قوله وعن الزهري قال فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله هو معطوف على قوله شعيب عن الزهري إلخ وقد تقدم من رواية يونس عن الزهري عن أبي سلمة فيحتمل أن يكون أبهمه لما حدث به شعيبا ويحتمل أن يكون هذا القدر عنده عن غير أبي سلمة فأدرج في رواية يونس عنه وقوله في هذه الزيادة أذلقته بذال معجمة وقاف أي أصابته بحدها وقوله جمز بفتح الجيم والميم وبزاي أي أسرع هاربا
(قوله باب الخلع)
بضم المعجمة وسكون اللام وهو في اللغة فراق الزوجة على مال مأخوذ من خلع الثوب لأن المرأة لباس الرجل معنى وضم مصدره تفرقة بين الحسي والمعنوي وذكر أبو بكر بن دريد في أماليه أنه أول خلع كان في الدنيا أن عامر بن الظرب بفتح المعجمة وكسر الراء ثم موحدة زوج ابنته من بن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب فلما دخلت عليه نفرت منه فشكا إلى أبيها فقال لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك وقد خلعتها منك بما أعطيتها قال فزعم العلماء أن هذا كان أول خلع في العرب اه وأما أول خلع في الإسلام فسيأتي ذكره بعد قليل ويسمى أيضا فدية وافتداء وأجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور فإنه قال لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئا لقوله تعالى فلا تأخذوا منه شيئا فأوردوا عليه فلا جناح عليهما فيما افتدت به فادعى نسخها بآية النساء أخرجه بن أبي شيبة وغيره عنه وتعقب مع شذوذه بقوله تعالى في النساء أيضا فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه وبقوله فيها فلا
جناح عليهما أن يصالحا الآية وبالحديث وكأنه لم يثبت عنده أو لم يبلغه وانعقد الإجماع بعده على اعتباره وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الآخرتين وضابطه شرعا فراق الرجل زوجته ببذل قابل للعوض يحصل لجهة الزوج وهو مكروه إلا في حال مخافة أن لا يقيما أو واحد منهما ما أمر به وقد ينشأ ذلك عن كراهة العشرة إما لسوء خلق أو خلق وكذا ترفع الكراهة إذا احتاجا إليه خشية حنث يئول إلى البينونة الكبرى قوله وكيف الطلاق فيه أي هل يقع الطلاق بمجرده أو لا يقع حتى يذكر الطلاق إما باللفظ وإما بالنية وللعلماء فيما إذا وقع الخلع مجردا عن الطلاق لفظا ونية ثلاثة آراء وهي أقوال للشافعي أحدها ما نص عليه في أكثر كتبه الجديدة أن الخلع طلاق وهو قول الجمهور فإذا وقع بلفظ الخلع وما تصرف منه نقص العدد وكذا إن وقع بغير لفظه مقرونا بنيته وقد نص الشافعي في الإملاء على أنه من صرائح الطلاق وحجة الجمهور أنه لفظ لا يملكه إلا الزوج فكان طلاقا ولو كان فسخا لما جاز على غير الصداق كالإقالة لكن الجمهور على جوازه بما قل وكثر فدل على أنه طلاق والثاني وهو قول الشافعي في القديم ذكره في أحكام القرآن من الجديد أنه فسخ وليس بطلاق وصح ذلك عن بن عباس أخرجه عبد الرزاق وعن بن الزبير وروى عن عثمان وعلي وعكرمة وطاوس وهو مشهور مذهب أحمد وسأذكر في الكلام على شرح حديث الباب ما يقويه وقد استشكله إسماعيل القاضي بالاتفاق على أن من جعل أمر المرأة بيدها ونوى الطلاق فطلقت نفسها طلقت وتعقب بأن محل الخلاف ما إذا لم يقع لفظ طلاق ولا نية وإنما وقع لفظ الخلع صريحا أو ما قام مقامه من الألفاظ مع النية فإنه لا يكون فسخا تقع به الفرقة ولا يقع به طلاق واختلف الشافعية فيما إذا نوى بالخلع الطلاق وفرعنا على أنه فسخ هل يقع الطلاق أو لا ورجح الإمام عدم الوقوع واحتج بأنه صريح في بابه وجد نفاذا في محله فلا ينصرف بالنية إلى غيره وصرح أبو حامد والأكثر بوقوع الطلاق ونقله الخوارزمي عن نص القديم قال هو فسخ لا ينقص عدد الطلاق إلا أن ينويا به الطلاق ويخدش فيما اختاره الإمام أن الطحاوي نقل الإجماع على أنه إذا نوى بالخلع الطلاق وقع الطلاق وأن محل الخلاف فيما إذا لم يصرح بالطلاق ولم ينوه والثالث إذا لم ينو الطلاق لا يقع به فرقة أصلا ونص عليه في الأم وقواه السبكي من المتأخرين وذكر محمد بن نصر المروزي في كتاب اختلاف العلماء أنه آخر قولي الشافعي قوله وقوله عز وجل ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله زاد غير أبي ذر إلى قوله الظالمون وعند النسفي بعد قوله يخافا الآية وبذكر ذلك يتبين تمام المراد وهو بقوله فلا جناح عليهما فيما افتدت به وتمسك بالشرط من قوله فإن خفتم من منع الخلع إلا إذا حصل الشقاق من الزوجين معا وسأذكر في الكلام على أثر طاوس بيان ذلك قوله وأجاز عمر الخلع دون السلطان أي بغير إذنه وصله بن أبي شيبة من طريق خيثمة بن عبد الرحمن قال أتى بشر بن مروان في خلع كان بين رجل وامرأة فلم يجزه فقال له عبد الله بن شهاب الخولاني قد أتى عمر في خلع فأجازه وأشار المصنف إلى خلاف في ذلك أخرجه سعيد بن منصور حدثنا هشيم أنبأنا يونس عن الحسن البصري قال لا يجوز الخلع دون السلطان وقال حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين كانوا يقولون فذكر مثله واختاره أبو عبيد واستدل بقوله تعالى فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله وبقوله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها قال فجعل الخوف لغير الزوجين ولم يقل فإن خافا وقوى ذلك بقراءة حمزة في
