قوله صلى الله عليه وسلم (خرجت برجل قرحة فآذته فانتزع سهما من كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتى مات) وفي الرواية الأخرى خرج به خراج القرحة بفتح القاف وإسكان الراء وهي واحدة القروح وهي حبات تخرج في بدن الإنسان والكنانة بكسر الكاف وهي جعبة النشاب مفتوحة الجيم سميت كنانة لأنها تكن السهام أي تسترها ومعنى نكأها قشرها وخرقها وفتحها وهو مهموز ومعنى لم يرقأ الدم أي لم ينقطع وهو مهموز يقال رقأ الدم والدمع يرقأ
رقوءا مثل ركع يركع ركوعا إذا سكن وانقطع والخراج بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء وهو القرحة قوله (فما نسينا وما نخشى أن يكون كذب) هو نوع من تأكيد الكلام وتقويته في النفس أو الإعلام بتحقيقه ونفي تطرق الخلل إليه والله أعلم أما أحكام الحديث ومعانيها ففيها بيان غلظ تحريم قتل نفسه واليمين الفاجرة التي يقتطع بها مال غيره والحلف بملة غير الإسلام كقوله هو يهودي أو نصرانى ان كان كذا أو واللات والعزى وشبه ذلك وفيها أنه لا يصح النذر فيما لا يملك ولا يلزم بهذا النذر شيء وفيها تغليظ تحريم لعن المسلم وهذا لا خلاف فيه قال الإمام أبو حامد الغزالي وغيره لا يجوز لعن أحد من المسلمين ولا الدواب ولا فرق بين الفاسق وغيره ولا يجوز لعن أعيان الكفار حيا كان أو ميتا إلا من علمنا بالنص أنه مات كافرا كأبي لهب وأبي جهل وشبههما ويجوز لعن طائفتهم كقولك لعن الله الكفار ولعن الله اليهود والنصارى وأما قوله صلى الله عليه وسلم لعن المؤمن كقتله فالظاهر أن المراد أنهما سواء في أصل التحريم وإن كان القتل أغلظ وهذا هو الذي اختاره الإمام أبو عبد الله المازري وقيل غير هذا مما ليس بظاهر وأما قوله صلى الله عليه وسلم فهو في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا فقيل فيه أقوال أحدها أنه محمول على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بالتحريم فهذا كافر وهذه عقوبته والثاني أن المراد بالخلود طول المدة والإقامة المتطاولة لا حقيقة الدوام كما يقال خلد الله ملك السلطان والثالث أن هذا جزاؤه ولكن تكرم سبحانه وتعالى فأخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلما قال القاضي عياض رحمه الله في قوله صلى الله عليه وسلم من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه فيه دليل على أن القصاص من القاتل يكون بما قتل به محددا كان أو غيره اقتداء لعقاب الله تعالى لقاتل نفسه والاستدلال
بهذا لهذا ضعيف وأما قوله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال وفي الرواية الأخرى كاذبا متعمدا ففيه بيان لغلظ تحريم هذا الحلف وقوله صلى الله عليه وسلم كاذبا ليس المراد به التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقا لأنه لا ينفك الحالف بها عن كونه كاذبا وذلك لأنه لا بد أن يكون معظما لما حلف به فإن كان معتقدا عظمته بقلبه فهو كاذب في ذلك وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه فهو كاذب في الصورة لكونه عظمه بالحلف به وإذا علم أنه لا ينفك عن كونه كاذبا حمل التقييد بكاذبا على أنه بيان لصورة الحالف ويكون التقييد خرج على سبب فلا يكون له مفهوم ويكون من باب قول الله تعالى ويقتلون الانبياء بغير حق وقوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم من إملاق وقوله تعالى وربائبكم اللاتى فى حجوركم وقوله تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم وقوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ونظائره كثيرة ثم إن كان الحالف به معظما لما حلف به مجلاله كان كافرا وإن لم يكن معظما بل كان قلبه مطمئنا بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به ومعاملته إياه معاملة ما يحلف به ولا يكون كافرا خارجا عن ملة الإسلام ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر ويراد به كفر الإحسان وكفر نعمة الله تعالى فإنها تقتضي أن لا يحلف هذا الحلف القبيح وقد قال الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه فيما ورد من مثل هذا مما ظاهره تكفير أصحاب المعاصي إن ذلك على جهة التغليظ والزجر عنه وهذا معنى مليح ولكن ينبغي أن يضم إليه ما ذكرناه من كونه كافر النعم وأما قوله صلى الله عليه وسلم من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة فقال القاضي عياض هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعط من مال يختال في التجمل به من غيره أو نسب ينتمي إليه أو علم يتحلى به وليس هو من حملته أو دين يظهره وليس هو من أهله فقد أعلم صلى الله عليه وسلم أنه غير مبارك له في دعواه ولا زاك ما اكتسبه بها ومثله الحديث الآخر اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار وهو من أهل الجنة ففيه التحذير من الاغترار بالأعمال وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها ولا يركن إليها مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره
أن لا يقنطه من رحمة الله تعالى ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وكذا عكسه أن هذا قد يقع وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتى مات قال ربكم قد حرمت عليه الجنة فقال القاضي رحمه الله فيه يحتمل أنه كان مستحلا أو يحرمها حين يدخلها السابقون والأبرار أو يطيل حسابه أو يحبس في الأعراف هذا كلام القاضي قلت ويحتمل أن شرع أهل ذلك العصر تكفير أصحاب الكبائر ثم إن هذا محمول على أنه نكأها استعجالا للموت أو لغير مصلحة فإنه لو كان على طريق المداواة التي يغلب على الظن نفعها لم يكن حراما والله أعلم
(باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا
المؤمنون