(أخبرنا سفيان) هو بن عيينة ذكره المزي (عن سعيد) بن المسيب (عن النبي صلى الله عليه وسلم) فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى (يؤذيني) من الإيذاء معناه يعاملني معاملة توجب الأذى في حقكم قاله النووي (يسب الدهر) قال العلامة العيني في عمدة القارىء قال الخطابي كانت الجاهلية تضيف المصائب والنوائب إلى الدهر الذي هو من الليل والنهار وهم في ذلك فرقتان فرقة لا تؤمن بالله تعالى ولا تعرف إلا الدهر الليل والنهار اللذان هما محل للحوادث وظرف لمساقط الأقدار فتنسب المكاره إليه على أنها من فعله ولا ترى أن لها مدبرا غيره وهذه الفرقة هي الدهرية الذين حكى الله عنهم في قوله وما يهلكنا إلا الدهر الآية وفرقة تعرف الخالق وتنزهه من أن تنسب إليه المكاره فتضيفها إلى الدهر والزمان وعلى هذين الوجهين كانوا يسبون الدهر ويذمونه فيقول القائل منهم يا خيبة الدهر ويا بؤس الدهر فقال صلى الله عليه وسلم لهم مبطلا ذلك لا يسبن أحد منكم الدهر فإن الله هو الدهر يريد والله أعلم لا تسبوا الدهر على أنه الفاعل لهذا الصنيع فالله تعالى هو الفاعل له فإذا سببتم الذي أنزل بكم المكاره رجع السب إلى الله تعالى وانصرف إليه انتهى (وأنا الدهر) قال العيني قال الخطابي معناه أنا ملك الدهر ومصرفه فحذف اختصار اللفظ واتساعا في المعنى
وقال غيره معنى قوله أنا الدهر أي المدبر أو صاحب الدهر أو مقبله أو مصرفه ولهذا عقبه بقوله بيدي الأمر
ويروى بنصب الدهر على معنى أنا باق أو ثابت في الدهر
وروى أحمد عن أبي هريرة بلفظ لا تسبوا الدهر فإن الله قالأنا الدهر الأيام والليالي أوجدها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك انتهى
وليس المراد أن الدهر اسم من أسماء الله تعالى
وقال النووي قوله وأنا الدهر فإنه برفع الراء هذا هو الصواب المعروف الذي قاله الشافعي وأبو عبيد وجماعة من المتقدمين والمتأخرين
وقال أبو بكر ومحمد بن داود الظاهري إنما هو الدهر بالنصب على الظرف أي أنا مدة الدهر أقلب ليله ونهاره
وحكى بن عبد البر هذه الرواية عن بعض أهل العلم
وقال النحاس يجوز النصب أي فإن الله باق مقيم أبدا لا يزول
وقال بعضهم هو منصوب على التخصيص قال والظرف أصح وأصوب
وأما رواية الرفع وهي الصواب فموافقة لقوله فإن الله هو الدهر
قال العلماء وهو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون يا خيبة الدهر ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر أي لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى
ومعنى فإن الله هو الدهر أي فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات انتهى كلامه
وفي صحيح مسلم روي هذا الحديث من طرق متنوعة وألفاظ كثيرة فمنها قوله قال الله عز وجل يسب بن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار
وفي رواية قال الله يؤذيني بن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار
وفي رواية قال الله تبارك وتعالى يؤذيني بن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما
وفي رواية لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر انتهى
قال الإمام الحافظ عبد العظيم المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي
انتهى
وقال الحافظ جمال الدين المزي في الأطراف والحديث أخرجه البخاري في التفسير والتوحيد والأدب ومسلم في الأدب وأبو داود في الأدب والنسائي في التفسير
انتهى والله أعلم