(ذكاة الجنين ذكاة أمه) أي ذكاتها التي أحلتها أحلته تبعا لها ولأنه جزء من أجزائها وذكاتها ذكاة لجميع أجزائها
قال في التلخيص قال بن المنذر إنه لم يرو عن أحد من الصحابة ولا من العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستثناء الذكاة فيه إلا ما روي عن أبي حنيفة
انتهى
قال المنذري في<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وحديث جابر قال بن القطان فيه عبيد الله بن زياد القداح وفيه عتاب بن بشر الحراني زعموا أنه روى بآخره أحاديث منكرة وأنه اختلط عليه العرض والسماع فتكلموا فيه قال وهذا من الوسواس ولا يضره ذلك فإن كل واحد منهما بمحمل صحيح وفي الباب حديث بن عمر يرفعه ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر ذكره الدارقطني
وله علتان إحداهما أن الصواب وقفه قاله الدارقطني
والثانية أنه من رواية عصام بن يوسف عن مبارك بن مجاهد وضعف البخاري مبارك بن مجاهد وقال أبو حاتم الرازي ما أرى بحديثه بأسا
وقوله في بعض ألفاظه فإن ذكاته ذكاة أمه مما يبطل تأويل من رواه بالنصب وقال ذكاة الجنين كذكاة أمه
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله وهذا باطل من وجوه أحدها أن سياق الحديث يبطله فإنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنين الذي يوجد في بطن الشاة أيأكلونه أم يلقونه فأفتاهم بأكله ورفع عنهم ما توهموه من كونه ميتة بأن ذكاة أمه ذكاة له لأنه جزء من أجزائها كيدها وكبدها ورأسها وأجزاء المذبوح لا تفتقر إلى ذكاة مستقلة
والحمل ما دام جنينا فهو كالجزء منها لا ينفرد بحكم فإذا ذكيت الأم أتت الذكاة على جميع أجزائها التي من جملتها الجنين فهذا هو القياس الجلي لو لم يكن في المسألة نص
إسناده عبيد الله بن أبي زياد المكي القداح وفيه مقال وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي عبيد الحداد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه وهذا إسناد حسن
ويونس وإن تكلم فيه فقد احتج به مسلم في صحيحه
وقال البيهقي وفي الباب عن علي وعبد الله بن مسعود وعبيد الله بن عمر وعبد الله بن<span class="matn-hr"> </span>Qالثاني أن الجواب لا بد وأن يقع عن السؤال والصحابة لم يسألوا عن كيفية ذكاته ليكون قوله ذكاته كذكاة أمه جوابا لهم وإنما سألوا عن أكل الجنين الذي يجدونه بعد الذبح فأفتاهم بأكله حلالا بجريان ذكاة أمه عليه وأنه لا يحتاج إلى أن ينفرد بالزكاة
الثالث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق فهما لمراده بكلامه وقد فهموا من هذا الحديث اكتفاءهم بذكاة الأم عن ذكاة الجنين وأنه لا يحتاج أن ينفرد بذكاة بل يؤكل
قال عبد الله بن كعب بن مالك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وهذا إشارة إلى جميعهم
قال بن المنذر كان الناس على إباحته لا نعلم أحدا منهم خالف ما قالوه إلى أن جاء النعمان فقال لا يحل لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين
الرابع أن الشريعة قد استقرت على أن الذكاة تختلف بالقدرة والعجز فذكاة الصيد الممتنع بجرحه في أي موضع كان بخلاف المقدور عليه وذكاة المتردية لا يمكن إلا بطعنها في أي موضع كان ومعلوم أن الجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه فتكون ذكاة أمه ذكاة له هو محض القياس
الخامس أن قوله ذكاة الجنين ذكاة أمه جملة خبرية جعل الخبر فيها نفس المبتدأ
