قوله (في صعيد واحد) الصعيد الأرض الواسعة المستوية (ثم يطلع عليهم رب العالمين) قال في القاموس طلع فلان علينا كمنع ونصر أتانا كاطلع انتهى (فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره) قال بن العربي يحتمل أن يكون التمثيل تلبيسا عليهم ويحتمل أن يكون التمثيل لمن لا يستحق التعذيب
وأما من سواهم فيحضرون حقيقة لقوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم (نعوذ بالله منك) وعند الشيخين وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي
يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك
قال بن العربي إنما استعاذوا منه أولا لأنهم اعتقدوا أن ذلك الكلام استدراج لأن الله لا يأمر بالفحشاء ومن الفحشاء اتباع الباطل وأهله ولهذا وقع في الصحيح فيأتيهم الله في صور أي بصورة لا يعرفونها وهي الأمر باتباع أهل الباطل فلذلك يقولون إذا جاء ربنا عرفناه أي إذا جاءنا بما عهدناه منه من قول الحق (ثم يتوارى) أي يستتر (وهل تضارون) قال النووي روي تضارون بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما ومعنى المشدد هل تضارون غيركم في حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر ومعنى المخفف هل يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر
وقال الحافظ بضم أوله بالضاد المعجمة وتشديد الراء بصيغة المفاعلة من الضرر وأصله تضاررون بكسر الراء وبفتحها أي لا تضرون أحدا ولا يضركم بمنازعة ولا مجادلة ولا مضايقة وجاء تخفيف الراء من الضير وهو لغة في الضر أي لا يخالف بعض بعضا فيكذبه وينازعه فيضيره بذلك يقال ضاره يضيره (ثم يطلع فيعرفهم نفسه) أي يلقي في قلوبهم علما قطعيا يعرفون به أنه ربهم سبحانه وتعالى (أنا ربكم فاتبعوني) وعند الشيخين أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه
قال النووي معناه يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة أو يتبعون ملائكته الذين يذهبون بهم إلى الجنة (ويوضع الصراط) وعند مسلم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم (فيمر عليه) أي فيمر المسلمون على الصراط (مثل جياد الخيل)
قال في القاموس فرس جواد بين الجودة بالضم رائع والجمع جياد وقد جاد في عدوه جودة انتهى وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف (والركاب) بكسر الراء عطف على الخيل والمراد بها الإبل ولا واحد له من لفظه (وقولهم) أي قول المرسل والأنبياء (عليه) أي على الصراط (سلم سلم) أمر مخاطب أي يقول كل نبي اللهم سلم أمتي من ضرر الصراط اللهم اجعلهم سالمين من آفاته آمنين من مخافاته وتكراره مرتين المراد به الكثرة أو باعتبار كل واحد من أهل الشفاعة أو للإلحاح في الدعاء كما هو من آدابه
وفي رواية البخاري ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم
قال الحافظ في رواية شعيب ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل وفي رواية إبراهيم بن سعد ولا يكلمه إلا الأنبياء ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم
ووقع في رواية العلا وقولهم اللهم سلم سلم وللترمذي من حديث المغيرة شعار المؤمنين على الصراط رب سلم سلم والضمير في الأول للرسل ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به بل تنطق به الرسل يدعون للمؤمنين بالسلامة فسمى ذلك شعارا لهم فهذا تجتمع الأخبار ويؤيده قوله في رواية سهيل فعند ذلك حلت الشفاعة اللهم سلم سلم انتهى (ثم يطرح فيها فوج) أي من أهل النار (فتقول هل من مزيد) أي من زيادة (حتى إذا أوعبوا فيها) من الإيعاب وهو الاستقصاء في كل شيء (وضع الرحمن قدمه فيها)
وفي رواية لمسلم رجله
قال القارىء مذهب السلف التسليم والتفويض مع التنزيه وأرباب التأويل من الخلف يقولون المراد بالقدم قدم بعض مخلوقاته فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم أو قوم قدمهم الله للنار من أهلها وتقدم في سابق حكمه أنهم لاحقوها فتمتلىء منهم جهنم والعرب تقول كل شيء قدمته من خير أو شر فهو قدم ومنه قوله تعالى أن لهم قدم صدق عند ربهم أي ما قدموه من الأعمال الصالحة الدالة على صدقهم في تصديقهم والمراد بالرجل الجماعة من الجراد وهو وإن كان موضوعا لجماعة كثيرة من الجراد لكن استعارته لجماعة الناس غير بعيد
