قوله (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها
الأيمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج) أما الإشعار فهو أن يجرحها في صفحة سنامها اليمنى بحربة أو سكين أو حديدة أو نحوها ثم يسلت الدم عنها وأصل الإشعار والشعور الإعلام والعلامة وإشعار الهدي لكونه علامة له وهو مستحب ليعلم أنه هدي فإن ضل رده واجده وإن اختلط بغيره تميز ولأن فيه إظهار شعار وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثل فعله وأما صفحة السنام فهي جانبه والصفحة مؤنثة فقوله الأيمن بلفظ التذكير يتأول على أنه وصف لمعنى الصفحة لا للفظها ويكون المراد بالصفحة الجانب فكأنه قال جانب سنامها الأيمن ففي هذا الحديث استحباب الإشعار والتقليد في الهدايا من الإبل وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف وقال أبو حنيفة الإشعار بدعة لأنه مثلة وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار وأما قوله إنه مثلة فليس كذلك بل هذا كالفصد والحجامة والختان والكي والوسم وأما محل الإشعار فمذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحب الإشعار في صفحة السنام اليمنى وقال مالك في اليسرى وهذا الحديث يرد عليه وأما تقليد الغنم فهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة من السلف والخلف إلا مالكا فإنه لا يقول بتقليدها قال القاضي عياض ولعله لم يبلغه الحديث الثابت في ذلك قلت قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة بالتقليد فهي حجة صريحة في الرد على من خالفها واتفقوا على أن الغنم لا تشعر لضعفها عن الجرح ولأنه يستتر بالصوف وأما البقرة فيستحب عند الشافعي وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليد كالإبل وفي هذا الحديث استحباب تقليد الإبل بنعلين وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة فإن قلدها بغير ذلك من جلود أو خيوط مفتولة ونحوها فلا بأس وأما قوله ثم ركب راحلته فهي راحلة غير التي أشعرها وفيه استحباب الركوب في الحج وأنه أفضل من المشي وقد سبق بيانه مرات وأما قوله فلما استوت به على البيداء أهل
بالحج فيه استحباب الإحرام عند استواء الراحلة لا قبله ولا بعده وقد سبق بيانه واضحا وأما إحرامه صلى الله عليه وسلم بالحج فهو المختار وقد سبق بيان الخلاف في ذلك واضحا والله أعلم
(باب قوله لابن عباس ما هذا الفتيا التى قد تشغفت (أو
قد تشغبت بالناس) وفي الرواية الأخرى (إن هذا الأمر قد تفشع بالناس) أما اللفظة الأولى فبشين ثم غين معجمتين ثم فاء والثانية كذلك لكن بدل الفاء باء موحدة والثالثة بتقديم الفاء وبعدها شين ثم عين ومعنى هذه الثالثة انتشرت وفشت بين الناس وأما الأولى فمعناها علقت بالقلوب وشغفوا بها وأما الثانية فرويت أيضا بالعين المهملة وممن ذكر الروايتين فيها المعجمة والمهملة أبو عبيد والقاضي عياض ومعنى المهملة أنها فرقت مذاهب الناس وأوقعت الخلاف بينهم ومعنى المعجمة خلطت عليهم أمرهم قوله (ما هذا الفتيا) هكذا هو في معظم النسخ هذا الفتيا وفي بعضها هذه وهو الأجود ووجه الأول أنه أراد بالفتيا الإفتاء فوصفه مذكرا ويقال فتيا وفتوى قوله (عن بن عباس أن من طاف بالبيت فقد حل فقال سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وان رغمتم) وفي الرواية الأخرى حدثنا بن جريج قال أخبرنى عطاء قال كان بن عباس يقول لا يطوف بالبيت حاج ولا)
غير حاج إلا حل قلت لعطاء من أين يقول ذلك قال من قول الله عز وجل ثم محلها إلى البيت العتيق قلت فإن ذلك بعد المعرف فقال كان بن عباس يقول هو بعد المعرف وقبله كان يأخذ ذلك من أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع هذا الذي ذكره بن عباس هو مذهبه وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف فإن الذي عليه العلماء كافة سوى بن عباس أن الحاج لا يتحلل بمجرد طواف القدوم بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات ويرمي ويحلق ويطوف طواف الزيارة فحينئذ يحصل التحللان ويحصل الأول باثنين من هذه الثلاثة التي هي رمي جمرة العقبة والحلق والطواف وأما احتجاج بن عباس بالآية فلا دلالة له فيها لأن قوله تعالى محلها إلى البيت العتيق معناه لاتنحر إلا في الحرم وليس فيه تعرض للتحلل من الإحرام لأنه لو كان المراد به التحلل من الإحرام لكان ينبغي أن يتحلل بمجرد وصول الهدي إلى الحرم قبل أن يطوف وأما احتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم في حجة الوداع بأن يحلوا فلا دلالة فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة في تلك السنة فلا يكون دليلا في تحلل من هو ملتبس بإحرام الحج والله أعلم قال القاضي قال المازري وتأول بعض شيوخنا قول بن عباس في هذه المسألة على من فاته الحج أنه يتحلل بالطواف والسعي قال وهذا تأويل بعيد لأنه قال بعده وكان بن عباس يقول لا يطوف بالبيت حاج ولا غيره الا حل والله أعلم
باب جواز تقصير المعتمر من شعره وأنه لا يجب حلقه
(وأنه يستحب كون حلقه أو تقصيره عند المروة)