قوله إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فالظاهر أن تقديم ذكر هذا التشبيه كالتمهيد لكونها تشارك المتوحش في الحكم وقال بن المنير بل المراد أنها تنفر كما ينفر الوحش لا أنها تعطى حكمها كذا قال وأخر الحديث يرد عليه قوله وأجازه بن مسعود يشير إلى ما تقدم في باب صيد القوس عن بن مسعود وأخرج البيهقي منطريق أبي العميس عن غضبان بن يزيد البجلي عن أبيه قال أعرس رجل من الحي فاشترى جزورا فندت فعرقبها وذكر اسم الله فأمرهم عبد الله يعني بن مسعود أن يأكلوا فما طابت أنفسهم حتى جعلوا له منها بضعة ثم أتوه بها فأكل قوله وقال بن عباس ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو كالصيد وفي بعير تردى في بئر فذكه من حيث قدرت في رواية كريمة من حيث قدرت عليه فذكه أما الأثر الأول فوصله بن أبي شيبة من طريق عكرمة عنه بهذا قال فهو بمنزلة الصيد وأما الثاني فوصله عبد الرزاق من وجه آخر عن عكرمة عنه قال إذا وقع البعير في البئر فاطعنه من قبل خاصرته واذكر اسم الله وكل قوله ورأى ذلك على وبن عمر وعائشة أما أثر علي فوصله بن أبي شيبة من طريق أبي راشد السلماني قال كنت أرعى منائح لأهلي بظهر الكوفة فتردى منها بعير فخشيت أن يسبقني بذكاته فأخذت حديدة فوجأت بها في جنبه أو سنامه ثم قطعته أعضاء وفرقته على أهلي فأبوا أن يأكلوه فأتيت عليا فقمت على باب قصره فقلت يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين فقال يا لبيكاه يا لبيكاه فأخبرته خبره فقال كل واطعمني وأما أثر بن عمر فوصله عبد الرزاق في أثر حديث رافع بن خديج من رواية سفيان عن أبيه عن عباية بن رفاعة وقد تقدم في باب لا يذكى بالسن والعظم وأخرجه بن أبي شيبة من وجه آخر عن عباية بلفظ تردى بعير في ركية فنزل رجل لينحره فقال لا أقدر على نحره فقال له بن عمر اذكر اسم الله ثم اقتل
شاكلته يعني خاصرته ففعل وأخرج مقطعا فأخذ منه بن عمر عشيرا بدرهمين أو أربعة وأما أثر عائشة فلم أقف عليه بعد موصولا وقد نقله بن المنذر وغيره عن الجمهور وخالفهم مالك والليث ونقل أيضا عن سعيد بن المسيب وربيعة فقالوا لا يحل أكل الإنسي إذا توحش إلا بتذكيته في حلقه أو لبته وحجة الجمهور حديث رافع ثم ذكر حديث رافع بن خديج من رواية يحيى القطان عن سفيان الثوري ولم يذكر فيه قصة نصب القدور وإكفائها وذكر سائر الحديث قوله فيه عن عباية بن رفاعة بن خديج كذا فيه نسب رفاعة إلى جده ووقع في رواية كريمة رفاعة بن رافع بن خديج بغير نقص فيه قوله فقال اعجل أو أرن في رواية كريمة بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون وكذا ضبطه الخطابي في سنن أبي داود وفي رواية أبي ذر بسكون الراء وكسر النون ووقع في رواية الإسماعيلي من هذا الوجه الذي هنا وأرني بإثبات الياء آخره قال الخطابي هذا حرف طالما استثبت فيه الرواة وسألت عنه أهل اللغة فلم أجد عندهم ما يقطع بصحته وقد طلبت له مخرجا فذكر أوجها أحدها أن يكون على الرواية بكسر الراء من أران القوم إذا هلكت مواشيهم فيكون المعنى أهلكها ذبحا ثانيها أن يكون على الرواية بسكون الراء بوزن أعط يعني انظروا نظروا نتظر بمعنى قال الله تعالى حكاية عمن قال انظرونا نقتبس من نوركم أي أنظرونا أو هو بضم الهمزة بمعنى أدم الحز من قولك رنوت إذا أدمت النظر