قوله قال محمد بن شهاب هو موصول بالإسنادين المذكورين في أول الباب وقد أخرج البخاري حديث جابر هذا بالسند الأول من السندين المذكورين هنا في تفسير سورة المدثر قوله فأخبرني هو عطف على شيء والتقدير قال بن شهاب فأخبرني عروة بما تقدم وأخبرني أبو سلمة بما سيأتي قوله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي قال في حديثه بينا أنا أمشي هذا يشعر بأنه كان في أصل الرواية أشياء غير هذا المذكور وهذا أيضا من مرسل الصحابي لأن جابرا لم يدركه زمان القصة فيحتمل أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم أو من صحابي آخر حضرها والله أعلم قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي وقع في رواية عقيل في بدء الوحي غير مصرح بذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه ووقع في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في تفسير المدثر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت وزاد مسلم في روايته جاورت بحراء شهرا قوله سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري يؤخذ منه جواز رفع البصر إلى السماء عند وجود حادث من قبلها وقد ترجم له المصنف في الأدب ويستثنى من ذلك رفع البصر إلى السماء في الصلاة لثبوت النهي عنه كما تقدم في الصلاة من حديث أنس وروى بن السني بإسناد ضعيف عن بن مسعود قال أمرنا أن لا نتبع أبصارنا الكواكب إذا انقضت ووقع في رواية يحيى بن أبي كثير فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ونظرت أمامي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي وفي رواية مسلم بعد قوله شيئا ثم نوديت فنظرت فلم أر أحدا ثم نوديت فرفعت رأسي قوله فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي كذا له بالرفع وهو على تقدير حذف المبتدأ أي فإذا صاحب الصوت هو الملك الذي جاءني بحراء وهو جالس ووقع عند مسلم جالسا بالنصب وهو على الحال ووقع في رواية يحيى بن أبي كثير فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض قوله ففزعت منه
كذا في رواية بن المبارك عن يونس وفي رواية بن وهب عند مسلم فجئثت وفي رواية عقيل في بدء الوحي فرعبت وفي روايته في تفسير المدثر فجئثت وكذا لمسلم وزاد فجئثت منه فرقا وفي رواية معمر فيه فجثثت وهذه اللفظة بضم الجيم وذكر عياض أنه وقع للقابسي بالمهملة قال وفسره بأسرعت قال ولا يصح مع قوله حتى هويت أي سقطت من الفزع قلت ثبت في رواية عبد الله بن يوسف عن الليث في ذكر الملائكة من بدء الخلق ولكنها بضم المهملة وكسر المثلثة بعدها مثناة تحتانية ساكنة ثم مثناة فوقانية ومعناها إن كانت محفوظة سقطت على وجهي حتى صرت كمن حثي عليه التراب قال النووي وبعد الجيم مثلثتان في رواية عقيل ومعمر وفي رواية يونس بهمزة مكسورة ثم مثلثة وهي أرجح من حيث المعنى قال أهل اللغة جئت الرجل فهو مجئوت إذا فزع وعن الكسائي جئث وجثث فهو مجئوث ومجثوث أي مذعور قوله فقلت زملوني زملوني في رواية يحيى بن أبي كثير فقلت دثروني وصبوا علي ماء باردا وكأنه رواها بالمعنى والتزميل والتدثير يشتركان في الأصل وإن كانت بينهما مغايرة في الهيئة ووقع في رواية مسلم فقلت دثروني فدثروني وصبوا علي ماء ويجمع بينهما بأنه أمرهم فامتثلوا وأغفل بعض الرواة ذكر الأمر بالصب والاعتبار بمن ضبط وكأن الحكمة في الصب بعد التدثر طلب حصول السكون لما وقع في الباطن من الانزعاج أو أن العادة أن الرعدة تعقبها الحمى وقد عرف من الطب النبوي معالجتها بالماء البارد قوله فنزلت يا أيها المدثر يعرف من اتحاد الحديثين في نزول يا أيها المدثر عقب قوله دثروني وزملوني أن المراد بزملوني دثروني ولا يؤخذ من ذلك نزول يا أيها المزمل حينئذ لأن نزولها تأخر عن نزول يا أيها المدثر بالاتفاق لأن أول يا أيها المدثر الأمر بالإنذار وذلك أول ما بعث وأول المزمل الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن فيقتضي تقدم نزول كثير من القرآن قبل ذلك وقد تقدم في تفسير المدثر أنه نزل من أولها إلى قوله والرجز فاهجر وفيها محصل ما يتعلق بالرسالة ففي الآية الأولى المؤانسة بالحالة التي هو عليها من التدثر إعلاما بعظيم قدره وفي الثانية الأمر بالإنذار قائما وحذف المفعول تفخيما والمراد بالقيام إما حقيقته أي قم من مضجعك أو مجازه أي قم مقام تصميم وأما الإنذار فالحكمة في الاقتصار عليه هنا فإنه أيضا بعث مبشرا لأن ذلك كان أول الإسلام فمتعلق الإنذار محقق فلما أطاع من أطاع نزلت إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وفي الثالثة تكبير الرب تمجيدا وتعظيما ويحتمل الحمل على تكبير الصلاة كما حمل الأمر بالتطهير على طهارة البدن والثياب كما تقدم البحث فيه وفي الآية الرابعة وأما الخامسة فهجران ما ينافي التوحيد وما يئول إلى العذاب وحصلت المناسبة بين السورتين المبتدأ بهما النزول فيما اشتملتا عليه من المعاني الكثيرة باللفظ الوجيز وفي عدة ما نزل من كل منهما ابتداء والله أعلم قوله قال أبو سلمة وهي الأوثان التي كان أهل الجاهلية يعبدون تقدم شرح ذلك في تفسير المدثر وتقدم الكثير من شرح حديث عائشة وجابر في بدء الوحي وبقيت منهما فوائد أخرتها إلى كتاب التعبير ليأخذ كل موضع ساقهما المصنف فيه مطولا بقسط من الفائدة قوله ثم تتابع الوحي أي استمر نزوله
(قوله باب قوله خلق الإنسان من علق)
ذكر فيه طرفا من الحديث الذي قبله برواية عقيل عن بن شهاب واختصره جدا قال أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة وفي رواية الكشميهني الصادقة قال فجاءه الملك فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم وهذا في غاية الإجحاف ولا أظن يحيى بن بكير حدث البخاري به هكذا ولا كان له هذا التصرف وإنما هذا صنيع البخاري وهو دال على أنه كان يجيز الاختصار من الحديث إلى هذه الغاية قوله اقرأ وربك الأكرم
(قوله باب قوله اقرأ وربك الأكرم)