قوله (عن الأعمش عن خيثمة عن أبي حذيفة رضي الله عنه قال كنا اذاحضرنا مع النبي صلى الله عليه
وسلم طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده إلى آخره) هذا الإسناد فيه ثلاثة تابعيون كوفيون بعضهم عن بعض الأعمش عن خيثمة وهو خيثمة بن عبد الرحمن العبد الصالح وأبوحذيفة واسمه سلمة بن صهيب وقيل بن صهيبة وقيل بن صهبان وقيل بن صهبة وقيل بن صهيبة الهمداني الأرحبي بالحاء المهملة وبالموحدة وقوله (لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم) فيه بيان هذا الأدب وهو أنه يبدأ الكبير والفاضل في غسل اليد للطعام وفي الأكل قوله فجاءت جارية كأنها تدفع) وفي الرواية الأخرى كأنها تطرد يعني لشدة سرعتها فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها فجاءبهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها ثم زاد في الرواية الأخرى في آخر الحديث ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل في هذا الحديث فوائد منها جواز الحلف من غير استحلاف وقد تقدم بيانه مرات وتفصيل الحال في استحبابه وكراهته ومنها استحباب التسمية في ابتداء الطعام وهذا مجمع عليه وهذا يستحب حمدالله تعالى في آخره كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وكذا تستحب التسمية في أول الشراب بل في أول كل أمر ذي بال كما ذكرنا قريبا قال العلماء ويستحب أن يجهر بالتسمية ليسمع غيره وينبهه عليها ولو ترك التسمية في أول الطعام عامدا أو ناسيا أو جاهلا أومكرها أو عاجزا لعارض آخر ثم تمكن في أثناء أكله منها يستحب أن يسمي ويقول بسم الله أوله وآخره لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أكل
أحدكم فليذكر اسم الله فإن نسي أن يذكر الله في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره رواه أبوداود والترمذي وغيرهما قال الترمذي حديث حسن صحيح والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات كالتسمية على الطعام في كل ما ذكرناه وتحصل التسمية بقوله بسم الله فإن قال بسم الله الرحمن الرحيم كان حسنا وسواء في استحباب التسمية الجنب والحائض وغيرهما وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين فإن سمى واحد منهم حصل أصل السنة نص عليه الشافعي رضي الله عنه ويستدل له بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليه ولأن المقصود يحصل بواحد ويؤيده أيضا ما سيأتي في حديث الذكر عند دخول البيت وقد أوضحت هذه المسائل وما يتعلق بها في كتاب أذكار الطعام والله أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم (إن يده في يدي مع يدها) هكذا هو في معظم الأصول يدها وفي بعضها يدهما فهذا ظاهر والتثنية تعود إلى الجارية والأعرابي ومعناه أن يدي في يد الشيطان مع يد الجارية والأعرابي وأما على رواية يدها بالإفراد فيعود الضمير على الجارية وقد حكى القاضي عياض رضي الله عنه أن الوجه التثنية والظاهر أن رواية الإفراد أيضا مستقيمة فان إثبات يدها لاينفى يد الأعرابي وإذا صحت الرواية بالإفراد وجب قبولها وتأويلها على ما ذكرناه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (إن الشيطان يستحل الطعام أن لايذكر اسم الله تعالى عليه) معنى يستحل يتمكن من أكله ومعناه أنه يتمكن من
أكل الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله تعالى وأما إذا لم يشرع فيه أحد فلايتمكن وإن كان جماعة فذكر اسم الله بعضهم دون بعض لم يتمكن منه ثم الصواب الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين أن هذا الحديث وشبهه من الأحاديث الواردة في أكل الشيطان محمولة على ظواهرها وأن الشيطان يأكل حقيقة إذ العقل لايحيله والشرع لم ينكره بل أثبته فوجب قبوله واعتقاده والله أعلم قوله في الرواية الثانية وقدم مجئ الأعرابى قبل مجئ الجارية عكس الرواية الأولى والثالثة كالأولى ووجه الجمع بينهما أن المراد بقوله في الثانية قدم مجئ الأعرابي أنه قدمه في اللفظ بغير حرف ترتيب فذكره بالواو فقال جاء أعرابي وجاءت جارية والواو لاتقتضى ترتيبا وأما الرواية الأولى فصريحة في الترتيب وتقديم الجارية لأنه قال ثم جاء أعرابي وثم للترتيب فيتعين حمل الثانية على الأولى ويبعد حمله على واقعتين