قوله (لعن زوارات القبور)
قال القارىء لعل المراد كثيرات الزيارة
وقال القرطبي هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك فقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى
قال الشوكاني في النيل وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر انتهى
قوله وفي الباب عن بن عباس وحسان بن ثابت أما حديث بن عباس فأخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وبن ماجه وبن حبان في صحيحه كلهم من رواية أبي صالح عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج كذا في الترغيب قال الحافظ في التلخيص أبو صالح هو مولى أم هانئ وهو ضعيف وأما حديث حسان بن ثابت فأخرجه أحمد وبن ماجه والحاكم
قوله فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء قال الحافظ بن حجر وهو قول الأكثر ومحله ما إذا أمنت الفتنة ويؤيد الجواز حديث أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري إلخ فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر وتقريره حجة وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة رضي الله عنها فروى الحاكم من طريق بن أبي مليكة أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن فقيل لها أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت نعم كان نهى ثم أمر بزيارتها انتهى قلت ويؤيد الجواز ما رواه مسلم من حديث عائشة قالت كيف أقول يا رسول الله تعني إذا زارت القبور قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين الحديث وقال بعضهم إنما كره أي النبي صلى الله عليه وسلم وروي بصيغة المجهول قاله القارىء واستدل من قال بالكراهة بأحاديث الباب وبالأحاديث التي وردت في تحريم اتباع الجنائز للنساء كحديث أم عطية عند الشيخين قالت نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا وأجاب من قال بالجواز عن أحاديث الباب بأنها محمولة على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره قال القارىء في المرقاة بعد ذكر الأحاديث التي مرت في باب الرخصة في زيارة القبور ما لفظه هذه الأحاديث بتعليلاتها تدل على أن النساء كالرجال في حكم الزيارة إذا زرن بالشروط المعتبرة في حقهن وأما خبر لعن الله زوارات القبور فمحمول على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره مما اعتدنه انتهى وقد تقدم قول القرطبي إن اللعن في حديث الباب للمكثرات من الزيارة وهذا هو الظاهر والله تعالى أعلم
باب ما جاء في الزيارة للقبور للنساء
قوله (توفي عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق وهو أخو عائشة رضي الله عنها (بالحبشي) في النهاية بضم الحاء وسكون الباء وكسر الشين وتشديد الياء موضع قريب من مكة
وقال الجوهري جبل بأسفل مكة
وقال السيوطي مكان بينه وبين مكة اثنا عشر ميلا (فحمل) أي نقل من الحبشي (فلما قدمت عائشة) أي مكة (فقالت) أي منشدة مشيرة إلى أن طول الاجتماع في الدنيا بعد زواله يكون كأقصر زمن وأسرعه كما هو شأن الفاني جميعه (وكنا كندماني جذيمة) قال الشمني في شرح المغني هذا البيت لتميم بن نويرة يرثي أخاه مالكا الذي قتله خالد بن الوليد
وجذيمة بفتح الجيم وكسر الذال قال الطيبي جذيمة هذا كان ملكا بالعراق والجزيرة وضم إليه العرب وهو صاحب الزباء انتهى
وفي القاموس الزباء ملكة الجزيرة وتعد من ملوك الطوائف أي كنا كنديمي جذيمة وجليسيه وهما مالك وعقيل كانا نديميه وجليسيه مدة أربعين سنة (حقبة) بالكسر أي مدة طويلة (حتى قيل لن يتصدعا) أي إلى أن قال الناس لن يتفرقا (فلما تفرقنا) أي بالموت (كأني ومالكا) هو أخو الشاعر الميت (لطول اجتماع) قيل اللام بمعنى مع أو بعد كما في قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ومنه صوموا لرؤيته أي بعد رؤيته (لم نبت ليلة معا) أي مجتمعين (ثم قالت) أي عائشة (لو حضرتك) أي وقت الدفن (ما دفنت) بصيغة المجهول (إلا حيث مت) أي منعتك أن تنقل من مكان إلى مكان بل دفنت حيث مت (ولو شهدتك) أي حضرت وفاتك (ما زرتك) قال الطيبي لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور انتهى
ويرد عليه أن عائشة كيف زارت مع النهي وإن كانت لم تشهد وقت موته ودفنه ويمكن أن يجاب عنه بأن
النهي محمول على تكثير الزيارة لأنه صيغة مبالغة ولذا قالت لو شهدتك ما زرتك لأن التكرار ينبىء عن الإكثار كذا في بعض الحواشي
وقد تقدم الكلام في زيارة القبور للنساء في الباب الذي قبله ولم يحكم الترمذي على حديث الباب بشيء من الصحة والضعف ورجاله ثقات إلا أن بن جريج مدلس ورواه عن عبد الله بن أبي مليكة بالعنعنة
(باب ما جاء في الدفن بالليل)