قوله صلى الله عليه وسلم (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس) هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم فليذهب بثلاثة ووقع في صحيح البخاري فليذهب بثلاث قال القاضي هذا الذي ذكره البخاري هو الصواب وهو الموافق لسياق باقي الحديث قلت وللذي في مسلم أيضا وجه وهو محمول على موافقة البخاري وتقديره فليذهب بمن يتم ثلاثة أو بتمام ثلاثة كما قال الله تعالى وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام أي في تمام أربعة وسبق في كتاب الجنائز إيضاح هذا وذكر نظائره وفي هذا الحديث فضيلة الإيثار والمواساة وأنه إذا حضر ضيفان كثيرون فينبغي للجماعة أن يتوزعوهم ويأخذ كل واحد منهم من يحتمله وأنه ينبغي لكبير القوم أن يأمر أصحابه بذلك ويأخذ هو من يمكنه قوله (وإن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة) هذا مبين لما كان عليه النبي
صلى الله عليه وسلم من الأخذ بأفضل الأمور والسبق إلى السخاء والجود فإن عيال النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قريبا من عدد ضيفانه هذه الليلة فأتى بنصف طعامه أونحوه وأتى أبو بكر رضي الله عنه بثلث طعامه أو أكثر وأتى الباقون بدون ذلك والله أعلم قوله (فإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صليت العشاء ثم رجع فلبث حتى نعس رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء) قوله نعس بفتح العين وفي هذا جواز ذهاب من عنده ضيفان إلى أشغاله ومصالحه إذا كان له من يقوم بأمورهم ويسد مسده كما كان لأبي بكر هنا عبد الرحمن رضي الله عنهما وفيه ما كان عليه أبو بكر رضي الله عنه من الحب للنبي صلى الله عليه وسلم والانقطاع إليه وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأولاد والضيفان وغيرهم قوله (في الأضياف إنهم امتنعوا من الأكل حتى يحضر أبوبكر رضي الله عنه) هذا فعلوه أدبا ورفقا بأبي بكر فيما ظنوه لأنهم ظنوا أنه لايحصل له عشاءمن عشائهم قال العلماء والصواب للضيف أن لايمتنع مما أراده المضيف من تعجيل طعام وتكثيره وغير ذلك من أموره الاأن يعلم أنه يتكلف ما يشق عليه حياءمنه فيمنعه برفق ومتى شك لم يعترض عليه ولم يمتنع فقد يكون للمضيف عذر أو غرض فى ذلك لايمكنه إظهاره فتلحقه المشقة بمخالفة الأضياف كما جرى في قصة أبي بكر رضي الله عنه قوله (عن عبد الرحمن فذهبت فاختبأت وقال يا غنثر فجدع وسب) أما اختباؤه فخوفا من خصام أبيه
له وشتمه إياه وقوله فجدع أي دعا بالجدع وهو قطع الأنف وغيره من الأعضاء والسب الشتم وقوله يا غنثر بغين معجمة مضمومة ثم نون ساكنة ثم ثاء مثلثة مفتوحة ومضمومة لغتان هذه هي الرواية المشهورة في ضبطه قالوا وهو الثقيل الوخم وقيل هو الجاهل مأخوذ من الغثارة بفتح الغين المعجمة وهي الجهل والنون فيه زائدة وقيل هو السفيه وقيل هو ذباب أزرق وقيل هو اللئيم مأخوذ من الغثر وهو اللؤم وحكى القاضي عن بعض الشيوخ أنه قال إنما هو غنثر بفتح الغين والثاء ورواه الخطابي وطائفة عنتر بعين مهملة وتاء مثناة مفتوحتين قالوا وهو الذباب وقيل هو الأزرق منه شبهه به تحقيرا له قوله (كلوا لاهنيئا) إنما قاله لما حصل له من الحرج والغيظ بتركهم العشاء بسببه وقيل إنه ليس بدعاء انما أخبرأى لم تتهنأوا به فى وقته قوله (والله لاأطعمه أبدا) وذكر في الرواية الأخرى في الأضياف قالوا والله لانطعمه حتى تطعمه ثم أكل وأكلوا فيه أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرامنها فعل ذلك وكفر عن يمينه كما جاءت به الأحاديث الصحيحة وفيه حمل المضيف المشقة على نفسه في إكرام ضيفانه وإذا تعارض حنثه وحنثهم حنث نفسه لأن حقهم عليه آكد وهذا الحديث الأول مختصر توضحه الرواية الثانية وتبين ما حذف منه وما هو مقدم أو مؤخر قوله (ما كنا نأخذ من لقمة الاربا من أسفلها أكثر منها وأنهم أكلوا منها حتى شبعوا وصارت بعد ذلك أكثر مما كانت بثلاث مرارثم حملوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكل منها الخلق الكثير) فقوله الاربا من أسفلها أكثر ضبطوه بالباء الموحدة وبالثاء المثلثة هذا الحديث فيه كرامة ظاهرة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وفيه إثبات كرامات الأولياء وهو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة قوله (فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر) وقوله (لهي الآن أكثر منها) ضبطوهما أيضا بالباء الموحدة وبالثاء المثلثة قولها (لاوقرة عيني لهي الآن أكثر منها) قال أهل اللغة قرة العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان ويوافقه قيل إنما قيل ذلك لأن
