قوله (وحديث أم سلمة إسناده ليس بذاك وميمون أبو حمزة قد ضعفه بعض أهل العلم) قال أحمد متروك الحديث وقال الدارقطني ضعيف وقال البخاري ليس بالقوي عندهم وقال النسائي ليس بثقة
كذا في الميزان
قوله (فقال بعضهم إن نفخ في الصلاة استقبل الصلاة) أي استأنف (وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة) واستدلوا بحديث الباب هو حديث ضعيف قال الحافظ في الفتح ولو صح لم يكن فيه حجة على إبطال الصلاة بالنفخ لأنه لم يأمره بإعادة الصلاة وإنما استفاد من قوله ترب وجهك استحباب السجود على الأرض فهو نحو النهي عن مسح الحصى
قال وفي الباب عن أبي هريرة في الأوسط للطبراني وعن زيد بن ثابت عند البيهقي وعن أنس وبريدة عند البزار وأسانيد الجميع ضعيفة جدا
وثبت كراهة النفخ عن بن عباس كما رواه بن أبي شيبة والرخصة فيه عن قدامة بن عبد الله أخرجه البيهقي انتهى
واستدلوا أيضا بأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة وقالوا إن النفخ كلام واحتجوا على كون النفخ كلاما بأثر بن عباس رضي الله عنه قال النفخ في الصلاة كلام رواه سعيد بن منصور في سننه وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى بن عباس أنه كان يخشى أن يكون النفخ كلاما
واستدلوا أيضا بأحاديث تدل على كراهة النفخ في السجود فمنها ما رواه الطبراني في الكبير عن زيد بن ثابت قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفخ في السجود وعن النفخ في الشراب ولا تقوم به حجة لأن في إسناده خالد بن إلياس وهو متروك ومنها ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعا أنه كره أن ينفخ بين يديه في الصلاة أو في شرابه
قال العراقي وفي إسناده غير واحد متكلم فيه
ومنها ما رواه البزار في مسنده عن أنس بن مالك رفعه قال ثلاثة من الجفاء أن ينفخ الرجل في سجوده الحديث وفي إسناده خالد بن أيوب وهو ضعيف
وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الشوكاني في النيل مع بيان ما فيها من الكلام (وقال بعضهم يكره النفخ في الصلاة وإن نفخ في صلاته لم تفسد صلاته وهو قول أحمد وإسحاق) واستدلوا بما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم نفخ في صلاة الكسوف وذكره البخاري تعليقا وأجابوا بمنع كون النفخ من الكلام لأن الكلام متركب من الحروف المعتمدة على المخارج ولا اعتماد في النفخ وأيضا الكلام المنهي عنه في الصلاة هو المكالمة قالوا ولو سلم
صدق اسم الكلام على النفخ كما قال بن عباس لكان فعله صلى الله عليه وسلم لذلك في الصلاة مخصصا لعموم النهي عن الكلام كذا في النيل
$ 66 - (باب ما جاء في النهي عن الاختصار في الصلاة [382])
المراد من الاختصار وضع اليد على الخاصرة
قوله (نهى أن يصلي الرجل مختصرا) قال الحافظ في الفتح قد فسره بن أبي شيبة في روايته فقال قال بن سيرين هو أن يضع يده على خاصرته وهو يصلي وبذلك جزم أبو داود ونقله الترمذي عن بعض أهل العلم وهذا هو المشهور من تفسيره وحكى الهروي في الغريبين أن المراد بالاختصار قراءة آية أو آيتين من اخر السورة وقيل إن بحذف الطمأنينة وهذان القولان وإن كان أخذهما من الاختصار ممكنا لكن رواية الخصر والخصر تأباهما
وقيل الاختصار أن يحذف الآية التي فيها السجدة إذا أمر بها في قراءته حتى لا يسجد في الصلاة لتلاوتها حكاه الغزالي وحكى الخطابي أن معناه أن يمسك بيده مخصرة أي عصا يتوكأ عليها في الصلاة وأنكر هذا بن العربي في شرح الترمذي فأبلغ ويؤيد الأول ما روى أبو داود والنسائي من طريق سعيد بن زياد قال صليت إلى جنب بن عمر فوضعت يدي على خاصرتي فلما صلى قال هذا الصلب في الصلاة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه
قوله (وفي الباب عن بن عمر) تقدم تخريجه ولفظه آنفا قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا بن ماجه
قوله (وقد كره قوم من أهل العلم الاختصار في الصلاة) قال العيني في شرح البخاري
ص 237 ج 3 اختلفوا في حكم الخصر في الصلاة فكرهه بن عمر وبن عباس وعائشة وإبراهيم النخعي ومجاهد وأبو مجلز وآخرون وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الاختصار في الصلاة عملا بظاهر الحديث انتهى كلامه
قلت الظاهر ما قاله أهل الظاهر لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم الذي هو معناه الحقيقي كما هو الحق (والاختصار هو أن يضع الرجل يده على خاصرته في الصلاة) وهذا التفسير هو المشهور وهو الحق
فائدة اختلف في حكمة النهي عن ذلك فقيل لأن إبليس أهبط متخصرا
أخرجه بن أبي شيبة من طريق حميد بن هلال موقوفا وقيل لأن اليهود تكثر من فعله فنهى عنه كراهة للتشبه بهم
أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل عن عائشة زاد بن أبي شيبة فيه في الصلاة وفي رواية لا تشبهوا باليهود
وقيل لأنه راحة أهل النار أخرجه بن أبي شيبة أيضا عن مجاهد قال وضع اليد على الحقو استراحة أهل النار وقيل لأنه صفة الراجز حين ينشد رواه سعيد بن منصور من طريق قيس بن عباد بإسناد حسن وقيل لأنه فعل المتكبرين حكاه المهلب وقيل لأنه فعل أهل المصائب حكاه الخطابي
قال الحافظ بعد ذكر هذه الأقوال وقول عائشة أعلى ما ورد في ذلك ولا منافاة بين الجميع انتهى
قوله (وكره بعضهم أن يمشي الرجل مختصرا ويروى أن إبليس إذا مشى يمشي مختصرا) لم أقف على من أخرجه
$ 67 - (باب ما جاء في كراهة كف الشعر في الصلاة [384])
الكف الضم والجمع
قوله (عن عمران بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاص هو أخو أيوب مقبول كذا في التقريب وقال في الخلاصة وثقه بن حبان (عن سعيد بن أبي سعيد المقبري) ثقة تغير قبل موته
بأربع سنين (عن أبيه) وهو أبو سعيد واسمه كيسان ثقة ثبت من الثانية (عن أبي رافع) مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه إبراهيم وقيل أسلم أو ثابت أو هرمز مات في أول خلافة علي على الصحيح
قوله وقد عقص ضفرته قال في المجمع العقص جمع الشعر وسط رأسه أو لف ذوائبه حول رأسه كفعل النساء وقال فيه أصل العقص اللي وإدخال أطراف الشعر في أصوله انتهى
وفي رواية أبي داود وقد غرز ضفره أي لو ى شعره وأدخل أطرافه في أصوله والمراد من الضفر المضفور من الشعر وأصل الضفر الفتل والضفير والضفائر هي العقائص المضفورة قاله الخطابي (في قفاه) القفا بالفارسية يس سر يذكر ويؤنث (فحلها) أي أطلق ضفائره المغروزة في قفاه (مغضبا) بفتح الضاد (ذلك) أي الظفر المغروز (كفل الشيطان) بكسر الكاف وسكون الفاء أي موضع قعود الشيطان وفي رواية أبي داود ذلك كفل الشيطان يعني مقعد الشيطان يعني مغرز ضفره فقال الخطابي وأما الكفل فأصله أن يجمع الكساء على سنام البعير ثم يركب قال الشاعر
وراكب على البعير مكتفل يحفى على آثارها وينتعل
وإنما أمره بإرسال الشعر ليسقط على الموضع الذي يصلي فيه صاحبه من الأرض فيسجد معه وقد روي عنه أيضا عليه السلام أمرت أن أسجد على سبعة آراب وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا انتهى
قوله (وفي الباب عن أم سلمة وعبد الله بن عباس) أما حديث أم سلمة فأخرجه بن أبي حاتم في العلل
وأما حديث عبد الله بن عباس فأخرجه الشيخان باللفظ الذي ذكره الخطابي وقد تقدم آنفا