فهي كقولك غذاء الجنين غذاء أمه ولهذا جعلت الجملة لتتميم إن وخبرها في قوله فإن ذكاته ذكاة أمه وإذ كان هكذا لم يجز في ذكاة أمه إلا بالرفع ولا يجوز نصبه لبقاء المبتدأ بغير خبر فيخرج الكلام عن الإفادة والتمام إذ الخبر محل الفائدة وهو غير معلوم
السادس أنه إذا نصب ذكاة أمه فلا بد وأن يجعل الأول في تقدير فعل لينتصب عنه المصدر ويكون تقديره يذكي الجنين ذكاة أمه ونحوه
ولو أريد هذا المعنى لقيل ذكوا الجنين ذكاة أمه أو يذكى كما يقال اضرب زيدا ضرب عمرو وينتصب الثاني على معنى اضرب زيدا ضرب عمرو فهذا لا يجوز وليس هو كلاما عربيا إلا إذا نصب الجزءان معا فتقول ذكاة الجنين ذكاة أمه وهذا
عباس وأبي أيوب وأبي هريرة وأبي الدرداء وأبي أمامة والبراء بن عازب مرفوعا
وقال غيره رواه بعض الناس يفرض له ذكاة الجنين ذكاة يعني بنصب الذكاة الثانية ليوجب ابتداء الذكاة فيه إذا خرج ولا يكتفي بذكاة أمه وليس بشيء وإنما هو ذكاة الجنين ذكاة أمه برفع الثانية كرفع الأولى خبر المبتدأ هذا آخر كلامه
والمحفوظ عن أئمة هذا الشأن في تفسير هذا الحديث الرفع فيهما
وقال بعضهم في قوله فإن ذكاته ذكاة أمه ما يبطل هذا التأويل ويدحضه فإنه تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة
وقال بن المنذر لم يرو عن أحد من الصحابة والتابعين وسائر علماء الأمصار أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه إلا ما روي عن أبي حنيفة
قال ولا أحسب أصحابه وافقوا عليه انتهى كلام المنذري<span class="matn- hr"> </span>Qمع أنه خلاف رواية الناس وأهل الحديث قاطبة فهو أيضا ممتنع فإن المصدر لا بد له من فعل يعمل فيه فيؤول التقدير إلى ذكوا ذكاة الجنين ذكاة أمه ويصير نظير قولك ضرب زيد ضرب عمرو تنصبهما
وتقديره اضرب ضرب زيد ضرب عمرو وهذا إنما يكون في المصدر بدلا من اللفظ بالفعل إذا كان منكرا نحو ضربا زيد أي ضرب زيد
ولهذا كان قولك ضربا زيدا كلاما تاما وقولك ضرب زيد ليس بكلام تام فإن الأول يتضمن اضرب زيدا بخلاف الثاني فإنه مفرد فقط فيعطي ذلك معنى الجملة فأما إذا أضفته وقلت ضرب زيد فإنه يصير مفردا ولا يجوز تقديره باضرب زيد ويدل على بطلانه الوجه السابع وهو أن الجنين إنما يذكى مثل ذكاة أمه إذا خرج حيا وحينئذ فلا يؤكل حتى يذكى ذكاة مستقبلة لأنه حينئذ له حكم نفسه وهم لم يسألوا عن هذا ولا أجيبوا به فلا السؤال دل عليه ولا هو جواب مطابق لسؤالهم فإنهم قالوا نذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله فقال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه فهم إنما سألوه عن أكله أيحل لهم أم لا فأفتاهم بأكله وأزال عنهم ما علم أنه يقع في أوهامهم من كونه ميتة بأنه ذكي بذكاة الأم
ومعلوم أن هذا الجواب والسؤال لا يطابق ذكوا الجنين مثل ذكاة أمه بل كان الجواب حينئذ لا تأكلوه إلا أن يخرج حيا فذكاته مثل ذكاة أمه وهذا ضد مدلول الحديث والله أعلم
وبهذا يعلم فساد ما سلكه أبو الفتح بن جني وغيره في إعراب هذا الحديث حيث قالوا ذكاة أمه على تقدير مضاف محذوف أي ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه
وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كثير وهذا إنما يكون حيث لا لبس وأما إذا أوقع في اللبس فإنه تمتنع وما تقدم كاف في فساده وبالله التوفيق
$ 282 - (باب أكل اللحم لا يدرى أذكر اسم الله عليه)