(لا حلف في الإسلام) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام المعاهدة والمراد به هنا ما كان يفعل في الجاهلية من المعاهدة على القتال والغارات وغيرهما مما يتعلق بالمفاسد (وأيما حلف) ما فيه زائدة (كان في الجاهلية) المراد منه ما كان من المعاهدة على الخير كصلة الأرحام<span class="matn- hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله فالظاهر والله أعلم أن المراد بالحديث أن الله تعالى قد ألف بين المسلمين بالإسلام
ونصرة المظلوم وغيرهما (لم يزده الإسلام إلا شدة) أي تأكيدا وحفظا على ذلك
كذا في شرح المشارق لابن الملك قال القاضي قال الطبري لا يجوز الحلف اليوم فإن المذكور في الحديث والموارثة به وبالمؤاخاة كله منسوخ لقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض وقال الحسن كان التوارث بالحلف فنسخ بآية المواريث
قلت أما ما يتعلق بالإرث فنسخت فيه المحالفة عند جماهير العلماء وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله تعالى والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق فهذا باق لم ينسخ وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا حلف في الإسلام فالمراد به حلف التوارث والحلف على ما منع الشرع منه والله أعلم
كذا في شرح صحيح مسلم للنووي رحمه الله
وقال في النهاية أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم لا حلف في الإسلام وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف للطيبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم وأيما حلف كان في الجاهلية<span class="matn-hr"> </span>Qوجعلهم به إخوة متناصرين متعاضدين يدا واحدة بمنزلة الجسد الواحد فقد أغناهم بالإسلام عن الحلف بل الذي توجبه أخوة الإسلام لبعضهم على بعض أعظم مما يقتضيه الحلف
فالحلف إن اقتضى شيئا يخالف الإسلام فهو باطل وإن اقتضى ما يقتضيه الإسلام فلا تأثير له فلا فائدة فيه
وإذا كان قد وقع في الجاهلية ثم جاء الإسلام بمقتضاه لم يزده إلا شدة وتأكيدا
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم شهدت حلفا في الجاهلية ما أحب أن لي به حمر النعم لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت فهذا والله أعلم هو حلف المطيبين حيث تحالفت قريش على نصر المظلوم وكف الظالم ونحوه فهذا إذا وقع في الإسلام كان تأكيدا لموجب الإسلام وتقوية له
وأما الحلف الذي أبطله فهو تحالف القبائل بأن يقوم بعضها مع بعض وينصره ويحارب حاربه ويسالم من سالمه
فهذا لا يعقد في الإسلام وما كان منه قد وقع في الجاهلية
فإن الإسلام يؤكده ويشده إذا صار موجبه في الإسلام التناصر والتعاضد والتساعد على إعلاء كلمة الله تعالى وجهاد أعدائه وتأليف الكلمة وجمع الشمل
لم يزده الإسلام إلا شدة يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق وبذلك يجتمع الحديثان وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام وقيل المحالفة كانت قبل الفتح وقوله لا حلف في الإسلام قاله زمن الفتح انتهى
وقال بن كثير بعد إيراد حديث جبير بن مطعم وهذا نص في الرد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ورواية عن أحمد بن حنبل والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه ولهذا قال تعالى ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون أي ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه وهم يرثونه دون سائر الناس انتهى
قال المنذري وأخرجه مسلم