قوله (بات رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة مبدأه وصلى في مسجدها) قال القاضي هو بفتح الميم وضمها والباء ساكنة فيهما أي ابتداء حجه ومبدأه منصوب على الظرف أي في ابتدائه وهذا المبيت ليس من أعمال الحج ولا من سننه قال القاضي لكن من فعله تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم فحسن والله أعلم
باب استحباب الطيب قبل الاحرام في البدن واستحبابه
بالمسك)
(وأنه لا بأس ببقاء وبيصه وهو بريقه ولمعانه) قولها (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) ضبطوا لحرمه بضم الحاء وكسرها وقد سبق بيانه في شرح مقدمة مسلم والضم أكثر ولم يذكر الهروي وآخرون غيره وأنكر ثابت الضم على المحدثين وقال الصواب الكسر والمراد بحرمه الإحرام بالحج وفيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام وهذا مذهبنا وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين وجماهير المحدثين والفقهاء منهم سعد بن أبي وقاص وبن عباس وبن الزبير ومعاوية وعائشة وأم حبيبة وأبو حنيفة والثوري وأبو يوسف وأحمد وداود وغيرهم وقال آخرون بمنعه منهم الزهري ومالك ومحمد بن الحسن وحكي أيضا عن جماعة من الصحابة والتابعين قال القاضي وتأول هؤلاء حديث عائشة هذا على أنه تطيب ثم اغتسل بعده فذهب الطيب قبل الإحرام ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرما فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده لا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ولا يبقى مع ذلك ويكون قولها ثم أصبح ينضخ طيبا أي قبل غسله وقد سبق في رواية لمسلم أن ذلك الطيب كان ذرة وهي مما يذهبه الغسل قال وقولها كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم المراد به أثره لا جرمه هذا كلام القاضي ولا يوافق عليه بل الصواب ما قاله الجمهور أن الطيب مستحب للإحرام لقولها طيبته لحرمه وهذا ظاهر في أن الطيب
للإحرام لا للنساء ويعضده قولها كأني أنظر إلى وبيص الطيب والتأويل الذي قاله القاضي غير مقبول لمخالفته الظاهر بلا دليل يحملنا عليه وأما قولها ولحله قبل أن يطوف فالمراد به طواف الإفاضة ففيه دلالة لاستباحة الطيب بعد رمي جمرة العقبة والحلق وقبل الطواف وهذا مذهب الشافعي والعلماء كافة إلا مالكا كرهه قبل طواف الإفاضة وهو محجوج بهذا الحديث وقولها لحله دليل على أنه حصل له تحلل وفي الحج تحللان يحصلان بثلاثة أشياء رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم فإذا فعل الثلاثة حصل التحللان وإذا فعل اثنين منهما حصل التحلل الأول أي اثنين كانا ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات إلا الاستمتاع بالنساء فإنه لا يحل إلا بالثاني وقيل يباح منهن غير الجماع بالتحلل الأول وهو قول بعض أصحابنا وللشافعي قول إنه لا يحل بالأول إلا اللبس والحلق وقلم الأظفار والصواب ما سبق والله أعلم وقولها في الرواية الأخرى (ولحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت) فيه تصريح بأن التحلل الأول يحصل بعد رمي جمرة العقبة والحلق قبل الطواف
وهذا متفق عليه قولها (بذريرة) هي بفتح الذال المعجمة وهي قناب قصب طيب يجاء به من الهند