(تقدموا فائتموا بي) أي اصنعوا كما أصنع (وليأتم) بسكون اللام وتكسر (بكم من بعدكم) أي ليقتد بكم من خلفكم من الصفوف
وقد تمسك به الشعبي على قوله إن كل صف منهم إمام لمن وراءه
وعامة أهل العلم يخالفونه (ولا يزال قوم يتأخرون) أي عن الصفوف الأول (حتى يؤخرهم الله) عن رحمته وعظيم فضله ورفع المنزلة وعن العلم ونحو ذلك قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي وبن ماجه
([681]
باب مقام الامام في الصف
(وسطوا امام) أي اجعلوا إمامكم متوسطا بأن تقفوا في الصفوف خلفه وعن يمينه وعن شماله
([682]
باب الرجل يصلي وحده خلف الصف)
(فأمره أن يعيد) اختلف السلف في صلاة المأموم خلف الصف وحده
فقال طائفة لا
يجوز ولا يصح وممن قال بذلك النخعي والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وحماد وبن أبي ليلى ووكيع
وأجاز ذلك الحسن البصري والأوزاعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي
وتمسك القائلون بعدم الصحة بحديث الباب وحديث علي بن شيبان وفيه فقال له استقبل صلاتك فلا صلاة لمنفرد خلف الصف رواه أحمد وبن ماجه
وتمسك القائلون بالصحة بحديث أبي بكرة الآتي قالوا لأنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة فيحمل الأمر بالإعادة على جهة الندب مبالغة في المحافظة على الأولى
قال الحافظ وجمع أحمد وغيره بين الحديثين بوجه آخر وهو أن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة فمن ابتدأ الصلاة منفردا خلف الصف ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع لم تجب عليه<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى الإمام أحمد وبن حبان في صحيحه من حديث علي بن شيبان وكان أحد الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني حنيفة قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته نظر إلى رجل خلف الصف وحده فقال النبي صلى الله عليه وسلم هكذا صليت قال نعم قال فأعد صلاتك فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف وحده
هذا لفظ بن حبان
ولفظ أحمد عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له استقبل صلاتك فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف
وحديث وابصة أخرجه أيضا بن حبان في صحيحه والإمام أحمد
وفي لفظ لأحمد فيه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل صلى خلف الصف وحده فقال يعيد الصلاة
وقد أعل الشافعي حديث وابصة فقال قد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين يدخل بين هلال بن يساف ووابصة رجلا
ومنهم من يرويه عن هلال عن وابصة سمعه منه
وسمعت بعض أهل العلم منهم كان يوهنه بما وصفت
وأعله غيره بأن هلال بن يساف تفرد به عن وابصة
والعلتان جميعا ضعيفتان فأما الأولى فإن هلال بن يساف رواه عن عمرو بن راشد عن وابصة وعن زياد بن أبي الجعد عن وابصة
ذكر ذلك بن حبان في صحيحه
وقال سمع هذا الخبر هلال بن يساف من عمرو بن راشد
وسمعه من زياد بن أبي الجعد كلاهما عن وابصة
قال هما طريقان جميعا محفوظان فإدخال زياد وعمرو بن راشد بين هلال ووابصة لا يوهن الحديث شيئا
وأما العلة الثانية فباطلة
وقد أشار بن حبان إلى بطلانها فقال ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هلال بن يساف تفرد بهذا الخبر ثم ساق من حديث عبيد بن أبي الجعد عن أبيه زياد بن أبي الجعد عن وابصة فذكره
فالحديث محفوظ
قال الشافعي ولو ثبت حديث وابصة فحديثنا أولى أن يؤخذ به لأن معه القياس وقول العامة
يريد حديث أبي بكرة لما ركع وحده دون الصف ومشى حتى دخل في الصف قال فإن قال قائل وما القياس وقول العامة قيل أرأيت صلاة الرجل منفردا
الإعادة كما في حديث أبي بكرة وإلا فيجب على عموم حديث وابصة وعلي بن شيبان
انتهى (قال سليمان بن حرب) في روايته (الصلاة) بعد أن يعيد وأما رواية حفص بن عمر فانتهت إلى أن يعيد ولم يذكر الصلاة
