Justice CouncilHadith commentaries

al-Minhaj Sharh Sahih Muslim on Sahih Muslim 2380

المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج — أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)

al-Nawawi (d. 676 AH) Printed edition: vol. 15, p. 135 The hadith: muslim:6163 muslim:6164 muslim:6165 muslim:6166 muslim:6167 muslim:6168

(باب من فضائل الخضر صلى الله عليه وسلم)

(إن نوفا البكالي) هكذا ضبطه الجمهور بكسر الموحدة وتخفيف الكاف ورواه بعضهم بفتحها وتشديد الكاف قال القاضي هذا الثاني هو ضبط أكثر الشيوخ وأصحاب الحديث قال والصواب الأول وهو قول المحققين وهو منسوب إلى بني بكال بطن من حمير وقيل من همدان ونوف هذا هوابن فضالة كذا قاله بن دريد وغيره

وهو بن امرأة كعب الاحبار وقيل بن اخيه والمشهور الاول قاله بن أبي حاتم وغيره قالوا وكنيته أبو يزيد وقيل أبو رشد وكان عالما حكيما قاضيا وإماما لأهل دمشق قوله (كذب عدو الله) قال العلماء هو على وجه الإغلاظ والزجر عن مثل قوله لا أنه يعتقد أنه عدو الله حقيقة إنما قاله مبالغة في إنكار قوله لمخالفته قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك في حال غضب بن عباس لشدة إنكاره وحال الغضب تطلق الألفاظ ولا تراد بها حقائقها والله أعلم قوله (أنا أعلم) أي في اعتقاده وإلا فكان الخضر أعلم منه كما صرح به في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) أي كان حقه أن يقول الله أعلم فان مخلوقات الله تعالى لا يعلمها الاهو قال الله تعالى وما يعلم جنود ربك الا هو واستدل العلماء بسؤال موسى السبيل إلى لقاء الخضر صلى الله عليهما وسلم على استحباب الاستكثار منه وأنه يستحب للعالم وإن كان من العلم بمحل عظيم أن يأخذه ممن هو أعلم منه ويسعى إليه في تحصيله وفيه فضيلة طلب العلم وفي تزوده الحوت وغيره جواز التزود في السفر وفي هذا الحديث الأدب مع العالم وحرمة المشايخ وترك الاعتراض عليهم وتأويل ما لا يفهم ظاهره من أفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والوفاء بعهودهم والاعتذار عند مخالفة عهدهم وفيه إثبات كرامات الأولياء على قول من يقول الخضر ولي وفيه جواز سؤال الطعام عند الحاجة وجواز إجارة السفينة وجواز ركوب السفينة والدابة وسكنى الدار ولبس الثوب ونحو ذلك بغير أجرة برضى صاحبه لقوله حملونا بغير نول وفيه الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه لإنكار موسى قال القاضي واختلف العلماء في قول موسى لقد جئت شيئا إمرا وشيئا نكرا أيهما أشد فقيل إمرا لأنه العظيم ولأنه في مقابلة خرق السفينة الذي يترتب عليه في العادة هلاك الذي فيها وأموالهم وهو أعظم من قتل الغلام فإنها نفس واحد وقيل نكرا اشد لانه قاله عند مباشرة القتل حقيقة وأما القتل في خرق السفينة فمظنون وقد يسلمون في العادةوقد سلموا في هذه القضية وليس

فيه ما هو محقق إلا مجرد الخرق والله أعلم قوله تعالى (إن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك) قال قتادة هو مجمع بحري فارس والروم مما يلي المشرق وحكى الثعلبي عن أبي بن كعب أنه بأفريقية قوله (احمل حوتا في مكتل فحيث تفقد الحوت فهو ثم) الحوت السمكة وكانت سمكة مالحة كما صرح به في الرواية الثانية والمكتل بكسر الميم وفتح المثناة فوق وهو القفة والزنبيل وسبق بيانه مرات وتفقده بكسر القاف أي يذهب منك يقال فقده وافتقده وثم بفتح الثاء أي هناك قوله صلى الله عليه وسلم (وانطلق معه فتاه) وهو يوشع بن نون معنى فتاه صاحبه ونون مصروف كنوح وهذا الحديث يرد قول من قال من المفسرين إن فتاه عبد له وغير ذلك من الأقوال الباطلة قالوا وهو يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف صلى الله عليه وسلم (وأمسك الله عنه جرية الماء حتى كان مثل الطاق) أما الجرية فبكسر الجيم والطاق عقد البناء وجمعه طيقان وأطواق وهو الأزج وما عقد أعلاه من البناء وبقي ما تحته خاليا قوله صلى الله عليه وسلم (فانطلقا بقية يومهما وليلتهما) ضبطوه بنصب ليلتهما وجرها والنصب التعب قالوا لحقه النصب والجوع ليطلب الغذاء فيتذكر به نسيان الحوت ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ولم ينصب حتى جاوز المكان الذي

