قوله صلى الله عليه وسلم (فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء) فيه دليل لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أن الأقراء في العدة هي الأطهار لأنه صلى الله عليه وسلم قال ليطلقها في الطهر إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء أي فيها ومعلوم أن الله لم يأمر بطلاقهن في الحيض بل حرمه فإن قيل الضمير في قوله فتلك يعود إلى الحيضة قلنا هذا غلط لأن الطلاق في الحيض غير مأمور به بل محرم وإنما الضمير عائد إلى الحالة المذكورة وهي حالة الطهر أو إلى العدة وأجمع العلماء من أهل الفقه والأصول واللغة على أن القرء يطلق في اللغة على الحيض وعلى الطهر واختلفوا في الأقراء المذكورة في قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وفيما تنقضي به العدة فقال مالك والشافعي وآخرون هي الأطهار وقال أبو حنيفة والأوزاعي وآخرون هي الحيض وهو مروي عن عمر وعلى وبن مسعود رضي الله عنهم وبه قال الثوري وزفر واسحاق
وآخرون من السلف وهو أصح الروايتين عن أحمد قالوا لأن من قال بالأطهار يجعلها قرءين وبعض الثالث وظاهر القرآن أنها ثلاثة والقائل بالحيض يشترط ثلاث حيضات كوامل فهو أقرب إلى موافقة القرآن ولهذا الاعتراض صار بن شهاب الزهري إلى أن الأقراء هي الأطهار قال ولكن لا تنقضي العدة إلا بثلاثة أطهار كاملة ولا تنقضي بطهرين وبعض الثالث وهذا مذهب انفرد به بل اتفق القائلون بالاطهار على أنها تنقضي بقرءين وبعض الثالث حتى لو طلقها وقد بقي من الطهر لحظة يسيرة حسب ذلك قرءا ويكفيها طهران بعده وأجابوا عن الاعتراض بأن الشيئين وبعض الثالث يطلق عليها اسم الجميع قال الله تعالى الحج أشهر معلومات ومعلوم أنه شهران وبعض الثالث وكذا قوله تعالى فمن تعجل في يومين المراد في يوم وبعض الثاني واختلف القائلون بالأطهار متى تنقضي عدتها فالأصح عندنا أنه بمجرد رؤية الدم بعد الطهر الثالث وفي قول لا تنقضي حتى يمضي يوم وليلة والخلاف في مذهب مالك كهو عندنا واختلف القائلون بالحيض أيضا فقال أبو حنيفة وأصحابه حتى تغتسل من الحيضة الثالثة أو يذهب وقت صلاة وقال عمر وعلى وبن مسعود والثوري وزفر وإسحاق وأبو عبيد حتى تغتسل من الثالثة وقال الأوزاعي وآخرون تنقضي بنفس انقطاع الدم وعن إسحاق رواية أنه إذا انقطعت الدم انقطعت الرجعة ولكن لا تحل للأزواج حتى تغتسل احتياطا وخروجا من الخلاف والله أعلم قوله (قال مسلم جود الليث في قوله تطليقة واحدة) يعني أنه حفظ وأتقن قدر الطلاق الذي لم يتقنه غيره ولم يهمله كما أهمله غيره ولا غلط فيه وجعله ثلاثا كما غلط فيه غيره وقد تظاهرت روايات مسلم بأنها طلقة واحدة
قوله صلى الله عليه وسلم (ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا) فيه دلالة لجواز طلاق الحامل التي تبين حملها وهو مذهب الشافعي قال بن المنذر وبه قال أكثر العلماء منهم طاوس والحسن وبن سيرين وربيعة وحماد بن أبي سليمان ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد قال بن المنذر وبه أقول وبه قال بعض المالكية وقال بعضهم هو حرام وحكى بن المنذر رواية أخرى عن الحسن أنه قال طلاق الحامل مكروه ثم مذهب الشافعي ومن وافقه أن له أن يطلق الحامل ثلاثا بلفظ واحد وبألفاظ متصلة وفي أوقات متفرقة وكل ذلك جائز لا بدعة فيه وقال أبو حنيفة وأبو يوسف يجعل بين الطلقتين شهرا وقال مالك وزفر ومحمد بن الحسن لا يوقع عليها أكثر من واحدة حتى تضع قوله (أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك) أما قوله أمرني بهذا فمعناه أمرني بالرجعة وأما قوله أما أنت فقال القاضي عياض رضي الله عنه هذا مشكل قال قيل إنه بفتح الهمزة من أما أي
أما إن كنت فحذفوا الفعل الذي يلي أن وجعلوا ما عوضا من الفعل وفتحوا أن وأدغموا النون في ما وجاؤوا بأنت مكان العلامة في كنت ويدل عليه قوله بعده وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك قوله (لقيت أبا غلاب يونس بن جبير) هو بفتح الغين المعجمة وتشديد اللام وآخره باء موحدة هكذا ضبطناه وكذا ذكره بن ماكولا والجمهور وذكر القاضي عن بعض الرواة تخفيف اللام قوله (وكان ذاثبت) هو بفتح الثاء والباء أي مثبتا قوله (قلت أفحسبت عليه قال فمه أوان عجز واستحمق) معناه أفيرتفع عنه الطلاق وإن عجز واستحمق وهو استفهام إنكار وتقديره نعم تحسب ولا يمتنع احتسابها لعجزه وحماقته قال القاضي أي إن عجز عن الرجعة وفعل فعل الأحمق والقائل لهذا الكلام هو بن عمر صاحب القصة وأعاد الضمير بلفظ الغيبة وقد بينه بعد هذه في رواية أنس بن سيرين قال قلت يعني لابن عمر فاعتددت بتلك التطليقة التي طلقت وهي حائض قال ما لي لا أعتد بها وإن كنت عجزت واستحمقت وجاء في غير مسلم أن بن عمر قال رأيت ان كان بن عمر عجزوا واستحمق فما يمنعه أن يكون طلاقا وأما قوله فمه فيحتمل أن يكون للكف والزجر عن هذا القول أي لا تشك في وقوع الطلاق واجزم بوقوعه وقال القاضي المراد بمه ما فيكون استفهاما أي فما يكون إن لم أحتسب بها ومعناه لا يكون الا الاحتساب
بها فأبدل من الألف هاء كما قالوا في مهما أن أصلها ماما أي أي شيء قوله صلى الله عليه وسلم يطلقها في قبل عدتها هو بضم القاف والباء أي في وقت تستقبل فيه العدة وتشرع فيها وهذا يدل على أن الأقراء هي الأطهار وأنها إذا طلقت في الطهر شرعت في الحال في الأقراء لأن الطلاق المأمور به هو في الطهر لأنها إذا طلقت في الحيض لا يحسب ذلك الحيض قرءا بالإجماع فلا
تستقبل فيه العدة وإنما تستقبلها إذا طلقت في الطهر والله أعلم قوله (عن بن جريج عن بن طاوس عن أبيه أنه سمع بن عمر يسأل عن رجل طلق امرأته إلى آخره) وقال في آخره لم أسمعه يزيد على ذلك لأبيه فقوله لأبيه بالباء الموحدة ثم الياء المثناة من تحت ومعناه أن بن طاوس قال لم أسمعه أي لم أسمع أبي طاوسا يزيد على هذا القدر من الحديث والقائل لأبيه هو
بن جريج وأراد تفسير الضمير في قوله بن طاوس لم أسمعه واللام زائدة فمعناه يعنى أباه ولو قال يعني أباه لكان أوضح قوله (وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم فطلقوهن في قبل عدتهن) هذه قراءة بن عباس وبن عمر وهي شاذة لا تثبت قرآنا بالإجماع ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا وعند محققي الأصوليين والله أعلم
باب طلاق الثلاث