قوله حدثنا زهير هو بن معاوية الجعفي ويحيى بن سعيد هو الأنصاري وفي هذا السند أربعة من التابعين هو أولهم وكلهم ولي القضاء وكلهم سوى أبي بكر بن عبد الرحمن من طبقة واحدة قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم هو شك من أحد رواته وأظنه من زهير فإني لم أر في رواية أحد ممن رواه عن يحيى مع كثرتهم فيه التصريح بالسماع وهذا مشعر بأنه كان لا يرى الرواية بالمعنى أصلا قوله من أدرك ماله بعينه استدل به على أن شرط استحقاق صاحب المال دون غيره أن يجد ماله بعينه لم يتغير ولم يتبدل وإلا فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلا أو في صفة من صفاتها فهي أسوة للغرماء وأصرح منه رواية بن أبي حسين عن أبي بكر بن محمد بسند حديث الباب عند مسلم بلفظ إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه ووقع في رواية مالك عن بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث مرسلا أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به فمفهومه أنه إذا قبض من ثمنه شيئا كان أسوة الغرماء وبه صرح بن شهاب فيما رواه عبد الرزاق عن معمر عنه وهذا وإن كان مرسلا فقد وصله عبد الرزاق في مصنفه عن مالك لكن المشهور عن مالك إرساله وكذا عن الزهري وقد وصله الزبيدي عن الزهري أخرجه أبو داود وبن خزيمة وبن الجارود ولابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز أحد رواة هذا الحديث قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أحق به من الغرماء إلا أن يكون اقتضى من ماله شيئا فهو أسوة الغرماء وإليه يشير اختيار البخاري لاستشهاده بأثر عثمان المذكور وكذلك رواه عبد الرزاق عن طاوس وعطاء صحيحا وبذلك قال جمهور من أخذ بعموم حديث الباب إلا أن للشافعي قولا هو الراجح في مذهبه أن لا فرق بين تغير السلعة أو بقائها ولا بين قبض بعض ثمنها أو عدم قبض شيء منه على التفاصيل المشروحة في كتب الفروع قوله عند رجل أو إنسان شك من الراوي أيضا قوله قد أفلس أي تبين إفلاسه قوله فهو أحق به من غيره أي كائنا من كان وارثا وغريما وبهذا قال جمهور العلماء وخالف الحنفية فتأولوه لكونه خبر واحد خالف الأصول لأن السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري ومن ضمانه واستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه وحملوا الحديث على صورة وهي ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يقيد بالفلس ولا
جعل أحق بها لما يقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك وأيضا فما ذكروه ينتقض بالشفعة وأيضا فقد ورد التنصيص في حديث الباب على أنه في صورة المبيع وذلك فيما رواه سفيان الثوري في جامعه وأخرجه من طريقه بن خزيمة وبن حبان وغيرهما عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد بلفظ إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء ولابن حبان من طريق هشام بن يحيى المخزومي عن أبي هريرة بلفظ إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته والباقي مثله ولمسلم في رواية بن أبي حسين المشار إليها قبل إذا وجد عنده المتاع أنه لصاحبه الذي باعه وفي مرسل بن أبي مليكة عند عبد الرزاق من باع سلعة من رجل لم ينقده ثم أفلس الرجل فوجدها بعينها فليأخذها من بين الغرماء وفي مرسل مالك المشار إليه أيما رجل باع متاعا وكذا هو عند من قدمنا أنه وصله فظهر أن الحديث وارد في صورة البيع ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر من باب الأولى تنبيه وقع