وفي الباب أيضا عن بن مسعود أخرجه بن ماجه بإسناد صحيح وعن أبي موسى أخرجه أبو علي الطوسي في الأحكام وعن جابر أخرجه بن عدي في الكامل وفيه علي بن عاصم وهو ضعيف ذكره الشوكاني في النيل
قوله (حديث أبي رافع حديث حسن) وأخرجه أبو داود وبن ماجه وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره
قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يصلي الرجل وهو معقوص شعره) قال العراقي وهو مختص بالرجال دون النساء لأن شعرهن عورة يجب ستره في الصلاة فإذا نقضته ربما استرسل وتعذر ستره فتبطل صلاتها وأيضا فيه مشقة عليها في نقضه للصلاة وقد رخص لهن صلى الله عليه وسلم في أن لا ينقضن ضفائرهن في الغسل مع الحاجة إلى بل جميع الشعر
$ 68 - (باب ما جاء في التخشع في الصلاة [385])
التخشع هو السكون والتذلل قيل والخشوع قريب المعنى من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في البصر والبدن والصوت وقيل الخضوع في الظاهر والخشوع في الباطن
قوله (أخبرنا عبد ربه بن سعيد) بن قيس الأنصاري أخو يحيى المدني ثقة من الخامسة (عن عمران بن أبي أنس) عن عبد الله بن نافع بن (العمياء) مجهول من الثالثة كذا في التقريب
وقال الذهبي في الميزان عبد الله بن نافع بن أبي العمياء وربما قيل بن النافع بن العمياء عن ربيعة بن الحارث قال البخاري لا يصح حديثه وقال العقيلي روى عنه عمران بن أبي أنس حديثه الصلاة مثنى مثنى وتضرع وتخشع الحديث
قوله الصلاة مثنى مثنى قيل الصلاة مبتدأ ومثنى مثنى خبره والأول تكرير والثاني توكيد (تشهد في كل ركعة) خبر بعد خبر كالبيان لمثنى مثنى أي ذات تشهد وكذا المعطوفات ولو جعلت أوامر اختل النظم وذهب الطراوة والطلاوة قاله الطيبي
وقال التوربشتي وجدنا الرواية فيهن بالتنوين لا غير وكثير ممن لا علم له بالرواية يسردونها على الأمر ونراها تصحيفا كذا في المرقاة شرح المشكاة
وقال السيوطي في قوت المغتذي قال العراقي المشهور في هذه الرواية أنها أفعال مضارعة حذف منها إحدى التاءين ويدل عليه قوله في رواية أبي داود وأن تتشهد ووقع في بعض
الروايات بالتنوين فيها على الاسمية وهو تصحيف من بعض الرواة انتهى (وتخشع) التخشع السكون والتذلل وقيل الخشوع قريب المعنى من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في البصر والبدن والصوت وقيل الخضوع في الظاهر والخشوع في الباطن والأظهر أنهما بمعنى لقوله عليه السلام لو خشع قلبه لخشعت جوارحه كذا في المرقاة
والخشوع من كمال الصلاة قال الله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون قال القارىء وفي قوله تخشع إشارة إلى أنه إن لم يكن له خشوع فيتكلف ويطلب من نفسه الخشوع ويتشبه بالخاشعين (وتضرع) في النهاية التضرع التذلل والمبالغة في السؤال والرغبة يقال ضرع يضرع بالكسر والفتح وتضرع إذا خضع وذل (وتمسكن) قال بن الملك التمسكن إظهار الرجل المسكنة من نفسه
وقال الجزري في النهاية وفيه أنه قال للمصلي تبأس وتمسكن أن تذل وتخضع وهو تمفعل من السكون والقياس أن يقال تسكن وهو الأكثر الأفصح وقد جاء على الأول أحرف قليلة قالوا تمدرع وتمنطق وتمندل انتهى (وتقنع يديك) من إقناع اليدين رفعهما في الدعاء ومنه قوله تعالى مقنعي رؤوسهم أي ترفع بعد الصلاة يديك للدعاء فعطف على محذوف أي إذا فرغت منها فسلم ثم ارفع يديك سائلا حاجتك فوضع الخبر موضع الطلب
قال المظهر فإن قلت لو جعلتها أوامر وعطفت أمرا على أمر وقطعت تشهد عن الجملة الأولى لاختلاف الخبر والطلب لكان لك مندوحة عن هذا التقدير
قلت حينئذ خرج الكلام الفصيح إلى التعاظل في التركيب وهو مذموم
