قوله صلى الله عليه وسلم (إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين بن أم مكتوم) فيه جواز الأذان للصبح قبل طلوع الفجر وفيه جواز الأكل والشرب والجماع وسائر الأشياء إلى طلوع الفجر وفيه جواز أذان الأعمى قال أصحابنا هو جائز فإن كان معه بصير كابن أم مكتوم مع بلال فلا كراهة فيه وإن لم يكن معه بصير كره للخوف من غلطه وفيه استحباب أذانين للصبح أحدهما قبل الفجر والآخر بعد طلوعه أول الطلوع وفيه اعتماد صوت المؤذن واستدل به مالك والمزني وسائر من يقبل شهادة الأعمى وأجاب الجمهور عن هذا بأن الشهادة يشترط فيها العلم ولا يحصل علم بالصوت لأن الأصوات تشتبه وأما الأذان ووقت الصلاة فيكفي فيها الظن وفيه دليل لجواز
الأكل بعد النية ولا تفسد نية الصوم بالأكل بعدها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح الأكل إلى طلوع الفجر ومعلوم أن النية لا تجوز بعد طلوع الفجر فدل على أنها سابقة وأن الأكل بعدها لا يضر وهذا هو الصواب المشهور من مذهبنا ومذهب غيرنا وقال بعض أصحابنا متى أكل بعد النية أو جامع فسدت ووجب تجديدها وإلا فلا يصح صومه وهذا غلط صريح وفيه استحباب السحور وتأخيره وفيه اتخاذ مؤذنين للمسجد الكبير قال أصحابنا وإن دعت الحاجة جاز اتخاذ أكثر منهما كما اتخذ عثمان أربعة وإن احتاج إلى زيادة على أربعة فالأصح اتخاذهم بحسب الحاجة والمصلحة قوله (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا) قال العلماء
معناه أن بلالا كان يؤذن قبل الفجر ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه ثم يرقب الفجر فاذا قارب طلوعه نزل فأخبر بن أم مكتوم فيتأهب بن أم مكتوم بالطهارة وغيرها ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال أو نداء بلال من سحوره فإنه يؤذن أو قال ينادي ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم) فلفظة قائمكم منصوبة مفعول يرجع قال الله تعالى فإن رجعك الله ومعناه أنه إنما يؤذن بليل ليعلمكم بأن الفجر ليس ببعيد فيرد القائم المتهجد إلى راحته لينام غفوة ليصبح نشيطا أو يوتر إن لم يكن أوتر أو يتأهب للصبح إن احتاج إلى طهارة أخرى أو نحو ذلك من مصالحه المترتبة على علمه بقرب الصبح وقوله صلى الله عليه وسلم ويوقظ نائمكم أي ليتأهب للصبح أيضا بفعل ما أراد من تهجد قليل أو إيتار إن لم يكن أوتر أو سحور إن أراد الصوم أو اغتسال أو وضوء أو غير ذلك مما يحتاج إليه قبل الفجر قوله صلى الله عليه وسلم في صفة الفجر (ليس أن يقول هكذا وهكذا وصوب يده ورفعها حتى يقول هكذا وفرج بين إصبعيه) وفي الرواية الأخرى (إن الفجر ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض ولكن الذي يقول هكذا ووضع المسبحة على المسبحة ومد يده) وفي الرواية الأخرى
(هو المعترض وليس بالمستطيل) وفي الرواية الأخرى (لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا) قال الراوي يعني معترضا في هذه الأحاديث بيان الفجر الذي يتعلق به الأحكام وهو الفجر الثاني الصادق والمستطير بالراء وقد سبق في ترجمة الباب بيان الفجرين وفيها أيضا الإيضاح في البيان والإشارة لزيادة البيان في التعليم والله أعلم