(عرضت علي الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) فيه
أن الجنة والنار مخلوقتان وقد سبق شرح عرضهما ومعنى الحديث لم أر خيرا أكثر مما رأيته اليوم في الجنة ولا شرا أكثر مما رأيته اليوم في النار ولو رأيتم ما رأيت وعلمتم ما علمت مما رأيته اليوم وقبل اليوم لأشفقتم إشفاقا بليغا ولقل ضحككم وكثر بكاؤكم وفيه دليل على أنه لا كراهة في استعمال لفظة لو في مثل هذا والله أعلم قوله (غطوا رؤسهم ولهم خنين) هو بالخاء المعجمة هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم الرواة ولبعضهم بالحاء المهملة وممن ذكر الوجهين القاضي وصاحب التحرير وآخرون قالوا ومعناه بالمعجمة صوت البكاء وهو نوع من البكاء دون الانتحاب قالوا وأصل الخنين خروج الصوت من الأنف كالحنين بالمهملة من الفم وقال الخليل هو
صوت فيه غنة وقال الأصمعي إذا تردد بكاؤه فصار في كونه غنة فهو خنين وقال أبو زيد الخنين مثل الحنين وهو شديد البكاء قوله (فلما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول سلوني برك عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك) قال العلماء هذا القول منه صلى الله عليه وسلم محمول على أنه أوحي إليه وإلا فلا يعلم كل ما سئل عنه من المغيبات إلا بإعلام الله تعالى قال القاضي وظاهر الحديث أن قوله صلى الله عليه وسلم سلوني إنما كان غضبا كما قال في الرواية الأخرى سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها فلما أكثر عليه غضب ثم قال للناس سلوني وكان اختياره صلى الله عليه وسلم ترك تلك المسائل لكن وافقهم في جوابها لأنه لا يمكن رد السؤال ولما رآه من حرصهم عليها والله أعلم وأما بروك عمر رضي الله عنه وقوله فإنما فعله أدبا وإكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشفقة على المسلمين لئلا يؤذوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهلكوا ومعنى كلامه رضينا بما عندنا من كتاب الله تعالى وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واكتفينا به عن السؤال ففيه أبلغ كفاية قولهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى والذي نفس محمد بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط أما لفظة أولى فهي تهديد ووعيد وقيل كلمة تلهف فعلى هذا يستعملها من نجا من أمر عظيم والصحيح المشهور أنها للتهديد ومعناها قرب منكم ما تكرهونه ومنه قوله
تعالى أولى لك فأولى أي قاربك ما تكره فاحذره مأخوذ من الولي وهو القرب وأما آنفا فمعناه قريبا الساعة والمشهور فيه المد ويقال بالقصر وقرئ بهما في السبع الاكثرون بالمد وعرض الحائط بضم العين جانبه قوله (إن أم عبد الله بن حذافة قالت له أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس فقال ابنها والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته) اما قولها قارفت فمعناه عملت سوءا والمراد الزنى والجاهلية هم من قبل النبوة سموا به لكثرة جهالاتهم وكان سبب سؤاله أن بعض الناس كان يطعن في نسبه على عادة الجاهلية من الطعن في الأنساب وقد بين هذا في الحديث الآخر بقوله كان يلاحى فيدعى لغير أبيه والملاحاة المخاصمة والسباب وقولها فتفضحها معناه لو كنت من زنا فنفاك عن أبيك حذافة فضحتني وأما قوله لو ألحقني بعبد للحقته فقد يقال هذا لا يتصور لان الزنى لا يثبت به النسب ويجاب عنه بأنه يحتمل وجهين احدهما أن بن حذافة ما كان بلغه هذا الحكم وكان يظن ان ولد الزنى يلحق الزاني وقد خفي هذا على أكبر منه وهو سعد بن أبي وقاص حين خاصم في بن وليدة زمعة فظن انه يلحق أخاه بالزنى والثاني أنه يتصور الإلحاق بعد وطئها بشبهة فيثبت النسب منه والله أعلم قوله (حدثنا يوسف بن حماد المعني
هو بكسر النون وتشديد الياء قال السمعاني منسوب إلى معن بن زائدة وهذا الإسناد كله بصريون قوله (أحفوه بالمسألة) أي أكثروا في الالحاح والمبالغة فيه يقال أحفى وألحف وألح بمعنى قوله (فلما سمع ذلك القوم أرموا) هو بفتح الراء وتشديد الميم المضمومة أي سكتوا وأصله من المرمة وهي الشفة أي ضموا شفاههم بعضها على بعض فلم يتكلموا ومنه رمت الشاة الحشيش ضمته بشفتيها قوله (أنشأ رجل ثم أنشأ عمر) قال أهل اللغة معناه ابتدأ ومنه أنشأ الله الخلق أي ابتدأهم
(باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله
عليه وسلم)
من معايش الدنيا على سبيل الرأي فيه حديث ابار النخل وأنه صلى الله عليه وسلم قال