وذكر بن الأثير أن توارد الأفعال تعاظل ونقلنا عنه في التبيان شواهد نقله الطيبي وقوله تعاظل بالظاء المشالة ففي القاموس تعظلوا عليه اجتمعوا ويوم العظالى كحبارى معروف لأن الناس ركب بعضهم بعضا أو لأنه ركب الاثنان والثلاثة دابة كذا في المرقاة (يقول) أي الراوي معناه (ترفعهما) أي لطلب الحاجة (إلى ربك) متعلق بقوله تقنع وقيل يقول فاعله النبي صلى الله عليه وسلم وترفعهما يكون تفسيرا لقوله وتقنع يديك (مستقبلا ببطونهما وجهك) أي ولو كان الدعاء استعاذة (وتقول يا رب يا رب) الظاهر أن المراد بالتكرار التكثير (ومن لم يفعل ذلك) أي ما ذكر من الأشياء في الصلاة (فهو) أي فعل صلاته (كذا وكذا قال الطيبي كناية عن أن صلاته ناقصة غير تامة يبين ذلك الرواية الأخرى) أعني قوله فهو
خداج (وقال غير بن المبارك في هذا الحديث) أي مكان من لم يفعل كذا وكذا (ومن لم يفعل ذلك فهو خداج) بكسر الخاء المعجمة أي ناقص قيل تقديره فهو ذات خداج أي صلاته ذات خداج أو وصفها بالمصدر نفسه للمبالغة والمعنى أنها ناقصة وفي الفائق الخداج مصدر خدجت الحامل إذا ألقت ولدها قبل وقت النتاج فاستعير والمعنى ذات نقصان فحذف المضاف وفي النهاية وصفها بالمصدر مبالغة كقوله فإنما هي إقبال وإدبار كذا في المرقاة وتقدم تفسير الخداج بالبسط فتذكر
وقال المنذري في الترغيب والخداج معناه ها هنا الناقص في الأجر والفضيلة انتهى فتفكر
قوله (فأخطأ في مواضع) أي من الإسناد (فقال عن أنس بن أنيس) بضم الهمزة مصغرا (قال محمد وحديث الليث بن سعد أصح من حديث شعبة) قال المنذري في الترغيب قال الخطابي أصحاب الحديث يغلطون شعبة في هذا الحديث ثم حكى قول البخاري المتقدم وقال قال يعقوب بن سفيان في هذا الحديث مثل قول البخاري وخطأ شعبة وصوب ليث بن سعد وكذلك قال محمد بن إسحاق بن خزيمة انتهى
وقال المنذري بعد ذكر حديث الباب ما لفظه رواه الترمذي والنسائي وبن خزيمة في صحيحه وتردد في ثبوته رووه كلهم عن ليث بن سعد بإسناد الترمذي قال ورواه أبو داود وبن ماجه من طريق شعبة عن عبد ربه عن بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع بن العمياء عن عبد الله بن الحارث عن المطلب بن أبي وداعة انتهى
وقال بن حجر المكي إسناده حسن
قلت مدار هذا الحديث على عبد الله بن نافع بن العمياء وهو مجهول على ما قال الحافظ
وقال البخاري لم يصح حديثه وذكره بن حبان في الثقات
$ 169 - (باب ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة [386])
التشبيك إدخال الأصابع بعضها في بعض
قوله (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه) بمراعاة السنن وحضور القلب وتصحيح النية (ثم خرج) أي من بيته (عامدا إلى المسجد) أي قاصدا إليه (فلا يشبكن بين أصابعه) أي لا يدخلن بعضها في بعض (فإنه في صلاة) أي حكما
والحديث فيه كراهة التشبيك من وقت الخروج إلى المسجد للصلاة وفيه أنه يكتب لقاصد الصلاة أجر المصلي من حين يخرج من بيته إلى أن يعود إليه
قال صاحب المنتقى بعد أن ساق هذا الحديث وقد ثبت في خبر ذي اليدين أنه عليه الصلاة والسلام شبك أصابعه في المسجد وذلك يفيد عدم التحريم ولا يمنع الكراهة لكونه فعله نادر انتهى
قال الشوكاني قد عارض حديث الباب يعني حديث كعب بن عجرة المذكور في هذا الباب مع ما فيه هذا الحديث الصحيح في تشبيكه صلى الله عليه وسلم بين أصابعه في المسجد وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين بلفظ ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان وشبك بين أصابعه
وفيهما من حديث أبي موسى المؤمن للمؤمن كالبنيان وشبك بين أصابعه وعند البخاري من حديث بن عمر قال شبك النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه
وهذه الأحاديث أصح من حديث الباب ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث بأن تشبيكه صلى الله عليه وسلم في حديث السهو كان لاشتباه الحال عليه في السهو الذي وقع منه ولذلك وقف كأنه غضبان
وتشبيكه في حديث أبي موسى وقع لقصد التشبيه لتعاضد المؤمنين بعضهم ببعض
كما أن البيان المشبك بعضه بعض يشد بعضه بعضا
وأما حديث الباب فهو محمول على التشبيك للعبث وهو منهي عنه في الصلاة ومقدماتها ولواحقها من الجلوس في المسجد والمشي إليه أو يجمع بما ذكره المصنف يعني صاحب المنتقى من أن فعله صلى الله عليه وسلم لذلك نادرا يرفع التحريم ولا يرفع الكراهة ولكن يبعد أن يفعل صلى الله عليه وسلم ما كان مكروها
والأولى أن يقال إن النهي عن التشبيك ورد بألفاظ خاصة بالأمة وفعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض قوله الخاص بهم كما تقرر في الأصول انتهى كلام الشوكاني
قوله (حديث كعب بن عجرة رواه غير واحد عن بن عجلان مثل حديث الليث) والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والدارمي كذا في المشكاة
قال ميرك كلهم من حديث سعيد المقبري عن رجل غير مسمى عن كعب بن عجرة لم يذكر الرجل لكن له شاهدا عند أحمد من حديث أبي سعيد ذكره القارىء في المرقاة وقد ذكر قبل هذا حديث أبي سعيد فقال وقد أخرج أحمد بإسناد جيد من حديث أبي سعيد يرفعه إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان فإن أحدكم لا يزال في الصلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه انتهى
وقال الشوكاني في النيل وحديث كعب بن عجرة أخرجه أيضا بن ماجه وفي إسناده عند الترمذي رجل مجهول وهو الراوي له عن كعب بن عجرة وقد كنى أبو داود هذا الرجل المجهول فرواه من طريق سعد بن إسحاق قال حدثني أبو ثمامة الخياط عن كعب وذكره بن حبان في الثقات وأخرج له في صحيحه هذا الحديث انتهى (وحديث شريك غير محفوظ) لأن شريكا قد خالف الليث بن سعد وغير واحد في روايته عن بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة وكان قد تغير حفظه وكان كثير الخطأ
وأما الليث بن سعد فقد كان ثقة ثبتا
$ 70 - (باب ما جاء في طول القيام في الصلاة [387])
قوله قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل قال طول القنوت هو يطلق بإزاء معان والمراد هنا طول القيام قال النووي باتفاق العلماء ويدل على ذلك تصريح أبي داود في حديث عبد الله بن حبشي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل قال طول القيام
والحديث يدل على أن القيام أفضل من السجود والركوع وغيرهما وإلى ذلك ذهب جماعة منهم الشافعي
قوله (وفي الباب عن عبد الله بن حبشي) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة وكسر الشين المعجمة وشدة الياء (وأنس بن مالك) أما حديث عبد الله بن حبشي فأخرجه أبو داود والنسائي بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل قال إيمان لا شك فيه
الحديث وفيه فأي الصلاة أفضل قال طول القنوت
وأما حديث أنس وأخرجه أحمد وبن حبان والحاكم في المستدرك عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال فيه فأي الصلاة أفضل قال طول القنوت
قوله (حديث جابر حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وبن ماجه
$ 71 - (باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود [388])
