قوله (أبو عامر العقدي) هو بفتح العين والقاف واسمه عبد الملك بن عمرو بن قيس وقد تقدم بيانه واضحا في أول المقدمة في باب النهي عن الرواية عن الضعفاء قوله صلى الله عليه وسلم (الإيمان بضع وسبعون شعبة) هكذا رواه عن أبي عامر العقدي عن سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية زهير عن جرير عن سهيل عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة بضع وسبعون أو بضع وستون كذا وقع في مسلم من رواية سهيل بضع وسبعون أو بضع وستون على الشك ورواه البخاري في أول الكتاب من رواية العقدي بضع وستون بلا شك ورواه أبوداود والترمذي وغيرهما من رواية سهيل بضع وسبعون بلا شك ورواه الترمذي من طريق آخر وقال فيه أربعة وستون بابا واختلف العلماء في الراجحة من الروايتين فقال القاضي عياض الصواب ما وقع في سائر الأحاديث ولسائر الرواة بضع وستون وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى هذا الشك الواقع في رواية سهيل هو من سهيل كذا قاله الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله وقد روي عن سهيل بضع وسبعون من غير شك وأما سليمان بن بلال فإنه رواه عن عمرو بن دينار على القطع من غير شك وهي الرواية الصحيحة أخرجاها في الصحيحين غير أنها فيما عندنا من كتاب مسلم بضع وسبعون وفيما عندنا من كتاب)
البخاري بضع وستون وقد نقلت كل واحدة عن كل واحد من الكتابين ولا إشكال في أن كل واحدة منهما رواية معروفة في طرق روايات هذا الحديث واختلفوا في الترجيح قال والأشبه بالإتقان والاحتياط ترجيح رواية الأقل قال ومنهم من رجح رواية الأكثر وإياها اختار أبو عبد الله الحليمي فإن الحكم لمن حفظ الزيادة جازما بها قال الشيخ ثم إن الكلام في تعيين هذه الشعب يطول وقد صنفت في ذلك مصنفات ومن أغزرها فوائد كتاب المنهاج لأبي عبد الله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى وكان من رفعاء أئمة المسلمين وحذا حذوه الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله في كتابه الجليل الحفيل كتاب شعب الإيمان هذا كلام الشيخ قال القاضي عياض رحمه الله البضع والبضعة بكسر الباء فيهما وفتحها هذا في العدد فاما بضعة اللحم فبالفتح لاغير والبضع في العدد ما بين الثلاث والعشر وقيل من ثلاث إلى تسع وقال الخليل البضع سبع وقيل ما بين اثنين إلى عشرة وما بين اثني عشر إلى عشرين ولا يقال في اثني عشر قلت وهذا القول هو الأشهر الأظهر وأما الشعبة فهي القطعة من الشيء فمعنى الحديث بضع وسبعون خصلة قال القاضي عياض رحمه الله وقد تقدم أن أصل الإيمان في اللغة التصديق وفي الشرع تصديق القلب واللسان وظواهر الشرع تطلقه على الأعمال كما وقع هنا أفضلها لا إله إلا الله وآخرها إماطة الأذى عن الطريق وقد قدمنا أن كمال الإيمان بالأعمال وتمامه بالطاعات وأن التزام الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق ودلائل عليه وأنها خلق أهل التصديق فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي وقد نبه صلى الله عليه وسلم على أن أفضلها التوحيد المتعين على كل أحد والذي لا يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم وبقي بين هذين الطرفين أعداد لو تكلف المجتهد تحصيلها بغلبة الظن وشدة التتبع لأمكنه وقد فعل ذلك بعض من تقدم وفي الحكم بأن ذلك مراد النبي صلى الله عليه وسلم صعوبة ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة والإيمان بأنها هذا العدد واجب في الجملة هذا كلام القاضي رحمه الله وقال الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبان بكسر الحاء تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئا كثيرا فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان فإذا هي تنقص
عن البضع والسبعين فرجعت إلى كتاب الله تعالى فقرأته بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين فضممت الكتاب إلى السنن وأسقطت المعاد فإذا كل شيء عده الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم من الإيمان تسع وسبعون شعبة لا يزيد عليها ولا تنقص فعلمت أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا العدد في الكتاب والسنن وذكر أبو حاتم رحمه الله جميع ذلك في كتاب وصف الإيمان وشعبه وذكر أن رواية من روى بضع وستون شعبة أيضا صحيحة فإن العرب قد تذكر للشيء عددا ولا تريد نفي ما سواه وله نظائر أوردها في كتابه منها في أحاديث الإيمان والإسلام والله تعالى أعلم قوله (والحياء شعبة من الإيمان) وفي الرواية الأخرى الحياء من الإيمان وفي الأخرى الحياء لا يأتي إلا بخير وفي الأخرى الحياء خير كله أو قال كله خير الحياء ممدود وهو الاستحياء قال الإمام الواحدي رحمه الله تعالى قال أهل اللغة الاستحياء