كانت رخصة في أول الإسلام فسمى الحكم المنسوخ رخصة مع أنه لم يتقدم حظره بل المنع منه متأخر
وبالجملة فهذه المآخذ لا تعد مقاومة لأحاديث الفطر ولا تأخرت عنها فكيف تنسخ بها قالوا وأما جوابكم الثالث بأن الفطر فيها لم يكن للحجامة وذكر الحاجم للتعريف المحض كزيد وعمر في غاية البطلان من وجوه أحدها أن ذلك يتضمن الإبهام والتلبيس بأن يذكر وصفا يرتب عليه الحكم ولا يكون له فيه تأثير البتة
الثاني أن هذا يبطل عامة أحكام الشرع التي رتبها على الأوصاف إذا تطرق إليها هذا الخيال والوهم الفاسد كقوله تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} {واللاتي يأتين الفاحشة} ومعلوم أنه ليس بأيدينا إلا أوصاف رتبت عليها الأحكام
فإن جار أن تكون تلك الأوصاف للتعريف لا للتعليل بطلت الأحكام
الثالث أنه لا يفهم قط أحد لا من الخاصة والعامة من قول القائل القاتل لا يرث والعبد لا يرث والكافر لا يرث والقاذف لا تقبل شهادته والمحدث لا تصح صلاته وأمثال ذلك إلا تعلق الأحكام تلك الأوصاف ولهذا لا يحسن ذكر وصف لا تأثير له في الحكم كما لو قال أفطر الخياط والمخيط له وأفطر الحامل والمحمول له وأفطر الشاهد والمشهود له ومن قال هذا عد كلامه سخفا وتعجب الناس من قوله فكيف يضاف ذلك إلى الشارع سبحانك هذا بهتان عظيم
الرابع أن هذا قدح في أفهام الصحابة الذين هم أعرف الناس وأفهم الناس بمراد نبيهم صلى الله عليه وسلم وبمقصوده من كلامه وقد قال أبو موسى لرجل قال له ألا تحتجم نهارا أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم وقد سمعت رسول الله يقول أفطر الحاجم والمحجوم والذين فطروا بذلك من الصحابة كعلي وأبي موسى وغيرهم إنما يحتجون بالحديث وكان جماعة من الصحابة لا يحتجمون في الصيام إلا ليلا منهم عبد الله بن عمرو وبن عباس وأبو موسى وأنس ويحتجون بالحديث
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qالخامس أن هذا يتضمن تعليق الحكم وهو الفطر بوصف لا ذكر له في الحديث أصلا وإبطال تعليقه بالوصف الذي علقه به الشارع وهذا من أبطل الباطل
السادس أنه لو صح ذلك وحاشا لله في قوله أفطر الحاجم والمحجوم فكيف يصح ذلك في حديث أنس الذي جعلتموه عمدتكم في الباب وهو قوله لجعفر وقد مر به وهو يحتجم أفطر هذان ثم رخص في الحجامة بعد وفي قوله نهى عن الحجامة ولم يحرمها
السابع أنه كيف يتفق بضعة عشر صحابيا على رواية أحاديث كلها متفقة بلفظ واحد ويكون النبي قد ذكر الحجامة فيها ولا تأثير لها في الفطر وكلهم يقول أفطر الحاجم والمحجوم الثامن أنه كيف يجوز للصحابة أن يفتوا بذلك ويقولوا أفطر الحاجم والمحجوم أفترى استمر التعريف بذلك دائما ودفع الأحاديث متى وصل إلى هذا الحد ساء وقبح جدا التاسع أنا نقول نعم هو للتعريف بلا شك فإن أحكام الشارع إنما تعرف بالأوصاف وتربط بها وتعم الأمة لأجلها فالوصف في الحديث المذكور لتعريف حكمه وأنه مرتبط بهذا الوصف منوط به
العاشر أن صاحب القصة التي جرت له قال مر على النبي وأنا أحتجم فقال أفطر الحاجم والمحجوم فلو كان فطره بغير ذلك لبينه له الشارع لحاجته إليه ولم يخف على الصحابي ذلك ولم يكن لذكره الحجامة معنى
وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فكيف يترك الشارع بيان الوصف المفطر فلا يبينه للمكلف ويذكر له وصفا لا يفطر بحال وأما قولهم إن الفطر بالغيبة
فهذا باطل من وجوه أحدها أن ذلك لا يثبت وإنما جاء في حديث واحد من تلك الأحاديث وهما يغتابان الناس مع أنها زيادة باطلة
الثاني أنه لو ثبت لكان الأخذ لعموم اللفظ الذي علق به الحكم دون الغيبة التي لم يعلق بها الحكم
الثالث أنه لو كان ما ذكروه صحيحا لكان موجب البيان أن يقول أفطر المغتابان على عادته وعرفه من ذكر الأوصاف المؤثرة دون غيرها فكيف يعدل عن الغيبة المؤثرة إلى الحجامة المهدرة الرابع أن هذا يتضمن حمل الحديث على خلاف الإجماع وتعطيله فإن المنازع لا يقول بأن الغيبة تفطر فكيف نحمل الحديث على ما نعتقد بطلانه الخامس أن سياق الأحاديث يبطل هذا التأويل كما تقدم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qالسادس أن معقل بن سنان قال مر بي رسول الله وأنا أحتجم فقال أفطر الحاجم والمحجوم ولم يكن يغتاب أحدا ولا جرى للغيبة ذكر أصلا
قالوا وأما الجواب الواقع بأن أفطر بمعنى سيفطر ففاسد أيضا لتضمنه الإيهام بخلاف المراد ولفهم الصحابة خلافه ولاضطراد هذا اللفظ دون مجيئه بالمعنى الذي ذكروه ولشدة مخالفته للوضع ولذكر المحجوم فإنه وإن تعرض المحجوم للفطر بالضعف فأي ضعف لحق الحاجم وكون الحاجم متعرضا لابتلاع الدم والمحجوم متعرضا للضعف هذا التعليل لا يبطل الفطر بالحجامة بل هو مقرر للفطر بها وإلا فلا يجوز استنباط وصف من النص يعود عليه بالإبطال بل هذا الوصف إن كان له تأثير في الفطر وإلا فالتعليل به باطل
قالوا وأما الجواب الخامس أن النبي مر بهما مساء
فقال ذلك فمما لا يجوز أن يحمل الحديث عليه وأي تأثير للحجامة بل كل الناس قد أفطروا أيضا فهذا كذب فإنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك أصلا فقائله مخبر بالكذب
وأيضا فأي حاجة إلى قول أنس ثم رخص بعد في الحجامة وأيضا فأي حاجة بالصحابة أن يؤخروا احتجامهم إلى الليل وكيف يفتون الأمة بفطرهم بأمر قد فعل مساء لا تأثير له في الفطر والحمد لله على المعافاة من رد الأحاديث بمثل هذا الخيالات وأما جوابكم السادس أن هذا تغليظ ودعاء عليهما لا أنه حكم شرعي فالمجيب به كالمستجير من الرمضاء بالنار فإنهما لم يفعلا محرما عندكم ولا مفطرا بل فعلا ما أباحه لهما الشارع عندكم فكيف يغلظ عليهما ويدعو عليهما ومتى عهد في عرف الشارع الدعاء على المكلف بالفطر وفساد العبادة وسائر الوجوه المتقدمة تبطل هذا أيضا
وأما جوابكم السابع بأن المراد إبطال أجر صومهما فكذلك أيضا فإنكم لا تبطلون أجرهما بذلك ولا تحرمون الحجامة ثم لو كان المراد إبطال الأجر لكان ذلك مقررا لفساد الصوم لا لصحته فإنه قد أخبر عن أمر يتضمن بطلان أجرهما لزوما واستنباطا وبطلان صومهما صريحا ونصا فكيف يعطل ما دل عليه صريحه ويعتبر ما استنبطه منه مع أنه لا منافاة بينه وبين الصريح بل المعنيان حق قد بطل صومهما وأجرهما إذا كانت الحجامة لغير مرض
وأما جوابكم الثامن أن الأحاديث لو قدر تعارضها لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لموافقتها القياس فجوابه أولا أن الأحاديث بحمد الله ليست متعارضة وقد بينا أنه لا معارض لأحاديث المنع
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qويقال ثانيا لو قدر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعين لأنها ناقلة عن الأصل وأحاديث الإباحة موافقة لما كان الأمر عليه قبل جعلها مفطرة والناقل مقدم على المبقي
ويقال ثالثا ليس في أحاديث الرخصة لفظ صريح وإنما غايتها أن تكون فعلا محتملا للوجوه التي تقدمت فكيف تقدم على القول الصريح ويقال رابعا أحاديث الفطر صريحة متعددة الطرق رواها عن النبي أربعة عشر نفسا وساق الإمام أحمد أحاديثهم كلها وهم رافع بن خديج وثوبان وشداد بن أوس وأبو هريرة وعائشة وبلال وأسامة بن زيد ومعقل بن سنان وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأبو زيد الأنصاري وأبو موسى الأشعري وبن عباس وبن عمر فكيف يقدم عليها أحاديث هي بين أمرين صحيح لا دلالة فيه أو ما فيه دلالة ولكن هو غير صحيح وقد تقدم ذكر ذلك في الكلام على الأحاديث وبينا أنه ليس فيها حديث واحد يصلح للمعارضة
وعلى هذا فالقياس الذي أشرتم إليه فاسد الاعتبار
ثم نقول بل القياس من جانبنا لأن الشارع علق الفطر بإدخال ما فيه قوام البدن من الطعام والشراب وبإخراجه
من القيء واستفراغ المني وجعل الحيض مانعا من الصوم لما فيه من خروج الدم المضعف للبدن
قالوا فالشارع قد نهى الصائم عن أخذ ما يعينه وعن إخراج ما يضعفه وكلاهما مقصود له لأن الشارع أمر بالاقتصاد في العبادات ولا سيما في الصوم ولهذا أمر بتعجيل الفطور وتأخير السحور فله قصد في حفظ قوة الصائم عليه كما له قصد في منعه من إدخال المفطرات وشاهده الفطر بالقيء والحيض والاستمناء فالحجامة كذلك أو أولى وليس معنا في القيء ما يماثل أحاديث الحجامة فيكف يفطر به دون الحجامة مع أن الفطر بها أولى منه نصا وقياسا واعتبارا
قالوا ولهذا فرق بين الغالب منهما والمستدعى فلا يفطر إذا ذرعه القيء كما لا يفطر بالرعاف وخروج الدم من الدمل والجرح وكما يفطر الاستقاء عمدا كذلك يفطر بإخراج الدم عمدا بالحجامة
قالوا وشاهده أن دم الحيض لما كان يجري في وقت وينقطع في وقت جعل الشارع صومها في وقت الطهر مغنيا عن صومها وقت الدم ولما كان دم الاستحاضة لا ضابط له ولعله أن يستمر جوز لها الصوم مع جريانه كصاحب الرعاف ونحوه فليس القياس إلا مع النصوص يدور معها حيث دارت
وأما قياسكم ذلك على الفصاد ونحوه
فتقول
كل حال تجنب الحجامة للصائم أولى فيتعين حمل قوله أفطر الحاجم والمحجوم على المجاز لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي
قاله الشوكاني
(إلا كراهية الجهد) أي المشقة والتعب
قال المنذري
وأخرجه البخاري وقال شبابة قال حدثنا شعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم<span class="matn-hr"> </span>Qالقائلون بأن الحجامة تفطر لهم فيها أربعة أقوال أحدها أن المحتجم يفطر وحده دون الحاجم وهذا ظاهر كلام الخرقي فإنه قال في المفطرات لو احتجم ولم يقل أو حجم
الثاني وهو منصوص الإمام أحمد أنه يفطر كل منهما وهذا قول جمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين
ثم اختلف هؤلاء في التشريط والفصاد على ثلاثة أقوال أحدها أنه لا يفطر بهما
الثاني يفطر بهما
الثالث يفطر بالتشريط دون الفصاد لأن التشريط عندهم كالحجامة
واختلفوا في التشريط والفصاد
أيهما أولى بالفطر والصواب الفطر بالحجامة والفصاد والتشريط وهو اختيار شيخنا أبي العباس بن تيمية واختيار صاحب الإفصاح لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد طبعا وشرعا وكذلك في التشريط وقد بينا أن الفطر بالحجامة هو مقتضى القياس ولا فرق في ذلك بين الفصاد والتشريط فبأي وجه أخرج الدم أفطر به كما يفطر بالاستقاء بأي وجه استقاء إما بإدخال يده في فيه أو بشمه ما يقيئه أو بوضع يده على بطنه وتطامنه وغير ذلك فالعبرة بخروج الدم عمدا لا بكيفية الإخراج كما استوى خروج الدم بذلك في إفساد الصلاة ونقض الطهارة عند القائلين به
وبهذا يتبين توافق النصوص والقياس وشهادة أصول الشرع وقواعده وتصديق بعضها بعضا
فإن قيل فهب أن هذا يتأتى لكم في الهجوم فما الموجب لفطر الحاجم قلنا لما كان الحاجم يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه الهواء يجتذب ما فيها من الدم فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه وهو لا يشعر والحكمة إذا كانت خفية علق الحكم بمظنتها كما أن النائم لما كان قد يخرج منه الريح ولا يشعر بها علق الحكم بالمظنة وهو النوم وإن لم يخرج منه ريح
فإن قيل فطرد هذا أن لا يفطر الشارط
قلنا نعم ولا الحاجم الذي يشرط ولا يمص أو يمصه مفطر غيره وليس في هذا مخالفة للنص فإن كلام النبي خرج على الحاجم المعتاد وهو الذي يمص الدم وكلامه إنما يعم المعتاد فاستعمال اللفظ فيه بقصره على الحاجم المعتاد لا يكون تعطيلا للنص والله أعلم
$ 0 - (باب في الصائم يحتلم نهارا في رمضان)
(لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم) قال الخطابي إن ثبت هذا فمعناه من قاء غير عامد ولكن في إسناده رجل لا يعرف وقد رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن عبد الرحمن ضعفه أهل الحديث
وقال أبو عيسى أخطأ فيه عبد الرحمن ورواه غير واحد عن زيد بن أسلم مرسلا وعبد الرحمن ذاهب الحديث
وقال يحيى بن معين حديث بني زيد بن أسلم ليس بشيء انتهى
وقال المنذري هذا لا يثبت وقد روي من وجه آخر ولا يثبت أيضا وأخرجه الدارقطني من حديث هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث قد اختلف في إسناده ووصله وإرساله واختلف في متنه فرواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء عن بن عباس وقال القيء والرعاف والاحتلام ذكره بن عدي ورواه الدارقطني من حديث هشام عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد وذكر فيه الاحتجام بدل الرعاف ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد فقال الحجامة والقيء والاحتلام قال الترمذي حديث أبي سعيد غير محفوظ وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا الحديث عن زيد بن أسلم مرسلا لم يذكروا فيه عن أبي سعيد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث
الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يفطرن الصائم القيء والحجامة والاحتلام وهشام بن سعيد وإن كان قد تكلم فيه غير واحد فقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري وقد رواه غير واحد عن زيد بن أسلم مرسلا وأخرجه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه وقال إنه غير محفوظ وذكر أن عبد الرحمن بن زيد يضعف في الحديث والله أعلم
$ 1 - (باب في الكحل عند النوم)
(عن أبيه) النعمان بن معبد (عن جده) أي جد عبد الرحمن وهو معبد بن هوذة صحابي قليل الحديث (أنه أمر بالإثمد) وقد استدل بهذا الحديث بن شبرمة وبن أبي ليلى فقالا إن الكحل يفسد الصوم وخالفهم الفقهاء وغيرهم فقالوا الكحل لا يفسد الصوم وأجابوا عن الحديث بأنه ضعيف لا ينتهض للاحتجاج به واستدل بن شبرمة وبن أبي ليلى بما أخرجه البخاري تعليقا ووصله البيهقي والدارقطني وبن أبي شيبة من حديث بن عباس بلفظ الفطر مما دخل والوضوء مما خرج قال وإذا وجد طعمة فقد دخل ويجاب بأن في إسناده الفضل بن المختار وهو ضعيف جدا
وفيه أيضا شعبة مولى بن عباس وهو ضعيف
وقال بن عدي الأصل في هذا الحديث أنه موقوف وقال البيهقي لا يثبت مرفوعا ورواه سعيد بن منصور موقوفا من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عنه ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة
قال الحافظ وإسناده أضعف من الأول ومن حديث بن عباس مرفوعا<span class ="matn-hr"> </span>Qسمعت أبا داود السجزي يقول سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فقال أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به قال وسمعت محمدا يذكر عن علي بن عبد الله قال عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة وعبد الرحمن بن زيد ضعيف قال محمد ولا أروي عنه شيئا
واحتج الجمهور على أن الكحل لا يفسد الصوم بما أخرجه بن ماجه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتحل في رمضان وهو صائم وفي إسناده بقية عن الزبيدي عن هشام عن عروة والزبيدي المذكور اسمه سعيد بن أبي سعيد ذكره بن عدي وأورد هذا الحديث في ترجمته وكذا قال البيهقي وصرح به في روايته وزاد أنه مجهول
والإثمد بكسر الهمزة وهو حجر للكحل كما في القاموس (المروح) بضم الميم وتشديد الواو المفتوحة وآخرالحروف حاء مهملة أي المطيب بالمسك كأنه جعل له رائحة تفوح بعد أن لم تكن له رائحة
قال المنذري وعبد الرحمن قال يحيى بن معين ضعيف وقال أبو حاتم الرازي صدوق
(عن أنس) سكت عنه المنذري
(عن الأعمش) سكت عنه المنذري
$ 2 - (باب الصائم يستقيء عامدا)
(من ذرعه قيء) بالذال المعجمة أي غلبه وسبقه في الخروج (وهو صائم فليس عليه قضاء) لأنه لا تقصير منه (وإن استقاء) أي من تسبب لخروجه (فليقض) قال بن الملك<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث له علة ولعلته علة
أما علته فوقفه على أبي هريرة وقفه عطاء وغيره
وأما علة
والأكثر على أنه لا كفارة عليه
وفي شرح السنة عمل بظاهر هذا الحديث أهل العلم فقالوا من استقاء فعليه القضاء ومن ذرعه فلا قضاء عليه لم يختلفوا فيه
وقال بن عباس وعكرمة بطلان الصوم مما دخل وليس مما خرج
روى أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا أحمد بن منيع حدثنا مروان بن معاوية عن رزين البكري قال حدثتنا مولاة لنا يقال لها سلمى من بكر بن وائل أنها سمعت عائشة رضي الله عنها تقول دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ياعائشة هل من كسرة فأتته بقرص فوضعه على فيه فقال ياعائشة هل دخل بطني منه شيء كذلك قبلة الصائم إنما الإفطار مما دخل وليس مما خرج ولجهالة المولاة لم يثبته بعض أهل الحديث
كذا في المرقاة
وفي النيل والحديث يدل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء ولا يجب عليه القضاء ويبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه ويجب عليه القضاء وقد ذهب إلى هذا علي وبن عمر وزيد بن أرقم وزيد بن علي والشافعي وحكى بن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام وقال بن مسعود وعكرمة وربيعة إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبا أو مستخرجا ما لم يرجع منه شيء باختياره
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه وقال الترمذي حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام عن بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من حديث عيسى بن يونس وقال محمد يعني البخاري لا أراه محفوظا قال أبو عيسى وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح إسناده
قال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل قال ليس من ذا شيء
قال الخطابي يريد أن الحديث غير محفوظ<span class="matn-hr"> </span>Qهذه العلة فقد روى البخاري في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة إنه قال إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج قال ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر والأول أصح
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى البيهقي من حديث فضالة بن عبيد قال أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما فقاء فأفطر فسئل عن ذلك فقال بأني قئت وروى أيضا عن بن عمر موقوفا عليه من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء قال وعن أبي هريرة مثله وروي مرفوعا والحفاظ لا يرونه محفوظا
(معدان) بفتح الميم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء) أي عمدا لما تقدم من أن من ذرعه قيء ليس عليه قضاء (في مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم ويكسر وهو لا ينصرف وقيل منصرف أي في مسجد الشام (قال) أي ثوبان (صدق) أي أبو الدرداء (وضوءه) بالفتح أي ماء وضوءه
قال الخطابي لا أعلم خلافا بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه ولا في أن من استقاء عامدا أن عليه القضاء ولكن اختلفوا في الكفارة فقال عامة أهل العلم ليس عليه غير القضاء وقال عطاء عليه القضاء والكفارة وحكي ذلك عن الأوزاعي وهو قول أبي ثور وقال ويدخل في معنى من ذرعه القيء كل ما غلب الإنسان من دخول الذباب ودخول الماء جوفه إذا دخل في ماء غمر وأشبه ذلك فإنه لا يفسد صومه شيء من ذلك
انتهى
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي
قال الترمذي وقد جود حسين المعلم هذا الحديث وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب
وقال الإمام أحمد بن حنبل حسين المعلم يجوده
$ 3 - (باب القبلة للصائم)
(يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم) قال النووي إن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته لكن الأولى له تركها ولا يقال إنها مكروهة له وإنما قال الشافعي إنها خلاف الأولى في حقه مع ثبوت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها لأنه صلى الله عليه وسلم يؤمن في حقه مجاوزة القبلة ويخاف على غيره مجاوزتها كما قالت عائشة كان أملككم لإربه وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح
قال القاضي قد قال بإباحتها للصائم مطلقا جماعة من الصحابة والتابعين وأحمد وإسحاق وداود وكرهها على الإطلاق مالك وقال بن عباس وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي
والشافعي تكره للشاب دون الشيخ الكبير وهي رواية عن مالك وروى بن وهب عن مالك إباحتها في صوم النفل دون الفرض ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم إلا أن ينزل المني بالقبلة واحتجوا له بالحديث المشهور في السنن وهو قوله صلى الله عليه وسلم أرأيت لو تمضمضت ومعنى الحديث أن المضمضة مقدمة الشرب وقد علمتم أنها لا تفطر وكذا القبلة مقدمة للجماع فلا تفطر
وحكى الخطابي وغيره عن بن مسعود وسعيد بن المسيب أن من قبل قضى يوما مكان يوم القبلة
ومعنى المباشرة ها هنا اللمس باليد وهو من التقاء البشرتين
(ولكنه كان أملك لأربه) هذا اللفظة رووها على وجهين أشهرهما رواية الأكثرين إربه بكسر الهمزة وإسكان الراء وكذا نقله الخطابي والقاضي عن رواية الأكثرين والثاني بفتح الهمزة والراء معناه بالكسر الوطر والحاجة وكذا بالفتح ولكنه يطلق المفتوح أيضا على العضو
قال الخطابي في معالم السنن هذه اللفظة تروى على وجهين الفتح والكسر قال ومعناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها يقال لفلان على فلان أرب وإرب وأربة ومأربة أي الحاجة قال والأرب أيضا العضو
قال العلماء معنى كلام عائشة أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي صلى الله عليه وسلم في استباحتها لأنه يملك نفسه ويأمن من الوقوع في قبلة يتولد منها إنزال أو شهوة أو هيجان نفس ونحو ذلك وأنتم لا تأمنون ذلك فطريقكم الانكفاف عنها
وفيه جواز الإخبار عن مثل هذا مما يجري بين الزوجين على الجملة للضرورة وأما في غير حال الضرورة فمنهي عنه
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي جمعا وإفرادا وأخرجه بن ماجه من حديث القاسم بن محمد عن عائشة<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أم سلمة وحفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم
وفي صحيح مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سل هذه لأم سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصنع ذلك فقال يارسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأتقاكم لله وأخشاكم له
(عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني) قال المنذري وأخرجه النسائي
(هششت) بشينين معجمتين أي نشطت وفرحت لفظا ومعنى أي بالنظر إلى امرأتي والهشاش في الأصل الارتياح والخفة والنشاط
كذا في القاموس (قال أرأيت لو مضمضت من الماء) فيه إشارة إلى فقه بديع وهو أن المضمضة لا تنقض الصوم وهي أول الشرب ومفتاحه فكذلك القبلة لا تنقضه وهي من دواعي الجماع وأوائله التي تكون مفتاحا له والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع كما ثبت عند عمر أن أوائل الشرب لا تفسد الصيام كذلك أوائل الجماع لا تفسده
وقال الخطابي في هذا إثبات القياس والجمع بين الشيئين في الحكم الواحد لاجتماعهما في الشبه وذلك أن المضمضة بالماء ذريعة لنزوله الحلق ووصوله إلى الجوف فيكون فيه فساد الصوم كما أن القبلة ذريعة إلى الجماع المفسد لصومه يقول فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر للصائم فالآخر بمثابته (قال) النبي صلى الله عليه وسلم (فمه) أي فماذا للاستفهام فأبدل الألف هاء للوقف والسكت
قال المنذري وأخرجه النسائي وقال هذا حديث منكر وقال أبو بكر البزار وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا عن عمر من هذا الوجه
$ 4 - (باب الصائم يبلع الريق)
(يمص) بفتح الميم ويجوز ضمه (لسانها) قال في المرقاة قيل إن ابتلاع ريق الغير يفطر
إجماعا وأجيب على تقدير صحة الحديث أنه واقعة حال فعلية محتملة أنه عليه الصلاة والسلام كان يبصقه ولا يبتلعه وكان يمصه ويلقي جميع ما في فمه في فمها والواقعة الفعلية إذا احتملت لا دليل فيها ولا يخفى أن الوجه الثاني مع بعده إنما يتصور فيما إذا كانت غير صائمة والله أعلم
قال المنذري في إسناده محمد بن دينار الطاحي البصري
قال يحيى بن معين ضعيف وفي رواية ليس به بأس ولم يكن له كتاب وقال غيره صدوق وقال بن عدي الجرجاني قوله يمص لسانها في المتن لا يقوله إلا محمد بن دينار وهو الذي رواه في إسناده أيضا سعد بن أوس قال بن معين بصري ضعيف<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال عبد الحق لا تصح هذه الزيادة في مص اللسان لأنها من حديث محمد بن دينار عن سعد بن أوس ولا يحتج بهما
وقد قال بن الأعرابي بلغني عن أبي داود أنه قال هذا الحديث ليس بصحيح
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال عبد الحق لا تصح هذه الزيادة في مص اللسان لأنها من حديث محمد بن دينار عن سعد بن أوس ولا يحتج بهما وقد قال بن الأعرابي بلغني عن أبي داود أنه قال هذا الحديث ليس بصحيح قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال بن حزم فيه أبو العنبس عن الأغر وأبو العنبس هذا مجهول
قال عبد الحق ولم أجد
$ 35 - (باب كراهيته للشاب)
(عن المباشرة للصائم) ومعنى المباشرة ها هنا اللمس باليد وهو التقاء البشرتين
والحديث سكت عنه المنذري
$ 6 - (باب من أصبح جنبا في شهر رمضان)
(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا) قال النووي وفيه دليل لمن يقول بجواز الاحتلام على الأنبياء وفيه خلاف الأشهر امتناعه قالوا لأنه من تلاعب الشيطان وهم منزهون عنه فالمراد يصبح جنبا من جماع ولا يجنب من احتلام لامتناعه منه
أما حكم المسألة فقد أجمع أهل هذه الأعصار على صحة صوم الجنب سواء كان من احتلام أو جماع وبه قال جماهير الصحابة<span class="matn-hr"> </span>Qأحدا ذكره ولا سماه
وروى البيهقي عن عائشة
أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشاب وقال الشيخ يملك إربه والشاب تفسد صومه وأرخص فيها بن عباس للشيخ وكرهها للشاب
وسأل فتى عبد الله بن عمر عن القبلة وهو صائم فقال لا فقال شيخ عنده لم يحرج الناس ويضيق عليهم والله ما بذلك بأس فقال بن عمر أما أنت فقبل فليس عند استك خير وروي إباحة القبلة عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس
وأما ما روى عن بن مسعود أنه كان يقول في القبلة قولا شديدا يعني يصوم مكانه فقال البيهقي هذا محمول على ما إذا أنزل وهذا التفسير من بعض الرواة لا من بن مسعود
والله أعلم
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله اختلف السلف في هذه المسألة فذهب بعضهم إلى إبطال صومه إذا أصبح جنبا واحتجوا بما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه كان يقول في قصصه من أدركه الفجر جنبا فلا يصوم واختلفت الرواية عن أبي هريرة فالمشهور عنه أنه لا يصح صومه وعنه رواية ثانية أنه إن علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم وروي هذا المذهب عن طاوس وعروة بن الزبير
والتابعين وحكي عن الحسن بن صالح بن حي إبطاله وكان عليه أبو هريرة والصحيح أنه رجع عنه كما صرح به في رواية مسلم وقيل لم يرجع عنه وليس بشيء
وحكي عن طاووس وعروة والنخعي إن علم بجنابته لم يصح وإلا فيصح وحكي مثله عن أبي هريرة وحكي أيضا عن الحسن البصري والنخعي أنه يجزئه في صوم التطوع دون الفرض
وحكي عن سالم بن عبد الله والحسن البصري والنخعي والحسن بن صالح يصومه ويقضيه ثم ارتفع هذا الخلاف وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته
وفي صحة الإجماع بعد الخلاف خلاف مشهور لأهل الأصول
وحديث عائشة وأم سلمة حجة على كل مخالف والله أعلم
وإذا انقطع دم الحائض والنفساء في الليل ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما صح صومهما ووجب عليهما إتمامه سواء تركت الغسل عمدا أو سهوا بعذر أم بغيره كالجنب وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما حكي عن بعض السلف مما لا نعلم صح عنه أم لا انتهى كلام النووي بتغيير
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي مختصرا ومطولا
قال أبو داود ما أقل من يقول هذه الكلمة يعني يصبح جنبا في رمضان وإنما الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا وهو صائم هذا آخر كلامه
وقد وقعت هذه الكلمة في صحيح مسلم وفي كتاب النسائي وفيها رد على إبراهيم والنخعي والحسن البصري في قولهما ولا يجزئه صومه في الفرض ويجزئه في التطوع
(ما أقل) صيغة تعجب (من يقول هذه الكلمة) المروية في رواية عبد الله الأذرمي (يعني يصبح جنبا في رمضان) وهذه الجملة مشار إليها لقوله هذه الكلمة فعبد الله الأذرمي يقول في روايته كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا في رمضان من جماع غير احتلام ثم يصوم وغير عبد الله الأذرمي يقول يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم أي من غير ذكر في رمضان (وإنما الحديث) المروي من طرق كثيرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا وهو صائم) أي من غير<span class="matn-hr"> </span>Qوذهبت طائفة إلى أن الصوم إن كان فرضا لم يصح وإن كان نفلا صح
