(إذا كبر في الصلاة سكت بين التكبير والقراءة) وفي رواية البخاري يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة قال الحافظ ضبطناه بفتح أوله من السكوت
وحكى الكرماني عن بعض الروايات بضم أوله من الإسكات
قال الجوهري يقال تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت أسكت انتهى
وقال في المرقاة إفعاله من السكوت ولا يراد به ترك الكلام بل ترك رفع الصوت لقوله ما تقول في إسكاتك قاله الطيبي
أو المراد به السكوت عن القراءة لا عن الذكر وقاله الأبهري وهو الأظهر انتهى (بأبي أنت وأمي) قال التوربشتي الباء متعلقة بمحذوف قيل هو اسم فيكون ما بعده مرفوعا تقديره أنت مفدى بأبي وأمي وقيل هو فعل أي فديتك وما بعده منصوب وحذف هذا القدر تخفيفا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب ذكره الطيبي (أرأيت) الظاهر أنه يفتح التاء بمعنى أخبرني (ما تقول) فيه إشعار بأن هناك قولا لكونه قال ما تقول ولم يقل هل تقول نبه عليه بن دقيق العيد قال ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم
كما استدل غيره على القراءة باضطراب اللحية (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) أخرجه مخرج المبالغة لأن المفاعلة إذا لم تكن للمبالغة فهي للمبالغة
وقيل تفيد البعد من الجانبين فكأنه قيل اللهم باعد بيني وبين خطاياي وباعد بين خطاياي وبيني
والخطايا إما أن يراد بها اللاحقة فمعناه إذا قدر لي ذنب فبعد بيني وبينه والمقصود ما سيأتي أو السابقة فمعناه المحو والغفران لما حصل منها وهو مجاز لأن حقيقة المباعدة إنما هو في الزمان والمكان وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل فكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية
وكرر لفظ بين هنا ولم يكرر بين المشرق والمغرب لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الجار (اللهم أنقني من خطاياي كالثوب الأبيض من الدنس) وفي رواية البخاري اللهم نقني قال الحافظ مجاز عن زوال الذنوب ومحو أثرها
ولما كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به
قاله بن دقيق العيد (اللهم اغسلني بالثلج) بالسكون (والماء والبرد) بفتحتين
قال الخطابي ذكر الثلج والبرد تأكيدا أو لأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال وقال بن دقيق العيد عبر بذلك عن غاية المحو فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء
قال ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو وكأنه كقوله تعالى واعف عنا واغفر لنا وارحمنا وأشار الطيبي إلى هذا بحثا فقال يمكن أن يكون المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة ومنه قولهم برد الله مضجعه
أي رحمه ووقاه عذاب النار انتهى
ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها مسببة عنها فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه
قاله الحافظ
فإن قلت الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار فلما ذكر ذلك قلت قال محيي السنة معناه طهرني من الذنوب وذكرها مبالغة في التطهير لا أنه يحتاج إليها
ذكره في المرقاة
واستدل بالحديث على مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة خلافا للمشهور عن مالك واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافا للحنفية
ثم هذا الدعاء صدر منه صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة في إظهار العبودية وقيل قاله على سبيل التعليم لأمته واعترض بكونه لو أراد ذلك لجهر
به وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار وفيه ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه حتى حفظ الله بهم الدين
كذا في فتح الباري
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه
([782]
باب من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)
قال الحافظ بن حجر في تخريج أحاديث الهداية الذي يتحصل من البسملة أقوال أحدها أنها ليست من القرآن أصلا إلا في سورة النمل وهذا قول مالك وطائفة من الحنفية ورواية عن أحمد
ثانيها أنها آية من كل سورة أو بعض آية كما هو المشهور عن الشافعي ومن وافقه وعن الشافعي أنها آية من الفاتحة دون غيرها وهو رواية عن أحمد
ثالثها أنها آية من القرآن مستقلة برأسها وليست من السور بل كتبت في كل سورة للفصل فقد روى مسلم عن المختار بن فلفل عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقد أنزلت علي سورة آنفا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر أخرجه مسلم وعن بن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم أخرجه أبو داود والحاكم وهذا قول بن المبارك وداود وهو المنصوص عن أحمد وبه قال جماعة من الحنفية
وقال أبو بكر الرازي هو مقتضى المذهب
وعن أحمد بعد ذلك روايتان أحدهما أنها من الفاتحة والثاني لا فرق وهو الأصح ثم اختلفوا في قراءتها في الصلاة فعن الشافعي ومن تبعه تجب وعن مالك يكره وعن أبي حنيفة تستحب وهو المشهور عن أحمد
ثم اختلفوا فعن الشافعي يسن الجهر وعن أبي حنيفة لا يسن وعن إسحاق يخير انتهى كلامه
(كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين) بضم الدال على الحكاية واختلف في المراد بذلك فقيل المعنى كانوا يفتتحون بالفاتحة وهذا قول من أثبت الفاتحة في أولها وقيل المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسكا بظاهر الحديث وهذا قول من نفى قراءة البسملة لكن لا يلزم من قوله كانوا يفتتحون بالحمد أنهم لم يقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم سرا
واعلم أنه قد اختلف في لفظ حديث أنس اختلافا كثيرا ففي لفظ فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم رواه أحمد ومسلم وفي لفظ فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن
الرحيم رواه أحمد) والنسائي على شرط الصحيح وفي لفظ لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها رواه مسلم وفي لفظ فلم يكونوا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وفي لفظ كانوا يسرون رواه بن خزيمة قال الحافظ والذي يمكن أن يجمع به مختلف ما نقل عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يجهر بها فحيث جاء عن أنس أنه كان لا يقرؤها مراده نفي الجهر وحيث جاء عنه إثبات القراءة فمراده السر وقد ورد نفي الجهر عنه صريحا فهو المعتمد وقول أنس في رواية مسلم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها محمول على نفي الجهر أيضا لأنه الذي يمكن نفيه واعتماد من نفى مطلقا بقول كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لا يدل على ذلك لأنه كان يفتتح بالتوجه وسبحانك اللهم وباعد بيني وبين خطاياي وبأنه كان يستعيذ وغير ذلك من الأخبار الدالة على أنه تقدم على قراءة الفاتحة شيئا بعد التكبير فيحمل قوله يفتتحون أي الجهر لتأتلف الأخبار انتهى
واستدل بهذا الحديث من قال إنه لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وهم على ما حكاه الترمذي أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ومن بعدهم من التابعين وبه يقول سفيان الثوري وبن المبارك وأحمد وإسحاق لا يرون أن يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قالوا ويقولها في نفسه
قال الخطابي قد يحتج بهذا الحديث من لا يرى التسمية من فاتحة الكتاب وليس المعنى كما توهمه إنما وجهه ترك الجهر بالتسمية بدليل ما روى ثابت عن أنس أنه قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي من حديث شعبة عن قتادة وأخرجه الترمذي وبن ماجه من حديث أبي عوانة عن قتادة بنحوه