آية الباب الا أن يخافا بضم أوله على البناء للمجهول قال والمراد الولاة ورده النحاس بأنه قول لا يساعده الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى والطحاوي بأنه شاذ مخالف لما عليه الجم الغفير ومن حيث النظر أن الطلاق جائز دون الحاكم فكذلك الخلع ثم الذي ذهب إليه مبني على أن وجود الشقاق شرط في الخلع والجمهور على خلافه وأجابوا عن الآية بأنها جرت على حكم الغالب وقد أنكر قتادة هذا على الحسن فأخرج سعيد بن أبي عروبة في كتاب النكاح عن قتادة عن الحسن فذكره قال قتادة ما أخذ الحسن هذا إلا عن زياد يعني حيث كان أمير العراق لمعاوية قلت وزياد ليس أهلا أن يقتدى به قوله وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها العقاص بكسر المهملة وتخفيف القاف وآخره صاد مهملة جمع عقصة وهو ما يربط به شعر الرأس بعد جمعه وأثر عثمان هذا رويناه موصولا في أمالي أبي القاسم بن بشران من طريق شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي فأجاز ذلك عثمان وأخرجه البيهقي من طريق روح بن القاسم عن بن عقيل مطولا وقال في آخره فدفعت إليه كل شيء حتى أجفت الباب بيني وبينه وهذا يدل على أن معنى دون سوى أي أجاز للرجل أن يأخذ من المرأة في الخلع ما سوى عقاص رأسها وقال سعيد بن منصور حدثنا هشام عن مغيرة عن إبراهيم كان يقال الخلع ما دون عقاص رأسها وعن سفيان عن بن أبي نجيح عن مجاهد يأخذ من المختلعة حتى عقاصها ومن طريق قبيصة بن ذويب إذا خلعها جاز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها ثم تلا فلا جناح عليهما فيما افتدت به وسنده صحيح ووجدت أثر عثمان بلفظ آخر أخرجه بن سعد في ترجمة الربيع بنت معوذ من طبقات النساء قال أنبأنا يحيى بن عباد حدثنا فليح بن سليمان حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت كان بيني وبين بن عمي كلام وكان زوجها قالت فقلت له لك كل شيء وفارقني قال قد فعلت فأخذ والله كل شيء حتى فراشي فجئت عثمان وهو محصور فقال الشرط أملك خذ كل شيء حتى عقاص رأسها قال بن بطال ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاه وقال مالك لم أر أحدا ممن يقتدى به يمنع ذلك لكنه ليس من مكارم الأخلاق وسيأتي ذكر حجة القائلين بعدم الزيادة في الكلام على حديث الباب قوله وقال طاوس إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة ولم يقل قول السفهاء لا يحل حتى تقول لا أغتسل لك من جنابة هذا التعليق اختصره البخاري من أثر وصله عبد الرزاق قال أنبأنا بن جريج أخبرني بن طاوس وقلت له ما كان أبوك يقول في الفداء قال كان يقول ما قال الله تعالى إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله ولم يكن يقول قول السفهاء لا يحل حتى تقول لا أغتسل لك من جنابة ولكنه يقول إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة قال بن التين ظاهر سياق البخاري أن قوله ولم يقل إلخ من كلامه ولكن قد نقل الكلام المذكور عن بن جريج قال ولا يبعد أن يكون ظهر له ما ظهر لابن جريج قلت وكأنه لم يقف على الأثر موصولا فتكلف ما قال والذي قال ولم يقل هو بن طاوس والمحكي عنه النفي هو أبوه طاوس وأشار بن طاوس بذلك إلى ما جاء عن غير طاوس وأن الفداء لا يجوز حتى تعصي المرأة الرجل فيما يرومه منها حتى تقول لا أغتسل لك من جنابة وهو منقول عن الشعبي وغيره أخرج سعيد بن منصور عن هشيم أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن امرأة قالت لزوجها لا أطيع لك أمرا ولا أبر لك قسما ولا
أغتسل لك من جنابة قال إذا كرهته فليأخذ منها وليخل عنها وأخرج بن أبي شيبة عن وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن الحسن في قوله إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله قال ذلك في الخلع إذا قالت لا أغتسل لك من جنابة ومن طريق حميد بن عبد الرحمن قال يطيب الخلع إذا قالت لا أغتسل لك من جنابة نحوه ومن طريق علي نحوه ولكن بسند واه والظاهر أن المنقول في ذلك عن الحسن وغيره ما هو إلا على سبيل المثال ولا يتعين شرطا في جواز الخلع والله أعلم وقد جاء عن غير طاوس نحو قوله فروى بن أبي شيبة من طريق القاسم أنه سئل عن قوله تعالى إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله قال فيما افترض عليهما في العشرة والصحبة ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول لا يحل له الفداء حتى يكون الفساد من قبلها ولم يكن يقول لا يحل له حتى تقول لا أبر لك قسما ولا أغتسل لك من جنابة