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن ماجه
وقال الترمذي حديث وابصة حديث حسن
([683]
باب الرجل يركع دون الصف)
(زادك الله حرصا) أي على الخير (ولا تعد) أي إلى ما صنعت من السعي الشديد تم من الركوع دون الصف ثم من المشي إلى الصف وقد ورد ما يقتضي ذلك صريحا في طرق حديثه
قاله الحافظ
وقال ضبطاه في جميع الروايات بفتح أوله وضم العين من العود وحكى بعض شراح المصابيح أنه روي بضم أوله وكسر العين من الإعادة ويرجح الروايات المشهور ما تقدم من الزيادة في آخره عند الطبراني صل ما أدركت واقض ما سبقك انتهى<span class="matn-hr"> </span>Qأتجزىء عنه فإن قال نعم قلت وصلاة الإمام أمام الصف وهو في صلاة جماعة فإن قال نعم قيل فهل يعدو المنفرد خلف الصف أن يكون كالإمام المنفرد أمامه أو يكون كرجل منفرد يصلي لنفسه منفردا فإن قيل فهكذا سنة موقف الإمام والمنفرد
قيل فسنة موقفهما تدل على أنه ليس في الانفراد شيء يفسد الصلاة
فإن قال بالحديث فيه قيل فالحديث ما ذكرنا
فإن قيل فاذكر الحديث
قيل أخبرنا مالك ثم ذكر حديث أنس في صلاة المرأة وحدها خلف الصف
وليس في شيء من هذا ما يعارض حديث وابصة وعلي بن شيبان
أما حديث أبي بكرة فإنما فيه أنه ركع دون الصف ثم مشى حتى دخل في الصف والاعتبار إنما هو بإدراك الركوع مع الإمام في الصف وليس في حديثه أنه لم يجامعه في الركوع في الصف
فلا حجة فيه مرجوحة
وأما موقف الإمام والمرأة فالسنة تقدم هذا وتأخر المرأة والسنة للمأموم الوقوف في الصف إما استحبابا وإما وجوبا
فكيف يقاس أحدهما على الآخر ولو خالفت المرأة موقفها بطلت صلاتها في أحد القولين وكره لها ذلك من غير بطلان في القول الآخر
ولو وقف الرجال فذا كما تقف المرأة بطلت صلاته في قول وكرهت في آخر
فأين أحدهما من الآخر
قال الخطابي فيه دلالة على أن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة لأن جزءا من الصلاة إذا جاز على حال الانفراد جاز سائر أجزائها
وقوله عليه السلام ولا تعد إرشادا له في المستقبل إلى ما هو أفضل ولو يكن مجزيا لأمره بالإعادة ويدل على مثل ذلك حديث أنس في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت المرأة وقيامها منفردة وأحكام الرجال والنساء في هذا واحدة وهذا يدل على أن أمره بالإعادة في حديث وابصة ليس على الإيجاب ولكن على الاستحباب
وكان الزهري والأوزاعي يقولان في الرجل يركع دون الصف إن كان قريبا من الصفوف أجزأه وإن كان بعيدا لم يجزه
انتهى
قلت ما قال الخطابي وأحكام الرجال والنساء في هذا واحدة ففيه نظر لأنه للمخالف أن يقول إنما ساغ قيام المرأة منفردة لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل فإن له أن يصف معهم وأن يزاحمهم وأن يجذب رجلا من حاشية الصف فيقوم معه فافترقا
قال المنذري وأخرجه البخاري والنسائي
كتاب السترة
([685]
باب ما يستر المصلي)
(إذا جعلت بين يديك) أي قدامك وهذا مطلق والأحاديث التي فيها التقدير بمر الشاة وبثلاثة أذرع مقيدة لذلك (مثل مؤخرة الرحل) قال النووي المؤخرة بضم الميم وكسر الخاء وهمزة
ساكنة ويقال بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء ومع إسكان الهمزة وتخفيف الخاء ويقال آخرة الرحل بهمزة ممدودة وكسر الخاء فهذه أربع لغات وهي العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب من كور البعير وهي قدر عظم الذراع وهو نحو ثلثي ذراع (فلا يضرك من مر بين يديك) لأنه قد فعل المشروع من الإعلام بأنه يصلي والمراد بقوله لا يضره الضرر الراجع إلى نقصان صلاة المصلي وفيه إشعار بأنه لا ينقص من صلاة من اتخذ سترة لمرور من مر بين يديه شيء وحصول النقصان إن لم يتخذ ذلك
ثم المراد من بين يديك بين السترة والقبلة لا بينك وبين السترة
قال المنذري وأخرجه مسلم والترمذي وبن ماجه