وروي هذا عن إبراهيم النخعي والحسن البصري
وعن أبي هريرة رواية ثالثة أنه رجع عن فتياه إلى قول الجماعة
وذهب الجمهور إلى صحة صومه مطلقا في الفرض والنفل وقالوا حديث أبي هريرة منسوخ
واستشكلت طائفة ثبوت النسخ وقالت شرط النسخ أن يعلم تأخره بنقل أو بأن تجمع الأمة
ذكر رمضان
فيشبه أن يكون مراد المؤلف أن الحديث مروي بلفظين أحدهما بإطلاق الصوم حالة الجنابة من غير ذكر رمضان كما رواه غير عبد الله الأذرمي
وثانيهما صومه على تلك الحالة مقيدا بصوم رمضان كما رواه الأذرمي لكن الرواة لرواية تقييد الصوم برمضان أقل قليل جدا من الرواة لرواية إطلاق الصوم حتى صارت قلة رواة التقييد في محل التعجب
والحاصل أن رواة الإطلاق أكثر وأشهر ورواة التقييد أقل القليل جدا
والأذرمي تفرد في حديث مالك بذكر رمضان لكن قال المنذري قد وقعت هذه الكلمة في صحيح مسلم وفي<span class="matn-hr"> </span>Qعلى ترك الخبر المعارض له فيعلم أنه منسوخ وكلا الأمرين منتف ها هنا فمن أين لكم أن خبر أبي هريرة متقدم على خبر عائشة والجواب عن هذا أنه لا يصح أن يكون آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطال الصوم بذلك لأن أزواجه أعلم بهذا الحكم وقد أخبرن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنبا ويصوم ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروف عند أزواجه مثل حديث أبي هريرة ولم يحتج أزواجه بفعله الذي كان يفعله ثم نسخ ومحال أن يخفى هذا عليهن فإنه كان يقسم بينهن إلى أن مات في الصوم والفطر
هذا مع أن الحديث في مسلم غير مرفوع وإنما فيه كان أبو هريرة يقول في قصصه حسب وفي الحديث أن أبا هريرة لما حوقق على ذلك رده إلى الفضل بن عباس فقال سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي في مسلم وفي لفظ حدثني الفضل بن عباس قال البخاري وقال همام وبن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالفطر والأول أسند
ولكن رفعه صحيح رواه سفيان عن عمرو بن يحيى بن جعدة قال سمعت عبد الله بن عبد القاري قال سمعت أبا هريرة يقول لا ورب هذا البيت ما أنا قلته من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم محمد صلى الله عليه وسلم قاله ومع هذا فقد روى النسائي من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام قال كنت مع عبد الرحمن عند مروان فذكروا أن أبا هريرة يقول من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى يصبح فلا يصم ذلك اليوم قال اذهب فسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فذهب وذهبت معه فذكر الحديث وقال فأتيت مروان فأخبرته قولهما يعني أم سلمة وعائشة فاشتد عليه اختلافهم تخوفا أن يكون أبو هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم
فقال مروان لعبد الرحمن عزمت عليك لما أتيته فحدثته أعن رسول الله صلى الله عليه وسلم تروي هذا قال لا إنما حدثني فلان وفلان ولا ريب أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وقال مرة أخبرنيه الفضل بن عباس ومرة قال أخبرنيه أسامة بن زيد وفي رواية عنه أخبرنيه فلان وفلان وفي رواية أخبرني رجل وفي رواية أخبرنيه مخبر وفي رواية هكذا كنت أحسب
كتاب النسائي انتهى
يعني وإن كان رواة التقييد برمضان بالنسبة إلى رواة الإطلاق قلة لكن ليست القلة بحيث تفضي إلى العجب بل رواية التقييد في صحيح مسلم أيضا من غير طريق الأذرمي وكذا في النسائي فكيف يقال إن رواة التقييد قليلة جدا والله أعلم
(وهو) أي الرجل (واقف على الباب) ولفظ مسلم أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب (أصبح) من الإصباح (جنبا) سمي به لكون الجنابة سببا لتجنب الصلاة والطواف نحوهما في حكم الشرع وذلك بإنزال الماء أو بالتقاء الختانين وفي معناه الحائض والنفساء (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله) قال الشيخ عزالدين بن عبد السلام فيه إشكال لأن الخوف والخشية حالة تنشأ من ملاحظة شدة النقمة الممكن وقوعها بالخائف وقد دل القاطع على أنه صلى الله عليه وسلم غير معذب وقال الله تعالى يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه فكيف يتصور منه الخوف فكيف أشد الخوف والجواب أن الذهول جائز عليه صلى الله عليه وسلم فإذا حصل الذهول عن موجبات نفي العقاب حدث له الخوف ولا يقال إن إخباره بشدة الخوف والخشية يدل على أنه أكثر ذهولا لأنا نقول المراد بشدة الخوف وأعظم الخشية عظم بالنوع لا بكثرة العدد أي إذا صدر الخوف منه ولو في زمن فرد كان أشد من خوف غيره قاله السيوطي
وقال بعض العلماء بل يقع ذلك منه صلى الله عليه وسلم عملا بقوله تعالى فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وأيضا هو إمام لأمته فلا بد أن يعلمهم هيئات الخير كلها ومن جملتها هيئات الخوف بالله تعالى انتهى
وقال الشيخ المحدث ولي الله الدهلوي رحمه الله ويمكن أن يقال أراد بالخشية لازمها وهو الكف عما لا يرضاه الله تعالى ويمكن أن يقال هذه الخشية خشية هيبة وإجلال لا خشية توقع مكروه انتهى
وفي قوله لأرجو لعل استعماله الرجاء من جملة الخشية وإلا فكونه أخشى وأعلم متحقق قطعا
قاله السندي (وأعلمكم) عطف على قوله أخشاكم (بما أتبع) أي بما
أعمل من وظائف العبودية قاله السندي
ولفظ مسلم أعلمكم بما أتقي
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي وأبو يونس القرشي المدني التميمي مولى عائشة رضي الله عنها ولا يعرف له اسم انفرد مسلم بإخراج حديثه
$ 7 - (باب كفارة من أتى أهله في رمضان)
(أخبرنا سفيان) هو بن عيينة (قال مسدد) في روايته دون محمد بن عيسى (قال) سفيان (أخبرنا الزهري) أي حدثنا الزهري بصيغة التحديث وأما محمد بن عيسى فقال عن الزهري بالعنعنة (ما شأنك) أي ما حالك (وقعت على امرأتي) أي جامعتها (رقبة) بالنصب بدل من ما (أن تطعم ستين مسكينا) أي أن لكل مسكين مدا من طعام ربع صاع (فأتي) بضم الهمزة بصيغة المجهول (بعرق) بفتح العين المهملة والراء ثم قاف
قال الزركشي ويروى بإسكان الراء أي المكتل والزنبيل (ما بين لابتيها) تثنية لابة بخفة الموحدة وهي الحرة والحرة الأرض التي فيها حجارة سود ويقال فيها لوبة ونوبة بالنون وهي غير مهموزة (أنيابه) جمع ناب وهو الذي بعد<span class="matn-hr"> </span>Qثم ذكر الشيخ شمس الدين بن القيم حديث هلكت وأهلكت ثم استبعد المنذري هذه اللفظة ثم قال قال البيهقي قوله وأهلكت ليس بمحفوظ وضعفها شيخنا أبو عبد الله الحافظ وحملها على أنها أدخلت على محمد بن المسيب الأرغياني قال فإن أبا علي الحافظ رواه عن محمد بن المسيب فلم يذكرها والعباس بن الوليد رواه عن عقبة بن علقمة دونها ودحيم وغيره رووه عن الوليد بن مسلم دونها وكافة أصحاب الأوزاعي رووه عنه دونها ولم يذكرها أحد من أصحاب
الرباعية
قال الخطابي في هذا الحديث من الفقه أن على المجامع متعمدا في نهار شهر رمضان القضاء والكفارة وهو قول عامة أهل العلم غير سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة فإنهم قالوا عليه القضاء ولا كفارة ويشبه أن يكون حديث أبي هريرة لم يبلغهم والله أعلم
وفيه أن من قدر على عتق الرقبة لم يجزه الصيام ولا الإطعام لأن البيان خرج فيه مرتبا فقدم العتق ثم نسق عليه الصيام ثم الإطعام كما رتب ذلك في كفارة الظهار وهو قول أكثر العلماء إلا أن مالك بن أنس زعم أنه مخير بين عتق رقبة وصوم شهرين والإطعام وحكي عنه أنه قال الإطعام أحب إلي من العتق وفيه دلالة من جهة الظاهر أن الكفارة لإطعام مد واحد لكل مسكين لأن خمسة عشر صاعا إذا قسمت بين ستين لم يخص كل واحد منهم أكثر من مد وإلى هذا ذهب مالك والشافعي
وقال أبو حنيفة وأصحابه يطعم كل مسكين نصف صاع
وفي قوله وصم يوما واستغفر الله بيان أن صوم ذلك اليوم هو القضاء لا يدخل في صيام شهرين
قال فإن كفر بالعتق أو بالإطعام صام يوما مكانه
وقال أيضا وفي أمره الرجل بالكفارة لما كان منه من الجنابة دليل على أن المرأة عليها كفارة مثلها لأن الشريعة قد سوت بين الناس في الأحكام إلا موضع قام عليه دليل التخصيص فإذا لزمها القضاء لأنها أفطرت بجماع متعمدة كما وجب على الرجل وجبت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل سواء وهذا مذهب أكثر العلماء
وقال الشافعي يجزئهما كفارة واحدة وهي على الرجل دونها وكذلك قال الأوزاعي إلا أنه قال إن كانت الكفارة بالصيام كان على كل واحد منهما صوم شهرين انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه بنحوه<span class="matn-hr"> </span>Qالزهري عن الزهري إلا ما روي عن أبي ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزهري قال وكان أبو عبد الله أيضا يستدل على كونها في تلك الرواية خطأ بأنه نظر في كتاب الصوم تصنيف معلى بن منصور بخط مشهور فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة وبأن كافة أصحاب سفيان رووه عنه دونها
قال الشيخ شمس الدين وقد روى مالك هذا الحديث في الموطأ عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا ثم ذكر الحديث
وحسبك بهذا الإسناد
وفيه أمران أحدهما وجوب الكفارة بأي مفطر كان
والثاني أنها على التخيير
وهو مذهب مالك في المسألتين
قال البيهقي ورواية الجماعة عن الزهري مقيدة بالوطء نافلة
(فلو أن رجلا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير) قال الخطابي وهذا من الزهري دعوى لم يحضر عليها برهانا ولا ذكر فيها شاهدا
وقال غيره هذا منسوخ ولم يذكر في نسخه خبرا يعلم به صحة قوله
فأحسن ما سمعت فيه قول أبي يعقوب البويطي وذلك أنه قال هذا للرجل وجبت عليه الرقبة فلم يكن عنده ما يشتري رقبة فقيل له صم فلم يطق الصوم فقيل له إطعام ستين مسكينا فلم يجد ما يطعم فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بطعام ليتصدق به فأخبر أنه ليس بالمدينة أحوج منه وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى فلم ير له أن يتصدق على غيره ويترك نفسه وعياله فلما نقص من ذلك بقدر ما أطعم أهله لقوت يومهم صار طعاما لا يكفي ستين مسكينا فسقطت عنه الكفارة في ذلك الوقت وكانت في ذمته إلا أن يجدها وصار<span class="matn-hr"> </span>Qللفظ صاحب الشرع فهي أولى بالقبول لزيادة حفظهم وأدائهم الحديث على وجهه واتفقت رواياتهم على أن فطره كان بجماع وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالكفارة على اللفظ الذي يقتضي الترتيب
وقال أبو الحسن الدارقطني الذين رووا الكفارة في جماع رمضان على التخيير مالك في الموطأ ويحيى بن سعيد الأنصارى وبن جريج وعبد الله بن أبي بكرة وأبو أويس وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومي ونذير بن عياض وشبل بن عباد والليث بن سعد من رواية أشهب بن عبد العزيز عنه وعبيد الله بن أبي زياد إلا أنه أرسل عن الزهري
كل هؤلاء رووه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان وجعلوا كفارته على التخيير
قال وخالفهم أكثر عددا منهم فرووه عن الزهري بهذا الإسناد أن إفطار الرجال كان لجماع وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا منهم عراك بن مالك وعبد الله بن عمر وإسماعيل بن أمية ومحمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة ومعمر ويونس وعقيل وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر والأوزاعي وسعيد بن أبي حمزة ومنصور بن المعتمر وسفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد والليث بن سعد وعبد الله بن عيسى ومحمد بن إسحاق والنعمان بن راشد وحجاج بن أرطاة وصالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفصة وعبد الجبار بن عمر وإسحاق بن يحيى العوصي وعمار بن عقيل وثابت بن ثوبان ومرة بن عبد الرحمن وزمعة بن صالح وبحر بن كنيز أبو الوليد السقاء والوليد بن محمد وشعيب بن خالد ونوح بن أبي مريم وغيرهم
آخر كلامه
كالمفلس يمهل ويؤجل وليس في الحديث أنه قال لا كفارة عليك
وقد ذهب بعضهم إلى أن الكفارة لا تلزم الفقير واحتج بظاهر هذا الحديث انتهى
(رواه بن جريج) والحاصل أن سفيان بن عيينة والليث بن سعد والأوزاعي ومنصور<span class="matn-hr"> </span>Qولا ريب أن الزهري حدث به هكذا وهكذا على الوجهين وكلاهما محفوظ عنه بلا ريب وإذا كان هكذا فرواية الترتيب المصرحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه أحدها أن رواتها أكثر وإذا قدر التعارض رجحنا برواية الأكثر اتفاقا وفي الشهادة بخلاف معروف
الثاني أن رواتها حكوا القصة وساقوا ذكر المفطر وأنه الجماع وحكوا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وأما رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر ولا حكوا أن ذلك لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من لفظ صاحب القصة ولا حكوه أيضا لفظ الرسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفارة فكيف تقدم روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الترتيب ولفظ الراوي في خبره عن نفسه بقوله وقعت على أهلي في رمضان الثالث أن هذا صريح وقوله أفطر مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر وقد فسرته الرواية الأخرى بأن فطره كان بجماع فتعين الأخذ به
الرابع أن حرف أو وإن كان ظاهرا في التخيير فليس بنص فيه وقوله هل تستطيع كذا هل تستطيع كذا صريح في الترتيب فإنه لم يجوز له الانتقال إلى الثاني إلا بعد إخباره بعجزه عما قبله مع أنه صريح لفظ صاحب الشرع
وقوله فأمره أن يعتق رقبة أو يصوم لم يحك فيه لفظه
الخامس أن الأخذ بحديث الترتيب متضمن العمل بالحديث الآخر لأنه يفسره ويبين المراد منه والعمل بحديث التخيير لا يتضمن العمل بحديث الترتيب ولا ريب أن العمل بالنصين أولى
وعراك كلهم قالوا عن الزهري بلفظ أهلكت ووقعت على امرأتي وبلفظ فأطعمه إياهم وزاد الأوزاعي واستغفر الله وأما مالك بن أنس وبن جريج فقالا عن الزهري بلفظ أن رجلا أفطر في رمضان والله أعلم
وحديث معمر بن مالك وهشام بن سعد كلهم عن الزهري سكت عنه المنذري رحمه الله<span class="matn-hr"> </span>Qالسادس أنا قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة
سواء على الترتيب وهي كفارة الظهار وحكم النظير حكم نظيره
ولا ريب أن إلحاق كفارة الجماع في رمضان بكفارة الظهار وكفارة القتل أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذه الزيادة وهي الأمر بالصوم قد طعن فيها غير واحد من الحفاظ قال عبد الحق وطريق حديث مسلم أصح وأشهر وليس فيها صم يوما ولا تكميله التمر ولا الاستغفار وإنما يصح حديث القضاء مرسلا وكذلك ذكره مالك في الموطأ وهو من مراسيل سعيد بن المسيب رواه مالك عن عطاء بن عبد الله الخرساني عن سعيد بالقصة وقال كله وصم يوما مكان ما أصبت
والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة في حديث الزهري فإن أصحابه الأثبات الثقات كيونس وعقيل ومالك والليث بن سعد وشعيب ومعمر وعبد الرحمن بن خالد لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة وإنما ذكرها الضعفاء عنه كهشام بن سعد وصالح بن أبي الأخضر وأضرابهما
وقال الدارقطني رواتها ثقات رواه بن أبي أويس عن الزهري وتابعه عبد الجبار بن عمر عنه وتابعه أيضا هشام بن سعد عنه قال وكلهم ثقات
وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة فإن هؤلاء إنما هم أربعة وقد خالفهم من هو أوثق منهم وأكثر عددا وهم أربعون نفسا لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة ولا ريب أن التعليل بدون هذا مؤثر في صحتها
ولو انفرد بهذه اللفظة من هو أحفظ منهم وأوثق وخالفهم هذا العدد الكثير لوجب التوقف فيها وثقة الراوي شرط في صحة الحديث لا موجبة بل لا بد من انتفاء العلة والشذوذ وهما غير منتفيين في هذه اللفظة
وقد اختلف الفقهاء في وجوب القضاء عليه فمذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في أظهر أقواله يجب عليه القضاء وللشافعي قول آخر أنه لا يجب عليه القضاء إذا كفر وله قول
(احترقت) وهو المحترق بالجناية دون غيره وهذا تأويل قوله هلكت في حديث أبي هريرة (لجياع) جمع جائع
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه وليس فيه قدر الصاع
$ 8 - (باب التغليظ فيمن أفطر عمدا)
(حدثنا سليمان بن حرب) هذا الإسناد هكذا في النسخ الصحيحة وكذا في تحفة الأشراف وفي بعض نسخ الكتاب تحريف واختلاف وهو غلط قطعا
قال المزي المطوس<span class="matn-hr"> </span>Qثالث أنه إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه وإن كفر بالعتق أو بالإطعام قضى وهذا قول الأوزاعي
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال الدارقطني ليس في رواته مجروح وهذه العبارة لا تنفي أن يكون فيهم مجهول لا يعرف بجرح ولا عدالة
ويقال أبو المطوس واسم أبي المطوس يزيد بن المطوس انتهى
كذا في الغاية (في غير رخصة) كسفر ومرض مبيح للإفطار (لم يقض عنه) أي عن ثواب ذلك اليوم (صيام الدهر) أي صومه فيه فالإضافة بمعنى في نحو مكر الليل
قال الطيبي أي لم يجد فضيلة الصوم المفروض بصوم النفل وإن سقط قضاؤه بصوم يوم واحد وهذا على طريق المبالغة والتشديد
وقال بعض العلماء الظاهر أن صوم الدهر كله بنية القضاء عما أفطره من رمضان لا يجزئه قال به علي وبن مسعود والذي عليه أكثر السلف أنه يجزئه يوم بدل يوم وإن كان ما أفطره في غاية الطول والحر وما صامه بدله في غاية القصر والبرد ولا يكره قضاء رمضان في زمن وشذ من كرهه في شهر ذي الحجة
ومن أفطر لغير عذر يلزمه القضاء فورا عقب يوم عيد الفطر ولعذر يسن له ذلك ولا يجب انتهى كلام ذلك البعض بتلخيص
قال القارىء والظاهر أن الصلاة في معنى الصوم فإنه لا فرق بينهما بل هي أفضل منه عند جمهور العلماء والله أعلم
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه وذكره البخاري تعليقا قال ويذكر عن أبي هريرة رفعه من أفطر يوما من رمضان من غير علة ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه وقال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه
وسمعت محمدا يعني البخاري يقول أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث
وقال البخاري أيضا تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ولا نعرف له غيره ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا
وقال أبو الحسن علي بن خلف فهو حديث ضعيف لا يحتج بمثله
وقد صحت الكفارة بأسانيد صحاح ولا يعارض بمثل هذا الحديث
وقال الإمام الشافعي قال ربيعة من أفطر من رمضان يوما قضى اثني عشر يوما لأن الله جل ذكره اختاره شهرا من اثني عشر شهرا فعليه أن يقضي بدلا من كل يوم اثني عشر يوما
قال الشافعي يلزمه من يترك الصلاة ليلة القدر فعليه أن يقضي تلك<span class="matn-hr"> </span>Qويقال في هذا ثلاثة أقوال أبو المطوس وبن المطوس والمطوس تفرد بهذا الحديث قال بن حبان لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به من الروايات
الصلاة ألف شهر لأن الله عزوجل يقول ليلة القدر خير من ألف شهر هذا آخر كلامه
وروي هذا الحديث عن أبي هريرة يقال فيه أبو المطوس والمطوس وبن المطوس
وقال أبو حاتم بن حبان لا يجوز الاحتجاج بما في الفرد من الروايات
(قال فلقيت بن المطوس) أي قال حبيب بن أبي ثابت فلقيت بن المطوس قاله المزي
ولفظ الترمذي عن حبيب بن أبي ثابت قال حدثني أبو المطوس عن أبيه
$ 9 - (باب من أكل ناسيا)
(أخبرنا حماد) هو بن سلمة (عن أيوب) السختياني (وحبيب) بن الشهيد (وهشام) بن حسان ثلاثتهم عن محمد بن سيرين
قاله المزي
وقوله حبيب معطوف على قوله أيوب (إني أكلت وشربت ناسيا وأنا صائم) وقد روى عبد الرزاق عن عمرو بن دينار أن إنسانا جاء إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقال أصبحت صائما فنسيت فطعمت فقال لا بأس
قال ثم دخلت إلى إنسان فنسيت فطعمت وشربت قال لا بأس
الله أطعمك وسقاك
قال ثم دخلت على<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه وعند البخاري فأكل وشرب وروى الدارقطني عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق الله ساقه الله إليه ولا قضاء عليه هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات
وفي طريق أخرى لا قضاء عليه ولا كفارة قال وهذا صحيح أيضا
آخر فنسيت فطعمت فقال أبو هريرة أنت إنسان لم تتعود الصيام
ويروى أو شرب واقتصر عليهما دون باقي المفطرات لأنهما الغالب
وقد أخرج ابنا خزيمة وحبان والحاكم والدارقطني من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة فصرح بإسقاط القضاء والكفارة
قال الدارقطني تفرد به محمد بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري
وأجيب بأن بن خزيمة أخرجه أيضا عن إبراهيم بن محمد الباهلي وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي كلاهما عن الأنصاري فهو المنفرد به كما قال البيهقي وهو ثقة ثم علل كون الناسي لا يفطر بقوله (فقال أطعمك الله وسقاك) وفي رواية البخاري إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه
وقال الطيبي إنما للحصر أي ما أطعمه أحد ولا سقاه إلا الله
فدل على أن هذا النسيان من الله تعالى ومن لطفه في حق عباده تيسيرا عليهم ودفعا للحرج
وقال الخطابي النسيان ضرورة والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها ولا يؤاخذ بها وهذا الحديث دليل على الإمام مالك حيث قال إن الصوم يبطل بالنسيان ويجب القضاء
قاله القسطلاني
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
$ 0 - (باب تأخير قضاء رمضان)
(إن كان) هي مخففة من المثقلة أي أن الشأن واحدا لكونين زائد قاله السندي (فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان) لشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في رواية للبخاري<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال المنذري واختلف فيما لو أخره عن رمضان آخر فقال جماعة من الصحابة والتابعين يقضي ويطعم كل يوم مسكينا
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا قول بن عباس وبن عمر وأبي هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير والثوري والأوزاعي والإمام
قال النووي وقد اتفق العلماء على أن المرأة لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه بحديث أبي هريرة المروي في صحيح مسلم وإنما كانت تصومه في شعبان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظم شعبان فلا حاجة له فيهن حينئذ في النهار ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان فإنه لا يجوز تأخيره عنه
ومذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير السلف والخلف أن قضاء رمضان في حق من أفطر بعذر كحيض وسفر يجب على التراخي ولا يشترط المبادرة به في أول الإمكان لكن قالوا لا يجوز تأخيره عن شعبان الآتي لأنه يؤخره حينئذ إلى زمان لا يقبله وهو رمضان الآتي فصار كمن أخره إلى الموت
وقال داود تجب المبادرة في أول يوم بعد العيد من شوال وحديث عائشة هذا يرد عليه
قال الجمهور ويستحب المبادرة به للاحتياط فيه فإن أخره فالصحيح عند المحققين أنه يجب العزم على فعله وكذلك القول في جميع الواجب الموسع إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله حتى لو أخره بلا عزم عصى
وقيل لا يشترط العزم
وأجمعوا على أنه لو مات قبل خروج شعبان لزمه الفدية في تركته عن كل يوم مد من طعام هذا إذا كان تمكن القضاء فلم يقض
فأما من أفطر في رمضان بعذر ثم اتصل عجزه فلم يتمكن من الصوم حتى مات فلا صوم عليه ولايطعم عنه ولا يصام عنه
ومن أراد قضاء صوم رمضان ندب مرتبا متواليا فلو قضاه غير مرتب أو مفرقا جاز وعند الجمهور لأن اسم الصوم يقع على الجميع
وقال جماعة من الصحابة والتابعين وأهل الظاهر يجب تتابعه كما يجب الأداء
انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
وفيه حجة أن قضاء رمضان ليس واجبا على الفور خلافا لداود في إيجابه ثاني شوال وأنه آثم متى لم يقضه
وقال بعضهم فيه دليل على أن من أخر القضاء إلى أن<span class="matn-hr"> </span>Qأحمد والشافعي ومالك وإسحاق
وقال جماعة يقضي ولا فدية عليه وهذا يروى عن الحسن وإبراهيم النخعي وهو مذهب أبي حنيفة
وقالت طائفة منهم قتادة يطعم ولا يقضي
ووقع في الصحيحين في هذا الحديث الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام يحيى بن سعيد قد بين ذلك البخاري في صحيحه قال وقال يحيى الشغل من النبي أو بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ قال يحيى فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين عن عائشة أيضا قالت إن كانت إحدانا لتفطر في رمضان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي شعبان
يدخل رمضان من قابل وهو مستطيع له فإن عليه الكفارة قال ولولا ذلك لم يكن في ذكرها شعبان وحصرها موضع القضاء فيه فائدة من بين سائر الشهور
وذهب إلى إيجاب ذلك جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء
وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي يقضي وليس عليه فدية وإليه ذهب أصحاب الرأي
وقال سعيد بن جبير وقتادة يطعم ولا يقضي
وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله البهي عن عائشة وقال حسن صحيح
$ 1 - (باب فيمن مات وعليه صيام)
(من مات وعليه صيام صام عنه وليه) قال الخطابي هذا فيمن لزمه فرض الصوم إما نذرا وإما قضاء عن فائت مثل أن يكون مسافرا ويقدم وأمكنه القضاء ففرط فيه حتى مات أو يكون مريضا فيبرأ ولا يقضي
وإلى ظاهر هذا الحديث ذهب أحمد وإسحاق وقالا يصوم عنه<span class="matn- hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وعن بن عباس قال إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء
وإن نذر قضى عنه وليه وفي الصحيحين عن بن عباس قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها قالت نعم
قال فصومي عن أمك هذا لفظ مسلم
ولفظ البخاري نحوه وفي الصحيحين عنه أيضا أن أمرأة جاءت فقالت يا رسول الله إن أختي ماتت وعليها صيام شهرين متتابعين وذكر الحديث بنحوه وفي صحيح مسلم عن بريدة قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت قال وجب أجرك وردها عليك الميراث
قالت يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر
أفأصوم عنها قال صومي عنها
قالت يا رسول الله إنها لم تحج أفأحج عنها قال حجي عنها وقال البيهقي فثبت بهذه الأحاديث جواز الصوم عن الميت
وقال الشافعي في القديم قد ورد في الصوم عن الميت شيء فإن كان ثابتا صيم عنه كما يحج عنه
وقال في الجديد فإن قيل فهل روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا أن يصوم عن أحد قيل نعم روي عن بن عباس
فإن قيل لم لا تأخذ به قيل حديث الزهري
وليه وهو قول أهل الظاهر وتأوله بعض أهل العلم معناه أن يطعم عنه وليه فإذا فعل عنه فقد صام عنه وسمي الإطعام صياما على سبيل المجاز والاتساع إذا كان الطعام قد ينوب عنه ومنه قول الله سبحانه أو عدل ذلك صياما فدل على أنهما يتناوبان في الحكم
وذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يجوز صيام أحد عن أحد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقاسوه على الصلاة ونظائرها من أعمال البدن التي لا مدخل للمال فيها
واتفق أهل العلم على أنه إذا أفطر في المرض والسفر ثم لم يفرط في القضاء حتى مات فإنه لا شيء عليه ولا يجب الإطعام عنه غير قتادة فإنه قال يطعم عنه وحكي ذلك أيضا عن طاووس
انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم
(وإن نذر قضى عنه وليه) في النيل وتمسك القائلون بأنه يجوز في النذر دون غيره بأن<span class="matn-hr"> </span>Qعن عبيد الله عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نذر نذرا ولم يسمه مع حفظ الزهري وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس فلما جاء غيره عن رجل عن بن عباس بغير ما في حديث عبيد الله أشبه أن لا يكون محفوظا
وأراد الشافعي ما روى مالك عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن أمي ماتت وعليها نذر فقال النبي صلى الله عليه وسلم اقضه عنها وهذا حديث متفق عليه من حديث مالك وغيره عن الزهري إلا أن في رواية سعيد بن جبير عن بن عباس أن امرأة سألت وكذلك رواه الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل عن مجاهد عن بن عباس وفي رواية عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير عن بن عباس أن امرأة سألت ورواه عكرمة عن بن عباس
ثم رواه بريدة بن حصيب عن النبي صلى الله عليه وسلم