في الرافعي سياق الحديث بلفظ الثوري الذي قدمته فقال السبكي في شرح المنهاج هذا الحديث أخرجه مسلم بهذا اللفظ وهو صريح في المقصود فإن اللفظ المشهور أي الذي في البخاري عام أو محتمل بخلاف لفظ البيع فإنه نص لا احتمال فيه وهو لفظ مسلم قال وجاء بلفظه بسند آخر صحيح انتهى واللفظ المذكور ما هو في صحيح مسلم وإنما فيه ما قدمته والله المستعان وحمله بعض الحنفية أيضا على ما إذا أفلس المشتري قبل أن يقبض السلعة وتعقب بقوله في حديث الباب عند رجل ولابن حبان من طريق سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد ثم أفلس وهي عنده وللبيهقي من طريق بن شهاب عن يحيى إذا أفلس الرجل وعنده متاع فلو كان لم يقبضه ما نص في الخبر على أنه عنده واعتذارهم بكونه خبر واحد فيه نظر فإنه مشهور من غير هذا الوجه أخرجه بن حبان من حديث بن عمر وإسناده صحيح وأخرجه أحمد وأبو داود من حديث سمرة وإسناده حسن وقضى به عثمان وعمر بن عبد العزيز كما مضى وبدون هذا يخرج الخبر عن كونه فردا غريبا قال بن المنذر لا نعرف لعثمان في هذا مخالفا من الصحابة وتعقب بما روى بن أبي شيبة عن علي أنه أسوة الغرماء وأجيب بأنه اختلف على علي في ذلك بخلاف عثمان وقال القرطبي في المفهم تعسف بعض الحنفية في تأويل هذا الحديث بتأويلات لا تقوم على أساس وقال النووي تأوله بتأويلات ضعيفة مردودة انتهى واختلف القائلون في صورة وهي ما إذا مات ووجدت السلعة فقال الشافعي الحكم كذلك وصاحب السلعة أحق بها من غيره وقال مالك وأحمد هو أسوة الغرماء واحتجا بما في مرسل مالك وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء وفرقوا بين الفلس والموت بأن الميت خربت ذمته فليس للغرماء محل يرجعون إليه فاستووا في ذلك بخلاف المفلس واحتج الشافعي بما رواه من طريق عمر بن خلدة قاضي المدينة عن أبي هريرة قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه وهو حديث حسن يحتج بمثله أخرجه أيضا أحمد وأبو داود وبن ماجه وصححه الحاكم وزاد بعضهم في آخره إلا أن يترك صاحبه وفاء ورجحه الشافعي على المرسل وقال يحتمل أن يكون آخره من رأي أبي بكر بن عبد الرحمن لأن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية الموت وكذلك الذين رووا عن أبي هريرة وغيره لم يذكروا ذلك بل صرح بن خلدة عن أبي هريرة بالتسوية بين الإفلاس والموت فتعين المصير إليه لأنها زيادة من ثقة وجزم بن العربي المالكي بأن الزيادة التي في مرسل مالك من قول الراوي وجمع الشافعي أيضا بين الحديثين بحمل حديث بن خلدة على ما إذا مات مفلسا وحديث أبي بكر بن
عبد الرحمن على ما إذا مات مليئا والله أعلم ومن فروع المسألة ما إذا أراد الغرماء أو الورثة إعطاء صاحب السلعة الثمن فقال مالك يلزمه القبول وقال الشافعي وأحمد لا يلزمه ذلك لما فيه من المنة ولأنه ربما ظهر غريم آخر فزاحمه فيما أخذ وأغرب بن التين فحكى عن الشافعي أنه قال لا يجوز له ذلك ليس له إلا سلعته ويلتحق بالمبيع المؤجر فيرجع مكتري الدابة أو الدار إلى عين دابته وداره ونحو ذلك وهذا هو الصحيح عند الشافعية والمالكية وإدراج الإجارة في هذا الحكم متوقف على أن المنافع يطلق عليها اسم المتاع أو المال أو يقال اقتضى الحديث أن يكون أحق بالعين ومن لوازم ذلك الرجوع في المنافع فثبت بطريق اللزوم واستدل به على حلول الدين المؤجل بالفلس من حيث إن صاحب الدين أدرك متاعه بعينه فيكون أحق به ومن لوازم ذلك أن يجوز له المطالبة بالمؤجل وهو قول الجمهور لكن الراجح عند الشافعية أن المؤجل لا يحل