أمر به قوله واتخذ سبيله في البحر عجبا قيل إن لفظة عجبا يجوز أن تكون من تمام كلام يوشع وقيل من كلام موسى أي قال موسى عجبت من هذا عجبا وقيل من كلام الله تعالى ومعناه اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا قوله ما كنا نبغي أي نطلب معناه أن الذي جئنا نطلبه هو الموضع الذي نفقد فيه الحوت قوله صلى الله عليه وسلم (فرأى رجلا مسجى عليه بثوب فسلم عليه فقال له الخضر أنى بأرضك السلام) المسجى المغطى وأنى أي من أين السلام

في هذه الأرض التي لا يعرف فيها السلام قال العلماء أنى تأتي بمعنى أين ومتى وحيث وكيف وحملوهما بغير نول بفتح النون وإسكان الواو أي بغير أجر والنول والنوال العطاء قوله لتغرق أهلها قرئ في السبع بضم التاء المثناة فوق ونصب أهلها وبفتح المثناة تحت ورفع اهلها وجئت شيئا إمرا أي عظيما كثير الشدة ولا ترهقني أي تغشني وتحملني قوله أقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قرئ في السبع زاكية وزكية قالوا ومعناه طاهرة من الذنوب وقوله بغير نفس أي بغير قصاص لك عليها والنكر المنكر وقرئ في السبع بإسكان الكاف وضمها والأكثرون بالإسكان قال العلماء وقوله إذا غلام يلعب فقتله دليل على أنه كان صبيا ليس ببالغ لأنه حقيقة الغلام وهذا قول الجمهور أنه لم يكن بالغا وزعمت طائفة أنه كان بالغا يعمل بالفساد واحتجت بقوله اقتلت نفسا زكية بغير نفس فدل على أنه ممن يجب عليه القصاص والصبي لا قصاص عليه وبقوله كان كافرا في قراءة بن عباس كما ذكر في آخر الحديث والجواب عن الأول من وجهين أحدهما أن المراد التنبيه على أنه قتل بغير حق والثاني أنه يحتمل أن شرعهم كان إيجاب القصاص على الصبي كما أنه في شرعنا يؤاخذ بغرامة المتلفات والجواب عن الثاني من وجهين أحدهما أنه شاذ لا حجة فيه والثاني أنه سماه بما يؤول إليه لو عاش كما جاء في الرواية الثانية قوله قد بلغت من لدني عذرا فيه ثلاث قراآت في السبع الأكثرون بضم الدال

وتشديد النون والثانية بالضم وتخفيف النون والثالثة بإسكان الدال وإشمامها الضم وتخفيف النون ومعناه قد بلغت إلى الغاية التي تعذر بسببها في فراقي قوله تعالى فانطلقا حتى إذا اتيا اهل قرية قال الثعلبي قال بن عباس هي انطاكية وقال بن سيرين الأيلة وهي أبعد الأرض من السماء قوله تعالى فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض هذا من المجاز لأن الجدار لا يكون له حقيقة إرادة ومعناه قرب من الانقضاض وهو السقوط واستدل الأصوليون بهذا على وجود المجاز في القرآن وله نظائر معروفة قال وهب بن منبه كان طول هذا الجدار إلى السماء مائة ذراع قوله لو شئت لتخذت عليه اجرا قرئ بالسبع لتخذت بتخفيف التاء وكسر الخاء ولاتخذت بالتشديد وفتح الخاء أي لأخذت عليه أجرة تأكل بها قوله صلى الله عليه وسلم (وجاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة ثم نقر في البحر فقال له الخضر ما نقص علمي وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر) قال العلماء لفظ النقص هنا ليس على ظاهره وإنما معناه أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر هذا على التقريب إلى الأفهام وإلا فنسبة علمهما أقل وأحقر وقد جاء في رواية البخاري ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره أي في جنب معلوم الله وقد يطلق العلم

بمعنى المعلوم وهو من إطلاق المصدر لإرادة المفعول كقولهم رغم ضرب السلطان أي مضروبه قال القاضي وقال بعض من أشكل عليه هذا الحديث إلا هنا بمعنى ولا أي ولا نقص علمي وعلمك من علم الله ولا مثل ما أخذ هذا العصفور لأن علم الله تعالى لا يدخله نقص قال القاضي ولا حاجة إلى هذا التكلف بل هو صحيح كما بينا والله أعلم قوله (كذب نوف) هوجار على مذهب أصحابنا أن الكذب هو الإخبار عن الشئ خلاف ما هو عمدا كان أو سهوا خلافا للمعتزلة وسبقت المسألة في كتاب الإيمان قوله صلى الله عليه وسلم (حتى انتهينا إلى الصخرة فعمي عليه) وقع في بعض الأصول بفتح العين المهملة وكسر الميم وفي بعضها بضم العين وتشديد الميم وفي بعضها بالغين المعجمة قوله صلى الله عليه وسلم (مثل الكوة) بفتح الكاف ويقال بضمها وهي الطاق