إلى الشيء وأراد أدم النظر إليه وراعه ببصرك ثالثها أن يكون مهموزا من قولك أو أن يرثن إذا نشط وخف كأنه فعل أمر بالإسراع لئلا يموت خنقا ورجح في شرح السنن هذا الوجه الأخير فقال صوابه ارثن بهمزة ومعناه خف واعجل لئلا تخنقها فإن الذبح إذا كان بغير الحديد احتاج صاحبه إلى خفة يد وسرعة في إمرار تلك الآلة والإتيان على الحلقوم والأوداج كلها قبل أن تهلك الذبيحة بما ينالها من ألم الضغط قبل قطع مذابحها ثم قال وقد ذكرت هذا الحرف في غريب الحديث وذكرت فيه وجوها يحتملها التأويل وكان قال فيه يجوز أن تكون الكلمة تصحفت وكان في الأصل أزز بالزاي من قولك أزز الرجل إصبعه إذا جعلها في الشيء وأززت الجرادة أززا إذا أدخلت ذنبها في الأرض والمعنى شد يدك على النحر وزعم أن هذا الوجه أقرب الجميع قال بن بطال عرضت كلام الخطابي على بعض أهل النقد فقال أما أخذه من أران القوم فمعترض لأن أران لا يتعدى وإنما يقال أران هو ولا يقال أران الرجل غنمه وأما الوجه الذي صوبه ففيه نظر وكأنه من جهة أن الرواية لا تساعده وأما الوجه الذي جعله أقرب الجميع فهو أبعدها لعدم الرواية به وقال عياض ضبطه الأصيلي أرني فعل أمر من الرؤية ومثله في مسلم لكن الراء ساكنة قال وأفادني بعضهم أنه وقف على هذه اللفظة في مسند علي بن عبد العزيز مضبوطة هكذا أرني أو اعجل فكأن الراوي شك في أحد اللفظين وهما بمعنى واحد والمقصود الذبح بما يسرع القطع ويجري الدم ورجح النووي أن أرن بمعنى اعجل وأنه شك من الراوي وضبط اعجل بكسر الجيم وبعضهم قال في رواية لمسلم أرني بسكون الراء وبعد النون ياء أي أحضرني الآلة التي تذبح بها لأراها ثم أضرب عن ذلك فقال أو اعجل وأو تجي للإضراب فكأنه قال قد لا يتيسر إحضار الآلة فيتأخر البيان فعرف الحكم فقال اعجل ما أنهر الدم إلخ قال وهذا أولى من حمله على الشك وقال المنذري اختلف في هذه ألفظة هل هي بوزن أعط أو بوزن أطع أو هي فعل أمر من الرؤية فعلى الأول المعنى أدم الحز من رنوت إذا أدمت النظر وعلى الثاني أهلكها ذبحا من أران القوم إذا هلكت مواشيهم وتعقب بأنه لا يتعدى وأجيب بأن المعنى كن ذا
شاة هالكة إذا أزهقت نفسها بكل ما أنهر الدم قلت ولا يخفى تكلفه وأما على أنه بصيغة فعل الأمر فمعناه أرني سيلان الدم ومن سكن الراء اختلس الحركة ومن حذف الياء جاز وقوله واعجل بهمزة وصل وفتح الجيم وسكون اللام فعل أمر من العجلة أي اعجل لا تموت الذبيحة خنقا قال ورواه بعضهم بصيغة أفعل التفضيل أي ليكن الذبح أعجل ما أنهر الدم قلت وهذا وإن تمشى على رواية أبي داود بتقديم لفظ أرني على اعجل لم يستقم على رواية البخاري بتأخيرها وجوز بعضهم في رواية أرن بسكون الراء أن يكون من أرناني حسن ما رأيته أي حملني على الرنو إليه والمعنى على هذا أحسن الذبح حتى تحب أن ننظر إليك ويؤيده حديث إذا ذبحتم فأحسنوا أخرجه مسلم وقد سبقت مباحث هذا الحديث مستوفاة قبل وسياقه هناك أتم مما هنا والله أعلم
(قوله باب النحر والذبح)