عينه تقر لبلوغهأمنيته فلا يستشرف لشيء فيكون مأخوذا من القرار وقيل ماخوذ من القر بالضم وهو البردأى عينه باردة لسرورها وعدم مقلقها قال الأصمعي وغيره أقر الله عينه أي أبرد دمعته لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة ولهذا يقال في ضده أسخن الله عينه قال صاحب المطالع قال الداودي أرادت بقرة عينها النبي صلى الله عليه وسلم فأقسمت به ولفظة لافى قولها لاوقرة عيني زائدة ولها نظائر مشهورة ويحتمل أنها نافية وفيه محذوف أي لا شيء غير ما أقول وهو وقرة عيني لهي أكثر منها قوله (ياأخت بني فراس) هذا خطاب من أبي بكر لامرأته أم رومان ومعناه يامن هي من بني فراس قال القاضي فراس هو بن غنم بن مالك بن كنانة ولاخلاف في نسب أم رومان إلى غنم بن مالك واختلفوا في كيفية انتسابها إلى غنم اختلافا كثيرا واختلفوا هل هي من بني فراس بن غنم أم من بني الحارث بن غنم وهذا الحديث الصحيح كونها من بني فراس بن غنم قوله (فعرفنا اثنا عشر رجلا مع كل رجل منهم أناس) هكذا هو في معظم النسخ فعرفنا بالعين وتشديد الراء أي جعلنا عرفاء وفي كثير من النسخ ففرقنا بالفاء المكررة في أوله بقاف من التفريق أي جعل كل رجل من الاثني عشر مع فرقة فهما صحيحان ولم يذكر القاضي هنا غير الأول وفي هذا الحديث دليل لجواز تفريق العرفاء على العساكر ونحوها وفي سنن أبي داود العرافة حق لما فيه من مصلحة الناس وليتيسر ضبط الجيوش ونحوها على الإمام باتخاذ العرفاء وأما الحديث الآخر العرفاء في النار فمحمول على العرفاء المقصرين فى ولايتهم المرتكبين فيها مالايجوز كما هو معتاد لكثير منهم قوله فعرفنا اثناعشر رجلا مع كل واحد منهم أناس هكذا هو في معظم النسخ وفي نادر منها اثني عشر وكلاهما صحيح والأول جار على لغة من جعل المثنى بالألف في الرفع والنصب والجر وهي لغة أربع
قبائل من العرب ومنها قوله تعالى إن هذان لساحران وغير ذلك وقد سبقت المسألة مرات قوله (افرغ من أضيافك) أي عشهم وقم بحقهم قوله (جئناهم بقراهم) هو بكسر القاف مقصور وهو ما يصنع للضيف من مأكول ومشروب قوله (حتى يجيء أبو منزلنا) أي صاحبه قوله (إنه رجل حديد) أي فيه قوة وصلابة ويغضب لانتهاك الحرمات والتقصير في حق ضيفه ونحو ذلك قوله (ما لكم ألا تقبلوا منا قراكم) قال القاضي عياض قوله ألاهو بتخفيف اللام على التحضيض واستفتاح الكلام هكذا رواه الجمهور قال ورواه بعضهم بالتشديد ومعناه مالكم لا تقبلوا قراكم وأي شيء منعكم ذلك وأحوجكم إلى تركه قوله (أما الأولى فمن الشيطان
يعني يمينه قال القاضي وقيل معناه اللقمة الأولى فلقمع الشيطان وإرغامه ومخالفته في مراده باليمين وهو إيقاع الوحشة بينه وبين أضيافه فأخزاه أبوبكر بالحنث الذي هو خير قوله (قال أبو بكر يا رسول الله بروا وحنثت فقال بل أنت أبرهم وأخيرهم قال ولم تبلغني كفارة) معناه بروا في أيمانهم وحنثت في يميني فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أنت أبرهم أي أكثرهم طاعة وخير منهم لأنك حنثت في يمينك حنثا مندوبا إليه محثوثا عليه فأنت أفضل منهم قوله (وأخيرهم هكذا هو في جميع النسخ وأخيرهم بالألف وهي لغة سبق بيانها مرات وأما قوله (ولم تبلغني كفارة) يعني لم يبلغني أنه كفر قبل الحنث فأما وجوب الكفارة فلا خلاف فيه لقوله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه وهذا نص في عين المسألة مع عموم قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته اطعام إلخ
(باب فضيلة المواساة في الطعام القليل وأن طعام
الاثنين يكفي الثلاثة ونحو ذلك)