فالأشبه أن تكون هذه القصة التي وقع فيها السؤال نصا غير قصة سعد بن عبادة التي وقع السؤال فيها عن النذر مطلقا كيف وقد روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح النص على جواز الصوم عن الميت قال وقد رأيت بعض أصحابنا يضعف حديث بن عباس
لما روي عن يزيد بن زريع عن حجاج الأحول عن أيوب بن موسى عن عطاء عن بن عباس أنه قال لا يصوم أحد
حديث عائشة مطلق وحديث بن عباس مرفوعا الذي عند الشيخين كما سيجيء مقيد فيحمل عليه ويكون المراد بالصيام صيام النذر
قال في الفتح وليس بينهما تعارض حتى يجمع فحديث بن عباس صورة مستقلة يسأل عنها من وقعت له وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة<span class="matn-hr"> </span>Qعن أحد ويطعم عنه وما روي عنه في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر النذر
وضعف حديث عائشة بما روي عنها في امرأة ماتت وعليها الصوم
قالت يطعم عنها وفي رواية عنها لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم قال وليس فيما ذكروا ما يوجد للحديث ضعفا فمن يجوز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه
وفيما روي عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر والأحاديث المرفوعة أصح إسنادا وأشهر رجالا وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما ولو وقف الشافعي على جميع طرقها وتظاهرها لم يخالفها إن شاء الله
وممن رأى جواز الصيام عن الميت طاووس والحسن البصري والزهري وقتادة
آخر كلام البيهقي
وقد اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يقضى عنه على ثلاثة أقوال أحدها لا يقضى عنه بحال لا في النذر ولا في الواجب الأصلي
وهذا ظاهر مذهب الشافعي ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه
الثاني أنه يصام عنه فيهما وهذا قول أبي ثور وأحد قولي الشافعي
الثالث أنه يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي
وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه وقول أبي عبيد والليث بن سعد وهو المنصوص عن بن عباس
روى الأثرم عنه أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم رمضان قال أما رمضان فليطعم عنه وأما النذر فيصام وهذا أعدل الأقوال
وعليه يدل كلام الصحابة وبهذا يزول الإشكال
وتعليل حديث بن عباس أنه قال لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه فإن هذا إنما هو في الفرض الأصلي وأما النذر فيصام عنه كما صرح به بن عباس ولا معارضة بين فتواه وروايته
وهذا هو المروي عنه في قصة من مات وعليه صوم رمضان وصوم النذر فرق بينهما فأفتى بالإطعام في رمضان وبالصوم عنه في النذر فأي شيء في هذا مما يوجب تعليل حديثه وما روي عن عائشة من إفتائها في التي ماتت وعليها الصوم أنه يطعم عنها إنما هو في الفرض لا في النذر لأن الثابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان أنه يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام فالمنقول عنها
عامة وقد وقعت الإشارة في حديث بن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قال في آخره فدين الله أحق أن يقضى انتهى
وإنما قال إن حديث بن عباس صورة مستقلة يعني أنه من التنصيص على بعض أفراد العام فلا يصلح لتخصيصه ولا لتقييده انتهى
قال المنذري وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته كان يؤدي ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري بنحوه<span class="matn-hr"> </span>Qكالمنقول عن بن عباس سواء فلا تعارض بين رأيها وروايتها
وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب وموافقة فتاوي الصحابة لها وهو مقتضى الدليل والقياس لأن النذر ليس واجبا بأصل الشرع وإنما أوجبه العبد على نفسه فصار بمنزلة الدين الذي استدانه ولهذا شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالدين في حديث بن عباس
والمسؤول عنه فيه أنه كان صوم نذر والدين تدخله النيابة
وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام
فلا يدخله النيابة بحال كما لا يدخل الصلاة والشهادتين
فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه وقيامه بحق العبودية التي خلق لها وأمر بها
وهذا أمر لا يؤديه عنه غيره كما لا يسلم عنه غيره ولا يصلي عنه غيره
وهكذا من ترك الحج عمدا مع القدرة عليه حتى مات أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات
فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبرىء ذمته
ولا يقبل منه
والحق أحق أن يتبع
وسر الفرق أن النذر التزام المكلف لما شغل به ذمته لا أن الشارع ألزمه به ابتداء فهو أخف حكما مما جعله الشارع حقا له عليه شاء أم أبى والذمة تسع المقدور عليه والمعجوز عنه ولهذا تقبل أن يشغلها المكلف بما لا قدرة له عليه بخلاف واجبات الشرع
فإنها على قدر طاقة البدن لا تجب على عاجز
فواجب الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلي لأن المكلف متمكن من إيجاب واجبات واسعة وطريق أداء واجبها أوسع من طريق أداء واجب الشرع
فلا يلزم من دخول النيابة في واجبها بعد الموت دخولها في واجب الشرع
وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق وأعمقهم علما وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده وحكمه
وبالله التوفيق
$ 42 - (باب الصوم في السفر)
(إني رجل أسرد الصوم) قال في الفتح أي أتابعه
واستدل به على أن لا كراهية في صيام الدهر ولا دلالة فيه لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر فإن ثبت النهي عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الإذن بالسرد بل الجمع بينهما واضح (أفأصوم في السفر) قال بن دقيق العيد ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان في السفر
قال الحافظ هو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب لكن في رواية أبي مراوح التي عند مسلم أنه قال يارسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة وذلك أن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب
وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال يارسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأجدني أن أصوم أهون علي من أن أؤخره فيكون دينا علي
فقال أي ذلك شئت ياحمزة انتهى (قال صم إن شئت وأفطر إن شئت) قال الخطابي هذا نص في إثبات الخيار للمسافر بين الصوم والإفطار وفيه بيان جواز صوم الفرض للمسافر إذا صامه وهو قول عامة أهل العلم إلا ما روي عن بن عمر رضي الله عنهما أنه قال إن صام في السفر قضى في الحضر
وقد روى عن بن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا يجزئه
وذهب إلى هذا من المتأخرين داود بن علي ثم اختلف أهل العلم بعد هذا في أفضل الأمرين منهما فقالت طائفة أفضل الأمرين الفطر وإليه ذهب سعيد بن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه
وقال أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص أفضل الأمرين الصوم في السفر وبه قال النخعي وسعيد بن جبير وهو قول مالك والثوري والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه
وقالت فرقة ثالثة أفضل الأمرين أيسرهما على المرء لقوله سبحانه يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فإن كان الصيام أيسر عليه صام وإن كان الفطر أيسر فليفطر
وإليه
ذهب مجاهد وعمر بن عبد العزيز وقتادة
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
(إني صاحب ظهر) أي مركب (أعالجه) أي أستعمله (ربما صادفني) أي أدركني (فأجد بأن أصوم) أي أجد حالي على هذا النهج
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي من حديث أبي مراوح عن حمزة بن عمرو بنحوه
(من المدينة إلى مكة) أي عام الفتح (حتى بلغ عسفان) بضم العين وسكون السين المهملتين هو موضع على مرحلتين من مكة (ثم دعا بإناء) أي طلبه (ليريه الناس) أي ليعلموا جوازه أو ليختاروا متابعته
وعند الشيخين ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة
قال الطيبي دل على أن من أصبح صائما في السفر جاز أن يفطر (فمن شاء صام ومن شاء أفطر) أي لا حرج على أحدهما
وفي شرح السنة لا فرق عند عامة أهل العلم بين من ينشئ السفر في شهر رمضان وبين من يدخل عليه شهر رمضان وهو مسافر
وقال عبيدة السلماني إذا أنشأ السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار لظاهر قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وهذا الحديث حجة على القائل ومعنى الآية الشهر كله فأما من شهد بعضه فلم يشهد الشهر
قال علي القارىء والأظهر أن معنى الآية فمن شهد منكم شيئا منه من غير مرض وسفر
واختلف أي يوم خرج صلى الله عليه وسلم للفتح فقيل لعشر خلون من رمضان بعد العصر وقيل لليلتين خلتا من رمضان وهو الأصح انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي
(فلم يعب الصائم على المفطر إلخ) قال محمد رحمه الله في الموطأ من شاء صام في السفر ومن شاء أفطر والصوم أفضل لمن قوي عليه انتهى أي لقوله تعالى وأن تصوموا خير لكم وبه قال مالك والشافعي
وقال أحمد والأوزاعي الفطر أحب مطلقا لحديث ليس من البر الصيام في السفر وقال بعض أهل الظاهر لا يصح الصوم في السفر تمسكا بالحديث المذكور
والجمهور حملوه على مسافر ضره الصوم ويؤيده ما ورد من سبب أي في حديث جابر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه الحديث
قاله علي القارىء في شرح الموطأ قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم
(إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم) فيه دليل على أن الفطر لمن وصل في سفره إلى موضع قريب من العدو أولى لأنه ربما وصل إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو ولهذا كان الإفطار أولى ولم يتحتم
وأما إذا كان لقاء العدو متحققا فالإفطار عزيمة لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران ولا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين
واعلم أن المسافة التي يباح الإفطار فيها هي المسافة التي يباح القصر فيها
والخلاف هنا كالخلاف هناك
قاله الشوكاني
قال المنذري وأخرجه مسلم
$ 43 - (باب اختيار الفطر)
(رأى رجلا) هو أبو إسرائيل واسمه قيس وقيل قشير وقيل قيصر وهو الأصح
ذكره ميرك (يظلل عليه) بصيغة المجهول أي جعل عليه ظل اتقاء عن الشمس أو إبقاء عليه للإفاقة لأنه سقط من شدة الحرارة أو من ضعف الصوم أو من الإغماء
قال في التتمة إنه كان في غزوة تبوك في ظل شجرة
هكذا هو في مسند الشافعي
وقال الشيخ بن حجر هو في غزوة الفتح كما بين في رواية أخرى (والزحام عليه) بكسر الزاي أي مزاحمة في الاجتماع على غرض الاطلاع (فقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (ليس من البر الصيام في السفر) قال الخطابي هذا كلام خرج على سبب فهو مقصور على من كان في مثل حاله كأنه قال ليس من البر أن يصوم المسافر إذا كان الصوم يؤديه إلى مثل هذه الحال بدليل صيام النبي صلى الله عليه وسلم في سفره عام الفتح وبدليل خبر حمزة الأسلمي وتخييره إياه بين الصوم والإفطار
ولو لم يكن الصوم برا لم يخيره فيه والله أعلم
وفي الفتح أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر والفطر لمن شق عليه الصوم أو<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله
وقد احتج به من يوجب الفطر في السفر
واحتجوا بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم
واحتجوا أيضا بحديث دحية بن خليفة الكلبي أنه لما سافر من قريته في رمضان وذلك ثلاثة أميال أفطر فأفطر معه الناس وكره ذلك آخرون فلما رجع إلى قريته قال والله لقد رأيت أمرا ما كنت أظن
أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم وإن لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر
وقد اختلف السلف في هذه المسألة وأطال الكلام فيه
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي
(عن أنس بن مالك رجل إلخ) قال في المرقاة هو من بني عبد الله بن كعب على ما جزم به البخاري في ترجمته وجرى عليه أبو داود فقال رجل من بني عبد الله بن كعب أخوه قشير فهو كعبي لا قشيري خلافا لما وقع لابن عبد البر لأن كعبا له ابنان عبد الله جد أنس هذا وقشير وهو أخو عبد الله وأما أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم فهو أنصاري خزرجي انتهى (اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام إلخ) قال الخطابي فيه أشياء ذات عدد مسوقة في الذكر مفترقة في الحكم وذلك أن الشطر الموضوع من الصلاة يسقط لا إلى قضاء والصوم يسقط في السفر ترخيصا للمسافر ثم يلزمه القضاء إذا أقام
والحامل والمرضع يفطران إبقاء على الولد ثم يقضيان ويطعمان من أجل أن إفطارهما كان من أجل غير أنفسهما
وممن أوجب على الحامل والمرضع مع القضاء الإطعام مجاهد والشافعي وأحمد بن حنبل
وقال مالك الحبلى تقضي ولا تكفر لأنها بمنزلة المريض والمرضع تقضي وتكفر
وقال الحسن وعطاء يقضيان<span class="matn-hr"> </span>Qأني أراه إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقول ذلك للذين صاموا
ثم قال عند ذلك اللهم اقبضني إليك
رواه أبو داود وغيره
واحتجوا أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبول رخصة الفطر
فروى النسائي من حديث جابر يرفعه ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها
واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم في الذين صاموا أولئك العصاة رواه النسائي في قصة فطره عام الفتح
واحتجوا أيضا بقول عبد الرحمن بن عوف الصائم في السفر كالمفطر في الحضر
رواه النسائي
ولا يصح رفعه وإنما هو موقوف
ولا يطعمان كالمريض وهو قول الأوزاعي والثوري وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (وضع شطر الصلاة) أي رفع نصف الصلاة الرباعية ابتداء عن المسافر ولا قضاء عليه (أو نصف الصلاة) شك من الراوي (والصوم) بالنصب عطف على شطر الصلاة (فتلهفت نفسي) أي تأسفت (أن لا أكون أكلت) أي على ترك أكلي من طعامه صلى الله عليه وسلم
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه
وقال الترمذي حديث حسن ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد
هذا آخر كلامه
وأنس هذا كنيته أبو أمية
وفي الرواية أنس بن مالك خمسة اثنان صحابيان هذا وأبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنس بن مالك والد الإمام مالك بن أنس بن مالك روي عنه حديث في إسناده نظر والرابع شيخ حمصي حدث والخامس كوفي حدث عن حماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهما والله أعلم<span class ="matn-hr"> </span>Qواحتجوا أيضا بأن الله تعالى إنما أمر المسافر بالعدة من أيام أخر فهي فرضه الذي أمر به فلا يجوز غيره
وحكي ذلك عن غير واحد من الصحابة
وأجاب الأكثرون عن هذا بأنه ليس فيه ما يدل على تحريم الصوم في السفر على الإطلاق وقد أخبر أبو سعيد أنه صام مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح في السفر
قالوا وأما قوله ليس من البر الصيام في السفر فهذا خرج على شخص معين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظلل عليه وجهده الصوم فقال هذا القول أي ليس البر أن يجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ بها هذا المبلغ وقد فسح الله له في الفطر
فالأخذ إنما يكون بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر
وأيضا فقوله ليس من البر أي ليس هو أبر البر لأنه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوى عليه
وقد يكون الفطر في السفر المباح برا لأن الله تعالى أباحه ورخص فيه وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برخصه وما يحبه الله فهو بر فلم ينحصر البر في الصيام في السفر
وتكون من على هذا زائدة ويكون كقوله تعالى {ليس البر أن تولوا وجوهكم}
الآية وكقولك ما جاءني من أحد وفي هذا نظر
وأحسن منه أن يقال إنها ليست بزائدة بل هي على حالها
والمعنى أن الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه وتتنافسون عليه
فإنهم ظنوا أن الصوم هو
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qالذي يحبه الله ولا يحب سواه وأنه وحده البر الذي لا أبر منه فأخبرهم أن الصوم في السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه فإنه قد يكون الفطر أحب إلى الله منه فيكون هو البر
قالوا وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد به واقعة معينة وهي غزاة الفتح فإنه صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فكان فطره آخر أمريه لا أنه حرم الصوم ونظير هذا قول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار إنما هو في واقعة معينة دعي لطعام فأكل منه ثم توضأ وقام إلى الصلاة ثم أكل منه وصلى ولم يتوضأ فكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار
وجابر هو الذي روى هذا وهذا فاختصره بعض الرواة واقتصر منه على آخره
ولم يذكر جابر لفظا عن النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا آخر الأمرين مني وكذلك قصة الصيام وإنما حكوا ما شاهدوه أنه فعل هذا وهذا وآخرهما منه الفطر وترك الوضوء وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها
وأما قصة دحية بن خليفة الكلبي فإنما أنكر فيها على من صام رغبة عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وظنا أنه لا يسوغ الفطر ولا ريب أن مثل هذا قد ارتكب منكرا وهو عاص بصومه
والذين أمرهم الصحابة بالقضاء وأخبروا أن صومهم لا يجزيهم هم هؤلاء فإنهم صاموا صوما لم يشرعه الله وهو أنهم ظنوا أنه حتم عليهم كالمقيم
ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله وهو أنهم ظنوا أنه حتم عليهم كالمقيم ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله فلم يمتثلوا ما أمروا به من الصوم فأمرهم الصحابة بالقضاء
هذا أحسن ما حمل عليه قول من أفتى بذلك من الصحابة وعليه يحمل قول من قال منهم الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وهذا من كمال فقههم ودقة نظرهم رضي الله عنهم
قالوا وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها فهذا يدل على أن قبول المكلف لرخصة الله واجب وهذا حق فإنه متى لم يقبل الرخصة ردها ولم يرها رخصة وهذا عدوان منه ومعصية ولكن إذا قبلها فإن شاء أخذ بها وإن شاء أخذ بالعزيمة
هذا مع أن سياق الحديث يدل على أن الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه ومثل هذا يؤمر بالفطر
فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء
قال ما بال صاحبكم هذا قالوا يا رسول الله صائم
قال إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها رواه النسائي
قالوا وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم أولئك العصاة فذاك في واقعة معينة أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم فقال هذا
ففي النسائي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فبلغه أن الناس شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعض
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qفبلغه أن ناسا صاموا
فقال أولئك العصاة فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أفطر بعد العصر ليقتدوا به فلما لم يقتد به بعضهم قال أولئك العصاة ولم يرد بذلك تحريم الصيام مطلقا على المسافر
والدليل عليه
ما روى النسائي أيضا عن أبي هريرة قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران فقال لأبي بكر وعمر ادنيا فكلا
فقالا إنا صائمان
فقال ارحلوا لصاحبكم اعملوا لصاحبكم وأعله بالإرسال
ومر الظهران أدنى إلى مكة من كراع الغميم فإن كراع الغميم بين يدي عسفان بنحو ثمانية أميال وبين مكة وعسفان ستة وثلاثون ميلا
قالوا وأما احتجاجكم بالآية وأن الله أمر المسافر بعدة من أيام أخر فهي فرضه الذي لا يجوز غيره فاستدلال باطل قطعا
فإن الذي أنزلت عليه هذه الآية وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم ولا يعتقده مسلم فعلم أن المراد بها غير ما ذكرتم
فإما أن يكون المعنى فأفطر فعدة من أيام أخر كما قال الأكثرون أو يكون المعنى فعدة من أيام أخر تجزي عنه وتقبل منه ونحو ذلك
فما الذي أوجب تعيين التقدير بأن عليه عدة من أيام أخر أو ففرضه ونحو ذلك وبالجملة ففعل من أنزلت عليه تفسيرها وتبيين المراد منها وبالله التوفيق
وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم يحتجون بعموم نص على حكم ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده ومن تدبر هذا علم به مراد النصوص وفهم معانيها
وكان يدور بيني وبين المكيين كلام في الاعتمار من مكة في رمضان وغيره
فأقول لهم كثرة الطواف أفضل منها فيذكرون قوله صلى الله عليه وسلم عمرة في رمضان تعدل حجة فقلت لهم في أثناء ذلك محال أن يكون مراد صاحب الشرع العمرة التي يخرج إليها من مكة إلى أدنى الحل وأنها تعدل حجة ثم لا يفعلها هو مدة مقامه بمكة أصلا لا قبل الفتح ولا بعده ولا أحد من أصحابه مع أنهم كانوا أحرص الأمة على الخير وأعلمهم بمراد الرسول وأقدرهم على العمل به
ثم مع ذلك يرغبون عن هذا العمل اليسير والأجر العظيم يقدر أن يحج أحدهم في رمضان ثلاثين حجة أو أكثر ثم لا يأتي منها بحجة واحدة وتختصون أنتم عنهم بهذا الفضل والثواب حتى يحصل لأحدكم ستون حجة أو أكثر هذا ما لا يظنه من له مسكة عقل
وإنما خرج كلام النبي صلى الله عليه وسلم على العمرة المعتادة التي فعلها هو وأصحابه وهي التي أنشأوا السفر لها من أوطانهم وبها أمر أم معقل وقال لها عمرة في رمضان تعدل حجة ولم يقل لأهل مكة اخرجوا إلى أدنى الحل فأكثروا من الاعتمار فإن عمرة في رمضان تعدل حجة
ولا فهم هذا أحد منهم
وبالله التوفيق
$ 44 - (باب من اختار الصيام)
(حدثتني أم الدرداء) الصغرى واسمها هجيمة التابعية وليست الكبرى المسماة خيرة الصحابية وكلتاهما زوجتا أبي الدرداء (عن أبي الدرداء) عويمر بن مالك الأنصاري الخزرجي (في بعض غزواته) زاد مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز هذا في شهر رمضان وليس ذلك في غزوة الفتح لأن عبد الله بن رواحة المذكور في هذا الحديث المذكور أنه كان صائما استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف لا في غزوة بدر لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم (ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة) وهذا مما يؤيد أن هذا السفر لم يكن في غزوة الفتح لأن الذين استمروا على الصيام من الصحابة كانوا جماعة وفي هذا أنه بن رواحة وحده
قاله القسطلاني
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم وبن ماجه
(سنان بن سلمة بن المحبق) بفتح الموحدة المشددة وبكسر قال الطيبي بكسر الباء<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله واختلف أهل العلم في الأفضل من الصوم والفطر فذهب عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والأوزاعي وإسحاق وأحمد إلى أن الفطر أفضل
وذهب أنس وعثمان بن أبي العاص إلى أن الصوم أفضل
وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك
وذهب عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة إلى أن أفضل الأمرين أيسرهما
لقوله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}
وذهبت طائفة إلى أنهما سواء لا يرجح أحدهما على الآخر وذهبت طائفة إلى تحريم الصوم في السفر وأنه لا يجزئ
وقد علمت أدلة كل فريق مما تقدم
وأهل الحديث يفتحونها
قال القارىء قلت قول المحدثين أقوى من اللغويين وأحرى كما لا يخفى (من كانت له حمولة) بفتح الحاء أي مركوب كل ما يحمل عليه من إبل أو حمار أو غيرهما وفعول يدخله الهاء إذا كان بمعنى مفعول أي من كان له دابة (تأوي) أي تأويه فإن آوى لازم ومتعد على لفظ واحد
وفي الحديث يجوز الوجهان والمعنى تؤوي صاحبها أو تأوي بصاحبها (إلى شبع) بكسر الشين وسكون الموحدة ما أشبعك وبفتح الباء المصدر والمعنى الأول هنا أظهر والثاني يحتاج إلى تقدير مضاف وهو في الرواية أكثر يعني من كانت له حمولة تأويه إلى حال شبع ورفاهية أو إلى مقام يقدر على الشبع فيه ولم يلحقه في سفره وعثاء ومشقة وعناء (فليصم رمضان حيث أدركه) أي رمضان
قال الطيبي الأمر فيه محمول على الندب والحث على الأولى والأفضل للنصوص الدالة على جواز الإفطار في السفر مطلقا
وقال المظهر يعني من كان راكبا وسفره قصير بحيث يبلغ إلى المنزل في يومه فليصم رمضان
وقال داود يجوز الإفطار في السفر أي قدر كان
قاله علي القارىء
قال المنذري في إسناده عبد الصمد بن حبيب الأزدي العوذي المصري
قال يحيى بن معين ليس به بأس
وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه وليس بالمتروك
وقال يحيى من كبار الضعفاء
قال البخاري لين الحديث ضعفه أحمد
وقال البخاري أيضا عبد الصمد بن حبيب منكر الحديث ذاهب ولم يعد البخاري هذا الحديث شيئا
وقال أبو حاتم الرازي لين الحديث ضعفه أحمد بن حنبل
وذكر له أبو جعفر العقيلي هذا الحديث وقال لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به والله أعلم
$ 5 - (باب متى يفطر المسافر إذا خرج)
(عبيد الله بن عمر) البصري القواريري (حدثني عبد الله بن يزيد) أبو عبد الرحمن
المصري نزيل مكة (أخبرنا عبد الله بن يحيى) المعافري البرلسي (المعنى) أي معنى حديث عبد الله بن يزيد وعبد الله بن يحيى واحد (حدثني) أي قال كل واحد منهما حدثني سعيد بن أبي أيوب (زاد جعفر) أي قال جعفر بن مسافر في روايته عن عبد الله بن يحيى (والليث) بالرفع أي حدثني سعيد والليث (قال) أي سعيد بن أبي أيوب وكذا قال الليث (حدثني يزيد بن أبي حبيب) والحاصل أن في رواية عبيد الله بن عمر واسطة سعيد بن أبي أيوب بين عبد الله بن يزيد ويزيد بن أبي حبيب وفي رواية جعفر واسطة الليث بن سعد أيضا بين عبد الله بن يحيى ويزيد بن أبي حبيب
وأخرج أحمد في مسنده من طريق أبي عبد الرحمن حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثني يزيد بن أبي حبيب أن كليب بن ذهل أخبره فذكر الحديث نحوه
وأخرج أحمد حديثا آخر غير هذا الحديث من طريق حجاج ويونس قالا حدثنا الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب فذكره (عن عبيد) بغير ذكر نسب هكذا في رواية عبيد الله بن عمر (قال جعفر) بن مسافر في روايته (بن جبر) أي عبيد بن جبير ولفظ جبر هكذا وقع بفتح الجيم<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الترمذي عن محمد بن كعب قال أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا
وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر
فدعا بطعام فأكل
فقلت له سنة فقال سنة
ثم ركب قال الترمذي هذا حديث حسن
وفيه حجة لمن جوز للمسافر الفطر في يوم سافر في أثنائه
وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وقول عمرو بن شرحبيل والشعبي وإسحاق
وحكاه عن أنس وهو قول داود وبن المنذر
وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة لا يفطر
وهو قول الزهري والأوزاعي ومكحول
وفي المسألة قول شاذ جدا لا يلتفت إليه وهو أنه إن دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر في أثنائه لم يجز له الفطر
ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان مسافرا
وهذا قول عبيدة السلماني وأبي مجلز وسويد بن غفلة
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الفتح في رمضان
فصام وأفطر
مكبرا في نسخ الكتاب وهكذا في الخلاصة وأما في الميزان والتقريب فبضم الجيم مصغرا
قال الحافظ هو القبطي مولى أبي بصرة وذكر يعقوب بن سفيان في الثقات وقال بن خزيمة لا أعرفه انتهى (في سفينة من الفسطاط) بضم الفاء أو كسرها فسكون السين المدينة التي فيها مجمع الناس ويقال لمصر والبصرة الفسطاط قاله السندي وفي النيل هو اسم علم لمصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص انتهى
والجار والمجرور صفة سفينة أي خرجت السفينة من الفسطاط
وفي رواية لأحمد قال ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة
وفي رواية له ركبت مع أبي بصرة السفينة وهو يريد الإسكندرية (فرفع) بالراء بصيغة المجهول أي رفع أبو بصرة ومن كان معه على السفينة
وفي رواية لأحمد فدفع بالدال وهو الواضح وفي رواية له فلما دفعنا من مرسانا أمر بسفرته فقربت (غداؤه) أي طعام أول النهار (قال) أبو بصرة (اقترب) أي لأجل الطعام وفي رواية لأحمد ثم دعاني إلى الغداء (ألست ترى البيوت) وفي رواية لأحمد ما تغيب عنا منازلنا بعد (أترغب عن سنة رسول الله) وأخرج الترمذي من حديث محمد بن كعب قال أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر أو قد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت له سنة فقال سنة
