Justice CouncilHadith commentaries

al-Minhaj Sharh Sahih Muslim on Sahih Muslim 2756

المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج — أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)

al-Nawawi (d. 676 AH) Printed edition: vol. 17, p. 69 The hadith: muslim:6980 muslim:6983

باب سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه

قوله صلى الله عليه وسلم (في الرجل الذي لم يعمل حسنة أوصى بنيه أن يحرقوه ويذروه في البحر والبر وقال فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا ثم قال في آخره لم فعلت هذا قال

من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر له) اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقالت طائفة لايصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر وقد قال في آخر الحديث إنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى والكافر لا يخشى الله تعالى ولا يغفر له قال هؤلاء فيكون له تأويلان أحدهما أن معناه لئن قدر علي العذاب أي قضاه يقال منه قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد بمعنى واحد والثاني إن قدر هنا بمعنى ضيق علي قال الله تعالى فقدر عليه رزقه وهوأحد الأقوال في قوله تعالى فظن أن لن نقدر عليه وقالت طائفة اللفظ على ظاهره ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولاقاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي وهذه الحالة لايؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته أنت عبدي وأنا ربك فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو وقد جاء في هذا الحديث في غير مسلم فلعلي أضل الله أي أغيب عنه وهذا يدل على أن قوله لئن قدر الله على ظاهره وقالت طائفة هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها يسمونه مزج الشك باليقين كقوله تعالى وإنا أواياكم لعلى هدى فصورته صورة شك والمراد به اليقين وقالت طائفة هذا الرجل جهل صفة من صفات الله تعالى وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة قال القاضي وممن كفره بذلك بن جرير الطبرى وقاله أبوالحسن الأشعري أولا وقال آخرون لا يكفر بجهل الصفة ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف حجدها وإليه رجع أبو الحسن الأشعري وعليه استقر قوله لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه ويراه دينا وشرعا وإنما يكفر من اعتقد أن

مقالته حق قال هؤلاء ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلاوقالت طائفة كان هذا الرجل في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقالت طائفة يجوز أنه كان في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة وإنما منعناه في شرعنا بالشرع وهو قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به) وغير ذلك من الأدلة والله أعلم وقيل إنما وصى بذلك تحقيرا لنفسه وعقوبة لها لعصيانها وإسرافها رجاء أن يرحمه الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم (أسرف رجل على نفسه) أي بالغ وعلا في المعاصي والسرف مجاوزة الحد قوله ان بن شهاب ذكر هذا الحديث ثم ذكر حديث المرأة التي دخلت النار وعذبت بسبب هرة حبستها حتى ماتت جوعا ثم قال بن شهاب لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل معناه أن

بن شهاب لما ذكر الحديث الأول خاف أن سامعه يتكل على ما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء فضم إليه حديث الهرة الذي فيه من التخويف ضد ذلك ليجتمع الخوف والرجاء وهذا معنى قوله لئلا يتكل ولاييأس وهكذا معظم آيات القرآن العزيز يجتمع فيها الخوف والرجاء وكذا قال العلماء يستحب للواعظ أن يجمع في موعظته بين الخوف والرجاء لئلا يقنط أحد ولايتكل قالوا وليكن التخويف أكثر لأن النفوس إليه أحوج لميلها إلى الرجاء والراحة والاتكال وإهمال بعض الأعمال وأما حديث الهرة فسبق شرحه في موضعه