Justice CouncilHadith commentaries

Fath al-Bari on Sahih al-Bukhari 4814

فتح الباري شرح صحيح البخاري — أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي

Ibn Hajar al-Asqalani (d. 852 AH) Printed edition: vol. 8, p. 551 The hadith: bukhari:4814

(قوله باب قوله ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من

قوله ما بين النفختين تقدم في أحاديث الأنبياء الرد على من زعم أنها أربع نفخات وحديث الباب يؤيد الصواب قوله أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما لم أقف على اسم السائل قوله أبيت بموحدة أي امتنعت عن القول بتعيين ذلك لأنه ليس عندي في ذلك توقيف ولابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش في هذا الحديث فقال أعييت من الإعياء وهو التعب وكأنه أشار إلى كثرة من يسأله عن تبيين ذلك فلا يجيبه وزعم بعض الشراح أنه وقع عند مسلم أربعين سنة ولا وجود لذلك نعم أخرج بن مردويه من طريق سعيد بن الصلت عن الأعمش في هذا الإسناد أربعون سنة وهو شاذ ومن وجه ضعيف عن بن عباس قال ما بين النفخة والنفخة أربعون سنة ذكره في أواخر سورة ص وكأن أبا هريرة لم يسمعها إلا مجملة فلهذا قال لمن عينها له أبيت وقد أخرج بن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال بين النفختين أربعون قالوا أربعون ماذا قال هكذا سمعت وقال بن التين ويحتمل أيضا أن يكون علم ذلك لكن سكت ليخبرهم في وقت أو اشتغل عن الإعلام حينئذ ووقع في جامع بن وهب أربعين جمعة وسنده منقطع قوله ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق في رواية مسلم ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا الحديث وأفرد هذا القدر من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ كل بن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب وله من طريق همام عن أبي هريرة قال إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا فيه يركب يوم القيامة قالوا أي عظم هو قال عجب الذنب وفي حديث أبي سعيد عند الحاكم وأبي يعلى قيل يا رسول الله ما عجب الذنب قال مثل حبة خردل والعجب بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة ويقال له عجم بالميم أيضا عوض الباء وهو عظم لطيف في أصل الصلب وهو رأس العصعص وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع وفي حديث أبي سعيد الخدري عند بن أبي الدنيا وأبي داود والحاكم مرفوعا إنه مثل حبة الخردل قال بن الجوزي قال بن عقيل لله في هذا سر لا يعلمه إلا الله لأن من يظهر الوجود من

العدم لا يحتاج إلى شيء يبني عليه ويحتمل أن يكون ذلك جعل علامة للملائكة على إحياء كل إنسان بجوهره ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كل شخص ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها ولولا إبقاء شيء منها لجوزت الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد لا إلى نفس الأجساد وقوله في الحديث ويبلى كل شيء من الإنسان يحتمل أن يريد به يفنى أي تعدم أجزاؤه بالكلية ويحتمل أن يراد به يستحيل فتزول صورته المعهودة فيصير على صفة جسم التراب ثم يعاد إذا ركبت إلى ما عهد وزعم بعض الشراح أن المراد أنه لا يبلى أي يطول بقاؤه لا أنه لا يفنى أصلا والحكمة فيه أنه قاعدة بدء الإنسان وأسه الذي ينبني عليه فهو أصلب من الجميع كقاعدة الجدار وإذا كان أصلب كان أدوم بقاء وهذا مردود لأنه خلاف الظاهر بغير دليل وقال العلماء هذا عام يخص منه الأنبياء لأن الأرض لا تأكل أجسادهم وألحق بن عبد البر بهم الشهداء والقرطبي المؤذن المحتسب قال عياض فتأويل الخبر وهو كل بن آدم يأكله التراب أي كل بن آدم مما يأكله التراب وإن كان التراب لا يأكل أجسادا كثيرة كالأنبياء قوله إلا عجب ذنبه أخذ بظاهره الجمهور فقالوا لا يبلى عجب الذنب ولا يأكله التراب وخالف المزني فقال إلا هنا بمعنى الواو أي وعجب الذنب أيضا يبلى وقد أثبت هذا المعنى الفراء والأخفش فقالوا ترد إلا بمعنى الواو ويرد ما انفرد به المزني التصريح بأن الأرض لا تأكله أبدا كما ذكرته من رواية همام وقوله في رواية الأعرج منه خلق يقتضي أنه أول كل شيء يخلق من الآدمي ولا يعارضه حديث سلمان أن أول ما خلق من آدم رأسه لأنه يجمع بينهما بأن هذا في حق آدم وذاك في حق بنيه أو المراد بقول سلمان نفخ الروح في آدم لا خلق جسده

