قوله (عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يسأل عن الورود فقال نجئ نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أي ذلك فوق الناس قال فتدعى الأمم بأوثانها إلى آخره) هكذا وقع هذا اللفظ في جميع الأصول من صحيح مسلم واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيف وتغيير واختلاط في اللفظ قال الحافظ عبد الحق
في كتابه الجمع بين الصحيحين هذا الذي وقع في كتاب مسلم تخليط من أحد الناسخين أو كيف كان وقال القاضي عياض هذه صورة الحديث في جميع النسخ وفيه تغيير كثير وتصحيف قال وصوابه نجئ يوم القيامة على كوم هكذا رواه بعض أهل الحديث وفي كتاب بن أبي خيثمة من طريق كعب بن مالك يحشر الناس يوم القيامة على تل وأمتي على تل وذكر الطبري في التفسير من حديث بن عمر فيرقى هو يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته على كوم فوق الناس وذكر من حديث كعب بن مالك يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل قال القاضي فهذا كله يبين ما تغير من الحديث وأنه كان أظلم هذا الحرف على الراوي أو أمحي فعبر عنه بكذا وكذا وفسره بقوله أي فوق الناس وكتب عليه انظر تنبيها فجمع النقلة الكل ونسقوه على أنه من متن الحديث كما تراه هذا كلام القاضي وقد تابعه عليه جماعة من المتأخرين والله أعلم قال القاضي ثم إن هذا الحديث جاء كله من كلام جابر موقوفا عليه وليس هذا من شرط مسلم إذ ليس فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ذكره مسلم وأدخله في المسند لأنه روي مسندا من غير هذا الطريق فذكر بن أبي خيثمة عن بن جريج يرفعه بعد قوله يضحك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فينطلق بهم وقد نبه على هذا مسلم بعد هذا في حديث بن أبي شيبة وغيره في الشفاعة وإخراج من يخرج من النار وذكر إسناده وسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى بعض ما في هذا الحديث والله أعلم وأما قوله (فيتجلى لهم يضحك فينطلق بهم ويتبعونه) فتقدم بيانهما في أوائل الكتاب وكذلك تقدم قريبا معنى الضحك وأما التجلي فهو الظهور وإزالة المانع من الرؤية ومعنى يتجلى يضحك أي يظهر وهو راض عنهم
قوله (ثم يطفأ نور المنافقين) روي بفتح الياء وضمها وهما صحيحان معناهما ظاهر قوله (ثم ينجو المؤمنون) هكذا هو في كثير من الأصول وفي أكثرها المؤمنين بالياء قوله (أول زمرة) أي جماعة قوله (حتى ينبتوا نبات الشئ في السيل ويذهب حراقه ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها) هكذا هو في جميع الاصول ببلادنا نبات الشئ وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين وعن بعض رواة مسلم نبات الدمن يعني بكسر الدال وإسكان الميم وهذه الرواية هي الموجودة في الجمع بين الصحيحين لعبد الحق وكلاهما صحيح لكن الأول هو المشهور الظاهر وهو بمعنى الروايات السابقة نبات الحبة في حميل السيل وأما نبات الدمن فمعناها أيضا كذلك فإن الدمن البعر والتقدير نبات ذي الدمن في السيل أى كما ينبت الشئ الحاصل في البعر والغثاء الموجود في أطراف النهر والمراد التشبيه به في السرعة والنضارة وقد أشار صاحب المطالع إلى تصحيح هذه الرواية ولكن لم ينقح الكلام في تحقيقها بل قال عندي أنها رواية صحيحة ومعناه سرعة نبات الدمن مع ضعف ما ينبت فيه وحسن منظره والله أعلم وأما قوله (ويذهب حراقه) فهو بضم الحاء المهملة وتخفيف الراء والضمير في حراقه يعود على المخرج من النار وعليه يعود الضمير في قوله