قوله (حدثنا أبو عمار) أسمه الحسين بن حريث بن الحسن بن ثابت مولى عمران بن حصين الخزاعي المروزي عن الفضل بن موسى والنضر بن شميل وفضيل بن عياض والوليد بن مسلم وعنه خ م د ت س د بالإجازة وثقه النسائي مات راجعا من الحج سنة أربع وأربعين ومائتين (حدثني معدان بن طلحة اليعمري) قال الحافظ في التقريب معدان بن أبي طلحة ويقال بن طلحة اليعمري بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة شامي ثقة من الثانية
(قال لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الحافظ ثوبان الهاشمي مولى النبي صلى الله عليه وسلم صحبه ولازمه ونزل بعده الشام ومات بحمص سنة أربع وخمسين (فسكت عني مليا) قال في النهاية الملي الطائفة من الزمان لا حد لها
يقال مضى ملي من النهار وملي من الدهر أي طائفة منه ثم التفت إلي (وفي رواية مسلم) قال لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أخبرني بعمل أعمله يدخلني به الله الجنة أو قال بأحب الأعمال إلى الله فسكت ثم سألته فسكت ثم سألته الثالثة فقال سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
(فقال عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد إلخ) وفي رواية أحمد ومسلم وأبي داود عن ثوبان قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عليك بكثرة السجود فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة إلخ قال الشوكاني في النيل وهو يدل على أن كثرة السجود مرغب فيها والمراد به السجود في الصلاة وسبب الحث عليه ما ورد في حديث أبي هريرة من أن أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد وهو موافق لقوله تعالى واسجد واقترب كذا قال النووي وفيه دليل لمن يقول إن السجود أفضل من القيام وسائر أركان الصلاة وفي هذه المسألة مذاهب قد ذكرها المصنف
قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وأبي فاطمة) أما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء
وأما حديث أبي فاطمة فلينظر من أخرجه
قوله (حديث ثوبان وأبي الدرداء في كثرة الركوع والسجود حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود
قوله (وقد اختلف أهل العلم في هذا فقال بعضهم طول القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود) لحديث جابر المذكور في الباب المتقدم وإلى ذلك ذهب الشافعي وجماعة
قال
الشوكاني في النيل وهو الحق قال ولا يعارض حديث جابر وما في معناه الأحاديث الواردة في فضل السجود لأن صيغة أفعل الدالة على التفضيل إنما وردت في فضل طول القيام ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام وأما حديث ما تقرب العبد إلى الله بأفضل من سجود خفي فإنه لا يصح لإرساله كما قال العراقي ولأن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم وهو ضعيف وكذلك أيضا لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه حال سجوده أفضليته على القيام لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء قال العراقي الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا نشرع فيها الجماعة وعلى صلاة المنفرد فأما الإمام في الفرائض والنوافل فهو مأمور بالتخفيف المشروع إلا إذا علم من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء الصبي ونحوه فلا بأس بالتطويل وعليه يحمل صلاته في المغرب بالأعراف (وقال بعضهم كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام وممن قال بذلك بن عمر