أو أخطأ الراوي في نقله الحديث بالمعنى وظن أن الرجل سد مسد القدم هذا وقد قيل وضع القدم على الشيء مثل للردع والقمع فكأنه قال يأتيها أمر الله فيكفها من طلب المزيد وقيل أريد به تسكين فورتها كما يقال للأمر يراد إبطاله وضعته تحت قدمي ذكره في النهاية
وفي شرح السنة القدم والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله المنزهة عن التكييف والتشبيه وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد والأصبع والعين والمجيء والإتيان والنزول
فالإيمان بها فرض والامتناع عن الخوض فيها واجب
فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم والخائض فيها زائغ والمنكر معطل والمكيف مشبه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير انتهى
قال القارىء وهو الموافق لمذهب الإمام مالك رحمه الله ولطريق إمامنا الأعظم على ما أشار إليه في الفقه الأكبر فالتسليم أسلم والله تعالى أعلم انتهى
قلت الأمر كما قال القارىء فلا شك أن التسليم والتفويض هو الأسلم بل هو المتعين (وأزوي بعضها إلى بعض) بصيغة المجهول وفي رواية يزوى أي يضم بعضها إلى بعض فتجتمع وتلتقي على من فيها (قالت) أي النار (قط قط) قال النووي معنى قط حسبي أي يكفيني هذا وفيه ثلاث لغات قط قط بإسكان الطاء فيهما وبكسرها منونة وغير منونة انتهى والتكرار للتأكيد (أتي بالموت) أي أحضر به كهيئة كبش أملح كما في حديث أبي سعيد الآتي (ملببا) في القاموس لببه تلبيبا جمع ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جره (فيطلعون خائفين) أي أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه (فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة) أي يرجون أن يشفع لهم فيخرجوا من النار
وفي رواية بن ماجه مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه (يا أهل الجنة خلود) أي هذا الحال مستمر ويحتمل أن يكون جمع خالد أي أنتم خالدون في الجنة (لا موت) بفتح التاء المثناة أي لا موت في الجنة
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه بن ماجة وبن حبان في صحيحه مختصرا
قوله (كالكبش الأملح) قال القرطبي الحكمة في الإتيان بالموت هكذا الإشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء به كما فدي ولد إبراهيم بالكبش وفي الأملح إشارة إلى صفتي أهل الجنة والنار
لأن الأملح ما فيه بياض وسواد
وقال بن العربي استشكل هذا الحديث لكونه
يخالف صريح العقل لأن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسما فكيف يذبح فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته وتأولته طائفة فقالوا هذا تمثيل ولا ذبح هناك حقيقة وقالت طائفة بل الذبح على حقيقته والمذبوح متولي الموت وكلهم يعرفه لأنه الذي تولى قبض أرواحهم
وقال المازري الموت عندنا عرض من الأعراض وعند المعتزلة ليس بمعنى بل معناه عدم الحياة وهذا خطأ لقوله تعالى خلق الموت والحياة فأثبت الموت مخلوقا وعلى المذهبين لا يصح أن يكون كبشا ولا جسما وأن المراد بهذا التمثيل والتشبيه ثم قال وقد يخلق الله تعالى هذا الجسم ثم يذبح ثم يجعل مثالا لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة
وقال القرطبي في التذكرة الموت معنى والمعاني لا تنقلب جوهرا وإنما يخلق الله أشخاصا من ثواب الأعمال وكذا الموت يخلق الله كبشا يسميه الموت ويلقي في قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين
وقال غيره لا مانع أن ينشئ الله من الأعراض أجسادا يجعلها مادة لها كما ثبت في مسلم في حديث أن البقرة وآل عمران يجيئان كأنهما غمامتان ونحو ذلك من الأحاديث انتهى
قلت هذا القول الأخير هو المعتمد
قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه الشيخان والنسائي
قوله (وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه) وهو الحق والثواب وهو مذهب السلف رضي الله عنهم أجمعين وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب فضل الصدقة من أبواب الزكاة
$ 21 - (باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)