(قوله سورة المؤمن بسم الله الرحمن الرحيم)

سقطت البسملة لغير أبي ذر قوله وقال مجاهد حم مجازها مجاز أوائل السور ويقال بل هو اسم لقول شريح بن أبي أوفى العبسي يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم ووقع في رواية أبي ذر وقال البخاري ويقال إلخ وهذا الكلام لأبي عبيدة في مجاز القرآن ولفظه حم مجازها مجاز أوائل السور وقال بعضهم بل هو اسم وهو يطلق المجاز ويريد به التأويل أي تأويل حم تأويل أوائل السور أي أن الكل في الحكم واحد فمهما قيل مثلا في الم يقال مثله في حم وقد اختلف في هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور على أكثر من ثلاثين قولا ليس هذا موضع بسطها وأخرج الطبري من طريق الثوري عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال ألم وحم وألمص وص فواتح افتتح بها وروى بن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد قال فواتح السور كلها ق وص وطسم وغيرها هجاء مقطوع والإسناد الأول أصح وأما قوله ويقال بل هو اسم فوصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال حم اسم من أسماء القرآن وقال بن التين لعله يريد على قراءة عيسى بن عمر بفتح الحاء والميم الثانية من ميم ويحتمل أن يكون عيسى فتح لالتقاء الساكنين قلت والشاهد الذي أنشده يوافق قراءة عيسى وقال الطبري الصواب من القراءة عندنا في جميع حروف فواتح السور السكون لأنها حروف هجاء لا أسماء مسميات وروى بن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال ص وأشباهها قسم أقسم الله بها وهو من أسماء الله وشريح بن أبي أوفى الذي نسب إليه البيت المذكور وقع في رواية القابسي شريح بن أبي أوفى وهو خطأ ولفظ أبي عبيدة وقال بعضهم بل هو اسم واحتجوا بقول شريح بن أبي أوفى العبسي فذكر البيت وروى هذه القصة عمر بن شبة في كتاب الجمل له من طريق داود بن أبي هند قال كان على محمد بن طلحة بن عبيد الله يوم الجمل عمامة سوداء فقال علي لا تقتلوا صاحب العمامة السوداء فإنما أخرجه بره بأبيه فلقيه شريح بن أبي أوفى فأهوى له بالرمح فتلاحم فقتله وحكى أيضا عن بن إسحاق أن الشعر المذكور للأشتر النخعي وقال وهو الذي قتل محمد بن طلحة وذكر أبو مخنف أنه لمدلج بن كعب السعدي ويقال كعب بن مدلج وذكر الزبير بن بكار أن الأكثر على أن الذي قتله عصام بن مقشعر قال المرزباني هو الثبت وأنشد له البيت المذكور وأوله وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعا عليا ومن لا يتبع الحق يندم يذكرني حم البيت ويقال إن الشعر لشداد بن معاوية العبسي ويقال اسمه حديد من بني أسد بن خزيمة حكاه

الزبير وقيل عبد الله بن معكبر وذكر الحسن بن المظفر النيسابوري في كتاب مأدبة الأدباء قال كان شعار أصحاب علي يوم الجمل حم وكان شريح بن أبي أوفى مع علي فلما طعن شريح محمدا قال حم فأنشد شريح الشعر قال وقيل بل قال محمد لما طعنه شريح أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله فهذا معنى قوله يذكرني حم أي بتلاوة الآية المذكورة لأنها من حم تكملة حم جمع على حواميم قال أبو عبيدة على غير قياس وقال الفراء ليس هذا الجمع من كلام العرب ويقال كأن مراد محمد بن طلحة بقوله أذكرك حم أي قوله تعالى في حم عسق قل لا أسألكم عليه أجرا الآية كأنه يذكره بقرابته ليكون ذلك دافعا له عن قتله قوله الطول التفضل هو قول أبي عبيدة وزاد تقول العرب للرجل إنه لذو طول على قومه أي ذو فضل عليهم وروى بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ذي الطول قال ذي السعة والغنى ومن طريق عكرمة قال ذي المنن ومن طريق قتادة قال ذي النعماء قوله داخرين خاضعين هو قول أبي عبيدة وروى الطبري من طريق السدي في قوله سيدخلون جهنم داخرين أي صاغرين قوله وقال مجاهد إلى النجاة إلى الإيمان وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد بهذا قوله ليس له دعوة يعني الوثن وصله الفريابي أيضا عن مجاهد بلفظ الأوثان قوله يسجرون توقد بهم النار وصله الفريابي أيضا عن مجاهد بهذا قوله تمرحون تبطرون وصله الفريابي عن مجاهد بلفظ يبطرون ويأشرون قوله وكان العلاء بن زياد يذكر النار هو بتشديد الكاف أي يذكر الناس النار أي يخوفهم بها قوله فقال رجل لم أقف على اسمه قوله لم بكسر اللام للاستفهام تقنط بتشديد النون وأراد بذكر هذه الآية الإشارة إلى الآية الأخرى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا فنهاهم عن القنوط من رحمته مع قوله إن المسرفين هم أصحاب النار استدعاء منهم الرجوع عن الإسراف والمبادرة إلى التوبة قبل الموت وأبو العلاء هذا هو العلاء بن زياد البصري تابعي زاهد قليل الحديث وليس له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع ومات قديما سنة أربع وتسعين ثم ذكر حديث عروة بن الزبير قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنعه المشركون وقد تقدم شرحه في أوائل السيرة النبوية