بذلك لأن الأجل حق مقصود له فلا يفوت واستدل به على أن لصاحب المتاع أن يأخذه وهو الأصح من قولي العلماء والقول الآخر يتوقف على حكم الحاكم كما يتوقف ثبوت الفلس واستدل به على فسخ البيع إذا امتنع المشتري من أداء الثمن مع قدرته بمطل أو هرب قياسا على الفلس بجامع تعذر الوصول إليه حالا والأصح من قولي العلماء أنه لا يفسخ واستدل به على أن الرجوع إنما يقع في عين المتاع دون زوائده المنفصلة لأنها حدثت على ملك المشتري وليست بمتاع البائع والله أعلم
(قوله باب من أخر الغريم إلى الغد أو نحوه ولم ير ذلك مطلا)
ذكر فيه حديث جابر في قصة دين أبيه معلقا وقد تقدم موصولا قريبا من طريق بن كعب بن مالك عن جابر لكنه ليس فيه قوله ولم يكسره لهم وذكرها في حديثه في كتاب الهبة كما سيأتي واستنبط من قوله صلى الله عليه وسلم سأغدو عليكم جواز تأخير القسمة لانتظار ما فيه مصلحة لمن عليه الدين ولا يعد ذلك مطلا تنبيه سقطت هذه الترجمة وحديثها من رواية النسفي ولم يذكرها بن بطال ولا أكثر الشراح قوله باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتى ينفق على نفسه ذكر فيه حديث
المدبر مختصرا وسيأتي الكلام عليه في العتق قال بن بطال لا يفهم من الحديث معنى قوله في الترجمة فقسمه بين الغرماء لأن الذي دبر لم يكن له مال غير الغلام كما سيأتي في الأحكام وليس فيه أنه كان عليه دين وإنما باعه لأن من سنته أن لا يتصدق المرء بماله كله ويبقى فقيرا ولذلك قال خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى انتهى وأجاب بن المنير بأنه لما احتمل أن يكون باعه عليه لما ذكر الشارح واحتمل أن يكون باعه عليه لكونه مديانا ومال المديان إما أن يقسمه الإمام بنفسه أو يسلمه إلى المديان ليقسمه فلهذا ترجم على التقديرين مع أن أحد الأمرين يخرج من الآخر لأنه إذا باعه عليه لحق نفسه فلأن يبيعه عليه لحق الغرماء أولى انتهى والذي يظهر لي أن في الترجمة لفا ونشرا والتقدير من باع مال المفلس فقسمه بين الغرماء ومن باع مال المعدم فأعطاه حتى ينفق على نفسه وأو في الموضعين للتنويع ويخرج أحدهما من الآخر كما قال بن المنير وقد ثبت في بعض طرق حديث جابر في قصة المدبر أنه كان عليه دين أخرجه النسائي وغيره وفي الباب حديث في ذلك أخرجه مسلم وأصحاب السنن من حديث أبي سعيد الخدري وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك وذهب الجمهور إلى أن من ظهر فلسه فعلى الحاكم الحجر عليه في ماله حتى يبيعه عليه ويقسمه بين غرمائه على نسبة ديونهم وخالف الحنفية واحتجوا بقصة جابر حيث قال في دين أبيه فلم يعطهم الحائط ولم يكسره لهم ولا حجة فيه لأنه أخر القسمة ليحضر فتحصل البركة في الثمر بحضوره فيحصل الخير للفريقين وكذلك كان
(قوله باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى أو أجله في البيع)
أما القرض إلى أجل فهو مما اختلف فيه والأكثر على جوازه في كل شيء ومنعه الشافعي وأما البيع إلى أجل فجائز اتفاقا وكأن البخاري احتج للجواز في القرض بالجواز في البيع مع ما استظهر به من أثر بن عمر وحديث أبي هريرة قوله وقال بن عمر الخ وصله بن أبي شيبة من طريق المغيرة قال قلت لابن عمر إني أسلف جيراني إلى العطاء فيقضوني أجود من دراهمي قال لا بأس به ما لم تشترط وروى مالك في الموطأ بإسناد صحيح أن بن عمر استسلف من رجل دراهم فقضاه خيرا منها وقد تقدم الكلام على هذا الشق في باب استقراض الإبل قوله وقال عطاء وعمرو بن دينار هو إلى أجله في القرض وصله عبد الرزاق عن بن جريج عنهما