ثم يسأل ومعنى حراقه أثر النار والله أعلم قوله (حدثني يزيد الفقير) هو يزيد بن صهيب الكوفي ثم المكي أبو عثمان قيل له الفقير لأنه أصيب في فقار ظهره فكان يألم منه حتى ينحني له قوله صلى الله عليه وسلم (إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة) هكذا هو في الأصول حتى يدخلون بالنون وهو صحيح وهي لغة سبق بيانها وأما دارات الوجوه فهي جمع دارة وهي ما يحيط بالوجه من جوانبه ومعناه أن النار لا تأكل دارة الوجه لكونها محل السجود ووقع هنا إلا دارات الوجوه وسبق في الحديث الآخر إلا مواضع السجود وسبق هناك الجمع بينهما والله أعلم قوله (كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج) هكذا هو في الأصول والروايات شغفني بالغين المعجمة وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى أنه روي بالعين المهملة وهما متقاربان ومعناه لصق بشغاف قلبي وهو غلافه وأما رأي الخوارج فهو ما قدمناه مرات أنهم يرون أن أصحاب الكبائر يخلدون في النار ولا يخرج منها من دخلها قوله (فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس) معناه خرجنا من بلادنا ونحن جماعة كثيرة
لنحج ثم نخرج على الناس مظهرين مذهب الخوارج وندعوا إليه ونحث عليه قوله (غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار) زعم هنا بمعنى قال وقد تقدم في أول الكتاب إيضاحها ونقل كلام الأئمة فيها والله أعلم قوله (فيخرجون كأنهم عيدان السماسم) هو بالسينين المهملتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وهو جمع سمسم وهو هذا السمسم المعروف الذي يستخرج منه الشيرج قال الإمام أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير رحمه الله تعالى معناه والله أعلم أن السماسم جمع سمسم وعيدانه تراها إذا قلعت وتركت في الشمس ليؤخذ حبها دقاقا سودا كأنها محترقة فشبه بها هؤلاء قال وطالما طلبت هذه اللفظة وسألت عنها فلم أجد فيها شافيا قال وما أشبه أن تكون اللفظة محرفة وربما كانت عيدان الساسم وهو خشب أسود كالآبنوس هذا كلام أبي السعادات والساسم الذي ذكره هو بحذف الميم وفتح السين الثانية كذا قاله الجوهري وغيره وأما القاضي عياض فقال لا يعرف معنى السماسم هنا قال ولعله صوابه عيدان الساسم وهو أشبه وهو عود أسود وقيل هو الآبنوس وأما صاحب المطالع فقال قال بعضهم السماسم كل نبت ضعيف كالسمسم والكزبرة وقال آخرون لعله السأسم مهموز وهو الآبنوس شبههم به في سواده فهذا
مختصر ما قالوه فيه والمختار أنه السمسم كما قدمناه على ما بينه أبو السعادات والله أعلم واعلم أنه وقع في كثير من الأصول والكتب كأنها عيدان السماسم بألف بعد الهاء والصحيح الموجود في معظم الأصول والكتب كأنهم بميم بعد الهاء وللأول أيضا وجه وهو أن يكون الضمير في كأنها عائد على الصور أي كأن صورهم عيدان السماسم والله أعلم قوله (فيخرجون كأنهم القراطيس) القراطيس جمع قرطاس بكسر القاف وضمها لغتان وهو الصحيفة التي يكتب فيها شبههم بالقراطيس لشدة بياضهم بعد اغتسالهم وزوال ما كان عليهم من السواد والله أعلم قوله (فقلنا ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني بالشيخ جابر بن عبد الله رضي الله عنه وهو استفهام إنكار وجحد أي لا يظن به الكذب بلا شك قوله (فرجعنا فلا والله ماخرج منا غير رجل واحد) معناه رجعنا من حجنا ولم نتعرض لرأي الخوارج بل كففنا عنه وتبنا منه إلا رجلا منا فإنه لم يوافقنا في الانكفاف عنه قوله (أو كما قال أبو نعيم) المراد بأبي نعيم الفضل بن دكين بضم الدال المهملة المذكور في أول الإسناد وهو شيخ شيخ مسلم وهذا الذي فعله أدب معروف من آداب الرواة وهو أنه ينبغي للراوي إذا روى بالمعنى أن يقول عقب روايته أو كما قال احتياطا وخوفا من تغيير حصل