ثم ركب انتهى
وقول الصحابي من السنة ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صرح هذان الصحابيان بأن الإفطار للمسافر قبل مجاوزة البيوت من السنة
قال الخطابي فيه حجة لمن رأى للمقيم ذي الصيام إذا سافر من يومه أن يفطر وهو قول الشعبي وإليه ذهب أحمد بن حنبل وعن الحسن أنه قال يفطر إن شاء وهو في بيته يوم يريد أن يخرج
وقال إسحاق بن راهويه إذا وضع رجله في الرحل فله أن يفطر وحكاه عن أنس بن مالك وشبهوه بمن أصبح صائما ثم مرض في يومه فإن له أن يفطر من أجل المرض قالوا فكذلك من أصبح صائما ثم سافر لأن كل واحد من الأمرين سبب للرخصة حدث بعد ما مضى شيء من النهار
قلت والسفر لا يشبه المرض لأن السفر من فعله وهو الذي ينشئه باختياره والمرض شيء يحدث عليه لا باختياره فهو يعذر فيه ولا يعذر في السفر الذي فعل نفسه
ولو كان في الصلاة فمرض كان له أن يصلي قاعدا ولو سافر وهو صائم لم يكن له أن يفطر
وقال أبو حنيفة وأصحابي لا يفطر إذ سافر يومه ذلك وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وروي ذلك عن
النخعي ومكحول والزهري
قلت وهذا أحوط الأمرين
والإقامة إذا اختلط حكمها بحكم السفر غلب حكم المقام انتهى كلامه
وقال الشوكاني والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص ورجال إسناده ثقات
وأخرج البيهقي عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أنه كان يسافر وهو صائم فيفطر من يومه
$ 6 - (باب قدر مسيرة ما يفطر فيه)
(أن دحية بن خليفة) الكلبي صحابي جليل نزل المزة
كذا في التقريب (خرج من قرية) له يقال لها مزة بكسر الميم وتشديد الزاي هي قرية كبيرة في سفح الجبل من أعلى دمشق
كذا في المراصد (من دمشق) أي قرية كائنة من أعمال دمشق وعند أحمد أنه خرج من قريته (إلى قدر قرية عقبة) بفتح العين المهملة وبفتح القاف بإضافة قرية إلى عقبة (من الفسطاط) واعلم أن ظاهر<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال المجوزون للفطر في مطلق السفر هب أن حديث دحية لم يثبت
فقد أطلقه الله تعالى ولم يقيده بحد كما أطلقه في آية التيمم فلا يجوز حده إلا بنص من الشارع أو إجماع من الأمة وكلاهما مما لا سبيل إليه
كيف وقد قصر أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ولا تأثير للنسك في القصر بحال فإن الشارع إنما علل القصر بالسفر فهو الوصف المؤثر فيه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى مسيرة البريد سفرا في قوله لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريدا إلا مع ذي محرم وقال تعالى {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} وهذا يدخل فيه كل سفر طويل أو قصير
وقال صلى الله عليه وسلم إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها من الأرض
وإذا سافرتم في الجدب فبادروا بها نقبها وهذا يعم كل سفر ولم يفهم منه أحد اختصاصه باليومين فما زاد
ونهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ونهى أن يسافر الرجل وحده وأخبر أن دعوة المسافر مستجابة وكان يتعوذ من وعثاء السفر وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه
ومعلوم أن شيئا من هذه الأسفار لا يختص بالطويل
ولا أنه لو سافر دون اليومين لم يقرع بين نسائه
ولم يقض للمقيمات
فما الذي أوجب تخصيص اسم السفر بالطويل بالنسبة إلى القصر والفطر دون غيرهما
العبارة يدل على أن عقبة قرية من الفسطاط ومن المعلوم أن الفسطاط يقال لمصر والبصرة فعلى هذا المسافة التي بين قرية عقبة وبين الفسطاط هي مقدار المسافة التي كانت بين مزة وبين الموضع الذي خرج إليه دحية الكلبي
والمسافة بين عقبة وبين الفسطاط هي ثلاثة أميال كما ذكره الراوي
لكن لفظ أحمد في مسنده من طريق حجاج ويونس قالا حدثنا الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن منصور الكلبي عن دحية بن خليفة أنه خرج من قريته إلى قريب من قرية عقبة في رمضان فذكر الحديث وهذا رواه أحمد في مسند أبي بصرة الغفاري لا في مسند دحية الكلبي
ومعنى الحديث على رواية أحمد أن دحية الكلبي خرج من قريته مزة إلى قريب من قرية عقبة فتكون المسافة بين مزة وبين عقبة ثلاثة أميال والله أعلم
كذا في الشرح (ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس) قال الخطابي في هذا حجة لمن لم يجد السفر الذي يترخص فيه للإفطار إلا في سفر يجوز فيه القصر وهو عند أهل العراق ثلاثة أيام وعند أكثر أهل الحجاز ليلتان أو نحوهما وليس الحديث بالقوي وفيه رجل ليس بالمشهور ثم إن دحية لم يذكر فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر في قصر السفر وإنما قال قوما رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعلهم إنما رغبوا عن قبول الرخصة في الإفطار أصلا
وقد يحتمل أن يكون دحية إنما صار في ذلك إلى ظاهر اسم السفر وقد خالفه غير واحد من الصحابة وكان بن عمر وبن عباس رضي الله عنهما لا يريان القصر والإفطار في أقل من أربعة برد وهما أفقه من دحية وأعلم بالسنن
انتهى<span class="matn-hr"> </span>Qقالوا وأين معنا في الشريعة تقسيم الشارع السفر إلى طويل وقصير واختصاص أحدهما بأحكام لا يشاركه فيها الآخر
ومعلوم أن إطلاق السفر لا يدل على اختصاصه بالطويل ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم مقداره
وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع فسكوته عن تحديده من أظهر الأدلة على أنه غير محدود شرعا
قالوا والذين حددوه مع كثرة اختلافهم وانتشار أقوالهم ليس معهم نص بذلك وليس حد بأولى من حد ولا إجماع في المسألة فلا وجه للتحديد
وبالله التوفيق
قال المنذري قال الخطابي وليس الحديث بالقوي في إسناده رجل ليس بالمشهور وهو بشير بن أبي منصور الكلبي فإن رجال الإسناد جميعهم ثقات يحتج بهم في الصحيح سواه وهو مصري روى عنه أبو الخير يزيد بن عبد الله اليزني ولم أجد من رواه عنه سواه فيكون مجهولا كما ذكره الخطابي
ولم يزد فيه البخاري على منصور الكلبي
وقال بن يونس في تاريخ المصريين منصور بن سعيد بن الأصبغ الكلبي
وقال البيهقي والذي روينا عن دحية الكلبي ذلك فكأنه ذهب فيه إلى ظاهر الآية في الرخصة في السفر
وأراد بقوله رغبوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في قبول الرخصة لا في تقدير السفر الذي أفطر فيه
(بن عمر كان يخرج إلى الغابة) وهو موضع قريب من المدينة من عواليه كذا في مجمع البحار
وقال في المراصد موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه أموال لأهل المدينة من طرفائه صنع منبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بريد منها انتهى
والحديث سكت عنه المنذري
$ 7 - (باب من يقول صمت رمضان كله)
(لا يقولن أحدكم) النهي ليس راجعا إلى ذكر رمضان بلا شهر وإنما هو راجع إلى نسبة الصوم إلى نفسه فيه كله مع أن قبوله عند الله تعالى في محل الخطر (فلا أدري) قائل هذا القول الحسن البصري بينه أحمد قال حدثنا يزيد أخبرنا همام عن قتادة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعا لا يقولن أحدكم صمت رمضان كله ولا قمته كله قال الحسن والله أعلم أخاف على أمته التزكية إذ لا بد من راقد أو غافل
وقال أحمد وقال يزيد مرة قال قتادة والحديث أخرجه أحمد من عدة طرق من طريق يحيى بن سعيد عن مهلب بن أبي حبيبة كما عند المؤلف وليس فيه ذكر القائل
ومن طريق محمد بن جعفر وعبد الوهاب كلاهما عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعا لا يقولن أحدكم قمت رمضان كله قال فالله تبارك وتعالى أعلم
أخشي على أمته أن تزكي أنفسها قال عبد الوهاب فالله أعلم أخشي التزكية على أمته أو قال لا بد من نوم أو غفلة ومن طريق يزيد وعفان كلاهما عن همام أخبرنا قتادة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعا لا يقولن أحدكم قمت رمضان كله قال قتادة فالله تبارك وتعالى أعلم أخشي على أمته التزكية
قال عفان أو قال لا بد من راقد أو غافل
ومن طريق بهز حدثنا همام أخبرنا قتادة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعا قال لا يقولن أحدكم إني قمت رمضان كله قال قتادة فالله أعلم أخشي التزكية على أمته أو يقول لا بد من راقد أو غافل
وفي هذه الروايات أن قائله قتادة (لا بد من نومة أو رقدة) قال السندي لا يخفى أن النوم لا ينافي الصوم فهذا التعليل يفيد منع أن يقول صمته وقمته جميعا لا أن يقول صمته ويمكن أن يكون وجه المنع أن مدار الصيام والقيام على القبول وهو مجهول
ولفظ النسائي من هذا الوجه أو قال لا بد من غفلة ورقدة أي فيعصي في حال الغفلة بوجه لا يناسب الصوم فكيف يدعي بعد ذلك الصوم لنفسه
قال المنذري وأخرجه النسائي
$ 8 - (باب في صوم العيدين)
(أما يوم الأضحى فتأكلون) خبر اليوم (من لحم نسككم) بضم السين ويجوز سكونها أي أضحيتكم
قال في فتح الباري وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما وهي الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنه يستلزم النحر
وقوله هذين فيه التغليب وذلك أن الحاضر يشار إليه بهذا والغائب يشار إليه بذلك فلما أن جمعهما اللفظ قال هذين تغليبا للحاضر على الغائب
قاله القسطلاني
قال النووي وقد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين لكل حال سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك ولو نذر صومهما متعمدا لعينهما قال الشافعي والجمهور لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما
وقال أبو حنيفة ينعقد ويلزمه قضاؤهما قال
فإن صامهما أجزأه وخالف الناس كلهم في ذلك والله أعلم انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه بمعناه أتم منه
(عن لبستين الصماء) بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم والمد قال الفقهاء أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه وتعقب هذا التفسير بأنه لا يشعر به لفظ الصماء والمطابق له ما نقل عن الأصمعي وهوأن يشتمل بالثوب يستر به جميع بدنه بحيث لا يترك فرجة يخرج منها يده حتى لا يتمكن من إزالة شيء يؤذيه بيديه (وأن يحتبئ الرجل) زاد اسماعيلي لا يواري فرجه بشيء (في ساعتين بعد) صلاة (الصبح) حتى ترتفع الشمس (وبعد) صلاة (العصر) حتى تغيب الشمس إلا لسبب
قاله القسطلاني
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وقد تقدم الكلام على الصماء والاحتباء والصلاة
$ 9 - (باب صيام أيام التشريق)
(يأمرنا بإفطارها وينهى عن صيامها) قال النووي فيه دليل لمن قال لا يصح صومها بحال وهو أظهر القولين في مذهب الشافعي وبه قال أبو حنيفة وبن المنذر وغيرهما
وقال جماعة من العلماء يجوز صيامها لكل أحد تطوعا وغيره حكاه بن المنذر عن الزبير بن العوام وبن عمر وبن سيرين وقال مالك والأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه يجوز
صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولا يجوز لغيره واحتج هؤلاء بحديث البخاري في صحيحه عن بن عمر وعائشة قالا لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي (قال مالك وهي أيام التشريق) ويقال لها أيضا الأيام المعدودات وأيام منى وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة
واختلفوا في تعيين أيام التشريق والأصح أن أيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر سميت بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها وهو تقديدها ونشرها في الشمس
(أهل الإسلام) نصب على الاختصاص (وهي أيام أكل وشرب) قال الخطابي وهذا أيضا كالتعليل في وجوب الإفطار فيها فإنها مستحقة لهذا المعنى فلا يجوز صيامها ابتداء تطوعا ولا نذرا ولاعن صوم التمتع إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وعطاء وغالب مذهب الشافعي
وقال مالك والأوزاعي وإسحاق بن راهويه يصوم المتمتع أيام التشريق إذا فاتته الثلاث في العشر
وروى ذلك عن بن عمر وعائشة وعروة بن الزبير رضي الله عنهم
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن صحيح
$ 0 - (باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم)
(لا يصم أحدكم يوم الجمعة) بلفظ النهي (إلا أن يصوم قبله بيوم أو بعده) قال في فتح<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أخرجا في الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر قال
الباري ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده أو اتفق وقوعه في أيام له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة ويؤخذ منه جواز صومه لمن نذر يوم قدوم زيد مثلا أو يوم شفاء فلان انتهى
قال النووي قال العلماء والحكمة في النهي عنه أن يوم الجمعة يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها لقول الله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا وغير ذلك من العبادات في يومها فاستحب الفطر فيه ليكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح لها والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن<span class ="matn-hr"> </span>Qسألت جابرا أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة قال نعم وروى البخاري في صحيحه عن جويرية بنت الحرث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال أصمت أمس قالت لا
قال تريدين أن تصومي غدا قالت لا
قال فأفطري وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يوم عيد
فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده وعند النسائي عن عبد الله بن عمرو القارىء قال سمعت أبا هريرة يقول ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة محمد صلى الله عليه وسلم ورب البيت نهى عنه وروى النسائي أيضا عن محمد بن سيرين عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا الدرداء لا تخص يوم الجمعة بصيام دون الأيام ولا تخص ليلة الجمعة بقيام دون الليالي
فذهب طائفة من أهل العلم إلى القول بهذه الأحاديث
منهم أبو هريرة وسلمان وقال به أحمد والشافعي
وقال مالك وأبو حنيفة لا يكره
وفي الموطأ قال مالك لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة
وصيامه حسن
وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه
وأراه كان يتحراه
قال الداودي لم يبلغ مالكا هذا الحديث
ولو بلغه لم يخالفه
وقد روى النسائي عن زر بن حبيش عن بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وقلما رأيته يفطر يوم الجمعة وإسناده صحيح
ولا معارضة بينه وبين أحاديث النهي
إذ ليس فيه أنه كان يفرده بالصوم
والنهي إنما هو عن الإفراد فمتى وصلهن بغيره زال النهي
(باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم)
(يزيد بن قبيس) بموحدة ومهملة مصغر بن سليمان الشامي ثقة كذا في التقريب (من أهل جبلة) بالتحريك قلعة مشهورة بساحل الشام من أعمال اللاذقية قرب حلب
كذا في المراصد (عن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون السين (قال يزيد) بن قبيس دون حميد بن مسعدة (الصماء) أي عن أخته الصماء فالصماء اسم أخت عبد الله بن بسر
وقال في المرقاة الصماء بتشديد الميم اسمها بهية وتعرف بالصماء (لا تصوموا يوم السبت) أي وحده (إلا فيما افترض) بصيغة المجهول (عليكم) أي ولو بالنذر
قال الطيبي قالوا النهي عن الإفراد كما في الجمعة والمقصود مخالفة اليهود فيهما والنهي فيهما للتنزيه عند الجمهور
وما افترض يتناول<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين القيم رحمه الله حديث عبد الله بن بسر هذا رواه جماعة عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء ورواه النسائي عن عبد الله بن بسر عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه أيضا عن الصماء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم
فهذه ثلاثة أوجه
وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديما وحديثا
فقال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت يفرد به فقال أما صيام يوم السبت يفرد به فقد جاء فيه ذلك الحديث حديث الصماء يعني حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم قال أبو عبد الله يحيى بن سعيد ينفيه
أبي أن يحدثني به
وقد كان سمعه من ثور
قال فسمعته من أبي عاصم
قال الأثرم حجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر
منها حديث أم سلمة حين سئلت أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما لها فقالت السبت والأحد ومنها حديث جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوم الجمعة أصمت أمس قالت لا
قال أتريدين أن
المكتوب والمنذور وقضاء الفوائت وصوم الكفارة وفي معناه ما وافق سنة مؤكدة كعرفة وعاشوراء أو وافق وردا
وزاد بن الملك وعشر ذي الحجة أو في خير الصيام صيام داود فإن المنهي عنه شدة الاهتمام والعناية به حتى كأنه يراه واجبا كما تفعله اليهود
قلت فعلى هذا يكون النهي للتحريم وأما على غير هذا الوجه فهو للتنزيه بمجرد المشابهة قال الطيبي واتفق الجمهور على أن هذا النهي والنهي عن إفراد الجمعة نهي تنزيه لا تحريم (فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب) هكذا في بعض النسخ وفي بعضها عنبة قال في القاموس العنب معلوم واحدته عنبة انتهى واللحاء بكسر اللام قال التوربشتي اللحاء ممدود وهو قشر الشجر والعنبة هي الحبة من العنب
وفي المرقاة قشر حبة واحدة من العنب استعارة من قشر العود (أو عود شجرة) عطفا على اللحاء (فليمضغه) بفتح الضاد ويضم في القاموس مضغه كمنعه ونصره لاكه بأسنانه وهذا تأكيد بالإفطار لنفي الصوم
قاله علي القارىء
قال المنذري قال أبو داود هذا الحديث منسوخ وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه وقال الترمذي حديث حسن هذا آخر كلامه وقيل إن الصماء أخت بسر
وروي هذا الحديث من حديث عبد الله بن بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حديث أبيه بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث الصماء عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال النسائي هذه أحاديث مضطربة انتهى كلام المنذري والحديث أخرجه أحمد والدارمي وصححه الحاكم على شرط البخاري وقال النووي صححه الأئمة (قال أبو داود هذا الحديث منسوخ) ذهب إلى نسخه المؤلف
وقد طعن في هذا الحديث<span class="matn-hr"> </span>Qتصومي غدا فالغد هو يوم السبت
وحديث أبي هريرة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة إلا مقرونا بيوم قبله أو يوم بعده فاليوم الذي بعده هو يوم السبت
وقال من صام رمضان وأتبعه بست من شوال وقد يكون فيها السبت
وأمر بصيام الأيام البيض وقد يكون فيها السبت ومثل هذا كثير فقد فهم الأثرم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث وأنه رخص في صومه حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة
وذكر أن الإمام علل حديث يحيى بن سعيد وكان ينفيه وأبى أن يحدث به فهذا تضعيف للحديث
واحتج الأثرم بما ذكر في النصوص المتواترة على صوم يوم السبت يعني أن يقال يمكن حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره
وحديث النهي على صومه وحده وعلى هذا تتفق النصوص
وهذه طريقة جيدة لولا أن قوله في الحديث لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم
جماعة من الأئمة مالك بن أنس وبن شهاب الزهري والأوزاعي والنسائي فلا تغتر بتحسين الترمذي وتصحيح الحاكم وإن ثبت تحسينه فلا يعارض حديث جويرية بنت الحارث الذي اتفق عليه الشيخان<span class="matn-hr"> </span>Qدليل على المنع من صومه في غير الفرد مفردا أو مضافا لأن الاستثناء دليل التناول وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد لقال لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده كما قال في الجمعة
فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها
وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها كقوله في يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده فدل على أن الحديث غير محفوظ وأنه شاذ
وقد قال أبو داود قال مالك هذا كذب
وذكر بإسناده عن الزهري أنه كان إذا ذكر له النهي عن صيام يوم السبت يقول هذا حديث حمصي
وعن الأوزاعي قال ما زلت كاتما له حتى رأيته انتشر يعني حديث بن بسر هذا
وقالت طائفة منهم أبو داود هذا حديث منسوخ
وقالت طائفة وهم أكثر أصحاب أحمد محكم وأخذوا به في كراهية إفراده بالصوم وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه
قالوا وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل فإنه سئل في رواية الأثرم عنه فأجاب بالحديث
وقاعدة مذهبه أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنص يدل على أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به لأنه ذكره في معرض الجواب فهو متضمن للجواب والاستدلال معا
قالوا وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد
فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث
قالوا وإسناده صحيح
ورواته غير مجروحين ولا متهمين وذلك يوجب العمل به وسائر الأحاديث ليس فيها ما يعارضه لأنها تدل على صومه مضافا فيحمل النهي على صومه مفردا كما ثبت في يوم الجمعة
ونظير هذا الحكم أيضا
كراهية إفراد رجب بالصوم وعدم كراهيته موصولا بما قبله أو بعده
ونظيره أيضا ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول فلا يكره
قالوا وقد جاء هذا مصرحا به في صوم يوم السبت ففي مسند الإمام أحمد من حديث بن
جماعة من الأئمة مالك بن أنس وبن شهاب الزهري والأوزاعي والنسائي فلا تغتر بتحسين الترمذي وتصحيح الحاكم وإن ثبت تحسينه فلا يعارض حديث جويرية بنت الحارث الذي اتفق عليه الشيخان<span class="matn-hr"> </span>Qلهيعة حدثنا موسى بن وردان عن عبيد الأعرج حدثتني جدتي يعني الصماء أنها دخلت علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت وهو يتغدى
فقال تعالي تغدي
فقالت إني صائمة
فقال لها أصمت أمس قالت لا قال كلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك وهذا وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا انفرد لكن يدل عليه ما تقدم من الأحاديث
وعلى هذا فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا تصوموا يوم السبت أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض فإن الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه وحده
وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره بخلاف قصده بعينه في النفل فإنه يكره
ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة
فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا لا المقارنة بينه وبين غيره
وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه أو موافقته عادة ونحو ذلك
قالوا وأما قولكم إن الاستثناء دليل التناول إلى آخره فلا ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي
فصورة الاقتران بما قبله أو بما بعده أخرجت بالدليل الذي تقدم فكلا الصورتين مخرج
أما الفرض فبالمخرج المتصل
وأما صومه مضافا فبالمخرج المنفصل فبقيت صورة الإفراد واللفظ متناول لها ولا مخرج لها من عمومه فيتعين حمله عليها
ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة فعللها بن عقيل بأنه يوم يمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك وهو ترك العمل فيه والصائم في مظنة ترك العمل فيصير صومه تشبها بهم وهذه العلة منتفية في الأحد
ولا يقال فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره ومع هذا فإنه لا يكره لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدا تخصيصه المقتضي للتشبه وشاهده استحباب صوم يوم قبل عاشوراء وبعده إليه لتنتفي صورة الموافقة
وعللة طائفة أخرى بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيما له فكره ذلك كما كره إفراد يوم عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب وإفراد رجب أيضا لما عظمه المشركون
وهذا التعليل قد تعارض بيوم الأحد فإنه يوم عيد غير للنصارى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم اليوم لنا وغدا لليهود وبعد للنصارى ومع ذلك فلا يكره صومه
وأيضا فإذا كان يوم عيد فقد يقال مخالفتهم فيه يكون بالصوم لا بالفطر فالصوم فيه تحقيق للمخالفة ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما من حديث كريب مولى بن عباس قال أرسلني بن عباس وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها صياما فقالت كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول إنهما يوما عيد
جماعة من الأئمة مالك بن أنس وبن شهاب الزهري والأوزاعي والنسائي فلا تغتر بتحسين الترمذي وتصحيح الحاكم وإن ثبت تحسينه فلا يعارض حديث جويرية بنت الحارث الذي اتفق عليه الشيخان<span class="matn-hr"> </span>Qللمشركين فأنا أحب أن أخالفهم وصححه بعض الحفاظ
فهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم لأجل مخالفتهم فكيف نعلل كراهة صومه بكونه عيدا لهم وفي جامع الترمذي عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين
ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس قال الترمذي حديث حسن
وقد روى بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه
وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بالصوم
وعلله طائفة بأنهم يتركون العمل فيه والصوم مظنة ذلك فإنه إذا ضم إليه الأحد زال الإفراد المكروه وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم وزال عنها صورة التعظيم المكروه بعدم التخصيص المؤذن بالتعظيم فاتفقت بحمد الله الأحاديث وزال عنها الاضطراب والاختلاف وتبين تصديق بعضها بعضا
فإن قيل
فما تقولون في صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين قيل قد كرهه كثير من العلماء وأكثر أصحاب أحمد على الكراهة
قال أحمد في رواية ابنه عبد الله حدثنا وكيع عن سفيان عن رجل عن أنس والحسن أنهما كرها صوم يوم النيروز والمهرجان قال عبد الله قال أبي الرجل أبان بن أبي عياش
فلما أجاب أحمد بهذا الجواب لمن سأله عن صيام هذين اليومين دل ذلك على أنه اختاره
وهذه إحدى الطريقتين لأصحابه في مثل ذلك
وقيل لا يكون هذا اختيارا له ولا ينسب إليه القول الذي حكاه وأكثر الأصحاب على الكراهة وعللوا ذلك بأنهما يومان يعظمهما الكفار فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما فكره كيوم السبت
قال صاحب المغني وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم
قال شيخنا أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه وقد يقال يكره صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من الأيام التي لا تعرف بحساب العرب بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد لأنه إذا قصد صوم مثل هذا الأيام العجمية أو الجاهلية كان ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام وإحياء أمرها وإظهار حالها بخلاف السبت والأحد فإنهما من حساب المسلمين فليس في صومهما مفسدة فيكون استحباب صوم أعيادهم المعروفة بالحساب العربي الإسلامي مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب الجاهلي العجمي توفيقا بين الآثار
والله أعلم
52 -
باب الرخصة في ذلك (عن أبي أيوب) اسمه يحيى بن مالك ذكره مسلم في صحيحه في بيان أوقات الصلاة وهكذا في التهذيب وهو أبو أيوب المراغي العتكي البصري روى عن جويرية وسمرة وعنه عمران الجوني وقتادة وثقه العجلي
ووهم القسطلاني فقال أبو أيوب هذا هو الأنصاري (العتكي) صفة أبي أيوب أي قال حفص بن عمر في روايته عن أبي أيوب العتكي (عن جويرية) تصغير جارية (بنت الحارث) المصطلقية زوج النبي صلى الله عليه وسلم (وهي صائمة) جملة حالية (أصمت أمس) بهمزة الاستفهام وكسر سين أمس على لغة الحجاز أي يوم الخميس (تريدين أن تصومي غدا) أي يوم السبت (فأفطري) بقطع الهمزة وزاد أبو نعيم في روايته إذا قال المنذري وأخرجه البخاري والنسائي
وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم وأخرجه أيضا النسائي
(أنه) أي بن شهاب (إذا ذكر) بصيغة المجهول (له) أي لابن شهاب الزهري (نهي) بصيغة المجهول (هذا حديث حمصي) يريد<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال عبد الحق ولعل مالكا إنما جعله كذبا من أجل رواية ثور بن يزيد الكلاعي فإنه كان يرمى بالقدر ولكنه كان ثقة فيما يروي
قاله يحيى وغيره
وروى عنه الجلة مثل يحيى بن سعيد القطان وبن المبارك والثوري وغيرهم وقيل في هذا الحديث عن عبد الله بن بسر عن عمته الصماء وهو أصح واسمها بهية وقيل بهيمة آخر كلامه
