قولها (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم) فيه دليل على استحباب الهدي إلى الحرم وأن من لم يذهب إليه يستحب له بعثه مع غيره واستحباب تقليده وإشعاره كما جاء في الرواية الأخرى بعد هذه وقد سبق ذكر الخلاف بين العلماء في الإشعار ومذهبنا ومذهب الجمهور استحباب الإشعار والتقليد في الإبل والبقر وأما الغنم فيستحب فيها التقليد وحده وفيه استحباب فتل القلائد وفيه أن من بعث هديه لا يصير محرما ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا حكاية رويت عن بن عباس وبن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وحكاها الخطابي عن
أهل الرأي أيضا أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم ولا يصير محرما من غير نية الإحرام والصحيح ما قاله الجمهور لهذه الأحاديث الصحيحة قولها (فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم أشعرها وقلدها ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلالا) فيه دليل على استحباب الجمع بين الإشعار والتقليد في البدن وكذلك البقر وفيه أنه إذا أرسل هدية أشعره وقلده من بلده ولو أخذه معه أخر التقليد والإشعار إلى حين يحرم من الميقات أو من غيره قولها (أنا فتلت تلك القلائد من عهن) هو الصوف وقيل الصوف المصبوغ ألوانا قولها
(أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت غنما فقلدها) فيه دلالة لمذهبنا ومذهب الكثيرين أنه يستحب تقليد الغنم وقال مالك وأبو حنيفة لا يستحب بل خصا التقليد بالإبل والبقر وهذا الحديث صريح في الدلالة عليهما قوله (حدثنا محمد بن جحادة) هو بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مخففة قوله (عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته ان بن زياد كتب إلى عائشة أن عبد الله بن عباس قال من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج) هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم أن بن زياد قال أبو علي الغساني والمازري والقاضي وجميع المتكلمين على صحيح مسلم هذا غلط
وصوابه أن زياد بن أبي سفيان وهو المعروف بزياد بن أبيه وهكذا وقع على الصواب في صحيح البخاري والموطأ وسنن أبي داود وغيرها من الكتب المعتمدة ولأن بن زياد لم يدرك عائشة والله أعلم
باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج اليها
قوله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها قال يا رسول الله إنها بدنة قال اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة) وفي الرواية الأخرى ويلك اركبها ويلك اركبها
وفي رواية جابر اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا هذا دليل على ركوب البدنة المهداة وفيه مذاهب مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج ولا يركبها من غير حاجة وإنما يركبها بالمعروف من غير اضرار وبهذا قال بن المنذر وجماعة وهو رواية عن مالك وقال عروة بن الزبير ومالك في الرواية الأخرى وأحمد وإسحاق له ركوبها من غير حاجة بحيث لا يضرها وبه قال أهل الظاهر وقال أبو حنيفة لا يركبها إلا أن لا يجد منه بدا وحكى القاضي عن بعض العلماء أنه أوجب ركوبها المطلق لأمر ولمخالفة ما كانت الجاهلية عليه من إكرام البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وإهمالها بلا ركوب دليل الجمهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى ولم يركب هديه ولم يأمر الناس بركوب الهدايا ودليلنا على عروة وموافقيه رواية جابر المذكورة والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم (ويلك اركبها) فهذه الكلمة أصلها لمن وقع في هلكة فقيل لأنه كان محتاجا قد وقع في تعب وجهد وقيل هي كلمة تجري على اللسان وتستعمل من غير قصد إلى ما وضعت له أولا بل تدعم بها العرب كلامها كقولهم لا أم له لا أب له تربت يداه قاتله الله ما أشجعه وعقرى حلقى وما أشبه ذلك وقد سبقت هذه اللفظة مستوفاة في كتاب الطهارة في تربت يداك قوله (حدثنا هشيم قال أخبرنا حميد عن ثابت عن أنس قال وأظنني قد سمعته من أنس) القائل وأظنني قد سمعته من أنس هو حميد ووقع في أكثر النسخ وأظنني بنونين وفي بعضها وأظني بنون واحدة
وهي لغة قوله (قال إنها بدنة أو هدية فقال وإن) هكذا هو في جميع النسخ وإن فقط أي وإن كانت بدنة والله أعلم
باب ما يفعل بالهدى اذا عطب في الطريق