كما قال في الرواية الأولى قوله (مستلقيا على حلاوة القفا) هي وسط القفا ومعناه لم يمل إلى أحد جانبيه وهي بضم الحاء وفتحها وكسرها أفصحها الضم وممن حكى الكسر صاحب نهاية الغريب ويقال أيضا حلاوا بالفتح وحلاوى بالضم والقصر وحلواء بالمد قوله (مجيء ما جاء بك) قال القاضي ضبطناه مجئ مرفوع غير منون عن بعضهم وعن بعضهم منونا قال وهو أظهر أي أمر عظيم جاء بك قوله صلى الله عليه وسلم (انتحى عليها) أي اعتمد على السفينة وقصد

خرقها واستدل به العلماء على النظر في المصالح عند تعارض الأمور وأنه إذا تعارضت مفسدتان دفع أعظمهما بارتكاب أخفهما كما خرق السفينة لدفع غصبها وذهاب جملتها قوله صلى الله عليه وسلم (فانطلق إلى أحدهم بادي الرأي فقتله) بادئ بالهمز وتركه فمن همزه معناه أول الرأي وابتداؤه أي انطلق إليه مسارعا إلى قتله من غير فكر ومن لم يهمز فمعناه ظهر له رأي في قتله من البدء وهو ظهور رأي لم يكن قال القاضي ويمد البدء ويقصر قوله صلى الله عليه وسلم (رحمة الله علينا وعلى موسى قال وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه رحمة الله علينا وعلى أخي كذا رحمة الله علينا) قال أصحابنا فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في الدعاء وشبهه من أمور الآخرة وأما حظوظ الدنيا فالأدب فيها الإيثار وتقديم غيره على نفسه واختلف العلماء في الابتداء في عنوان الكتاب فالصحيح الذي قاله كثيرون من السلف وجاء به الصحيح أنه يبدأ بنفسه فيقدمها على المكتوب إليه فيقال من فلان إلى فلان ومنه حديث كتاب النبي صلى الله عليه وسلم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم وقالت طائفة يبدأ بالمكتوب إليه فيقول إلى فلان من فلان قالوا إلا أن يكتب الأمير إلى من دونه أو السيد إلى عبده أو الوالد إلى ولده ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم (لكن أخذته من صاحبه ذمامة) هي بفتح الذال المعجمة

أي استحياء لتكرار مخالفته وقيل ملامة والأول هو المشهور قوله (وأما الغلام فطبع يوم طبع كافرا) قال القاضي في هذا حجة بينة لأهل السنة لصحة أصل مذهبهم في الطبع والرين والأكنة والأغشية والحجب والسد وأشباه هذه الألفاظ الواردة في الشرع في أفعال الله تعالى بقلوب أهل الكفر والضلال ومعنى ذلك عندهم خلق الله تعالى فيها ضد الإيمان وضد الهدى وهذا على أصل أهل السنة أن العبد لا قدرة له إلا ما أراده الله تعالى ويسره له وخلقه له خلافا للمعتزلة والقدرية القائلين بأن للعبد فعلا من قبل نفسه وقدرة على الهدى والضلال والخير والشر والإيمان والكفر وأن معنى هذه الألفاظ نسبة الله تعالى لأصحابها وحكمه عليهم بذلك وقالت طائفة منهم معناها خلقه علامة لذلك في قلوبهم والحق الذي لا شك فيه أن الله تعالى يفعل ما يشاء من الخير والشر لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وكما قال تعالى في الذر هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي فالذين قضى لهم بالنار طبع على قلوبهم وختم عليها وغشاها وأكنها وجعل من بين أيديها سدا ومن خلفها سدا وحجابا مستورا وجعل في آذانهم وقرا وفي قلوبهم مرضا لتتم سابقته فيهم وتمضي كلمته لاراد لحكمه ولا معقب لأمره وقضائه وبالله التوفيق وقد يحتج بهذا الحديث من يقول أطفال الكفار في النار وقد سبق بيان هذه المسألة وأن فيهم ثلاثة مذاهب الصحيح أنهم في الجنة والثاني في النار والثالث يتوقف عن الكلام فيهم فلا يحكم لهم بشئ وتقدمت دلائل الجميع وللقائلين بالجنة أن يقولوا في جواب هذا الحديث معناه علم الله لو بلغ لكان كافرا قوله (وكان أبواه قد عطفا عليه فلو أدرك أرهقهما طغيانا وكفرا) أي حملهما عليهما وألحقهما بهما والمراد بالطغيان هنا الزيادة في الضلال وهذا الحديث من دلائل مذهب