تضعيفه لأن في حديث عبد الله بن بسر راويان حمصيان أحدهما ثور بن يزيد وثانيهما خالد بن معدان تكلم فيهما بعض ووثقهما بعض
وقال السندي في فتح الودود كأنه يريد تضعيفه وقول مالك هذا كذب أصرح في ذلك وأبلغ لكن قال الترمذي حديث حسن والظاهر أن سبب ما ذكروا عدم ظهور المعنى حتى قال بعضهم منسوخ وبعضهم ضعيف والله أعلم
$ 3 - (باب في صوم الدهر تطوعا)
(فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله) قال العلماء سبب غضبه صلى الله عليه وسلم أنه كره مسألته لأنه يحتاج إلى أن يجيبه ويخشى من جوابه مفسدة وهي أنه ربما اعتقد السائل وجوبه أو استقله أو اقتصر عليه وكان يقتضي حاله أكثر منه وإنما اقتصر عليه النبي صلى الله عليه وسلم لشغله لصالح المسلمين وحقوقهم وحقوق أزواجه وأضيافه والوافدين عليه ولئلا يقتدي به كل أحد فيؤدي الضرر في حق بعضهم
وكان حق السائل أن يقول كم أصوم وكيف أصوم فيخص السؤال بنفسه ليجيبه بما تقتضيه حاله كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم والله أعلم
قاله النووي (لا صام ولا<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهو نص في أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصيام ولو كان سرد الصيام مشروعا أو
أفطر) معناه لم يصم ولم يفطر وقد توضع لا بموضع لم كقوله سبحانه فلا صدق ولا صلى أي لا تصدق ولم يصل وقد يحتمل أن يكون معناه الدعاء عليه كراهة لصنعه وزجرا له عن ذلك ويشبه أن يكون الذي نهى عنه من صوم الدهر
هو أن يسرد الصيام أيام السنة كلها لا يفطر منها الأيام المنهي عن صيامها
وقد سرد الصوم دهره أبو طلحة الأنصاري وكان لا يفطر في سفر ولا حضر فلم يعبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نها عن ذلك كذا في المعالم (وددت أني طوقت) بصيغة المجهول (ذلك) يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عن ذلك للحقوق التي تلزمه لنسائه لأن ذلك يخل بحظوظهن منه لا لضعف جبلته عن احتمال الصيام أو قلة صبره عن الطعام في هذه المدة انتهى كلام الخطابي
قال النووي قيل معناه وددت أن أمتي تطوقه لأنه صلى الله عليه وسلم كان يطيقه وأكثر منه وكان يواصل<span class="matn-hr"> </span>Qمستحبا لكان أكثر عملا فيكون أفضل إذ العبادة لا تكون إلا راجحة فلو كان عبادة لم يكن مرجوحا
وقد تأول قوم هذا على أن المعنى لا أفضل من ذلك للمخاطب وحده لما علم من حاله ومنتهى قوته وأن ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن فرائضه ويقطعه عن القيام بما عليه من الحقوق وهذا تأويل باطل من وجوه
أحدها أن سياق الحديث يرده فإنه إنما كان عن المطيق فإنه قال فإني أطيق أفضل من ذلك فسبب الحديث في المطيق فأخبره أنه لا أفضل من ذلك للمطيق الذي سأل
ولو أن رجلا سأل من يفضل السرد
وقال إني أطيق أفضل من صوم يوم وفطر يوم لقال له السرد أفضل
الثاني أنه أخبر عنه بثلاث جمل إحداها أنه أعدل الصيام
والثانية أنه صوم داود
والثالثة أنه لا أفضل منه
وهذه الأخبار تمنع تخصيصه بالسائل
الثالث أن في بعض ألفاظ مسلم فيه فإني أقوى
قال فلم يزل يرفعني حتى قال صم يوما وأفطر يوما فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود فعلل ذلك بكونه أفضل الصيام وأنه صوم داود مع إخباره له بقوته ولم يقل له فإن قويت فالسرد أفضل
ويقول إني لست كأحدكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني
أو يقال إنما قاله لحقوق نسائه وغيرهن من المسلمين والمتعلقين به والقاصدين إليه
(وصيام عرفة إني أحتسب على الله إلخ) معناه يكفر ذنوب صائمه في السنتين قالوا والمراد به الصغائر وإن لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر فإن لم يكن رفعت درجات
وحاصل الحديث بيان رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقته عليهم وإرشادهم إلى مصالحهم وحثهم على ما يطيقون الدوام عليه ونهيهم عن التعمق والإكثار من العبادات التي يخاف عليهم الملل بسببها أو تركها أو ترك بعضها وقد بين ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وبقوله صلى الله عليه وسلم لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل وفي الحديث الآخر أحب العمل إليه ما داوم صاحبه عليه وقد ذم الله تعالى قوما أكثروا العبادة ثم فرطوا فيها فقال تعالى ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها وفي هذه الرواية النهي عن صيام الدهر
واختلف العلماء فيه فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر لظواهر هذه الأحاديث
قال القاضي وغيره ذهب جماهير العلماء إلى جوازه إذا لم يصم الأيام المنهي عنها وهي العيدان والتشريق
ومذهب الشافعي وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر العيد والتشريق لا كراهة فيه بل هو مستحب بشرط أن لا يلحقه به ضرر ولا يفوت حقا فإن تضرر أو فوت حقا فمكروه
قال<span class="matn-hr"> </span>Qالرابع أن هذا موافق لقوله فيمن صام الأبد لا صام ولا أفطر ومعلوم أن السائل لم يسأله عن الصوم المحرم الذي قد استقر تحريمه عندهم ولو قدر أنه سأله عنه لم يكن ليجيب عنه بقوله لا صام ولا أفطر بل كان يجيب عنه بصريح النهي
والسياق يدل على أنه إنما سأله عن الصوم المأذون فيه لا الممنوع منه ولا يعبر عن صيام الأيام الخمسة وعن المنع منها بقوله لا صام من صام الأبد ولا هذه العبارة مطابقة للمقصود بل هي بعيدة منه جدا
الخامس أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن أحب الصيام إلى الله صيام داود وأحب القيام إلى الله قيام داود وأخبر بهما معا
ثم فسره بقوله كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما رواه البخاري ومسلم
وهذا صريح في أنه إنما كان أحب إلى الله لأجل هذا الوصف وهو ما يتخلل الصيام والقيام من الراحة التي تجم بها نفسه ويستعين بها على القيام بالحقوق
وبالله التوفيق
المنذري وفي رواية قال يارسول الله أرأيت يوم الاثنين والخميس قال فيه ولدت وفيه أنزل علي القرآن وأخرجه مسلم وقال وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه مختصرا ومفرقا
(فيه ولدت) أي في يوم الاثنين (وفيه أنزل علي القرآن) أي في يوم الاثنين
(ألم أحدث) بصيغة المجهول (لا أفضل من ذلك) قال النووي اختلف العلماء فقال المتولي وغيره هو أفضل من السرد لظاهر هذا الحديث وفي كلام غيره إشارة إلى تفضيل السرد وتخصيص هذا الحديث بعبد الله بن عمرو ومن في معناه وتقديره لا أفضل من هذا في حقك ويؤيد هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد وأرشده إلى يوم ويوم ولو كان أفضل في حق كل الناس لأرشده إليه وبينه له فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والله أعلم
وقال السندي ظاهره أنه أفضل من صوم يومين وإفطار يوم ومن صيام يوم الدهر بلا صيام أيام الكراهة وبه قال بعض أهل العلم وهو أشد الصيام على النفس فمنه لا يعتاد الصوم ولا الإفطار فيصعب عليه كل منهما انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي
$ 54 - (باب في صوم أشهر الحرم)
(ثم قال صم شهر الصبر) قال الخطابي شهر الصبر هو شهر رمضان وأصل الصبر الحبس فسمي الصيام صبرا لما فيه من حبس النفس عن الطعام ومنعها عن وطء النساء وغشيانهن في نهار (صم من الحرم) بضمتين أي الأشهر الحرم وهي أربعة أشهر التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه فقال إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم وهي شهر رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم
وقيل لأعرابي كم الأشهر الحرم فقال أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد انتهى (وقال بأصابعه الثلاثة) أي صم منها ما شئت وأشار بالأصابع الثلاثة إلى أنه لا يزيد على الثلاث المتواليات وبعد الثلاث يترك يوما أو يومين والأقرب أن الإشارة لإفادة أنه يصوم ثلاثا ويترك ثلاثا والله أعلم
قاله السندي
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه إلا أن النسائي قال فيه عن مجيبة الباهلي عن عمه وقال بن ماجه عن أبي مجيبة الباهلي عن أبيه أو عمه وذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة وقال فيه عن مجيبة يعني الباهلية قالت حدثني أبي أو عمي وسمى أباها عبد الله بن الحارث فقال سكن البصرة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا وقال في موضع آخر أبو مجيئة الباهلية أو عمها سكن البصرة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا ولم يسمه وذكر هذا الحديث وذكره بن قانع في معجم الصحابة وقال فيه عن مجيبة عن أبيها أو عمها وسماه أيضا
عبد الله بن الحارث هذا آخر كلامه
وقد وقع فيه هذا الاختلاف كما ترى
وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك وهو متوجه
ومجيبة بضم الميم وكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء موحدة مفتوحة وتاء تأنيث انتهى
$ 5 - (باب في صوم المحرم)
(عن أبي بشر) بكسر الباء هكذا في أكثر النسخ وكذا في الأطراف وفي بعض النسخ أبو بشير بزيادة الياء ولا يصح (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم) تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم
وأما إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان دون المحرم فجوابه من وجهين أحدهما لعله إنما علم فضله في آخر حياته والثاني لعله يعرض فيه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما (وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل) فيه دليل لما اتفق العلماء عليه أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار وفيه حجة لأبي إسحاق المروزي ومن وافقه صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة
وقال أكثر العلماء الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض والأول أقوى وأوفق والله أعلم ذكره النووي
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
(كان يصوم حتى نقول لا يفطر حتى نقول لا يصوم) قال النووي الظاهر أن مراد<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد رواه شعبة عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا فاختلف فيه شعبة وأبو عوانة فقال أبو عوانة عن أبي بشر حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة
وقال شعبة عن أبي بشر عن حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم ورجح الدارقطني إرساله
سعيد بن جبير بهذا الاستدلال أنه لا نهي عنه ولا ندب فيه لعينه بل له حكم باقي الشهور ولم يثبت في صوم رجب نهي ولا ندب ولا نهي لعينه ولكن أصل الصوم مندوب إليه
وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم ورجب أحدها والله أعلم
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وبن ماجه
$ 6 - (باب في صوم شعبان)
(كان أحب الشهور) خبر كان لكونه صفة وشعبان اسمه (أن يصومه) وفيه وجهان الأول أنه بدل من أحب الشهور والضمير المنصوب فيه عائد إلى أحب الشهور (شعبان) اسم كان بحذف المضاف تقديره كان شعبان أي صومه صوم أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني أن قولها أن يصومه منصوب بنزع الخافض والضمير المنصوب فيه عائد إلى أحب الشهور تقديره كان شعبان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يصوم أحب الشهور
وحاصله أن كون شعبان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على الإطلاق بل في أمر الصوم فقط فيجوز أن يكون أحب الشهور إليه صلى الله عليه وسلم في غير أمر الصوم غير شعبان والوجه الأول هو القوي
قال بن رسلان فإن قيل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص شعبان بصيام التطوع فيه مع أنه قال أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم فالجواب أن جماعة أجابوا عن ذلك بأجوبة غير قوية لاعتقادهم أن صيام المحرم أفضل من شعبان كما صرح به الشافعية وغيرهم كما قال النووي أفضل الشهر للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم وأفضلها المحرم ويلي المحرم في الفضل رجب والأظهر كما قال بعض الشافعية والحنابلة وغيرهم أن أفضل الصيام بعد شهر رمضان شعبان لمحافظته صلى الله عليه وسلم على صومه أو صوم أكثره فيكون قوله أفضل الصيام بعد رمضان المحرم محمولا على التطوع المطلق وكذا أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل إنما أريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن والرواتب التي قبل الفرض وبعده خلافا لبعض الشافعية فكذلك ما كان قبل رمضان أو بعده من شوال تشبيها له بالسنن والرواتب انتهى
والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي والله أعلم
قال المنذري وأخرجه النسائي
$ 57 - (باب في صوم شوال)
(إن لأهلك عليك حقا) والصوم يضعف الإنسان فلا يقدر على أداء حق الأهل وفيه إشعار بأن صوم الدهر من شأنه أن يفتر الهمة عن القيام بحقوق الله وحقوق عباده فلذاكره (صم رمضان والذي يليه) قيل أراد الست من شوال وقيل أراد به شعبان (وكل أربعاء) بالمد وعدم الانصراف (وخميس) بالجر والتنوين (فإذا) بالتنوين (أنت قد صمت الدهر) قال الطيبي الفاء جزاء شرط محذوف أي إن فعلت ما قلت لك فقد صمت وإذا جواب جيء لتأكيد الربط
قاله على القارىء
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث غريب وروى بعضهم عن هارون بن سلمان عن مسلم بن عبيد الله عن أبيه وقد أخرج النسائي الروايتين الرواية الأولى والثانية التي أشار إليها الترمذي
$ 8 - (باب في صوم ستة أيام من شوال)
(قال من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال) وقد استدل به وغيره من الأحاديث<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله هذا الحديث قد اختلف فيه فأورده مسلم في صحيحه
وضعفه غيره وقال هو من رواية سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد قال النسائي في سننه سعد بن سعيد ضعيف كذلك قال
المذكورة في هذا الباب على استحباب صوم ستة أيام من شوال وإليه ذهب الشافعي وأحمد وداود وغيرهم
وقال أبو حنيفة ومالك يكره صومها واستدل لهما على ذلك بأنه ربما ظن وجوبها وهو باطل في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة
وأيضا يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها ولا قائل به
واستدل مالك على الكراهة بما قال في الموطأ من أنه ما رأى أحدا من أهل العلم يصومها ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلا ترد به السنة
قال النووي في شرح مسلم قال أصحابنا والأفضل أن تصام الست متوالية عقب يوم<span class="matn-hr"> </span>Qأحمد بن حنبل يحيى بن سعيد
الثقة المأمون أحد الأئمة وعبد ربه بن سعيد لا بأس به وسعد بن سعيد ثالثهم ضعيف
وذكر عبد الله بن الزبير الحميدي هذا الحديث في مسنده وقال الصحيح موقوفا
وقد روى الإخوة الثلاثة هذا الحديث عن عمر بن ثابت
فمسلم أورده من رواية سعد بن سعيد
ورواه النسائي من حديثه مرفوعا ومن حديث عبد ربه بن سعيد موقوفا
ورواه أيضا من حديث يحيى بن سعيد مرفوعا
وقد رواه أيضا ثوبان عن النبي قال صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذاك صيام سنة رواه النسائي وفي لفظ له أيضا أنه سمع رسول الله يقول جعل الله الحسنة بعشرة فشهر بعشرة أشهر وستة أيام بعد الفطر تمام السنة قال الترمذي وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وثوبان وقد أعل حديث أبي أيوب من جهة طرقه كلها
أما رواية مسلم فعن سعد بن سعيد وأما رواية أخيه عبد ربه فقال النسائي فيه عتبة ليس بالقوي يعني راويه عن عبد الملك بن أبي بكر عن يحيى
وأما حديث عبد ربه فإنما رواه موقوفا
وهذه العلل وإن منعته أن يكون في أعلى درجات الصحيح فإنها لا توجب وهنه وقد تابع سعدا ويحيى وعبد ربه عن عمر بن ثابت عثمان بن عمرو الخزاعي عن عمر لكن قال عن عمر عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب
ورواه أيضا صفوان بن سليم عن عمر بن ثابت ذكره بن حبان في صحيحه وأبو داود والنسائي فهؤلاء خمسة يحيى وسعيد وعبد ربه بنو سعيد وصفوان بن سليم وعثمان بن عمرو الخزاعي كلهم رووه عن عمرو
فالحديث صحيح
وأما حديث ثوبان فقد رواه بن حبان في صحيحه
ولفظه من صام رمضان وستا من شوال فقد صام السنة ورواه بن ماجة
ولفظه من صام رمضان وستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأما حديث جابر فرواه أحمد في مسنده عن أبي عبد الرحمن المقرئ عن سعيد بن أبي أيوب عن عمرو بن جابر الحضرمي عن جابر عن النبي وعمرو بن جابر ضعيف ولكن قال أبو حاتم
الفطر قال فإن فرقها أو أخرها عن أوائل شوال إلى آخره حصلت فضيلة المتابعة لأنه يصدق أنه أتبعه ستا من شوال
قال قال العلماء وإنما كان ذلك كصيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها فرمضان بعشرة أشهر والستة بشهرين وقد جاء هذا الحديث مرفوعا في كتاب النسائي
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه<span class="matn- hr"> </span>Qالرازي هو صالح له نحو عشرين حديثا
وقال أبو نعيم الأصبهاني روي عن عمرو بن دينار ومجاهد عن جابر مثله
وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو نعيم من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
ورواه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي
قال أبو نعيم ورواه عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبي هريرة عن أبيه ورواه إسماعيل بن رافع عن أبي صالح عن أبي هريرة
وهذه الطرق تصلح للاعتبار والاعتضاد
وقد احتج أصحاب السنن الأربعة بليث وقد روى حديث شداد بن أوس قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل سمعت أبي وذكر حديثا رواه سويد بن عبد العزيز عن يحيى بن الحارث عن أبي الأشعث الصنعاني عن أبي أسماء عن ثوبان مرفوعا من صام رمضان وأتبعه بست من شوال قال أبي هذا وهم من سويد قد سمع يحيى بن الحرث هذا الحديث من أبي أسماء إنما أراد سويد ما حدثنا صفوان بن صالح أخبرنا مروان الطاطري عن يحيى بن حمزة عن يحيى بن الحرث عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس عن النبي قال من صام رمضان الحديث وهذا إسناد ثقات كلهم ثم قال بن أبي حاتم بعد ذلك سئل أبي عن حديث رواه مروان الطاطري عن يحيى بن حمزة وذكر هذا الحديث حديث شداد بن أوس قال سمعت أبي يقول الناس يروون عن يحيى بن الحرث عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي
قلت لأبي أيهما الصحيح قال جميعا صحيح
وقال الدارقطني حدثنا إبراهيم بن محمد الرقي أخبرنا أبو همام أخبرنا يحيى بن حمزة عن إسحاق بن عبد الله قال حدثني سعد بن سعيد عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب عن النبي أنه قال من صام ستة أيام بعد الفطر فكأنما صام الدهر كله ويحيى بن حمزة قاضي دمشق صدوق وأبو همام الوليد بن شجاع السكوني أخرج له مسلم وهذا غريب لعله اشتبه على بعض رواته عمر بن ثابت بعدي بن ثابت وتأكد الوهم فجعله عن البراء بن عازب لكثرة رواية عدي بن ثابت عنه
وقد اختلف أهل العلم في القول بموجب هذه الأحاديث
فذهب أكثرهم إلى القول باستحباب صومها
منهم الشافعي وأحمد وبن المبارك وغيرهم
وكرهها آخرون
منهم مالك
وقال مطرف كان مالك يصومها في خاصة نفسه
قال وإنما كره صومها لئلا يلحق أهل الجاهلية ذلك برمضان
فأما من يرغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qوقد اعترض بعض الناس على هذه الأحاديث باعتراضات نذكرها ونذكر الجواب عنها إن شاء الله تعالى
الاعتراض الأول تضعيفها
قالوا وأشهرها حديث أبي أيوب ومداره على سعد بن سعيد وهو ضعيف جدا تركه مالك وأنكر عليه هذا الحديث وقد ضعفه أحمد وقال الترمذي تكلموا فيه من قبل حفظه
وقال النسائي ليس بالقوي وقال بن حبان لا يجوز الاحتجاج بحديث سعد بن سعيد
وجواب هذا الاعتراض أن الحديث قد صححه مسلم وغيره
وأما قولكم يدور على سعد بن سعيد فليس كذلك بل قد رواه صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد أخو سعد المذكور وعبد ربه بن سعيد وعثمان بن عمر الخزاعي
أما حديث صفوان فأخرجه أبو داود والنسائي وبن حبان
وأما حديث يحيى بن سعيد فرواه النسائي عن هشام بن عمار عن صدقة بن خالد متفق عليهما عن عتبة بن أبي حكيم
وثقة الرازيان وبن معين وبن حبان عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وعبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وإسماعيل بن إبراهيم الصائغ ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد عن عمر به
فإن قيل فقد رواه حفص بن غياث وهو أثبت ممن ذكرت عن يحيى بن سعيد عن أخيه سعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت فدل على أن يحيى بن سعيد لم يروه عن عمر بن ثابت وإلا لما رواه عن أخيه عنه ورواه إسحاق بن أبي فروة عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن البراء فقد اختلف فيه
قيل رواية عبد الملك ومن معه عن يحيى بن سعيد أرجح من رواية حفص بن غياث لأنهم أتقن وأكثر وأبعد عن الغلط ويحتمل أن يكون يحيى سمعه من أخيه فرواه كذلك ثم سمعه من عمر ولهذا نظائر كثيرة وقد رواه عبد الله بن لهيعة عن عبد ربه بن سعيد عن أخيه يحيى بن سعيد عن عمر فإن كان يحيى إنما سمعه من أخيه سعد فقذ اتفقت فيه رواية الإخوة الثلاثة له بعضهم عن بعض
وأما حديث عبد ربه بن سعيد فذكره البيهقي وكذلك حديث عثمان بن عمرو الخزاعي
وبالجملة فلم ينفرد به سعد سلمنا انفراده لكنه ثقة صدوق روى له مسلم وروى عنه شعبة وسفيان الثوري وبن عيينة وبن جريج وسليمان بن بلال وهؤلاء أئمة هذا الشأن
وقال أحمد كان شعبة أمة وحدة في هذا الشأن قال عبد الله يعني في الرجال وبصره بالحديث وتثبته وتنقيته
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qللرجال وقال محمد بن سعد شعبة أول من فتش عن أمر المحدثين وجانب الضعفاء والمتروكين وصار علما يقتدى به وتبعه عليه بعده أهل العراق
وأما ما ذكرتم من تضعيف أحمد والترمذي والنسائي فصحيح
وأما ما نقلتم عن بن حبان فإنما قاله في سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وليس في كتابه غيره وأما سعد بن سعيد الأنصاري المدني فإنما ذكره في كتاب الثقات وقد قال أبو حاتم الرازي عن بن معين سعد بن سعيد صالح وقال محمد بن سعد ثقة قليل الحديث وقال بن أبي حاتم سمعت أبي يقول كان سعد بن سعيد مؤديا يعني أنه كان يحفظ ويؤدي ما سمع
وقال بن عدي له أحاديث صالحة تقرب من الاستقامة ولا أرى بحديثه بأسا مقدار ما يرويه ومثل هذا إنما ينفي ما ينفرد به أو يخالف به الثقات فأما إذا لم ينفرد وروى ما رواه الناس فلا يطرح حديثه
سلمنا ضعفه لكن مسلم إنما احتج بحديثه لأنه ظهر له أنه لم يخطىء فيه بقرائن ومتابعات ولشواهد دلته على ذلك وإن كان قد عرف خطؤه في غيره فكون الرجل يخطىء في شيء لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطىء فيه وهكذا حكم كثير من الأحاديث التي خرجاها وفي إسنادها من تكلم فيه من جهة حفظه فإنهما لم يخرجاها إلا وقد وجدا لها متابعا
وههنا دقيقة ينبغي التفطن لها وهي أن الحديث الذي روياه أو أحدهما واحتجا برجاله أقوى من حديث احتجا برجاله ولم يخرجاه فتصحيح الحديث أقوى من تصحيح السند
فإن قيل فلم لا أخرجه البخاري قيل هذا لا يلزم لأنه رحمه الله لم يستوعب الصحيح وليس سعد بن سعيد من شرطه على أنه قد استشهد به في صحيحه فقال في كتاب الزكاة وقال سليمان عن سعد بن سعيد عن عمارة بن غزية عن بن عباس عن أبيه عن النبي صلى الله أحد جبل يحبنا ونحبه
الاعتراض الثاني أن هذا الحديث قد اختلف في سنده على عمر بن ثابت فرواه أبو عبد الرحمن المقرئ عن سعيد عن عبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب موقوفا ذكره النسائي
وأخرجه أيضا من حديث عثمان بن عمرو بن ساج عن عمر بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب وهذا يدل على أن طريق سعد بن سعيد غير متصلة حيث لم يذكر محمد بن المنكدر بين عمر بن ثابت وأبي أيوب وقد رواه إسماعيل بن عياش عن محمد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن أبي أيوب
فدل على أن لرواية محمد بن المنكدر له عن أبي أيوب أصلا
ورواه أبو داود الطيالسي عن ورقاء بن عمر اليشكري عن سعد بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب
وهذا الاختلاف يوجب ضعفه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qوالجواب أن هذا لا يسقط الاحتجاج به أما رواية عبد ربه بن سعيد له موقوفا فإما أن يقال الرفع زيادة
وإما أن يقال هو مخالفة وعلى التقديرين فالترجيح حاصل بالكثرة والحفظ فإن صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد وهما إمامان جليلان وسعد بن سعيد وهو ثقة محتج به في الصحيح اتفقوا على رفعه وهم أكثر وأحفظ على أن المقبري لم يتفق عنه على وقفه
بل قد رواه أحمد بن يوسف السلمي شيخ مسلم وعقيل بن يحيى جميعا عنه عن شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب مرفوعا وذكره بن منده وهو إسناد صحيح موافق لرواية الجماعة ومقو لحديث صفوان بن سليم وسعد بن سعيد
وأيضا فقد رواه محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن ورقاء عن سعد بن سعيد مرفوعا كرواية الجماعة وغندر أصح الناس حديثا في شعبة حتى قال علي بن المديني هو أحب إلي من عبد الرحمن بن مهدي في شعبة فمن يكون مقدما على عبد الرحمن بن مهدي في حديث شعبة يكون قوله أولى من المقبري
وأما حديث عثمان بن عمرو بن ساج فقال أبو القاسم بن عساكر في أطرافه عقب روايتها هذا خطأ والصواب عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب من غير ذكر محمد بن المنكدر
وقد قال أبو حاتم الرازي عثمان والوليد ابنا عمرو بن ساج يكتب حديثهما ولا يحتج به وقال النسائي رأيت عنده كتبا في غير هذا
فإذا أحاديث شبه أحاديث محمد بن أبي حميد فلا أدري أكان سماعه من محمد أم من أولئك المشيخة فإن كانت تلك الأحاديث أحاديثه عن أولئك المشيخة ولم يكن سمعه من محمد فهو ضعيف
وأما رواية إسماعيل بن عياش له عن محمد بن أبي حميد فإسماعيل بن عياش ضعيف في الحجازيين ومحمد بن حميد متفق على ضعفه ونكارة حديثه وكأن بن ساج سرق هذه الرواية عن محمد بن حميد والغلط في زيادة محمد بن المنكدر منه
والله أعلم
وأما رواية أبي داود الطيالسي فمن رواية عبد الله بن عمران الأصبهاني عنه قال بن حبان كان يغرب وخالفه يونس بن حبيب فرواه عن أبي داود عن ورقاء بن عمر عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت موافقة لرواية الجماعة
فإن قيل فالحديث بعد هذا كله مداره على عمر بن ثابت الأنصاري لم يروه عن أبي أيوب غيره فهو شاذ فلا يحتج به
قيل ليس هذا من الشاذ الذي لا يحتج به وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة كحديث الأعمال بالنيات تفرد علقمة بن وقاص به وتفرد محمد بن إبراهيم التيمي به عنه وتفرد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qيحيى بن سعيد به عن التيمي
وقال يونس بن عبد الأعلى قال لي الشافعي ليس الشاذ أن يروي الثقة ما لا يروي غيره إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس
وأيضا فليس هذا الأصل مما تفرد به عمر بن ثابت لرواية ثوبان وغيره له عن النبي وقد ترجم بن حبان على ذلك في صحيحه فقال بعد إخراجه حديث عمر بن ثابت ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمر بن ثابت عن أبي أيوب وذكر حديث ثوبان من رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن يحيى بن الحرث الذماري عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان ورواه بن ماجة
ولكن لهذا الحديث علة وهي أن أسد بن موسى رواه عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن يحيى بن الحرث به
والوليد مدلس وقد عنعنه فلعله وصله مرة ودلسه أخرى
وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن حمزة ومحمد بن شعيب بن سابور وكلاهما عن يحيى بن الحرث الذماري به
ورواه أحمد في المسند عن أبي اليمامة عن إسماعيل بن عياش عن يحيى بن الحرث به وقد صحح الحديث أبو حاتم الرازي وإسماعيل إذا روى عن الشاميين فحديثه صحيح وهذا إسناد شامي
الاعتراض الثالث أن هذا الحديث غير معمول به عند أهل العلم
قال مالك في الموطأ ولم أر أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عن أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك تم كلامه قال الحافظ أبو محمد المنذري والذي خشي منه مالك قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والنواقيس وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد
ويؤيد هذا ما رواه أبو داود في قصة الرجل الذي دخل المسجد وصلى الفرض ثم قام يتنفل فقام إليه عمر وقال له اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له رسول الله أصاب الله بك ياابن الخطاب
