قوله صلى الله عليه وسلم (إلا ومعها ذو محرم) فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن جميع المحارم سواء في ذلك فيجوز لها المسافرة مع محرمها بالنسب كابنها وأخيها وبن أخيها وبن أختها وخالها وعمها ومع محرمها بالرضاع كأخيها من الرضاع وبن أخيها وبن أختها منه ونحوهم ومع محرمها من المصاهرة كأبي زوجها وبن زوجها ولا كراهة في شيء من ذلك وكذا يجوز لكل هؤلاء الخلوة بها والنظر إليها من غير حاجة ولكن لا يحل النظر بشهوة لأحد منهم هذا مذهب الشافعي والجمهور ووافق مالك على ذلك كله إلا بن زوجها فكره سفرها معه لفساد الناس بعد العصر الأول ولأن كثيرا من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب قال والمرأة فتنة إلا فيما جبل الله تعالى النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب وعموم هذا الحديث يرد على مالك والله أعلم واعلم أن حقيقة المحرم من النساء التي يجوز النظر إليها والخلوة بها والمسافرة بها كل من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها فقولنا على التأبيد احتراز من أخت المرأة وعمتها وخالتها ونحوهن وقولنا بسبب مباح احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها فإنهما تحرمان على التأبيد وليستا محرمين لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة لأنه ليس بفعل مكلف وقولنا لحرمتها احتراز من الملاعنة فإنها محرمة على التأبيد بسبب مباح وليست محرما لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (لاتشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة
مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى) فيه بيان عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولفضل الصلاة فيها ولو نذر الذهاب إلى المسجد الحرام لزمه قصده لحج أو عمرة ولو نذره إلى المسجدين الآخرين فقولان للشافعي أصحهما عند أصحابه يستحب قصدهما ولا يجب والثاني يجب وبه قال كثيرون من العلماء وأما باقي المساجد سوى الثلاثة فلا يجب قصدها بالنذر ولا ينعقد نذر قصدها هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا محمد بن مسلمة المالكي فقال إذا نذر قصد مسجد قباء لزمه قصده لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه كل سبت راكبا وماشيا وقال الليث بن سعد يلزمه قصد ذلك المسجد أي مسجد كان وعلى مذهب الجماهير لا ينعقد نذره ولا يلزمه شيء وقال أحمد يلزمه كفارة يمين واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره قالوا والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة والله أعلم قوله (فأعجبنني وآنقنني) قال القاضي معنى آنقنني أعجبنني وإنما كرر المعنى لاختلاف اللفظ والعرب تفعل ذلك كثيرا للبيان والتوكيد قال الله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة والصلاة من الله الرحمة وقال تعالى فكلوا
مما غنمتم حلالا طيبا والطيب هو الحلال ومنه قول الحطيئة ... ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد ...
(والنأي هو البعد قوله (حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت
على مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها هكذا) وقع)
هذا الحديث في نسخ بلادنا عن سعيد عن أبيه قال القاضي عياض وكذا وقع في النسخ عن الجلودي وأبي العلاء والكسائي وكذا رواه مسلم في الإسناد السابق قبل هذا عن قتيبة عن الليث عن سعيد عن أبيه وكذا رواه البخاري ومسلم من رواية بن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه قال واستدرك الدارقطنى عليهما اخراجهما هذا عن بن أبي ذئب وعلى مسلم إخراجه إياه عن الليث عن سعيد عن أبيه وقال الصواب عن سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه واحتج بأن مالكا ويحيى بن أبي كثير وسهيلا قالوا عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يذكروا عن أبيه قال والصحيح عن مسلم في حديثه هذا عن يحيى بن يحيى عن مالك عن سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه وكذا ذكره أبو مسعود الدمشقي وكذا رواه معظم رواة الموطأ عن مالك قال الدارقطني ورواه الزهراني والقروي عن مالك فقالا عن سعيد عن أبيه هذا كلام القاضي قلت وذكر خلف الواسطي في الأطراف أن مسلما رواه عن يحيى بن يحيى عن مالك عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة وكذا رواه أبو داود في كتاب الحج من سننه والترمذي في النكاح عن الحسن بن علي عن بشر بن عمر عن مالك عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه أبو داود في الحج أيضا عن القعنبي والعلاء عن مالك عن يوسف
بن موسى عن جرير كلاهما عن سهيل عن سعيد عن أبي هريرة فحصل اختلاف ظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه فلعله سمعه من أبيه عن أبي هريرة ثم سمعه من أبي هريرة نفسه فرواه تارة كذا وتارة كذا وسماعه من أبي هريرة صحيح معروف والله أعلم