Justice CouncilHadith commentaries

al-Minhaj Sharh Sahih Muslim on Sahih Muslim 1775

المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج — أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)

al-Nawawi (d. 676 AH) Printed edition: vol. 12, p. 112 The hadith: muslim:4612 muslim:4613 muslim:4614

(باب غزوة حنين حنين واد بين مكة والطائف وراء عرفات

قوله (قال بن عباس شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه) أبو سفيان هذا هو بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جماعة من العلماء اسمه هو كنيته وقال آخرون اسمه المغيرة وممن قاله هشام بن الكلبي وإبراهيم بن المنذر والزبير بن بكار وغيرهم وفي هذا عطف الأقارب بعضهم على بعض عند الشدائد وذب بعضهم عن بعض قوله (ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي) أما قوله بغلة بيضاء فكذا قال في هذه الرواية ورواية أخرى بعدها إنها بغلة بيضاء وقال في آخر الباب على بغلته الشهباء وهي واحدة قال العلماء لا يعرف له صلى الله عليه وسلم بغلة سواها وهي التي يقال لها دلدل وأما قوله أهداها له فروة بن نفاثة فهو بنون مضمومة ثم فاء مخففة ثم ألف ثم ثاء مثلثة وفي الرواية التي بعدها رواية إسحاق بن إبراهيم قال فروة بن نعامة بالعين والميم)

والصحيح المعروف الأول قال القاضي واختلفوا في إسلامه فقال الطبري أسلم وعمر عمرا طويلا وقال غيرهم لم يسلم وفي صحيح البخاري أن الذي أهداها له ملك أيلة واسم ملك أيله فيما ذكره بن إسحاق يحنة بن روبة والله أعلم فإن قيل ففي هذا الحديث قبوله صلى الله عليه وسلم هدية الكافر وفي الحديث الآخر هدايا العمال غلول مع حديث بن اللتبية عامل الصدقات وفي الحديث الآخر أنه رد بعض هدايا المشركين وقال إنا لا نقبل زبد المشركين أي رفدهم فكيف يجمع بين هذه الأحاديث قال القاضي رضي الله تعالى عنه قال بعض العلماء إن هذه الأحاديث ناسخة لقبول الهدية قال وقال الجمهور لا نسخ بل سبب القبول أن النبي صلى الله عليه وسلم مخصوص بالفيء الحاصل بلا قتال بخلاف غيره فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ممن طمع في إسلامه وتأليفه لمصلحة يرجوها للمسلمين وكافأ بعضهم ورد هدية من لم يطمع في إسلامه ولم يكن في قبولها مصلحة لأن الهدية توجب المحبة والمودة وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم من العمال والولاة فلا يحل له قبولها لنفسه عند جمهور العلماء فإن قبلها كانت فيئا للمسلمين فإنه لم يهدها إليه إلا لكونه إمامهم وإن كانت من قوم هو محاصرهم فهي غنيمة قال القاضي وهذا قول الأوزاعي ومحمد بن الحسن وبن القاسم وبن حبيب وحكاه بن حبيب عمن لقيه من أهل العلم وقال آخرون هي للإمام خالصة به قال أبو يوسف وأشهب وسحنون وقال الطبري إنما رد النبي صلى الله عليه وسلم من هدايا المشركين ما علم أنه أهدي له في خاصة نفسه وقيل ما كان خلاف ذلك مما فيه استئلاف المسلمين قال ولا يصح قول من ادعى النسخ قال وحكم الأئمة بعد إجراؤها مجرى مال الكفار من الفيء أو الغنيمة بحسب اختلاف الحال وهذا معنى هدايا العمال غلول أي إذا خصوا بها أنفسهم لأنها لجماعة المسلمين بحكم الفيء والغنيمة قال القاضي وقيل إنما قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا كفار أهل الكتاب ممن كان على النصرانية كالمقوقس وملوك الشام فلا معارضة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل زبد المشركين وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم بخلاف المشركين عبدة الأوثان هذا آخر كلام القاضي عياض وقال أصحابنا متى أخذ القاضي أو العامل هدية محرمة لزمه ردها إلى مهديها فإن لم يعرفه وجب عليه أن يجعلها في بيت المال والله أعلم قوله (ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء) قال العلماء ركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد الناس هو النهاية في الشجاعة والثبات

ولأنه أيضا يكون معتمدا يرجع المسلمون إليه وتطمئن قلوبهم به وبمكانه وإنما فعل هذا عمدا وإلا فقد كانت له صلى الله عليه وسلم أفراس معروفة ومما ذكره في هذا الحديث من شجاعته صلى الله عليه وسلم تقدمه يركض بغلته إلى جمع المشركين وقد فر الناس عنه وفي الرواية الأخرى أنه نزل إلى الأرض حين غشوه وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر وقيل فعل ذلك مواساة لمن كان نازلا على الأرض من المسلمين وقد أخبرت الصحابة رضي الله تعالى عنهم بشجاعته صلى الله عليه وسلم في جميع المواطن وفي صحيح مسلم قال إن الشجاع منا الذي يحاذي به وإنهم كانوا يتقون به قوله صلى الله عليه وسلم (أي عباس ناد أصحاب السمرة) هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان ومعناه ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية قوله (فقال عباس وكان رجلا صيتا) ذكر الحازمي في المؤتلف أن العباس رضي الله تعالى عنه كان يقف على سلع فينادي غلمانه في آخر الليل وهم في الغابة فيسمعهم قال وبين سلع والغابة ثمانية أميال قوله (فو الله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا يا لبيك يا لبيك) قال العلماء في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدا وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة ورشقهم بالسهام ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه وممن يتربص بالمسلمين الدوائر وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة فتقدم إخفاؤهم فلما رشقوهم بالنبل ولوا فانقلبت أولاهم على أخراهم إلى أن أنزل الله تعالى سكينته على المؤمنين كما ذكر

الله تعالى في القرآن قوله فاقتتلوا والكفار هكذا هو في النسخ وهو بنصب الكفار أي مع الكفار قوله (والدعوة في الأنصار) هي بفتح الدال يعني الاستغاثة والمناداة إليهم قوله صلى الله عليه وسلم (هذا حين حمي الوطيس) هو بفتح الواو وكسر الطاء المهملة وبالسين المهملة قال الأكثرون هو شبه التنور يسجر فيه ويضرب مثلا لشدة الحرب التي يشبه حرها حره وقد قال آخرون الوطيس هو التنور نفسه وقال الأصمعي هي حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها فيقال الآن حمي الوطيس وقيل هو الضرب في الحرب وقيل هو الحرب الذي يطيس الناس أي يدقهم قالوا وهذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه الذي لم يسمع من أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم قوله (فرماهم بالحصيات ثم قال انهزموا ورب محمد فما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا) هذا فيه معجزتان ظاهرتان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إحداهما فعلية والأخرى خبرية فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر بهزيمتهم ورماهم بالحصيات فولوا مدبرين وذكر مسلم في الرواية الأخرى في آخر هذا الباب أنه صلى الله عليه وسلم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل بها وجوههم فقال شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة وهذا أيضا فيه معجزتان خبرية وفعلية ويحتمل أنه أخذ قبضة من حصى وقبضة من تراب فرمى بذا مرة وبذا مرة ويحتمل أنه أخذ قبضة واحدة

مخلوطة من حصى وتراب قوله (فما زلت أرى حدهم كليلا) هو بفتح الحاء المهملة أي ما زلت أرى قوتهم ضعيفة