(قوله سورة حم السجدة بسم الله الرحمن الرحيم)

سقطت البسملة لغير أبي ذر قوله وقال طاوس عن بن عباس ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين أعطينا وصله الطبري وبن أبي حاتم بإسناد على شرط البخاري في الصحة ولفظ الطبري في قوله ائتيا قال أعطيا وفي قوله قالتا أتينا قالتا أعطينا وقال عياض ليس أتى هنا بمعنى أعطى وإنما هو من الإتيان وهو المجيء بمعنى الانفعال للوجود بدليل الآية نفسها وبهذا فسره المفسرون أن معناه جيئا بما خلقت فيكما وأظهراه قالتا أجبنا وروى ذلك عن بن عباس قال وقد روي عن سعيد بن جبير نحو ما ذكره المصنف ولكنه يخرج على تقريب المعنى أنهما لما أمرتا بإخراج

ما فيهما من شمس وقمر ونهر ونبات وغير ذلك وأجابتا إلى ذلك كان كالإعطاء فعبر بالإعطاء عن المجيء بما أودعتاه قلت فإذا كان موجها وثبتت به الرواية فأي معنى لإنكاره عن بن عباس وكأنه لما رأى عن بن عباس أنه فسره بمعنى المجيء نفى أن يثبت عنه أنه فسره بالمعنى الآخر وهذا عجيب فما المانع أن يكون له في الشيء قولان بل أكثر وقد روى الطبري من طريق مجاهد عن بن عباس رضي الله عنهما قال قال الله عز وجل للسماوات أطلعي الشمس والقمر والنجوم وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك قالتا أتينا طائعين وقال بن التين لعل بن عباس قرأها آتينا بالمد ففسرها على ذلك قلت وقد صرح أهل العلم بالقراءات أنها قراءته وبها قرأ صاحباه مجاهد وسعيد بن جبير وقال السهيلي في أماليه قيل إن البخاري وقع له في أي من القرآن وهم فإن كان هذا منها وإلا فهي قراءة بلغته وجهه أعطيا الطاعة كما يقال فلان يعطي الطاعة لفلان قال وقد قرئ ثم سئلوا الفتنة لآتوها بالمد والقصر والفتنة ضد الطاعة وإذا جاز في إحداهما جاز في الأخرى انتهى وجوز بعض المفسرين أن آتينا بالمد بمعنى الموافقة وبه جزم الزمخشري فعلى هذا يكون المحذوف مفعولا واحدا والتقدير لتوافق كل منكما الأخرى قالتا توافقنا وعلى الأول يكون قد حذف مفعولان والتقدير أعطيا من أمركما الطاعة من أنفسكما قالتا أعطيناه الطاعة وهو أرجح لثبوته صريحا عن ترجمان القرآن قوله قالتا قال بن عطية أراد الفرقتين المذكورتين جعل السماوات سماء والأرضين أرضا ثم ذكر لذلك شاهدا وهي غفلة منه فإنه لم يتقدم قبل ذلك إلا لفظ سماء مفرد ولفظ أرض مفرد نعم قوله طائعين عبر بالجمع بالنظر إلى تعدد كل منهما وعبر بلفظ جمع المذكر من العقلاء لكونهم عوملوا معاملة العقلاء في الإخبار عنهم وهو مثل رأيتهم لي ساجدين