قالوا فمقصود عمر أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادي وطال الزمن ظن الجهال أن ذلك من الفرض كما قد شاع عند كثير من العامة أن صبح يوم الجمعة خمس سجدات ولا بد فإذا تركوا قراءة {الم تنزيل} قرؤوا غيرها من سور السجدات بل نهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان حماية لرمضان أن يخلط به صوم غيره فكيف بما يضاف إليه بعده فيقال الكلام هنا في مقامين أحدهما في صوم ستة من شوال من حيث الجملة
والثاني في وصلها به
أما الأول فقولكم إن الحديث غير معمول به فباطل وكون أهل المدينة في زمن مالك لم يعملوا به لا يوجب ترك الأمة كلهم له وقد عمل به أحمد والشافعي وبن المبارك وغيرهم
قال بن عبد البر لم يبلغ مالكا حديث أبي أيوب على أنه حديث مدني والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه والذي كرهه مالك قد بينه وأوضحه خشية أن يضاف إلى فرض رمضان وأن يسبق ذلك إلى العامة وكان متحفظا كثير الاحتياط للدين وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان فإن مالكا لا يكره ذلك إن شاء الله لأن الصوم جنة وفضله معلوم يدع طعامه وشرابه لله وهو عمل بر وخير وقد قال تعالى {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} ومالك لا يجهل شيئا من هذا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك وخشي أن يعد من فرائض الصيام مضافا إلى رمضان وما أظن مالكا جهل الحديث لأنه حديث مدني انفرد به عمر بن ثابت وأظن عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عمر بن ثابت
وقيل إنه روى عنه ولولا علمه به ما أنكر بعض شيوخه إذ لم يثق بحفظه لبعض ما يرويه وقد يمكن أن يكون جهل الحديث ولو علمه لقال به هذا كلامه
وقال القاضي عياض أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء
وروي عن مالك وغيره كراهية ذلك ولعل مالكا إنما كره صومها على ما قال في الموطأ أن يعتقد من يصومه أنه فرض وأما على الوجه الذي أراده النبي فجائز
وأما المقام الثاني فلا ريب أنه متى كان في وصلها برمضان مثل هذا المحذور كره أشد الكراهة وحمي الفرض أن يخلط به ما ليس منه ويصومها في وسط الشهر أو آخره وما ذكروه من المحذور فدفعه والتحرز منه واجب وهو من قواعد الإسلام
فإن قيل الزيادة في الصوم إنما يخاف منها لو لم يفصل بين ذلك بفطر يوم العيد فأما وقد تخلل فطر يوم العيد فلا محذور
وهذا جواب أبي حامد الاسفرايني وغيره
قيل فطر العيد لا يؤثر عند الجهلة في دفع هذه المفسدة
لأنه لما كان واجبا فقد يرونه كفطر يوم الحيض لا يقطع التتابع واتصال الصوم فبكل حال ينبغي تجنب صومها عقب رمضان إذا لم تؤمن معه هذا المفسدة
والله أعلم
فصل فإن قيل لم قال ست والأيام مذكرة فالأصل أن يقال ستة كما قال الله تعالى {سبع ليال وثمانية أيام} وهل لشوال بخصوصه مزية على غيره في ذلك أم لا وهل للست خصوصية على ما دونها وأكثر منها أم لا وكيف شبه من فعل ذلك بصيام الدهر فيكون العمل اليسير مشبها بالعمل الكثير ومن جنسه ومعلوم أن من عمل عملا وعمل الآخر بقدره مرتين لا يستويان فكيف يكون بقدره عشر مرات وهل فرق بين قوله فكأنما صام الدهر وبين أن يقال فكأنه قد صام الدهر وهل يدل الحديث على استحباب صيام الدهر لأجل هذا التشبيه أم لا فالجواب أما قوله ست ولم يقل ستة فالعرب إذا عدت الليالي والأيام فإنها تغلب الليالي إذا لم تضف العدد إلى الأيام فمتى أرادوا عد الأيام عدوا الليالي ومرادهم الأيام
قال تعالى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} قال الزمخشري ولو قيل وعشرة لكان لحنا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qوقال تعالى {يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا} فهذه أيام بدليل قوله تعالى بعدها {إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما} فدل الكلام الأخير على أن المعدود الأول أيام وأما قوله تعالى {سبع ليال وثمانية أيام} فلا تغليب هناك لذكر النوعين وإضافة كل عدد إلى نوعه
وأما السؤال الثاني وهو اختصاص شوال ففيه طريقان
أحدهما أن المراد به الرفق بالمكلف لأنه حديث عهد بالصوم فيكون أسهل عليه ففي ذكر شوال تنبيه على أن صومها في غيره أفضل هذا الذي حكاه القرافي من المالكية وهو غريب عجيب
الطريق الثاني أن المقصود به المبادرة بالعمل وانتهاز الفرصة خشية الفوات
قال تعالى {فاستبقوا الخيرات} وقال {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} وهذا تعليل طائفة من الشافعية وغيرهم
قالوا ولا يلزم أن يعطي هذا الفضل لمن صامها في غيره لفوات مصلحة المبادرة والمسارعة المحبوبة لله
قالوا وظاهر الحديث مع هذا القول
ومن ساعده الظاهر فقوله أولى
ولا ريب أنه لا يمكن إلغاء خصوصية شوال وإلا لم يكن لذكره فائدة
وقال آخرون لما كان صوم رمضان لا بد أن يقع فيه نوع تقصير وتفريط وهضم من حقه وواجبه ندب إلى صوم ستة أيام من شوال جابرة له ومسددة لخلل ما عساه أن يقع فيه
فجرت هذه الأيام مجرى سنن الصلوات التي يتنفل بها بعدها جابرة ومكملة وعلى هذا تظهر فائدة اختصاصها بشوال والله أعلم
فهذه ثلاث مآخذ
وسوى هذا جواب السؤال الثالث وهو اختصاصها بهذا العدد دون ما هو أقل وأكثر فقد أشار في الحديث إلى حكمته فقال في حديث أبي هريرة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فثلاثين بثلاثمائة وستة بستين وقد صام السنة وكذلك في حديث ثوبان ولفظه من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها لفظ بن ماجة
وأخرجه صاحب المختارة
ولفظ النسائي فيه صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين
فذلك صيام سنة يعني صيام رمضان وستة أيام بعده فهذه هي الحكمة في كونها ستة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qوأما ما ذكره بعضهم من أن الستة عدد تام فإنها إذا جمعت أجزاؤها قام منها عدد السنة
فإن أجزاءها النصف والثلث والسدس ويكمل بها بخلاف الأربعة والاثني عشر وغيرهما فهذا لا يحسن ولا يليق أن يذكر في أحكام الله ورسوله
وينبغي أن يصان الدين عن التعليل بأمثاله
وأما السؤال الرابع وهو تشبيه هذا الصيام بصيام الدهر مع كونه بقدره عشر مرات فقد أشكل هذا على كثير من الناس
وقيل في جوابه أن من صام رمضان وستة من شوال من هذه الأمة فهو كمن صام السنة من الأمم المتقدمة
قالوا لأن تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها من خصائص هذه الأمة
وأحسن من هذا أن يقال العمل له بالنسبة إلى الجزاء اعتباران اعتبار المقابلة والمساواة وهو الواحد بمثله واعتبار الزيادة والفضل وهو المضاعفة إلى العشر فالتشبيه وقع بين العمل المضاعف ثوابه وبين العمل الذي يستحق به مثله ونظير هذا قوله من صلى عشاء الآخرة في جماعة فكأنما قام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام ليلة
أما السؤال الخامس وهو الفرق بين أن يقول فكأنما قد صام الدهر وبين قوله فكأنما صام الدهر هو أن المقصود تشبيه الصيام بالصيام
ولو قال فكأنه قد صام الدهر لكان بعيدا عن المقصود فإنه حينئذ يكون تشبيها للصائم بالصائم
فمحل التشبيه هو الصوم لا الصائم ويجيء الفاعل لزوما ولو شبه الصائم لكان هو محل التشبيه ويكون مجيء الصوم لزوما وإنما كان قصد تشبيه الصوم أبلغ وأحسن لتضمنه تنبيه السامع على قدر الفعل وعظمه وكثرة ثوابه فتتوفر رغبته فيه
وأما السؤال السادس وهو الاستدلال به على استحباب صيام الدهر فقد استدل به طائفة ممن يرى ذلك
قالوا ولو كان صوم الدهر مكروها لما وقع التشبيه به بل هذا يدل على أنه أفضل الصيام وهذا الاستدلال فاسد جدا من وجوه
أحدها أن في الحديث نفسه أن وجه التشبيه هو أن الحسنة بعشر أمثالها فستة وثلاثون يوما بسنة كاملة ومعلوم قطعا أن صوم السنة الكاملة حرام بلا ريب والتشبيه لا يتم إلا بدخول العيدين وأيام التشريق في السنة وصومها حرام فعلم أن التشبيه المذكور لا يدل على جواز وقوع المشبه به فضلا عن استحبابه فضلا عن أن يكون أفضل من غيره
ونظير هذا قول النبي لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد فقال لا تستطيعه
هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر قال لا
قال فذلك مثل المجاهد ومعلوم أن هذا المشبه به غير مقدور ولا مشروع
$ 59 - (باب كيف يصوم النبي صلى الله عليه وسلم)
(يصوم حتى نقول لا يفطر) فيه أنه يستحب أن لا يخلي شهرا من صيام وأن صوم النفل غير مختص بزمان معين بل كل السنة صالحة له إلا رمضان والعيد والتشريق
قيل كان يصوم شعبان كله في وقت ويصوم بعضه في سنة أخرى
وقيل كان يصوم تارة من أوله وتارة من آخره وتارة بينهما وما يخلي منه شيئا بلا صيام لكن في سنين
وقيل في تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكونه ترتفع فيه أعمال العباد وقيل غير ذلك
فإن قيل تقدم أن أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم فكيف أكثر منه في شعبان دون<span class="matn-hr"> </span>Qفإن قيل يحمل قوله فكأنما صام الدهر على ما عدا الأيام المنهي عن صومها
قيل تعليله حكمة هذه المقابلة وذكره الحسنة بعشر أمثالها وتوزيع الستة والثلاثين يوما على أيام السنة يبطل هذا الحمل
الثاني أن النبي سئل عمن صام الدهر فقال لا صام ولا أفطر وفي لفظ لا صام من صام الأبد فإذا كان هذا حال صيام الدهر فكيف يكون أفضل الصيام الثالث أن النبي ثبت عنه في الصحيحين أنه قال أفضل الصيام صيام داود وفي لفظ لا أفضل من صوم داود كان يصوم يوما ويفطر يوما فهذا النص الصحيح الصريح الرافع لكل إشكال يبين أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصوم
مع أنه أكثر عملا
وهذا يدل على أنه مكروه لأنه إذا كان الفطر أفضل منه لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه
فإن العبارة لا تكون مستوية الطرفين ولا يمكن أن يقال هو أفضل من الفطر بشهادة النص له بالإبطال فتعين أن يكون مرجوحا وهذا بين لكل منصف
ولله الحمد
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي صومه صلى الله عليه وسلم شعبان أكثر من غيره ثلاث معان
المحرم فالجواب لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما
قال العلماء وإنما يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه
قاله النووي
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي
(زاد كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله) أي لغاية قلة المتروك
قال المنذري وهذه الزيادة أخرجها مسلم في صحيحه وفي البخاري أيضا كان يصوم شعبان كله
$ 0 - (باب في صوم الاثنين والخميس)
(يحيى) هو بن أبي كثير قاله المزي (عن مولى قدامة) مجهول لا يعرف لكن قال المزي روى عن أبي عبيد الله مولى قدامة بن مظعون غير هذا الحديث (عن مولى أسامة<span class="matn-hr"> </span>Qأحدها أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما شغل عن الصيام أشهرا فجمع ذلك في شعبان ليدركه قبل صيام الفرض
الثاني أنه فعل ذلك تعظيما لرمضان وهذا الصوم يشبه سنة فرض الصلاة قبلها تعظيما لحقها
الثالث أنه شهر ترفع فيه الأعمال فأحب صلى الله عليه وسلم أن يرفع عمله وهو صائم
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وأخرج النسائي من حديث المسيب بن رافع عن سواد الخزاعي
عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس وأخرج عن المسيب عن حفصة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس
وفي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام
مجهول وقال المزي وروي عن حرملة مولى أسامة بن زيد حديث غير هذا (إلى وادي القرى) واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كذا في المراصد (فقال إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس) والحديث يدل على استحباب صوم يوم الاثنين والخميس لأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال
قال في فتح الودود قد جاء في الصحيحين يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل فيحتمل أنه يعرض عليه تعالى أعمال العباد كل يوم ثم يعرض أعمال الجمعة في يوم الاثنين والخميس ثم أعمال السنة في شعبان ولكل عرض حكمة
ويحتمل أنها تعرض كل يوم تفصيلا وفي الجمعة إجمالا أو بالعكس (كذا قال هشام الدستوائي) أي كما روى أبان عن يحيى بن أبي كثير عن عمر بن أبي الحكم هكذا روى هشام الدستوائي أيضا عن يحيى بن أبي كثير وأما معاوية بن سلام فروى عن يحيى حدثني مولى قدامة ولم يذكر عمر بن أبي الحكم وروى الأوزاعي عن يحيى عن مولى لأسامة بن زيد ولم يذكر عمر ولا مولى قدامة
قاله المزي في الأطراف
كذا في الشرح قال المنذري وأخرجه النسائي وفي إسناده رجلان مجهولان
$ 1 - (باب في صوم العشر)
أي عشر ذي الحجة<span class="matn-hr"> </span>Qالاثنين فقال ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه وفيه من رواية شعبة وسئل عن صوم الاثنين والخميس قال مسلم فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن حفصة قالت أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام
(ويوم عاشوراء) بالمد على المشهور وحكي فيه القصر
قاله في الفتح
قال العيني وهو اليوم العاشر عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم
وذهب بن عباس إلى أن عاشوراء هو اليوم التاسع
وقال بعض الصحابة هو اليوم الحادي عشر
وصام أبو إسحاق ثلاثة أيام وقال إنما أصوم قبله وبعده كراهية أن يفوتني
وسمي به لأنه عاشر المحرم وهذا ظاهر
وقيل لأن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء عليهم السلام (أول اثنين) بالنصب بدل من قوله وثلاثة أيام (والخميس) بالإفراد هكذا في رواية المؤلف وكذا في رواية للنسائي وفي رواية للنسائي وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر وخميسين بالتثنية وكذا في رواية لأحمد
قاله النووي
قال المنذري وأخرجه النسائي
واختلف على هنيدة بن خالد في إسناده فروي عنه كما أوردناه وروى عنه عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه عن أمه عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مختصرا
(إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) أي قتل في سبيل الله قال المنذري وأخرجه البخاري والترمذي وبن ماجه<span class="matn-hr"> </span>Qعاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر والركعتين قبل الغداة وفي مسند أحمد أيضا عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد
$ 62 - (باب في فطر العشر)
أي فطر عشر ذي الحجة
(عن عائشة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما العشر قط) قال العلماء هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر والمراد بالعشر ها هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة
قالوا وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحبابا شديدا لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة وقد جاءت الأحاديث في فضله وثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه يعني العشر الأوائل من ذي الحجة فيتأول قولها لم يصم العشر أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائما فيه ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر
ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد
قاله النووي
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
$ 3 - (باب في صوم عرفة بعرفة)
(نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة) قال الخطابي هذا نهي استحباب لا نهي إيجاب فإنما نهى المحرم عن ذلك خوفا عليه أن يضعف عن الدعاء والابتهال في ذلك المقام فأما من وجد قوة لا يخاف معها ضعفا فصوم ذلك اليوم أفضل له إن شاء الله وقد قال صلى الله عليه وسلم صيام يوم عرفة يكفر سنتين سنة قبلها وسنة بعدها
وقد اختلف الناس في صيام الحاج يوم عرفة فروي عن عثمان بن أبي العاص وبن الزبير أنهما كانا يصومانه
وقال أحمد بن حنبل إن قدر على أن يصوم صام وإن أفطر فذلك
يوم يحتاج فيه إلى قوة
وكان إسحاق يستحب صومه للحاج
وكان عطاء يقول أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف
وكان مالك وسفيان الثوري يختاران الإفطار للحاج وكذلك الشافعي
وروى عن بن عمر رضي الله عنهما أنه قال لم يصمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا أصومه أنا
انتهى
قال الشوكاني واعلم أن ظاهر حديث أبي قتادة عند مسلم وأصحاب السنن مرفوعا صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة الحديث أنه يستحب صوم يوم عرفة مطلقا وظاهر حديث عقبة بن عامر عند أهل السنن غير بن ماجه يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام الحديث أنه يكره صومه مطلقا لجعله قريبا في الذكر ليوم النحر وأيام التشريق وتعليل ذلك أنها عيد وأنها أيام أكل وشرب
وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا يجوز صومه بعرفات فيجمع بين الأحاديث بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد مكروه لمن كان بعرفات حاجا
والحكمة في ذلك أنه ربما كان مؤديا إلى الضعف عن الدعاء والذكر يوم عرفة هنالك والقيام بأعمال الحج
وقيل الحكمة أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه ويؤيده حديث أبي قتادة
وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أفطر فيه لموافقته يوم الجمعة وقد نهى عن إفراده بالصوم ويرد هذا حديث أبي هريرة المصرح بالنهي عن صومه مطلقا
انتهى
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه وفي إسناده مهدي الهجري قال يحيى بن معين لا أعرفه وقال الخطابي هذا نهي استحباب لا نهي إيجاب
(عن أم الفضل) أي زوجة العباس (أن ناسا تماروا) أي اختلفوا (فشرب) فيه دليل على جواز الأكل والشرب في المحافل من غير كراهة
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد ورد في النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة آثار
منها ما رواه النسائي عن عمرو بن دينار عن عطاء عن عبيد بن عمير قال كان عمر ينهى عن صوم يوم عرفة بعرفة ومنها ما رواه أيضا عن أبي السوار قال سألت بن عمر عن صوم يوم عرفة فنهاني والمراد بذلك بعرفة
بدليل ما روى نافع قال سئل بن عمر عن صوم يوم عرفة بعرفة فقال لم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان وعن عطاء قال دعا عبد الله بن عباس الفضل بن عباس يوم عرفة إلى الطعام فقال إني
$ 64 - (باب في صوم يوم عاشوراء)
(كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية) عن بن عباس أن يوم عاشوراء هو التاسع من المحرم ويتأوله على أنه مأخوذ من إظماء الإبل فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورد ربعا وكذا باقي الأيام على هذه النسبة فيكون التاسع عشرا
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم
وممن قال ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وأحمد وإسحاق وخلائق وهذا ظاهر الأحاديث ومقتضى اللفظ
وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد ثم إن حديث بن عباس الآتي في الباب التالي يرد عليه لأنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء فذكروا أن اليهود والنصارى تصومه فقال إنه في العام المقبل يصوم التاسع وهذا تصريح بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع فتعين كونه العاشر
قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون يستحب صوم التاسع والعاشر جميعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام العاشر ونوى صيام التاسع
قال بعض العلماء ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر قاله النووي (وأمر<span class="matn-hr"> </span>Qصائم
فقال عبد الله لا تصم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب إليه حلاب فيه لبن يوم عرفة فشرب منه فلا تصم
فإن الناس يستنوون بكم رواهما النسائي ثم قال وقد أخرجا في الصحيحين من حديث كريب عن ميمونة بنت الحرث أنها قالت إن الناس شكوا في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فأرسلت إليه يعني ميمونة بحلاب لبن وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون فقيل يحتمل أن تكون ميمونة أرسلت وأم الفضل أرسلت كل منهما بقدح ويحتمل أن يكونا مجتمعين فإنها أختها فاتفقنا على الإرسال بقدح واحد فينسب إلى هذه وإلى هذه فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفطر بعرفة وصح عنه أن صيامه يكفر سنتين فالصواب أن الأفضل لأهل الآفاق صومه ولأهل عرفة فطره
لاختياره صلى الله عليه وسلم ذلك لنفسه وعمل خلفائه بعده بالفطر وفيه قوة على الدعاء الذي هو أفضل دعاء العبد وفيه أن يوم عرفة عيد لأهل عرفة فلا يستحب لهم صيامه
وبعض الناس يختار الصوم وبعضهم يختار الفطر وبعضهم يفرق بين من يضعفه ومن لا يضعفه
وهو اختيار قتادة والصيام اختيار بن الزبير وعائشة وقال عطاء أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف وكان بعض السلف لا يأمر به ولا ينهى عنه ويقول من شاء صام ومن شاء أفطر
بصيامه) اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سنة ليس بواجب واختلفوا في حكمه في أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان فقال أبو حنيفة كان واجبا واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين مشهورين أشهرهما أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يكن واجبا قط في هذه الأمة ولكنه كان متأكد الاستحباب فلما نزل صوم رمضان صار مستحبا دون ذلك الاستحباب
والثاني كان واجبا كقول أبي حنيفة
انتهى كلام النووي
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
(هذا يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه) قال النووي معناه أنه ليس متحتما فأبو حنيفة يقدره ليس بواجب والشافعية يقدرونه ليس متأكدا أكمل التأكيد وعلى المذهبين هو سنة مستحبة الآن من حين قال النبي صلى الله عليه وسلم وكان بعض السلف يقول كان صوم عاشوراء فرضا وهو باق على فرضيته لم ينسخ قال وانقرض القائلون بهذا وحصل الإجماع على أنه ليس بفرض وإنما هو مستحب
وروى عن بن عمر كراهة قصد صومه وتعيينه بالصوم
والعلماء مجمعون على استحبابه وتعيينه للأحاديث
وأما قول بن مسعود كنا نصومه ثم ترك فمعناه أنه لم يبق كما كان من الوجوب وتأكد الندب
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم
(وجد اليهود يصومون فسئلوا عن ذلك) بصيغة المجهول أي اليهود وفي رواية لمسلم فسألهم (أظهر الله) أي نصره (فيه) في ذلك اليوم (له) أي لذلك اليوم (نحن أولى بموسى) صلى الله عليه وسلم أي نحن أثبت وأقرب لمتابعة موسى صلى الله عليه وسلم منكم فإنا موافقون له في أصول الدين
ومصدقون لكتابه وأنتم مخالفون لهما في التغيير والتحريف (وأمر بصيامه) ضبطوا أمر هنا بوجهين أظهرهما بفتح الهمزة والميم والثاني بضم الهمزة وكسر الميم ولم يذكر القاضي عياض غيره
كذا ذكره النووي
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
$ 5 - (باب ما روي أن عاشوراء اليوم التاسع)
تقدم آنفا وجهه وتأويله فليرجع إليه
(فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع) أي فقط أو مع العاشر فيكون مخالفة في الجملة والأول أظهر ومع هذا ما كان تاركا لتعظيم اليوم الذي وقع فيه نصرة الدين لأنهم كانوا يصومون شكرا ويجوز تقديم الشكر سيما على وجه المشارفة على مثل زمان وقوع النعمة فيه بل صوم العاشر أيضا فيه التقدم عليه إذ الفتح كان في أثناء النهار والصوم ما يصح إلا من أوله ولو أراد صلى الله عليه وسلم مخالفتهم بالكلية لترك الصوم مطلقا والله أعلم
قال الطيبي لم يعش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القابل بل توفي في الثاني عشر من ربيع<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله والصحيح أن المراد صوم التاسع مع العاشر لا نقل اليوم لما روى أحمد في مسنده من حديث بن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال خالفوا اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده وقال عطاء عن بن عباس صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود ذكره البيهقي
وهو يبين أن قول بن عباس إذا رأيت هلال المحرم فاعدد فإذا كان يوم التاسع فاصبح صائما أنه ليس المراد به أن عاشوراء هو التاسع بل أمره أن يصوم اليوم التاسع قبل عاشوراء
فإن قيل ففي آخر الحديث قيل كذلك كان يصومه محمد صلى الله عليه وسلم قال نعم فدل على أن المراد به نقل الصوم لا صوم يوم قبله
الأول فصار اليوم التاسع من المحرم صومه سنة وإن لم يصمه لأنه عزم على صومه
قال التوربشتي قيل أريد بذلك أن يضم إليه يوما آخر ليكون هديه مخالفا لأهل الكتاب وهذا هو الوجه لأنه وقع موقع الجواب لقولهم إنه يوم يعظمه اليهود
وروى عن بن عباس أنه قال صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود وإليه ذهب الشافعي وبعضهم إلى أن المستحب صوم التاسع فقط
وقال بن همام يستحب صوم يوم عاشوراء ويستحب أن يصوم قبله يوما أو بعده يوما فإن أفرده فهو مكروه للتشبه باليهود وروى أحمد خبر صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا قبله وبعده يوما وظاهره أن الواو بمعنى أو لأن المخالفة تحصل بأحدهما وأخذ الشافعي بظاهر الحديث فيجمعون بين الثلاثة والله أعلم
ذكره في المرقاة
قال المنذري وأخرجه مسلم
(معاوية بن غلاب) بفتح الغين المعجمة وتخفيف اللام (قال كذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم يصوم) لعله أراد أنه عزم على ذلك آخرا فكأنه صام قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي<span class="matn-hr"> </span>Qقيل قد صرح بن عباس بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فدل على أن الذي كان يصومه هو العاشر وبن عباس راوي الحديثين معا فقوله هكذا كان يصومه محمد أراد به والله أعلم قوله لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع عزم عليه وأخبر أنه يصومه إن بقي
قال بن عباس هكذا كان يصومه وصدق رضي الله عنه هكذا كان يصومه لو بقي فتوافقت الروايات عن بن عباس وعلم أن المخالفة المشار إليها بترك إفراده بل يصام يوم قبله أو يوم بعده ويدل عليه أن في رواية الإمام أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع يعني لصوم عاشوراء وخالفوا اليهود فصوموا قبله يوما وبعده يوما فذكر هذا عقب قوله لأصومن التاسع يبين مراده
وبالله التوفيق
$ 66 - (باب في فضل صومه)
(أن أسلم) قبيلة (فقال) النبي صلى الله عليه وسلم (أصمتم يومكم هذا) أي يوم عاشوراء (فأتموا بقية يومكم واقضوه) قال الخطابي أمره صلى الله عليه وسلم للاستحباب وليس بإيجاب وذلك لأن لأوقات الطاعة ذمة ترعى ولا تهمل فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرشدهم إلى ما فيه الفضل والحظ لئلا يغفلوه عند مصادفتهم وقته وقد صار هذا أصلا في مذهب العلماء في مواضع مخصوصة
قال أبو حنيفة وأصحابه إذا قدم المسافر في بعض نهار الصوم أمسك عن الأكل بقية يومه وقال الشافعي فيمن لا يجد ماء ولا ترابا وكان محبوسا في خش أو مصلوبا على خشبة أنه يصلي على حسب ما يمكنه مراعاة لحرمة الوقت وعليه الإعادة إذا قدر على الطهارة والصلاة
قلت وقد يحتج أبو حنيفة وأصحابه بهذا الحديث في جواز تأخير نية صيام الفرض عن أول وقته إلا أن قوله صلى الله عليه وسلم واقضوه يفسد هذا الاستدلال انتهى
قال المنذري وأخرجه النسائي<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال عبد الحق ولا يصح هذا الحديث في القضاء قال ولفظة اقضوه تفرد بها أبو داود ولم يذكرها النسائي
قال واختلف الناس في يوم عاشوراء هل كان صومه واجبا أو تطوعا فقالت طائفة كان واجبا
وهذا قول أبي حنيفة وروي عن أحمد وقال أصحاب الشافعي لم يكن واجبا وإنما كان تطوعا واختاره القاضي أبو يعلى
وقال هو قياس المذهب واحتج هؤلاء بثلاث حجج
إحداها ما أخرجاه في الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيبا بالمدينة يعني في قدمة قدمها خطبهم يوم عاشوراء فقال أين علماؤكم يا أهل المدينة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن أحب منكم أن يصوم فليصم ومن أحب منكم أن يفطر فليفطر
66<span class="matn-hr"> </span>Qالحجة الثانية ما في الصحيحين أيضا عن سلمة بن الأكوع قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن في الناس من كان لم يصم فليصم قالوا فهذا أمر بإنشاء الصيام أثناء النهار
وهذا لا يجوز إلا في التطوع
وأما الصيام الواجب فلا يصح إلا بنية قبل الفجر
