قوله (عن حذيفة كنا عند عمر
رضي الله عنه وذكر حديث الفتنة) وقد سبق شرحه في أواخر كتاب الإيمان
ذكرناه ومنهم من رواه مربئد بهمزة مكسورة بعد الباء قال القاضي وهذه رواية أكثر شيوخنا وأصله أن لا يهمز ويكون مربد مثل مسود ومحمر وكذا ذكره أبو عبيد والهروي وصححه بعض شيوخنا عن أبي مروان بن سراج لأنه من اربد إلا على لغة من قال احمأر بهمزة بعد الميم لالتقاء الساكنين فيقال اربأد ومربئد والدال مشددة على القولين وسيأتي تفسيره وأما قوله مجخيا فهو بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم خاء معجمة مكسورة معناه مائلا كذا قاله الهروي وغيره وفسره الراوي في الكتاب بقوله منكوسا وهو قريب من معنى المائل قال القاضي عياض قال لى بن سراج ليس قوله كالكوز مجخيا تشبيها لما تقدم من سواده بل هو وصف آخر من أوصافه بأنه قلب ونكس حتى لا يعلق به خير ولا حكمة ومثله بالكوز المجخي وبينه بقوله لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا قال القاضي رحمه الله شبه القلب الذي لا يعي خيرا بالكوز المنحرف الذي لا يثبت الماء فيه وقال صاحب التحرير معنى الحديث أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإسلام والقلب مثل الكوز فإذا انكب انصب ما فيه ولم يدخله شيء بعد ذلك وأما قوله في الكتاب (قلت لسعد ما أسود مربادا فقال شدة البياض في سواد) فقال القاضي عياض رحمه الله كان بعض شيوخنا يقول إنه تصحيف وهو قول القاضي أبي الوليد الكناني قال أرى أن صوابه شبه البياض في سواد وذلك أن شدة البياض في سواد لا يسمى ربدة وإنما يقال لها بلق إذا كان في الجسم وحورا إذا كان في العين والربدة إنما هو شيء من بياض يسير يخالط السواد كلون أكثر النعام ومنه قيل للنعامة ربداء فصوابه شبه البياض لا شدة البياض قال أبو عبيد عن أبي عمرو وغيره الربدة لون بين السواد والغبرة وقال بن دريد الربدة لون أكدر وقال غيره هي أن يختلط السواد بكدرة وقال الحربي لون النعام بعضه أسود وبعضه أبيض ومنه اربد لونه إذا تغير ودخله سواد وقال نفطويه المربد الملمع بسواد
وبياض ومنه تربد لونه أي تلون والله أعلم قوله حدثته أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر قال عمر رضي الله عنه أكسرا لا أبا لك فلو أنه فتح لعله كان يعاد أما قوله إن بينك وبينها بابا مغلقا فمعناه أن تلك الفتن لا يخرج شيء منها في حياتك وأما قوله يوشك فبضم الياء وكسر الشين ومعناه يقرب وقوله أكسرا أي أيكسر كسرا فإن المكسور لا يمكن إعادته بخلاف المفتوح ولأن الكسر لا يكون غالبا إلا عن إكراه وغلبة وخلاف عادة وقوله لا أبا لك قال صاحب التحرير هذه كلمة تذكرها العرب للحث على الشيء ومعناها أن الإنسان إذا كان له أب وحزبه أمر ووقع في شدة عاونه أبوه ورفع عنه بعض الكل فلا يحتاج من الجد والاهتمام إلى ما يحتاج إليه حالة الانفراد وعدم الأب المعاون فإذا قيل لا أبا لك فمعناه جد في هذا الأمر وشمر وتأهب تأهب من ليس له معاون والله اعلم قوله وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت حديثا ليس بالأغاليط أما الرجل الذي يقتل فقد جاء مبينا في الصحيح أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقوله يقتل أو يموت يحتمل أن يكون حذيفة رضي الله عنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم
هكذا على الشك والمراد به الإبهام على حذيفة وغيره ويحتمل أن يكون حذيفة علم أنه يقتل ولكنه كره أن يخاطب عمر رضي الله عنه بالقتل فإن عمر رضي الله عنه كان يعلم أنه هو الباب كما جاء مبينا في الصحيح أن عمر كان يعلم من الباب كما يعلم أن قبل غد الليلة فأتى حذيفة رضي الله عنه بكلام يحصل منه الغرض مع أنه ليس إخبارا لعمر بأنه يقتل وأما قوله حديثا ليس بالأغاليط فهي جمع أغلوطة وهي التي يغالط بها فمعناه حدثته حديثا صدقا محققا ليس هو من صحف الكتابيين ولا من اجتهاد ذي رأي بل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم والحاصل أن الحائل بين الفتن والإسلام عمر رضي الله عنه وهو الباب فما دام حيا لا تدخل الفتن فإذا مات دخلت الفتن وكذا كان والله أعلم وأما قوله في الرواية الأخرى عن ربعي قال لما قدم حذيفة من عند عمر رضي الله عنهما جلس فحدثنا فقال إن أمير المؤمنين أمس لما جلست إليه سأل أصحابه أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتن إلى آخره فالمراد بقوله أمس الزمان الماضي لا أمس يومه وهو اليوم الذي يلي يوم تحديثه لأن مراده لما قدم حذيفة الكوفة في انصرافه من المدينة من عند عمر رضي الله عنهما وفي أمس ثلاث لغات قال الجوهري أمس اسم حرك آخره لالتقاء الساكنين واختلف العرب فيه فأكثرهم يبنيه على الكسر معرفة ومنهم من يعربه معرفة وكلهم يعربه إذا دخلت عليه الألف واللام أو صيره نكرة أو أضافه تقول مضى الأمس المبارك ومضى أمسنا وكل غد صائر أمسا وقال سيبويه جاء في الشعر مذ أمس بالفتح هذا كلام الجوهري وقال الأزهري قال الفراء ومن العرب من يخفض الأمس وإن أدخل عليه الألف واللام والله أعلم
(باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا (وأنه
يأرز بين المسجدين)