وفى الحديث الآخر (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله) وفي)
الرواية الأخرى (فليقل آمنت بالله ورسله) وفي الرواية الأخرى (يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته) أما معاني الأحاديث وفقهها فقوله صلى الله عليه وسلم ذلك صريح الإيمان ومحض الإيمان معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققا وانتفت عنه الريبة والشكوك واعلم أن الرواية الثانية وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام فهو مراد وهي مختصرة من الرواية الأولى ولهذا قدم مسلم رحمه الله الرواية الأولى وقيل معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد فعلى هذا معنى الحديث سبب الوسوسة محض الإيمان أو الوسوسة علامة محض الإيمان وهذا القول اختيار القاضي عياض وأما قوله
ص فمن وجد ذلك فليقل آمنت بالله وفي الرواية الأخرى فليستعذ بالله ولينته فمعناه الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه قال الإمام المازري رحمه الله ظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها قال والذي يقال في هذا المعنى أن الخواطر على قسمين فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها وعلى هذا يحمل الحديث وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة فكأنه لما كان أمرا طارئا بغير أصل دفع بغير نظر فى دليل اذلا أصل له ينظر فيه وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فليستعذ بالله ولينته فمعناه إذا عرض له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره عنه وليعرض عن الفكر في ذلك وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء فليعرض
عن الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها والله أعلم وأما أسانيد الباب ففيه محمد بن عمرو بن جبلة هو محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة وفيه أبو الجواب عن عمار بن رزيق أما أبو الجواب فبفتح الجيم وتشديد الواو وآخره باء موحدة واسمه الأحوص بن جواب وأما رزيق فبتقدم الراء على الزاى وفيه قال مسلم حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار حدثني علي بن عثام عن سعير بن الخمس عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله هو بن مسعود رضي الله عنه وهذا الإسناد كله كوفيون وعثام بالثاء المثلثة وسعير هو بضم السين المهملة وآخره راء والخمس بكسر الخاء المعجمة وإسكان الميم وبالسين المهملة وسعير وأبوه لا يعرف لهما نظير ومغيرة وإبراهيم وعلقمة تابعيون وقد اعترض على هذا الإسناد وفيه أبو النضر عن أبي سعيد المؤدب هو أبو النضر هاشم بن القاسم واسم أبي سعيد المؤدب محمد بن مسلم بن أبي الوضاح واسم أبي الوضاح المثنى وكان يؤدب المهدي وغيره من الخلفاء وفيه بن أخى بن شهاب
وهو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب أبو عبد الله وفيه يعقوب الدورقي تقدم بيانه في شرح المقدمة وفيه عبد الله بن الرومي هو عبد الله بن محمد وقيل بن عمر بغدادي وفيه جعفر بن برقان بضم الموحدة وبالقاف تقدم بيانه في المقدمة والله أعلم وفي ألفاظ المتن حتى يقولوا الله خلق كل شيء هكذا هو في بعض الأصول يقولوا بغير نون وفي بعضها يقولون بالنون وكلاهما صحيح وإثبات النون مع الناصب لغة قليلة ذكرها جماعة من محققي النحويين وجاءت متكررة في الأحاديث الصحيحة كما ستراها في مواضعها إن شاء الله تعالى والله أعلم
(باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار