وله صلى الله عليه وسلم (إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) وفي الرواية الأخرى إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات وكره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال قال العلماء الرضى والسخط والكراهة من الله تعالى المراد بها أمره ونهيه وثوابه وعقابه أو ارادته الثوات لبعض العباد)
والعقاب لبعضهم وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه والحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة وعلى السبب وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم ويوصلون بها المتفرق فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور وأما قوله صلى الله عليه وسلم ولا تفرقوا فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتألف بعضهم ببعض وهذه إحدى قواعد الإسلام واعلم أن الثلاثة المرضية احداها أن يعبدوه الثانية أن لا يشركوا به شيئا الثالثة أن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا وأما قيل وقال فهو الخوض في أخبار الناس وحكايات مالا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين أحدهما أنهما فعلان فقيل مبنى لما لم يسم فاعله وقال فعل ماض والثاني أنهما اسمان مجروران منونان لأن القيل والقال والقول والقالة كله بمعنى ومنه قوله ومن أصدق من الله قيلا ومنه قولهم كثر القيل والقال وأما كثرة السؤال فقيل المراد به القطع في المسائل والإكثار من السؤال عما لم يقع ولا تدعو إليه حاجة وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك وكان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف المنهي عنه وفي الصحيح كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وقيل المراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك وقيل يحتمل أن المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان ومالا يعني الإنسان وهذا ضعيف لأنه قد عرف هذا من النهي عن قيل وقال وقيل يحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره فيدخل ذلك في سؤاله عما لا يعنيه ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسؤل فإنه قد لا يؤثر إخباره بأحواله فإن أخبره شق عليه وإن كذبه في الإخبار أو تكلف التعريض لحقته المشقة وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب وأما إضاعة المال فهو صرفه في غير وجوهه الشرعية وتعريضه للتلف وسبب النهي أنه إفساد والله لا يجب المفسدين ولأنه إذا أضاع ماله تعرض لما في أيدي الناس وأما عقوق الأمهات فحرام وهو من الكبائر بإجماع العلماء وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على عده من الكبائر وكذلك عقوق الآباء من الكبائر وإنما
اقتصر هنا على الأمهات لأن حرمتهن آكد من حرمة الآباء ولهذا قال صلى الله عليه وسلم حين قال له السائل من أبر قال أمك ثم أمك ثلاثا ثم قال في الرابعة ثم أباك ولأن أكثر العقوق يقع للأمهات ويطمع الأولاد فيهن وقد سبق بيان حقيقة العقوق وما يتعلق به في كتاب الإيمان وأما وأد البنات بالهمز فهو دفنهن في حياتهن فيمتن تحت التراب وهو من الكبائر الموبقات لأنه قتل نفس بغير حق ويتضمن أيضا قطيعة الرحم وإنما اقتصر على البنات لأنه المعتاد الذي كانت الجاهلية تفعله وأما قوله ومنعا وهات وفي الرواية الأخرى ولا وهات فهو بكسر التاء من هات ومعنى الحديث أنه نهى أن يمنع الرجل ما توجه عليه من الحقوق أو يطلب مالا يستحقه وفي قوله صلى الله عليه وسلم حرم ثلاثا وكره ثلاثا دليل على أن الكراهة في هذه الثلاثة الأخيرة للتنزيه لا للتحريم والله أعلم