من الحياة واستحيا الرجل من قوة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع الغيب قال فالحياء من قوة الحس ولطفه وقرة الحياة وروينا في رسالة الإمام الأستاذ أبي القاسم القشيري عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه قال الحياء رؤية الآلاء أي النعم ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء وقال القاضي عياض وغيره من الشراح إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة لأنه قد يكون تخلقا واكتسابا كسائر أعمال البر وقد يكون غريزة ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم فهو من الإيمان بهذا ولكونه باعثا على أفعال البر ومانعا من المعاصي وأما كون الحياء خيرا كله ولا يأتي إلا بخير فقد يشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحى أن يواجه بالحق من يجله فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة منهم الشيخ أبوعمرو بن الصلاح رحمه الله أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة بل هو عجز وخور ومهانة وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازا لمشابهته الحياء
الحقيقي وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحو هذا ويدل عليه ما ذكرناه عن الجنيد رضي الله عنه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) أي تنحيته وإبعاده والمراد بالأذى كل ما يؤذي من حجر أو مدر أو شوك أو غيره قوله (يعظ أخاه في الحياء) أي ينهاه عنه ويقبح له فعله ويزجره عن كثرته فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال دعه فإن الحياء من الإيمان أي دعه على فعل الحياء وكف عن نهيه ووقعت لفظة دعه في البخاري ولم تقع في مسلم قول مسلم رحمه الله (حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة قال سمعت أبا السوار يحدث أنه سمع عمران بن الحصين) وقال مسلم في الطريق الثاني حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا حماد بن زيد عن إسحاق وهو بن سويد أن أبا قتادة حدث قال كنا عند عمران بن الحصين في رهط فحدثنا إلى آخره هذان الإسنادان كلهم بصريون وهذا من النفائس اجتماع الإسنادين في الكتاب
متلاصقين جميعهم بصريون وشعبة وإن كان واسطيا فهو بصري أيضا فكان واسطيا بصريا فإنه انتقل من واسط إلى البصرة واستوطنها وأما أبو السوار فهو بفتح السين المهملة وتشديد الواو وآخره راء واسمه حسان بن حريث العدوي وأما أبو قتادة هذا فاسمه تميم بن نذير بضم النون وفتح الذال المعجمة العدوى ويقال تميم بن الزبير ويقال بن يزيد بالزاي ذكره الحاكم أبو أحمد وأما الرهط فهو مادون العشرة من الرجال خاصة لا يكون فيهم امرأة وليس له واحد من اللفظ والجمع أرهط وأرهاط وأراهط وأراهيط قوله (فقال بشير بن كعب إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارا لله تعالى ومنه ضعف فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال أنا أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه إلى قوله فمازلنا نقول إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به) أما بشير فبضم الباء وفتح الشين وقد تقدم بيانه وبيان أمثاله في آخر الفصول وقد تقدم هو أيضا في أول المقدمة وأما نجيد فبضم النون وفتح الجيم وآخره دال مهملة وأبو نجيد هو عمران بن الحصين كني بابنه نجيد وأما الضعف فبفتح الضاد وضمها لغتان مشهورتان وقوله حتى احمرتا عيناه كذا هو
في الأصول وهو صحيح جار على لغة أكلوني البراغيث ومثله وأسروا النجوى الذين ظلموا على أحد المذاهب فيها ومثله يتعاقبون فيكم ملائكة وأشباهه كثيرة معروفة ورويناه في سنن أبي داود واحمرت عيناه من غير ألف وهذا ظاهر وأما إنكار عمران رضي الله عنه فلكونه قال منه ضعف بعد سماعه قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه خير كله ومعنى تعارض تأتي بكلام في مقابلته وتعترض بما يخالفه وقولهم إنه منا لا بأس به معناه ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أوغيرها مما يخالف به أهل الاستقامة والله أعلم قول مسلم رحمه الله (أنبأنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا النضر حدثنا أبو نعامة العدوي قال سمعت حجير بن الربيع العدوي يقول عن عمران بن الحصين) هذا الإسناد أيضا كله بصريون إلا إسحاق فإنه مروزي فأما النضر فهو ابن شميل الإمام الجليل وأما أبو نعامة فبفتح النون واسمه عمرو بن عيسى بن سويد وهو من الثقات الذين اختلطوا قبل موتهم وقد قدمنا في الفصول وبعدها أن ما كان في الصحيحين عن المختلطين فهو محمول على أنه علم أنه أخذ عنهم قبل الاختلاط وأما حجير فبضم الحاء وبعدها جيم مفتوحة وآخره راء والله أعلم بالصواب وله الحمد والمنة
(باب جامع أوصاف الإسلام