في رواية أبي ذر والذبائح بصيغة الجمع وكأنه جمع باعتبار أنه الأكثر فالنحر في الإبل خاصة وأما غير الإبل فيذبح وقد جاءت أحاديث في ذبح الإبل وفي نحر غيرها وقال بن التين الأصل في الإبل النحر وفي الشاة ونحوها الذبح وأما البقر فجاء في القرآن ذكر ذبحها وفي السنة ذكر نحرها واختلف في ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح فأجازه الجمهور ومنع بن القاسم قوله وقال بن جريج عن عطاء إلخ وصله عبد الرزاق عن بن جريج مقطعا وقوله والذبح قطع الأوداج جمع ودج بفتح الدال المهملة والجيم وهو العرق الذي في الأخدع وهما عرقان متقابلان قيل ليس لكل بهيمة غير ودجين فقط وهما محيطان
بالحلقوم ففي الإتيان بصيغة الجمع نظر ويمكن أن يكون أضاف كل ودجين إلى الأنواع كلها هكذا اقتصر عليه بعض الشراح وبقي وجه آخر وهو أنه أطلق على ما يقطع في العادة ودجا تغليبا فقد قال أكثر الحنفية في كتبهم إذا قطع من الأوداج الأربعة ثلاثة حصلت التذكية وهما الحلقوم والمريء وعرقان من كل جانب وحكى بن المنذر عن محمد بن الحسن إذا قطع الحلقوم والمريء وأكثر من نصف الأوداج أجزأ فإن قطع أقل فلا خير فيها وقال الشافعي يكفي ولو لم يقطع من الودجين شيئا لأنهما قد يسلان من الإنسان وغيره فيعيش وعن الثوري إن قطع الودجين أجزأ ولو لم يقطع الحلقوم والمريء وعن مالك والليث يشترط قطع الودجين والحلقوم فقط واحتج له بما في حديث رافع ما أنهر الدم وإنهاره إجراؤه وذلك يكون بقطع الأوداج لأنها مجرى الدم وأما المريء فهو مجرى الطعام وليس به من الدم ما يحصل به إنهار كذا قال وقوله فأخبرني نافع القائل هو بن جريج وقوله النخع بفتح النون وسكون الخاء المعجمة فسره في الخبر بأنه قطع ما دون العظم والنخاع عرق أبيض في فقار الظهر إلى القلب يقال له خيط الرقبة وقال الشافعي النخع أن تذبح الشاة ثم يكسر قفاها من موضع المذبح أو تضرب ليعجل قطع حركتها وأخرج أبو عبيد في الغريب عن عمر أنه نهى عن الفرس في الذبيحة ثم حكى عن أبي عبيدة أن الفرس هو النخع يقال فرست الشاة ونخعتها وذلك أن ينتهي بالذبح إلى النخاع وهو عظم في الرقبة قال ويقال أيضا هو الذي يكون في فقار الصلب شبيه بالمخ وهو متصل بالقفا نهى أن ينتهى بالذبح إلى ذلك قال أبو عبيد أما النخع فهو على ما قال وأما الفرس فيقال هو الكسر وإنما نهى أن تكسر رقبة الذبيحة قبل أن تبرد ويبين ذلك أن في الحديث ولا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق قلت يعني في حديث عمر المذكور وكذا ذكره الشافعي عن عمر قوله وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة إلى فذبحوها وما كادوا يفعلون زاد في رواية كريمة وقول الله تعالى وإذ قال موسى لقومه وهذا من تمام الترجمة وأراد أن يفسر به قول بن جريج في الأثر المذكور ذكر الله ذبح البقرة وفي هذا إشارة منه إلى اختصاص البقر بالذبح وقد روى شيخه إسماعيل بن أبي أويس عن مالك من نحر البقر فبئس ما صنع ثم تلا هذه الآية وعن أشهب إن ذبح بعيرا من غير ضرورة لم يؤكل قوله وقال سعيد عن بن عباس الذكاة في الحلق واللبة وصله سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن بن عباس أنه قال الذكاة في الحلق واللبة وهذا إسناد صحيح وأخرجه سفيان الثوري في جامعه عن عمر مثله وجاء مرفوعا من وجه واه واللبة بفتح اللام وتشديد الموحدة هي موضع القلادة من الصدر وهي المنحر وكأن المصنف لمح بضعف الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من رواية حماد بن سلمة عن أبي المعشر الدارمي عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة قال لو طعنت في فخذها لأجزأك لكن من قواه حمله على الوحش والمتوحش قوله وقال بن عمر وبن عباس وأنس إذا قطع الرأس فلا بأس أما أثر بن عمر فوصله أبو موسى الزمن من رواية أبي مجلز سألت بن عمر عن ذبيحة قطع رأسها فأمر بن عمر بأكلها وأما أثر بن عباس فوصله بن أبي شيبة بسند صحيح أن بن عباس سئل عمن ذبح دجاجة فطير رأسها فقال ذكاة وحية بفتح الواو وكسر الحاء المهملة بعدها تحتانية ثقيلة أي سريعة منسوبة إلى الوحاء وهو الإسراع والعجلة وأما