أهل الحق في أن الله تعالى أعلم بما كان وبما يكون وبما لا يكون لو كان كيف كان يكون ومنه قوله تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقوله تعالى ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بايديهم لقال الذين كفروا الآية وقوله تعالى ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم وغير ذلك من الآيات قوله تعالى خيرا منه زكاة واقرب رحما قيل المراد بالزكاة الإسلام وقيل الصلاح وأما الرحم فقيل معناه الرحمة لوالديه وبرهما وقيل المراد يرحمانه قيل أبدلهما الله بنتا صالحة وقيل ابنا حكاه القاضي قوله (تمارى هو والحر بن قيس) أي تنازعا وتجادلا والحر بالحاء والراء وفي هذه القصة أنواع من القواعد والأصول والفروع والآداب والنفائس المهمة سبق التنبيه على معظمها سوى ما هو ظاهر منها ومما لم يسبق أنه لا بأس على العالم والفاضل أن يخدمه المفضول ويقضي له حاجة ولا يكون هذا من أخذ العوض على تعليم العلم والآداب بل من مروءات الأصحاب وحسن العشرة ودليله من هذه القصة حمل فتاه غداءهما وحمل أصحاب السفينة موسى والخضر

بغير أجرة لمعرفتهم الخضر بالصلاح والله أعلم ومنها الحث على التواضع في علمه وغيره وأنه لا يدعي أنه أعلم الناس وأنه إذا سئل عن أعلم الناس يقول الله أعلم ومنها بيان أصل عظيم من أصول الإسلام وهو وجوب التسليم لكل ما جاء به الشرع وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول ولا يفهمه أكثر الناس وقد لا يفهمونه كلهم كالقدر موضع الدلالة قتل الغلام وخرق السفينة فإن صورتهما صورة المنكر وكان صحيحا في نفس الأمر له حكم بينة لكنها لا تظهر للخلق فإذا أعلمهم الله تعالى بها علموها ولهذا قال وما فعلته عن امري يعني بل بأمر الله تعالى

كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم

قال الإمام أبو عبد الله المازري اختلف الناس في تفضيل بعض الصحابة على بعض فقالت طائفة لا نفاضل بل نمسك عن ذلك وقال الجمهور بالتفضيل ثم اختلفوا فقال أهل السنة أفضلهم أبو بكر الصديق وقال الخطابية أفضلهم عمر بن الخطاب وقالت الراوندية أفضلهم العباس وقالت الشيعة علي واتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر قال جمهورهم ثم عثمان ثم علي وقال بعض أهل السنة من أهل الكوفة بتقديم علي على عثمان والصحيح المشهور تقديم عثمان قال أبو منصور البغدادي أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور ثم تمام العشرة ثم أهل بدر ثم أحد ثم بيعة الرضوان وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار وكذلك السابقون الأولون وهم من صلى إلى القبلتين في قول بن المسيب وطائفة وفي قول الشعبي أهل بيعة الرضوان وفي قول عطاء ومحمد بن كعب أهل بدر قال القاضي عياض وذهبت طائفة منهم بن عبد البر إلى أن من توفي من الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ممن بقي بعده وهذا الإطلاق غير مرضي ولا مقبول واختلف العلماء في أن التفضيل المذكور قطعي أم لا وهل هو في الظاهر والباطن أم في الظاهر خاصة وممن قال بالقطع أبو الحسن الأشعري قال وهم في الفضل على ترتيبهم في الإمامة وممن قال بأنه اجتهادي ظني أبو بكر الباقلاني وذكر بن الباقلاني اختلاف العلماء في أن التفضيل هل هو في الظاهر ام في الظاهر والباطن جميعا وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة أيتهما أفضل وفي عائشة وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين وأما عثمان رضي الله عنه فخلافته صحيحة بالإجماع وقتل مظلوما وقتلته فسقة لأن موجبات القتل مضبوطة ولم يجر منه رضي الله عنه ما يقتضيه ولم يشارك في قتله أحد من الصحابة وإنما قتله همج ورعاع من غوغاء القبائل وسفلة

الأطراف والأرذال تحزبوا وقصدوه من مصر فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم فحصروه حتى قتلوه رضي الله عنه وأما علي رضي الله عنه فخلافته صحيحة بالإجماع وكان هو الخليفة في وقته لا خلافة لغيره وأما معاوية رضي الله عنه فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء رضي الله عنه وأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها وكلهم عدول رضي الله عنهم ومتأولون في حروبهم وغيرها ولم يخرج شئ من ذلك أحدا منهم عن العدالة لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة اقسام قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة امام العدل في قتال البغاة في اعتقاده وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأن الحق معه لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه فكلهم معذورون رضي الله عنهم ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم رضي الله عنهم اجمعين

(باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه قوله صلى

الله عليه وسلم