الحجة الثالثة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المفطرين فيه إذ ذاك بالقضاء
واحتج الأولون بحجج
إحداها ما خرجاه في الصحيحين عن عائشة قالت كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه
فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه
فلما فرض شهر رمضان قال من شاء صامه ومن شاء تركه وفي صحيح البخاري عن بن عمر قال صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان تركه
قالوا ومعلوم أن الذي ترك هو وجوب صومه لا استحبابه فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرغب فيه ويخبر أن صيامه كفارة سنة
وقد أخبر بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه إلى حين وفاته وأنه عزم قبل وفاته بعام على صيام التاسع فلو كان المتروك مشروعيته لم يكن لقصد المخالفة بضم التاسع إليه معنى فعلم أن المتروك هو وجوبه
الحجة الثانية أن في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كان أكل بأن يمسك بقية يومه وهذا صريح في الوجوب فإن صوم التطوع لا يتصور فيه إمساك بعد الفطر
الحجة الثالثة ما في الصحيحين أيضا عن عائشة قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية فذكرت الحديث إلى أن قالت فلما فرض رمضان كان هو الفريضة الحديث
وهذا اللفظ من سياق البيهقي
فقولها كان هو الفريضة دل على أن عاشوراء كان واجبا وأن رمضان صار هو الفرض لا عاشوراء وإلا لم يكن لقولها كان هو الفريضة معنى
قال الموجبون وأما حديث معاوية فمعناه ليس مكتوبا عليكم الآن أو لم يكتبه بعد نزول رمضان أو إنما نفى الكتب وهو الفرض المؤكد الثابت بالقرآن ووجوب عاشوراء إنما كان بالسنة ولا يلزم من نفي كتبه وفرضه نفي كونه واجبا
فإن المكتوب أخص من مطلق الواجب
وهذا جار على أصل من يفرق بين الفرض والواجب
وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه على أنه لا يقال فرض إلا لما ثبت بالقرآن وأما ما ثبت بالسنة فإنه يسميه واجبا
قالوا وأما تصحيحه بنية من النهار
فالجواب عنه من وجهين أحدهما أن هذا حجة لمن يقول بجواز صوم الفرض بنية من النهار
66<span class="matn-hr"> </span>Qقالوا وهو عمدتنا في المسألة
فليس لكم أن تنفوا وجوبه بناءا على بطلان هذا القول فإنه دور ممتنع ومصادر باطلة
وهذا جواب أصحاب أبي حنيفة
قال منازعوهم إذا قلتم إنه كان واجبا ثبت نسخه اتفاقا وأنتم إنما جوزتم الصوم المفروض بنية من النهار بطريق الاستنباط منه وأن ذلك من متعلقاته ولوازمه والحكم إذا نسخ نسخت لوازمه ومتعلقاته ومفهومه وما ثبت بالقياس عليه لأنها فرع الثبوت على الأصل فإذا ارتفع الأصل امتنع بقاء الفرع بعده
قال الحنفية الحديث دل على شيئين
أحدهما إجزاء الصوم الواجب بنية من النهار
والثاني تعيين الصوم الواجب بأنه يوم عاشوراء فنسخ تعيين الواجب برمضان وبقي الحكم الآخر لا معارض له فلا يصح دعوى نسخه إذ الناسخ إنما هو تعيين الصوم وإبداله بغيره لا إجزاؤه بنية من النهار
الجواب الثاني أن ذلك الصوم إنما صح بنية من النهار لأن الوجوب إنما ثبت في حق المكلفين من النهار
حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم المنادي أن ينادي بالأمر بصومه فحينئذ تحدد الوجوب فقارنت النية وقت وجوبه وقيل هذا لم يكن واجبا فلم تكن نية التبييت واجبة
قالوا وهذا نظير الكافر يسلم في أثناء النهار أو الصبي يبلغ فإنه يمسك من حين يثبت الوجوب في ذمته ولا قضاء عليه كما قاله مالك وأبو ثور وبن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين عنه ونظيره أيضا إذا أثبتنا الصوم تطوعا بنية من النهار ثم نذر إتمامه فإنه يجزئه بنيته عند مقارنة الوجوب
قالوا ولا يرد علينا ما إذا قامت البينة برؤية هلال رمضان في أثناء النهار حيث يلزم القضاء لمن لم يكن قد بيت الصوم
لأن الوجوب هنا كان ثابتا وإنما خفي على بعض الناس وتساوي المكلفين في العلم بالوجوب لا يشترط بخلاف ابتداء الأمر بصيام عاشوراء فإنه حينئذ ابتداء وجوبه
فالفرق إنما هو بين ابتداء الوجوب والشروع في الإمساك عقبه وبين خفاء ما تقدم وجوبه ثم تجدد سبب العلم بوجوبه فإن صح هذا الفرق وإلا فالصواب التسوية بين الصورتين وعدم وجوب القضاء
والله أعلم
وذكر الشافعي هذه الأحاديث في كتاب مختلف الحديث ثم قال وليس من هذه الأحاديث شيء مختلف عندنا
والله أعلم إلا شيئا ذكر في حديث عائشة وهو مما وصفت من الأحاديث التي يأتي بها المحدث ببعض دون بعض فحديث بن أبي ذئب عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء ويأمرنا بصيامه لو انفرد كان ظاهره أن عاشوراء كان فرضا فذكر هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه في الجاهلية
وأمر بصيامه فلما نزل رمضان كان الفريضة وترك عاشوراء قال الشافعي لا يحتمل قول عائشة ترك عاشوراء معنى يصح إلا ترك إيجاب صومه إذا علمنا أن كتاب
$ 67 - (باب في صوم يوم وفطر)
يوم (كان) داود عليه السلام (ينام نصفه) أي نصف الليل من أوله (ويقوم) بعد ذلك (ثلثه) بضم اللام وسكونه وهو السدس الرابع والخامس (وينام سدسه) بضم الدال ويسكن أي سدسه الأخير ثم يقوم عند الصبح
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي وبن ماجه<span class="matn-hr"> </span>Qالله بين لهم أن شهر رمضان المفروض صومه وأبان لهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ترك استحباب صومه وهو أولى الأمور عندنا
لأن حديث بن عمر ومعاوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لم يكتب صوم يوم عاشوراء على الناس ولعل عائشة إن كانت ذهبت إليه أنه كان واجبا ثم نسخ قالته لأنه يحتمل أن تكون رأت النبي صلى الله عليه وسلم لما صامه وأمر بصومه كان صومه فرضا ثم نسخه ترك أمره من شاء أن يدع صومه
ولا أحسبها ذهبت إلى هذا ولا ذهبت إلا إلى المذهب الأول لأن الأول هو الموافق للقرآن أن الله فرض الصوم فأبان أنه شهر رمضان ودل حديث بن عمر ومعاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم على مثل معنى القرآن بأن لا فرض في الصوم إلا رمضان وكذلك قول بن عباس ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم يعني يوم عاشوراء كأنه يذهب بتحري فضله إلى التطوع بصومه
آخر كلامه
قالوا وأما حجتكم الثالثة بأنه لم يأمرهم بالقضاء فجوابها من وجهين أحدهما أنا قد ذكرنا حديث أبي داود أنهم أمروا بالقضاء وقد اختلف في هذا الحديث فإن كان ثابتا فهو دليل على الوجوب وإن لم يكن ثابتا فإنما لم يؤمروا بالقضاء لعدم تقدم الوجوب إذ الوجوب إنما ثبت عند أمره فاكتفى منهم بإمساك ما بقي كالصبي يبلغ والكافر يسلم والله أعلم
$ 68 - (باب في صوم الثلاث من كل شهر)
(يأمرنا أن نصوم البيض) أي أيام الليالي البيض (قال) أي ملحان القيسي (وقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (هن) أي صيامهن (كهيئة الدهر) أي كأنها صيام الدهر كله
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
واختلف في بن ملحان هذا فقيل هو قتادة بن ملحان القيسي وله صحبة والحديث من مسنده
وقال يحيى بن معين وهو الصواب
وقيل إنه منهال بن ملحان القيسي والد عبد الملك
قال بن معين وهو خطأ
قال أبو عمر النمري وحديث همام أيضا خطأ والصواب ما قال شعبة وليس همام ممن يعارضني به شعبة وذكر خلاف هذا في موضع آخر
فقال يقال إن شعبة أخطأ في اسمه إذ قال فيه منهال بن ملحان
قال وقال البخاري حديث همام أصح من حديث شعبة قال ومنهال بن ملحان لا يعرف في الصحابة والصواب قتادة بن ملحان القيسي تفرد بالرواية عنه ابنه عبد الملك وقتادة يعد في أهل البصرة
وقال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة المنهال أبو عبد الملك بن منهال رجل من<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر إذا صمت من الشهر فصم ثلاثة عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة يرفعه ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله وروى النسائي عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وروى أيضا عن أبي هريرة قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها فوضعها بين يديه فأمسك فلم يأكل وأمر القوم أن يأكلوا وأمسك الأعرابي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما منعك أن تأكل قال إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر
قال إن كنت صائما فصم الغد
بني قيس بن ثعلبة نزل البصرة وذكر عنه هذا الحديث
وقال في حرف القاف قتادة بن ملحان القيسي سكن البصرة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا
وذكر عبد الملك بن منهال القيسي عن أبيه
وقال بعضهم لعل أبا داود أسقط اسمه لأجل هذا الاضطراب
(عبد الله) وهو بن مسعود رضي الله عنه (من غرة كل شهر ثلاثة أيام) أي الأيام البيض الليالي بالقمر وهي ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر
قاله السيوطي
وقال علي القارىء من غرة كل شهر أي أوله
قيل لا منافاة بين هذا الحديث وحديث عائشة وهوأنه لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم لأن هذا الراوي وجد الأمر على ذلك في غالب ما اطلع عليه من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فحدث بما كان يعرف من ذلك وعائشة رضي الله عنها اطلعت من ذلك على ما لم يطلع عليه هذا الراوي فحدثت بما علمت فلا تنافي بين الأمرين وفي القاموس الغرة من الهلال طلعته فيمكن أن يقال كلما طلع هلال صام ثلاثة أيام ولا يلزم منه أن يكون الصوم من أوله فيوافق بقية الحديث
انتهى
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي
وقال الترمذي حسن غريب
وفي حديث الترمذي قل ما كان يفطر يوم الجمعة وفي حديث النسائي قلما رأيته يفطر يوم الجمعة
$ 9 - (باب من قال يصوم ثلاثة من كل شهر)
(الاثنين والخميس) وفي الباب السابق الصوم الثلاث في أيام الليالي البيض ولا منافاة بينهما فإنه كان مرة كذا ومرة كذا
(عن حفصة) قال المنذري وأخرجه النسائي
(أولها) بالرفع (الاثنين) بضم النون وكسرها وفتحها (والخميس) بالحرك الثلاث على التبعية
قال الأشرف والظاهر الاثنان
فقيل أعرب بالحركة لا بالحرف وقيل المضاف محذوف مع إبقاء المضاف إليه على حاله وتقديره أولها يوم الاثنين
وقيل إنه علم كالبحرين والأعلام لا تتغير عن أصل وضعها باختلاف العوامل وقال الطيبي أولها منصوب لكن بفعل مضمر أي اجعل أولها الاثنين والخميس يعني والواو بمعنى أو وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتي حيث قال صوابه الاثنين أو الخميس
والمعنى أنها تجعل أول الأيام الثلاثة الاثنين أو الخميس وذلك لأن الشهر إما أن يكون افتتاحه من الأسبوع في القسم الذي بعد الخميس فتفتح صومها في شهرها ذلك بالاثنين وإما أن يكون بالقسم الذي بعد الاثنين فتفتح شهرها ذلك بالخميس وكذلك وجدت الحديث فيما يرويه من كتاب الطبراني
كذا في المرقاة
قال المنذري وأخرجه النسائي
$ 0 - (باب من قال لا يبالي من أي الشهر)
أي من أي أيام الشهر يصوم
(قالت نعم) أي وهذا أقل ما كان يقتصر عليه (من أي شهر كان يصوم) أي هذه الثلاثة من أولها أو أوسطها أو آخرها متصلة أو منفصلة قالت (ما كان يبالي) أي يهتم للتعيين (من أي أيام الشهر كان يصوم) أي كان يصومها بحسب ما يقتضي رأيه<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روي صيامها على صفة أخرى فعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر
الشريف قال العلماء ولعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يواظب على ثلاثة معينة لئلا يظن تعينها
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن ماجه
1 -
باب النية في الصوم
(من لم يجمع الصيام) من الإجماع أي لم ينو
قال الخطابي معنى الإجماع إحكام النية والعزيمة يقال أجمعت الرأي وأزمعت بمعنى واحد
وفيه بيان أن من تأخرت نيته للصوم<span class="matn-hr"> </span>Qالسبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس رواه الترمذي وقال حديث حسن
وقد روي فيه صفة أخرى فعن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر يوم الاثنين من أول الشهر ثم الخميس الذي يليه ثم الخميس الذي يليه رواه النسائي
وقد جاء على صفة أخرى فعن هنيدة الخزاعي عن أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام ثلاثة أيام أول خميس
والاثنين والاثنين رواه النسائي
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قال النسائي الصواب عندنا موقوف ولم يصح رفعه ومدار رفعه على بن جريج وعبد الله بن أبي بكر
فأما حديث عبد الله بن أبي بكر فمن رواية يحيى بن أيوب عنه قال النسائي ويحيى بن أيوب ليس بالقوي وحديث بن جريج عن الزهري غير محفوظ
وقال البيهقي عبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه وهو من الثقات الأثبات
آخر كلامه
وقد روي من حديث عمرة عن عائشة واختلف عليها في وقفه ورفعه فرواه الدارقطني عنها مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له قال الدارقطني تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل يعني بن فضالة بهذا الإسناد وكلهم ثقات وغيره يرويه موقوفا على عائشة قاله عبد الحق
عن أول وقته فإن صومه فاسد وفيه دليل على أن تقديم نية الشهر كله في أول ليلة منه لا يجزئه عن الشهر كله لأن صيام كل يوم من الشهر صيام مفرد متميز عن غيره فإذا لم ينوه في الثاني قبل فجره وفي الثالث كذلك لا يجزئه وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما وإليه ذهب الحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل
وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا نوى للفرض قبل زوال الشمس أجزأه
وقالوا في صوم النذر والكفارة والقضاء إن عليه تقديم النية قبل الفجر
وقال إسحاق بن راهويه إذا قدم للشهر النية أول ليلة أجزأه للشهر كله وإن لم يجدد النية كل ليلة
وقد زعم بعضهم أن هذا الحديث غير مسند لأن سفيان ومعمرا قد أوقفاه على حفصة
قلت هذا لا يضر لأن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قد أسنده وزيادات الثقات مقبولة انتهى
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن ماجه
وقال أبو داود رواه الليث وإسحاق بن حازم أيضا جميعا عن عبد الله بن أبي بكر مثله يعني مرفوعا وأوقفه على حفصة معمر والزبيدي وبن عيينة ويونس الأيلي
وقال الترمذي لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه
وقد روي عن نافع عن بن عمر قوله وهو أصح
وقال الدارقطني رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري وهو من الثقات الرفعاء
وقال الخطابي عبد الله بن أبي بكر بن عمرو قد أسنده وزيادات الثقات مقبولة
وقال البيهقي وعبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه وهو من الثقات الأثبات
هذا آخر كلامه
وقد روي من حديث عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يبت الصيام قبل طلوع الفجر أخرجه الدارقطني وقال تفرد عبد الله بن عباد عن المفضل يعني بن فضالة بهذا الإسناد وكلهم ثقات
وقوله من لم يجمع بضم الياء آخر الحروف وسكون الجيم من الإجماع إحكام النية والعزيمة يقال أجمعت الرأي وأزمعت بمعنى واحد وروي يبيت بضم الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة أي ينويه من الليل
وروي بيت بفتح الياء آخر الحروف وضم الباء الموحدة أي لم ينوه ويجزم به فيقطعه من الوقت الذي لا صوم فيه وهو الليل
وروى من لم يورضه الليل أي لم يهيئه بالنية من أرضت المكان إذا سويته انتهى
72 -
باب في الرخصة فيه أي في ترك النية بالليل
(هل عندكم طعام فإذا قلنا لا قال إني صائم إلخ) قال الخطابي فيه نوعان من الفقه أحدهما جواز تأخير نية الصوم عن أول النهار إذا كان تطوعا والآخر جواز إفطار الصائم قبل الليل إذا كان متطوعا به
ولم يذكر في الحديث إيجاب القضاء
وكان غير واحد من الصحابة يذهب إلى ذلك منهم بن مسعود وحذيفة وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنهم وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وكان بن عمر لا يصوم تطوعا حتى يجمع من الليل
وقال جابر بن زيد لا يجزئه في التطوع حتى يبيت النية
وقال مالك بن أنس في صوم النافلة لا أحب أن يصوم أحد إلا أن يكون قد نوى الصيام من الليل (حيس) هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن وقد يجعل عوض الأقط الدقيق (أدنيه) من الإدناء أي قربيه
قال المنذري وأخرجه<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله زاد النسائي فأكل وقال ولكن أصوم يوما مكانه ثم قال هذا خطأ قال عبد الحق قد روى الحديث جماعة عن طلحة فلم يذكر أحد منهم ولكن أصوم يوما مكانه وهذه الزيادة هي من رواية سفيان بن عيينة عن طلحة ولفظ النسائي فيه عن مجاهد عن عائشة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال هل عندكم شيء فقلت لا
فقال فإني صائم ثم مر بي بعد ذلك اليوم وقد أهدي لنا حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس
قالت يارسول الله إنه أهدي لنا حيس فخبأت لك منه قال أدنيه أما إني قد أصبحت وأنا صائم فأكل منه ثم قال إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها وفي لفظ النسائي يا عائشة إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في غير قضاء رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه وبخل بما بقي فأمسكه وفي لفظ له عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين
مسلم والترمذي والنسائي وفي رواية لمسلم فإني إذا صائم وأخرجه البيهقي وفيه قال إني أصوم وقال وهذا إسناد صحيح
(الوليدة) أي الأمة (فناولته) أي الجارية والضمير المنصوب له صلى الله عليه وسلم والمفعول الثاني مقدر وهو الإناء (أكنت تقضين) أي بهذا الصوم (شيئا) أي من الواجبات عليك (فلا يضرك) أي ليس عليك إثم في فطرك (إن كان) أي صومك (تطوعا) وهو للتأكيد قاله القارىء
قال الخطابي في هذا بيان أن القضاء غير واجب إذا أفطر في تطوع وهو قول بن عباس رضي الله عنهما وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق
وقال أبو حنيفة وأصحابه يلزمه القضاء إذا أفطر
وقال مالك بن أنس إذا أفطر من غير علة يلزمه القضاء
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وفي إسناده مقال ولا يثبت
وفي إسناده اختلاف كثير أشار إليه النسائي
وقال الترمذي في إسناده مقال والله أعلم<span class="matn-hr"> </span>Qقالت جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال هل عندكم من طعام قلت لا
قال إني إذن أصوم
قالت ثم دخل مرة أخرى
فقلت قد أهدي لنا حيس فقال إذن أفطر وقد فرضت الصوم
وفيه حجة على المسألتين جواز إنشاء صوم التطوع بنية من النهار وجواز الخروج منه بعد الدخول فيه
وأما زيادة النسائي تمثيله بالصدقة يخرجها الرجل فهذا اللفظ قد رواه مسلم في صحيحه من قول مجاهد قال طلحة بن يحيى فحدثت مجاهدا بهذا الحديث فقال ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها
$ 73 - (باب من رأى عليه القضاء)
(لا عليكما) أي لا بأس عليكما في الإفطار (صوما مكانه يوما آخر) قال الخطابي وقد جاء في هذا الحديث رواية بن جريج عن الزهري عن عروة قال بن جريج قلت للزهري أسمعته من عروة قال إنما أخبرنيه رجل بباب عبد الملك بن مروان فيشبه أن يكون ذلك الرجل هو زميل هذا
ولو ثبت الحديث أشبه أن يكون إنما أمرهما بذلك استحبابا لأن بدل الشيء في أكثر الأحكام الأصول يحل محل أصله وهو في الأصل مخير فكذلك في البدل
قال المنذري وأخرجه النسائي وقال زميل ليس بالمشهور
وقال البخاري لا يعرف لزميل سماع من عروة ولا ليزيد بن الهاد من زميل ولا تقوم به الحجة وقال الخطابي إسناده ضعيف وزميل مجهول<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى النسائي حديث الأمر بالقضاء من حديث جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه الفرج بن فضالة عن يحيى قال الله الدارقطني وهم فيه جرير وفرج وخالفهما حماد بن زيد وعباد بن العوام ويحيى بن أيوب فرووه عن يحيى بن سعيد عن الزهري مرسلا وقد رواه النسائي أيضا من حديث جعفر بن برقان أخبرنا الزهري عن عروة عن عائشة به وقال اقضيا يوما لغد ومن حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة به وفيه فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوما يوما مكانه وذكر النسائي أنه أيضا من رواية إسماعيل بن عقبة وصالح بن كيسان
فقد برئ زميل من عهدة التفرد به وتابعهم أيضا يحيى بن سعيد عن بن شهاب فهؤلاء سفيان وجعفر بن برقان وصالح بن كيسان وإسماعيل بن عقبة ويحيى بن سعيد على اختلاف عنه عن بن شهاب الزهري وصلا وإرسالا كلهم يذكر الأمر بالقضاء زيادة على رواية زميل وجرير بن حازم
$ 74 - (باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها)
(لا تصوم امرأة) أي نفلا لئلا يفوت على الزوج الاستمتاع بها (وبعلها شاهد) أي زوجها حاضر معها في بلدها (إلا بإذنه) تصريحا أو تلويحا (ولا تأذن) أحدا من الأجانب أو الأقارب حتى النساء
وقال بن حجر المكي يصح رفعه خبرا يراد به النهي وجزمه على النهي (في بيته) أي في دخول بيته (إلا بإذنه) وفي معناه العلم برضاه
قال المنذري وأخرجه مسلم
وأخرج البخاري فصل الصوم خاصة وليس في حديثهما غير رمضان
(ويفطرني) بالتشديد أي يأمرني بالإفطار (فإنها تقرأ بسورتين) أي تقرأ بسورتين طويلتين<span class="matn-hr"> </span>Qوفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة فالذي يغلب على الظن أن اللفظة محفوظة في الحديث وتعليلها بما ذكر قد تبين ضعفه
ولكن قد يقال الأمر بالقضاء أمر ندب لا أمر إيجاب
وبالله التوفيق
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقال غير المنذري ويدل على أن الحديث وهم لا أصل له أن في حديث الإفك المتفق على صحته قالت عائشة وإن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت عن كتف أنثى قط قال ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله شهيدا وفي هذا نظر
فلعله تزوج بعد ذلك
والله أعلم
في ركعة أو في ركعتين (وقد نهيتها) أي عن تطويل القراءة وإطالة الصلاة (قال) أبو سعيد (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو كانت) اسمه يعود إلى مصدر تقرأ أي لو كانت القراءة بعد الفاتحة (سورة واحدة) أي أي سورة كانت ولو أقصرها
وقال الطيبي لو كانت القراءة سورة واحدة وهي الفاتحة (لكفت الناس) أي لأجزأتهم كفتهم جمعا وأفرادا كذا في المرقاة (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها) قال الخطابي في هذا الحديث من الفقه أن منافع المتعة والعشرة من الزوجة مملوكة للزوج في عامة الأحوال وأن حقها في نفسها محصور في وقت دون وقت وفيه أن للزوج أن يضربها ضربا غير مبرح إذا امتنعت عليه من إيفاء الحق وإجمال العشرة وفيه دليل على أنها لو أحرمت بالحج كان له منعها وحصرها لأن حقه عليها معجل وحق الله متراخ وإلى هذا ذهب عطاء بن أبي رباح ولم يختلف العلماء في أن له منعها من حج التطوع (فإنا أهل بيت) أي أنا أهل صنعة لا ننام الليل (قد عرف لنا ذلك) أي عادتنا ذلك وهي أنهم كانوا يسقون الماء في طول الليالي (لا نكاد نستيقظ) أي إذا رقدنا آخر الليل (قال فإذا استيقظت فصل) ذلك أمر عجيب من لطف الله سبحانه بعباده ومن لطف نبيه صلى الله عليه وسلم ورفقه بأمته ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى ملكة الطبع واستيلاء العادة فصار كالشيء المعجوز عنه وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يغمى عليه فعذر فيه ولم يثرب عليه
ويحتمل أن يكون ذلك إنما كان يصيبه في بعض الأوقات دون بعض وذلك إذا لم يكن بحضرته من يوقظه ويبعثه من المنام فيتمادى به النوم حتى تطلع الشمس دون أن يكون ذلك منه في عامة الأحوال فإنه يبعد أن يبقى الإنسان على هذا في دائم الأوقات وليس بحضرته أحد لا يصلح هذا القدر من شأنه ولا يراعي مثل هذا من حاله ولا يجوز أن يظن به الامتناع من الصلاة في وقتها ذلك مع زوال العذر بوقوع التنبيه ولإيقاظ ممن يحضره ويشاهده والله أعلم (عن أبي المتوكل) الناجي البصري
والحاصل أن أبا صالح ليس بمتفرد بهذه الرواية عن أبي سعيد بل تابعه أبو المتوكل عنه ثم الأعمش ليس بمتفرد أيضا بل تابعه حميد أو ثابت وكذا جرير ليس بمتفرد بل تابعه حماد بن سلمة
وفي هذا كله رد على
الإمام أبي بكر البزار وسيجيء كلامه
قال المنذري قال أبو بكر البزار هذا الحديث كلامه منكر عن النبي صلى الله عليه وسلم
وقال ولو ثبت احتمل إنما يكون إنما أمرها بذلك استحبابا وكان صفوان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أتى نكرة هذا الحديث أن الأعمش لم يقل حدثنا أبو صالح فأحسب أنه أخذه عن غير ثقة وأمسك عن ذكر الرجل فصار الحديث ظاهر إسناده حسن وكلامه منكر لما فيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمدح هذا الرجل ويذكره بخير
وليس للحديث عندي أصل
5 -
باب في الصائم يدعي إلى وليمة
(إذا دعي أحدكم فليجب) أي الدعوة (فإن كان مفطرا فليطعم) أي فليأكل ندبا وقيل وجوبا قاله بن حجر
والأظهر أنه يجب إذا كان يتشوش خاطر الداعي ويحصل به المعادة إن كان الصوم نفلا وإن كان يعلم أنه يفرح بأكله ولم يتشوش بعدمه فيستحب وإن كان الأمران مستويين عنده فالأفضل أن يقول إني صائم سواء حضر أو لم يحضر (وإن كان صائما فليصل) قال الطيبي أي ركعتين في ناحية البيت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سليم أخرجه البخاري
وقيل فليدع لصاحب البيت بالمغفرة
وقال بن الملك بالبركة
أقول ظاهر حديث أم سليم أن يجمع بين الصلاة والدعاء
قال المظهر والضابط عند الشافعي أنه إن تأذى المضيف بترك افطار أفطر فإنه أفضل وإلا فلا
كذا في المرقاة
قال المنذري قال هشام وهو بن حسان والصلاة الدعاء
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي
$ 6 - (باب ما يقول الصائم إذا دعي إلى الطعام)
وجد هذا الباب في بعض النسخ
(إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم) قال النووي محمول على أنه يقوله اعتذارا له وإعلاما بحاله فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور وإن لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور وليس الصوم عذرا في إجابة الدعوة لكن إذا حضر لا يلزمه الأكل ويكون الصوم عذرا في ترك الأكل بخلاف المفطر فإنه يلزمه الأكل والفرق بين الصائم والمفطر منصوص عليه في الحديث الصحيح كما هو معروف في موضعه
وأما الأفضل للصائم فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه استحب له الفطر وإلا فلا
هذا إذا كان صوم تطوع فإن كان صوما واجبا حرم الفطر
ومعنى هذا الحديث أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادة من الصوم والصلاة وغيرهما إذا كان دعت إليه حاجة والمستحب إخفاؤها إذا لم تكن حاجة وفيه الإرشاد إلى حسن المعاشرة وإصلاح ذات البين وتأليف القلوب وحسن الاعتذار عند سببه
قال المنذري أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
$ 7 - (باب الاعتكاف)
قال النووي هو في اللغة الحبس والمكث واللزوم وفي الشرع المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة ويسمى الاعتكاف جوارا ومنه الأحاديث الصحيحة منها حديث عائشة رضي الله عنها في أوائل الاعتكاف في صحيح البخاري قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض وقد جاءت الأحاديث في اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان والعشر الأول من شوال ففيها استحباب الاعتكاف وتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان
وقد أجمع المسلمون على استحبابه وأنه ليس بواجب وعلى أنه متأكد في العشر الأواخر من رمضان
ومذهب الشافعي وأصحابه وموافقيهم أن الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف بل يصح اعتكاف المفطر ويصح اعتكاف ساعة واحدة ولحظة واحدة وضابطه عند أصحابنا مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة ولنا وجه أنه يصح اعتكاف المار في المسجد من غير لبث والمشهور الأول
فينبغي لكل جالس في المسجد لانتظار صلاة أو لشغل آخر من آخرة أو دنيا أن ينوي الاعتكاف فيحسب له ويثاب عليه ما لم يخرج من المسجد فإذا خرج ثم دخل
جدد نية أخرى وليس للاعتكاف ذكر مخصوص ولا فعل آخر سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف ولو تكلم بكلام دنيا أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها لم يبطل اعتكافه
وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون يشترط في الاعتكاف الصوم فلا يصح اعتكاف مفطر
(كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله) قال القسطلاني وفيه دليل على أنه لم ينسخ وأنه من السنن المؤكدة خصوصا في العشر الأواخر من رمضان لطلب ليلة القدر (ثم اعتكف أزواجه من بعده) فيه دليل على أن النساء كالرجال في الاعتكاف وقد كان عليه السلام أذن لبعضهن وأما إنكاره عليهن الاعتكاف بعد اذن كما في الحديث الصحيح فلمعنى آخر فقيل خوف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه أو ذهاب المقصود من الاعتكاف بكونهن معه في المعتكف أو لتضييقهن المسجد بأبنيتهم
وعند أبي حنيفة إنما يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيأ في بيتها لصلاتها انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
(فلم يعتكف عاما فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين ليلة) قال الخطابي فيه من الفقه أن النوافل المعتادة تقضى إذا فاتت كما تقضى الفرائض
ومن هذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وروى النسائي في سننه عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاما فلم يعتكف فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين وفي رواية ليلة
وهذا أولى من الاحتمال المذكور
وقال بعضهم يحتمل أن يكون هذان العشران المذكوران في حديث أبي داود هي العشر الذي كان يعتكفه والعشر الذي تركه من أجل أزواجه ثم اعتكف من شوال عشرين ليلة وهذا فاسد فإن الحديث حديث أبي بن كعب وقد أخبر أنه إنما تركه لسفره
وبالله التوفيق
بعدالعصر الركعتين اللتين فاتتاه لقدوم الوفد واشتغاله بهم
وفيه مستدل لمن أجاز الاعتكاف بغير صوم ينشئه له وذلك أن صومه في شهر رمضان إنما كان للشهر لأن الوقت مستحق له
وقد اختلف الناس في هذا فقال الحسن البصري إن اعتكف من غير صيام أجزأه وإليه ذهب الشافعي
وروي عن علي وبن مسعود أنهما قالا إن شاء صام وإن شاء أفطر
وقال الأوزاعي ومالك لا اعتكاف إلا بصوم وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه
وروي عن بن عمر وبن عباس وعائشة رضي الله عنهم وهو قول سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
(عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه إلخ) قال الخطابي فيه من الفقه أن المعتكف يبتدئ اعتكافه من أول النهار ويدخل في معتكفه بعد أن صلى وإليه ذهب الأوزاعي وبه قال أبو ثور
وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل عليه القضاء في الاعتكاف قبل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر بعينه وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وفيه دليل على أن الاعتكاف إذا لم يكن نذرا كان للمعتكف أن يخرج منه أي وقت شاء
قلت وفي الحديث دليل على جواز اعتكاف النساء وفيه أنه ليس للمرأة أن تعتكف إلا بإذن زوجها وعلى أن للزوج أن يمنعها من ذلك بعد الإذن فيه وفيه دلالة على أن اعتكاف<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد احتج من لا يرى الصوم شرطا في الاعتكاف لدخول يوم العيد في اعتكافه وهذا لا يدل فإن الحديث رواه البخاري وقال حتى اعتكف عشرا من شوال لم يذكر غيره
وفي صحيح مسلم اعتكف في العشر الأول من شوال
وهذا لا يقتضي دخول يوم العيد فيه كما يصح أن يقال صام في العشر الأول من شوال وفي لفظ له حتى اعتكف في آخر العشر من شوال وعدم الدلالة في هذا ظاهرة
وقولها اعتكف العشر الأول من شوال ليس بنص في دخول يوم العيد في اعتكافه بل الظاهر أنه لم يدخله في اعتكافه لاشتغاله فيه بالخروج إلى المصلى وصلاة العيد وخطبته
ورجوعه إلى منزله لفطره وفي ذلك ذهاب بعض اليوم فلا يقوم بقية اليوم مقام جميعه
المرأة في بيتها جائز وقد حكي جوازه عن أبي حنيفة وأما الرجل فلم يختلفوا أن اعتكافه في بيته غير جائز وإنما شرع الاعتكاف في المساجد وكان حذيفة بن اليمان يقول لا يكون الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة مسجد مكة والمدينة وبيت المقدس
وقال عطاء لا يعتكف إلا في مسجد مكة والمدينة
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا يجوز أن يعتكف إلا في الجامع وكذلك قال الزهري والحكم وحماد
وقال سعيد بن جبير وأبو قلابة والنخعي يعتكف في مساجد القبائل وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وإليه ذهب مالك والشافعي انتهى
وقال النووي احتج به من يقول يبدأ الاعتكاف من أول النهار وبه قال الأوزاعي والثوري والليث في أحد قوليه
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد يدخل فيه قبيل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر أو اعتكاف عشر وأولوا على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف بل كان من قبل المغرب معتكفا لابثا في جملة المسجد فلما صلى الصبح انفرد
(فأمر ببنائه فضرب) بصيغة المجهول وفيه دليل على جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعا من المسجد ينفرد فيه مدة اعتكافه ما لم يضيق على الناس وإذا أخذه يكون في آخر المسجد ورحابه لئلا يضيق على غيره وليكون أخلى له وأكمل في انفراده (فقال ما هذه) الأخبية التي أراها (آلبر) بهمزة الاستفهام ممدودة على وجه الإنكار والنصب على أنه مفعول مقدم لقوله (تردن) بضم الفوقية وكسر الراء وسكون الدال من الإرادة أي أمهات المؤمنين (فقوض) بالقاف المضمومة والضاد المعجمة من التفعيل أي أزيل وقلع (ثم أخر الاعتكاف) ولفظ البخاري فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشرا من شوال أي قضاء عما تركه من الاعتكاف في رمضان على سبيل الاستحباب لأنه إذا عمل عملا أثبته ولو كان للوجوب لاعتكف معه نساؤه أيضا في شوال ولم ينقل
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
$ 78 - (باب أين يكون الاعتكاف)
(قال نافع وقد أراني عبد الله المكان الذي كان إلخ) فيه أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه إنما اعتكفوا في المسجد مع المشقة في ملازمته فلو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لا سيما النساء لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر وهذا الذي ذكرناه من اختصاصه بالمسجد وأنه لا يصح في غيره هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وداود والجمهور سواء الرجل والمرأة
وقال أبو حنيفة يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيأ من بيتها لصلاتها قال ولا يجوز للرجل في مسجد بيته وكمذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي ضعيف عند أصحابه وجوزه بعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي للمرأة والرجل في مسجد بيتهما
ثم اختلف الجمهور المشترطون المسجد العام فقال الشافعي ومالك وجمهورهم يصح الاعتكاف في كل مسجد وقال أحمد يختص بمسجد تقام الجماعة الراتبة فيه
وقال أبو حنيفة يختص بمسجد تصلى فيه الصلوات كلها
وقال الزهري وآخرون يختص بالجامع الذي تقام فيه الجمعة ونقلوا عن حذيفة بن اليمان الصحابي اختصاصه بالمساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجدي المدينة والأقصى وأجمعوا على أنه لاحد لأكثر الاعتكاف
قاله النووي
وتقدم ذلك من كلام الخطابي قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم وليس في حديث البخاري قول نافع
(عن أبي بكر) هو بن عياش المقرئ (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد هو عثمان بن عاصم قاله القسطلاني (عشرة أيام) وفي رواية يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عند النسائي يعتكف العشر الأواخر من رمضان (فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما) لأنه علم بانقضاء أجله فأراد أن يستكثر من الأعمال الصالحة تشريعا لأمته أن يجتهدوا في
العمل إذا بلغوا أقصى العمر ليلقوا الله على خير أعمالهم ولأنه عليه الصلاة والسلام اعتاد من جبريل عليه السلام أن يعارضه بالقرآن في كل عام مرة واحدة فلما عارضه في العام الأخير مرتين اعتكف فيه مثل ما كان يعتكف
ذكره القسطلاني
قال المنذري وأخرجه البخاري والنسائي وبن ماجه
$ 9 - (باب المعتكف يدخل البيت لحاجته)
(وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) قال الخطابي فيه بيان أن المعتكف لا يدخل بيته إلا لغائط أو بول فإن دخله لغيرهما من طعام أو شراب فسد اعتكافه
وقد اختلف الناس في ذلك فقال أبو ثور لا يخرج إلا لحاجة الوضوء الذي لا بد منه
وقال إسحاق بن راهويه لا يخرج إلا لغائط أو بول غير أنه فرق بين الواجب من الاعتكاف والتطوع فقال في الواجب لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة وفي التطوع يشترط ذلك حين يبتدئ
وقال الأوزاعي لا يكون في الاعتكاف شرط
وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد لحاجة ما خلى الجمعة والغائط والبول فأما سوى ذلك من عيادة مريض وشهود جنازة فلا يخرج له
وقال مالك والشافعي لا يخرج المعتكف في عيادة مريض ولا شهود جنازة وهو قول عطاء ومجاهد وقالت طائفة للمعتكف أن يشهد الجمعة ويعود المريض ويشهد الجنازة وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو قول سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجه
(وكذلك رواه يونس) أي كما روى الليث عن الزهري عن عروة وعمرة كليهما معا عن
عائشة كذلك رواه يونس
والحاصل أن الليث ويونس جمعا بين عروة وعمرة ورواه معمر وزياد عن الزهري عن عروة وحده من غير ذكر عمرة ورواه مالك عنه عن عروة عن عمرة عن عائشة
قال أبو داود ولم يتابع أحد مالكا على هذه الزيادة والله أعلم
(فيناولني رأسه من خلل الحجرة) خلل بفتحتين الفرجة بين الشيئين والجمع خلال مثل جبل وجبال (فأرجله) من الترجيل بالجيم المشط والدهن وفيه دليل على أنه يجوز للمعتكف التنظيف والتطيب والغسل والحلق والتزيين إلحاقا بالترجل والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد
وعن مالك يكره الصنائع والحرف حتى طلب العلم وفيه دليل على أن من أخرج بعض بدنه من المسجد لم يكن ذلك قادحا في صحة الاعتكاف
قال الخطابي فيه من الفقه أن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد إلا لغائط أو بول وفيه أن ترجيل الشعر مباح للمعتكف والدرن
وفيه أن بدن الحائض طاهر غير نجس
وفيه أن من حلف لا يدخل بيتا فأدخل رأسه فيه وسائر بدنه خارج لم يحنث انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
(فأتيته أزوره) من الزيارة (فانقلبت) أي إلى بيتي (فقام معي ليقلبني) أي يردني إلى بيتي (على رسلكما) بكسر الراء أي على هيئتكما
الرسل السير السهل وجاء فيه الكسر والفتح بمعنى التؤدة وترك العجل (سبحان الله) إما أي حقيقة تنزه الله تعالى عن أن يكون رسوله متهما بما لا ينبغي أو كناية عن التعجب من هذا القول (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) وفي رواية البخاري يبلغ من انسان مبلغ الدم أي كمبلغ الدم ووجه التشبيه بين طرفي التشبيه
شدة الاتصال وعدم المفارقة
قال الشافعي معناه أنه خاف عليهما الكفر لو ظنا به ظن التهمة فبادر إلى إعلامهما بمكانها نصيحة لهما قاله العيني وقال الخطابي حكي لنا عن الشافعي أنه قال كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم شفقة عليهما لأنهما لو ظنا به ظن سوء كفرا فبادة إلى إعلامهما ذلك لئلا يهلكا
وفيه أنه خرج من المسجد معها ليتبلغ منزلها وفي هذا حجة لمن رأى أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب وأنه لا يمنع المعتكف من إتيان المعروف
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
$ 0 - (باب المعتكف يعود المريض)
(يمر بالمريض وهو) أي النبي صلى الله عليه وسلم (معتكف) والمريض خارج عن المسجد (فيمر كما هو) قال الطيبي الكاف صفة لمصدر محذوف وما موصولة ولفظ هو مبتدأ والخبر محذوف والجملة صلة ما أي يمر مرورا مثل الهيئة التي هو عليها فلا يميل إلى الجوانب ولا يقف (ولا يعرج) أي لا يمكث بيان للمجمل لأن التعريج الإقامة والميل عن الطريق إلى جانب (يسأل عنه) بيان لقوله يعود على سبيل الاستئناف (إن كان) مخففة من المثقلة
قال المنذري في إسناده ليث بن أبي سليم وفيه مقال
(السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا) قال الخطابي قولها السنة إن كانت أرادت
بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا فهي نصوص لا يجوز خلافها وإن كانت أرادت به الفتيا على معاني ما عقلت من السنة فقد خالفها بعض الصحابة في بعض هذه الأمور والصحابة إذا اختلفوا في مسألة كان سبيلها النظر على أن أبا داود قد ذكر على إثر هذا الحديث أن غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيها إنها قالت السنة فدل ذلك على احتمال أن يكون ما قالته فتوى منها وليس برواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ويشبه أن تكون أرادت بقولها لا يعود مريضا أي لا يخرج من معتكفه قاصدا عيادته وأنه لا يضيق عليه أن يمر به فيسأله غير معرج عليه كما ذكرته عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث القاسم بن محمد (لا يمس امرأة) تريد الجماع وهذا لا خلاف فيه أنه إذا جامع امرأته فقد بطل اعتكافه قاله الخطابي وقد نقل بن المنذر الإجماع على ذلك
(ولا يباشرها) فقد اختلف فيها فقال عطاء والشافعي إن باشر أو قبل لم يفسد اعتكافه وإن أنزل وقال مالك يفسد وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه
قاله الخطابي
وفي النيل المراد بالمباشرة هنا الجماع بقرينة ذكر المس قبلها ويؤيده ما روى الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد أنهم كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء فنزلت انتهى (إلا لما لا بد منه) ولا يتصور فعلها في المسجد
فيه دليل على المنع من الخروج لكل حاجة من غير فرق بين ما كان مباحا أو قربة أو غيرهما إلا الذي لا بد منه كالخروج لقضاء الحاجة وما في حكمها (ولا اعتكاف إلا بصوم) وفيه دليل أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم وأنه شرط وهو قول بن عباس وبن عمر من<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله قلت عبد الرحمن هذا قال فيه أبو حاتم لا يحتج به وقال البخاري ليس ممن يعتمد على حفظه وقال الدارقطني ضعيف يرمى بالقدر
وأيضا فإن الحديث مختصر
وسياقه يدل على أنه ليس مجزوما برفعه وقال الليث حدثني عقيل عن الزهري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده والسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد منها ولا يعود مريضا ولا يمس امرأته ولا يباشرها ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع والسنة فيمن اعتكف أن يصوم
قال الدارقطني قوله والسنة في المعتكف إلى آخره ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من
الصحابة ومالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة
وقال بن مسعود رضي الله عنه والحسن البصري والشافعي وأحمد وإسحاق إنه ليس بشرط قالوا يصح اعتكاف ساعة واحدة ولحظة واحدة وهذا هو الحق للأدلة الصحيحة القائمة على ذلك لا كما قال الإمام الحافظ بن القيم إن الراجح الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) يحتمل أن يكون معناه نفي الفضيلة والكمال وإنما يكره الاعتكاف في غير الجامع لمن نذر اعتكافا أكثر من جمعة لئلا تفوته صلاة الجمعة فأما من كان اعتكافه دون ذلك فلا بأس به والجامع وغيره سواء في ذلك والله أعلم (جعله قول عائشة) وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها لا يخرج وما عداه ممن دونها انتهى وكذلك رجح ذلك البيهقي ذكره بن كثير في الإرشاد
وقال المنذري وأخرجه النسائي من حديث يونس بن زيد وليس فيه قالت السنة وأخرجه من حديث الإمام مالك وليس فيه أيضا ذلك
وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو القرشي المديني يقال له عباد قد أخرج له مسلم في صحيحه ووثقه يحيى بن معين وأثنى عليه غيره وتكلم فيه بعضهم<span class="matn-hr"> </span>Qقول الزهري ومن أدرجه في الحديث فقد وهم ولهذا والله أعلم ذكر صاحب الصحيح أوله وأعرض عن هذه الزيادة وقد رواه سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة يرفعه لا اعتكاف إلا بصيام وسويد قال فيه أحمد متروك وقال بن معين ليس بشيء
وقال النسائي وغيره ضعيف وسفيان بن حسين في الزهري ضعيف
قال الشيخ شمس الدين اختلف أهل العلم في اشتراط الصوم في الاعتكاف فأوجبه أكثر أهل العلم منهم عائشة أم المؤمنين وبن عباس وبن عمر وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه وذهب الشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عنه أن الصوم فيه مستحب غير واجب
قال بن المنذر وهو مروي عن علي وبن مسعود
واحتج هؤلاء بما في الصحيحين عن عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك قالوا والليل ليس بمحل للصيام وقد جوز الاعتكاف فيه واحتجوا أيضا بما رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابى سهيل عن طاوس عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه وقال صحيح الإسناد
واحتجوا أيضا بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qيعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه وإنه أمر بخباء فضرب وإنه أراد مرة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فأمرت زينب بخبائها فضرب وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائه فضرب فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر نظر فإذا الأخبية فقال آلبر تردن فأمر بخبائه فقوض وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف العشر الأول من شوال ويوم العيد داخل في جملة العشر وليس محلا للصوم
واحتجوا أيضا بأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها فلم يكن الصوم شرطا فيها كسائر العبادات من الحج والصلاة والجهاد والرباط وبأنه لزوم مكان معين لطاعة الله تعالى فلم يكن الصوم شرطا فيه كالرباط وبأنه قربة بنفسه فلا يشترط فيه الصوم كالحج
قال الموجبون الكلام معكم في مقامين أحدهما ذكر ضعف أدلتكم والثاني ذكر الأدلة على اشتراط الصوم
فأما المقام الأول فنقول لا دلالة في شيء مما ذكرتم أما حديث بن عمر عن أبيه فقد اتفق على صحته لكن اختلف في لفظه كثيرا فرواه مسدد وزهير ويعقوب الدورقي عن يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر فقالوا ليلة وكذلك رواه بن المبارك وسليمان بن بلال عن عبيد الله وهكذا رواه إسحاق بن راهويه عن حفص بن غياث عن عبيد الله ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن حفص بن غياث فأبهم النذر فقال إني نذرت أن أعتكف عند المسجد الحرام فقال أوف بنذرك وكذلك رواه أبو أسامة عن عبيد الله مبهما ورواه شعبة عن عبيد الله بن عمر فقال إني نذرت أن أعتكف يوما وكذلك اختلف فيه على أيوب السختياني فرواه حماد بن زيد عنه عن نافع قال ذكر عند بن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال لم يعتمر منها وكان على عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يفي به فدخل المسجد تلك الليلة فلما أصبح إذا السبي يسعون يقولون أعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه وكذلك رواه بن عيينة عن أيوب وخالفهما معمر وجرير فقالا يوما وكلاهما في الصحيحين بهذين اللفظين
قال النفاة يجوز أن يكون عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اعتكاف ليلة وحدها فأمره به وسأله مرة أخرى عن اعتكاف يوم فأمره به
قال الموجبون هذا مما لا يشك عالم في بطلانه فإن القصة واحدة وعمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح سؤالا واحدا وهذه الطريقة يسلكها كثير ممن لا تحقيق عنده وهي احتمال التكرار في كل حديث اختلفت ألفاظه بحسب اختلافها وهو مما يقطع ببطلانه في أكثر المواضع كالقطع ببطلان التعدد في اشتراء البعير من جابر مرارا في أسفار والقطع ببطلان التعدد في نكاح الواهبة نفسها بلفظ الإنكاح مرة والتزويج مرة والإملاك مرة والقطع ببطلان الإسراء مرارا كل مرة يفرض عليه فيها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .<span class="matn-hr"> </span>Qخمسون صلاة ثم يرجع إلى موسى فيرده إلى ربه حتى تصير خمسا فيقول تعالى لا يبدل القول لدي هي خمس وهي خمسون في الأجر ثم يفرضها في الإسراء الثاني خمسين فهذا مما يجزم ببطلانه ونظائره كثيرة كقول بعضهم في حديث عمران بن حصين كان الله ولا شيء قبله وكان ولا شيء غيره وكان ولا شيء معه إنه يجوز أن تكون وقائع متعددة وهذا القائل لو تأمل سياق الحديث لاستحيا من هذا القول فإن سياقه أنه أناخ راحلته بباب المسجد ثم تفلتت فذهب يطلبها ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فقال بعد ذلك وايم الله وددت لو أني قعدت وتركتها فيا سبحان الله أفي كل مرة يتفق له هذا وبالجملة فهذه طريقة من لا تحقيق له
وإذا كان عمر إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة فإن كان يوما فلا دلالة فيه وإن كان ليلة فالليالي قد تطلق ويراد بها الأيام استعمالا فاشيا في اللغة لا ينكر كيف وقد روى سعيد بن بشير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أوف بنذرك وسعيد بن بشير هذا وإن كان قد ضعفه بن المديني ويحيى بن معين والنسائي فقد قال فيه شعبة كان صدوق اللسان وقال سفيان بن عيينة كان حافظا وقال دحيم هو ثقة وقال كان مشيختنا يوثقونه
وقال البخاري يتكلمون في حفظه وهو يحتمل وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سمعت أبي ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء وقال محله الصدق وقال بن عدي الغالب على حديثه الاستقامة
وقد روى عبد الله بن يزيد عن عمرو بن دينار عن بن عمر عن عمر هذا الحديث وفيه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتكف ويصوم ولكن تفرد به بن بديل وضعفه الدارقطني وقال بن عدي له أحاديث مما ينكر عليه الزيادة في متنه أو إسناده وقال أبو بكر النيسابوري هذا حديث منكر لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه منهم بن جريج وبن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وبن بديل ضعيف الحديث فهذا مما لا حاجة بنا إلى الاستدلال به
وحديث سعيد بن بشير أجود منه
وأما حديث بن عباس الذي رواه الحاكم فله علتان إحداهما أنه من رواية عبد الله بن محمد الرملي وليس بالحافظ حتى يقبل منه تفرده بمثل هذا
العلة الثانية أن الحميدي وعمرو بن زرارة روياه عن الدراوردي عن أبى سهيل عن طاووس عن بن عباس موقوفا عليه وهذا هو الصواب وهو الثابت عن بن عباس
وأما حديث عائشة وقصة اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأول من شوال فهذا قد اختلف فيه لفظ الصحيح
وفيه ثلاثة ألفاظ أحدها عشرا من شوال والثاني في العشر الأول من شوال والثالث العشر الأول ولا ريب أن هذا ليس بصريح في اعتكاف يوم العيد ولو كان الثابت هو
غيره وتكلم فيه بعضهم<span class="matn-hr"> </span>Qقوله العشر الأول من شوال لأنه يصح أن يقال اعتكف العشر الأول وإن كان قد أخل بيوم منه كما يقال قام ليالي العشر الأخير وإن كان قد أخل بالقيام في جزء من الليل
ويقال قام ليلة القدر وإن أخل بقيامه في بعضها
وأما الأقيسة التي ذكرتموها فمعارضة بأمثالها أو بما هو من جنسها فلا حاجة إلى التطويل بذكرها
وأما المقام الثاني وهو الاستدلال على اشتراط الصوم فأمور أحدها أنه لم يعرف مشروعية الاعتكاف إلا بصوم ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه أنهم اعتكفوا بغير صوم ولو كان هذا معروفا عندهم لكانت شهرته تغني عن تكلفكم الاستدلال باعتكافه صلى الله عليه وسلم العشر الأول من شوال
الثاني حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في الباب وقولها السنة كذا وكذا ولا اعتكاف إلا بصوم
قال النفاة الجواب عن هذا من وجوه أحدها أن رواية عبد الرحمن بن إسحاق قال فيه أبو حاتم لا يحتج به وقال البخاري ليس ممن يعتمد على حفظه وقال الدارقطني يرمى بالقدر
الثاني أن هذا الكلام من قول الزهري لا من قول عائشة كما ذكره أبو داود وغيره قال الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده فالسنة في المعتكف إلى آخره ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول الزهري ومن أدركه في الحديث فقد وهم
الثالث أن غايته الدلالة على استحباب الصوم في الاعتكاف فإن قوله السنة إنما يفيد الاستحباب
وقوله لا اعتكاف إلا بصوم نفي للكمال
قال الموجبون الجواب عما ذكرتم أما تضعيف عبد الرحمن بن إسحاق
فقد روى له مسلم في صحيحه ووثقه يحيى بن معين وغيره
وأما قولكم إنه من قول الزهري ومن أدرجه فقد وهم فجوابه من وجهين أحدهما أنا لو تركنا هذا لكان ما ذكرتم فادحا ولكن قد روى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن عائشة قالت من اعتكف فعليه الصوم فهذا يقوي حديث الزهري
الثاني أنه ولو ثبت أنه من كلام الزهري فهو يدل على أن السنة المعروفة التي استمر عليها العمل أنه لا اعتكاف إلا بصوم فهل عارض هذه السنة سنة غيرها حتى تقابل به
(أن عمر رضي الله عنه جعل عليه) أي على نفسه (أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما) شك الراوي () (فقال اعتكف وصم) قال الخطابي فيه من الفقه أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق حكم الإسلام كان معمولا به
وفيه دليل على أن من حلف في كفره ثم أسلم فحنث أن الكفارة واجبة عليه وهذا على مذهب الشافعي
وقال أبو حنيفة لا تلزمه الكفارة وفيه أيضا دليل على وقوع ظهار الذمي ووجوب الكفارة عليه فيها والله أعلم
وقال في فتح الباري وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن بن عمر صريحا لكن إسنادها ضعيف وقد زاد فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له اعتكف وصم أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل وهو ضعيف
وذكر بن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار ورواية من روى يوما شاذة
وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر عند البخاري فاعتكف ليلة فدل على أنه لم يزد على نذره شيئا وأن الاعتكاف لا صوم فيه وأنه لا يشترط له حد معين انتهى<span class="matn-hr"> </span>Qوأما قولكم إن هذا إنما يدل على الاستحباب فليس المراد بالسنة ها هنا مجرد الاستحباب وإنما المراد طريقة الاعتكاف وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستمرة فيه
وقوله ولا اعتكاف إلا بصوم يبين ذلك
وقولكم إنه لنفي الكمال صحيح ولكن لنفي كمال الواجب أو المستحب الأول مسلم والثاني
ممنوع
والحمل عليه بعيد جدا إذا لا يصلح النفي المطلق عند نفي بعض المستحبات وإلا صح النفي عن كل عبادة ترك بعض مستحباتها ولا يصح ذلك لغة ولا عرفا ولا شرعا ولا يعهد في الشريعة نفي العبادة إلا بترك واجب فيها وقال الدارقطني يقال إن قوله والسنة على المعتكف إلى آخره من كلام الزهري ومن أدرجه في الحديث فقد وهم فيه
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الدارقطني هذا الحديث في سننه عن نافع عن بن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بعد إسلامه فقال أوف بنذرك قال هذا إسناد حسن تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير وروى الدارقطني أيضا عن عائشة ترفعه لا اعتكاف إلا بصيام وقال تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري
(هو معتكف) أي عمر بن الخطاب (فقال) عمر (ما هذا) الصوت بالتكبير (ياعبد الله) بن عمر (قال) عمر (وتلك الجارية) من سبايا هوازن التي عند عمر كيف تحبس (فأرسلها) عمر بن الخطاب الجارية (معهم) الذين أعتقوا
قال المنذري وأخرجه النسائي
وفي إسناده عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي المكي وهو ضعيف
وقال بن عدي ولا أعلم ذكر في هذا الإسناد الصوم مع الاعتكاف إلا من رواية عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار
وقال الدارقطني تفرد به بن بديل عن عمرو وهو ضعيف الحديث
وقال الدارقطني أيضا سمعت أبا بكر النيسابوري يقول هذا حديث منكر لأن الثقات من أصحاب عمرو لم يذكروه يعني الصوم منهم بن جريج وبن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم
وبن بديل ضعيف الحديث
$ 1 - (باب المستحاضة تعتكف)
(امرأة من أزواجه) ولأبي ذر امرأة مستحاضة من أزواجه وهي أم سلمة كما في سنن سعيد بن منصور (فكانت ترى الصفرة) فيه جواز صلاتها كاعتكافها لكن مع الأمن من التلويث كدائم الحدث
ذكره القسطلاني وقال الشوكاني في النيل والحديث يدل على جواز مكث المستحاضة في المسجد وصحة اعتكافها وصلاتها وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث ويلحق بها دائم الحدث ومن به جرح يسيل انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري والنسائي وبن ماجه