أثر أنس فوصله بن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس أن جزارا لأنس ذبح دجاجة فاضطربت فذبحها من قفاها فأطار رأسها فأرادوا طرحها فأمرهم أنس بأكلها ثم ذكرالمصنف في الباب حديث أسماء بنت أبي بكر في أكل الفرس أورده من رواية سفيان الثوري ومن رواية جرير كلاهما عن هشام بن عروة موصولا بلفظ نحرنا وقال في آخره تابعه وكيع وبن عيينة عن هشام في النحر وأورده أيضا من رواية عبدة وهو بن سليمان عن هشام بلفظ ذبحنا ورواية بن عيينة التي أشار إليها ستأتي موصولة بعد بابين من رواية الحميدي عن سفيان وهو بن عيينة به وقال نحرنا ورواية وكيع أخرجها أحمد عنه بلفظ نحرنا وأخرجها مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي وحفص بن غياث ووكيع ثلاثتهم عن هشام بلفظ نحرنا وأخرجه عبد الرزاق عن معمر والثوري جميعا عن هشام بلفظ نحرنا وقال الإسماعيلي قال همام وعيسى بن يونس وعلي بن مسهر عن هشام بلفظ نحرنا واختلف على حماد بن زيد وبن عيينة فقال أكثر أصحابهما نحرنا وقال بعضهم ذبحنا وأخرجه الدارقطني من رواية مؤمل بن إسماعيل عن الثوري ووهيب بن خالد ومن رواية بن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ومن رواية يحيى القطان كلهم عن هشام بلفظ ذبحنا ومن رواية أبي معاوية عن هشام انتحرنا وكذا أخرجه مسلم من رواية أبي معاوية وأبي أسامة ولم يسق لفظه وساقه أبو عوانة عنهما بلفظ نحرنا وهذا الاختلاف كله عن هشام وفيه إشعار بأنه كان تارة يرويه بلفظ ذبحنا وتارة بلفظ نحرنا وهو مصير منه إلى استواء اللفظين في المعنى وأن النحر يطلق عليه ذبح والذبح يطلق عليه نحر ولا يتعين مع هذا الاختلاف ما هو الحقيقة في ذلك من المجاز إلا إن رجح أحد الطريقين وأما أنه يستفاد من هذا الاختلاف جواز نحر المذبوح وذبح المنحور كما قاله بعض الشراح فبعيد لأنه يستلزم أن يكون الأمر في ذلك وقع مرتين والأصل عدم التعدد مع اتحاد المخرج وقد جرى النووي على عادته في الحمل على التعدد فقال بعد أن ذكر اختلاف الرواة في قولها نحرنا وذبحنا يجمع بين الروايتين بأنهما قضيتان فمرة نحروها ومرة ذبحوها ثم قال ويجوز أن تكون قصة واحدة وأحد اللفظين مجاز والأول أصح كذا قال والله أعلم
(قوله باب ما يكره من المثلة)
بضم الميم وسكون المثلثة هي قطع أطراف الحيوان أو بعضها وهو حي يقال مثلت به أمثل بالتشديد للمبالغة قوله والمصبورة بصاد مهملة ساكنة وموحدة مضمومة والمجثمة بالجيم والمثلثة المفتوحة التي تربط وتجعل غرضا للرمي فإذا ماتت من ذلك لم يحل أكلها والجثوم للطير ونحوها بمنزلة البروك للإبل فلو جثمت بنفسها فهي جاثمة ومجثمة بكسر المثلثة وتلك إذا صيدت على تلك الحالة فذبحت جاز أكلها وإن رميت فماتت لم يجز لأنها تصير موقذة ثم ذكر في الباب أربعة أحاديث الأول حديث أنس