وقال أحمد بن حنبل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان ولم يقض فيه بشيء) بل توقف فيه (وقال إسحاق أما بالنهار فكثرة الركوع والسجود) أي أفضل من طول القيام (وأما بالليل فطول القيام) أي أفضل من كثرة الركوع والسجود إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه أي جزء من القرآن يقوم به في الليل (فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلي لأنه يأتي على جزئه وقد ربح كثرة الركوع والسجود) والمعنى أن من كان له جزء من القرآن يقوم به كل ليلة فتكثير الركوع والسجود أفضل له لأنه يقرأ جزأه ويربح كثرة الركوع والسجود (قال أبو عيسى وإنما قال إسحاق
هذا لأنه كذا وصف) بصيغة المجهول (صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ووصف طول القيام إلخ) وكذا وجه بن عدي قول إسحاق ولفظه على ما نقل الشوكاني في النيل إنما قال إسحاق هذا لأنهم وصفوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل بطول القيام ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وصف من تطويله بالليل انتهى
$ 72 - (باب ما جاء في قتل الأسودين في الصلاة [390])
المراد بالأسودين الحية والعقرب
قوله (عن علي بن المبارك) الهنائي بضم الهاء وتخفيف النون ممدودا ثقة كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان أحدهما سماع والآخر إرسال فحديث الكوفيين عنه شيء من كبار السابعة كذا في التقريب
وقال النسائي ليس به بأس وقال بن حبان كان متقنا ظابطا كذا في التهذيب (عن ضمضم بن جوس) بفتح الجيم وسكون الواو ثم سين مهملة ويقال بن الحارث بن جوس اليمامي ثقة من الثالثة
قوله (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسودين في الصلاة) فيجوز قتلهما في الصلاة من غير كراهة (الحية والعقرب) بيان للأسودين وتسمية العقرب والحية بالأسودين من باب التغليب ولا يسمى بالأسود في الأصل إلا الحية
قوله (وفي الباب عن بن عباس وأبي رافع) أما حديث بن عباس فأخرجه الحاكم بإسناد ضعيف وأما حديث أبي رافع فأخرجه بن ماجه وفي إسناده مندل وهو ضعيف وكذلك شيخه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع وفي الباب عن بن عمر عن إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم عنه البخاري ومسلم وعن عائشة عند أبي يعلى الموصلي وفي إسناده معاوية بن يحيى الصد في ضعفه وعن رجل من بني عدي بن كعب عند أبي داود بإسناد منقطع
قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) كذا في النسخ الموجودة عندنا وذكر
صاحب المنتقى هذا الحديث وقال رواه الخمسة وصححه الترمذي انتهى قال الشوكاني في النيل الحديث نقله بن عساكر في الأطراف وتبعه المزي وتبعهما المصنف أن الترمذي صححه والذي في النسخ أنه قال حديث حسن ولم يرتفع إلى الصحة وأخرجه أيضا بن حبان والحاكم وصححه انتهى فظهر من كلام الشوكاني أن نسخ الترمذي مختلفة ففي بعضها حديث حسن وفي بعضها حديث حسن صحيح
قوله (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وبه يقول أحمد وإسحاق) وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء كما قال العراقي وقال وأما من قتلها في الصلاة أوهم بقتلها فعلي بن أبي طالب وبن عمر
روى بن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح أنه رأى ريشة وهو يصلي فحسب أنها عقرب فضربها بنعله
ورواه البيهقي أيضا وقال فضربها برجله وقال حسبت أنها عقرب ومن التابعين الحسن البصري وأبو العالية وعطاء ومورق العجلي وغيرهم انتهى
(وكره بعض أهل العلم قتل الحية والعقرب في الصلاة قال إبراهيم) هو النخعي (إن في الصلاة لشغلا) كذا روي ذلك عن إبراهيم بن أبي شيبة في المصنف وروى بن أبي شيبة أيضا عن قتادة أنه قال إذا لم تتعرض لك فلا تقتلها
واستدل المانعون من ذلك إذا بلغ إلى حد الفعل الكثير كالهادوية والكارهون له كالنخعي بحديث إن في الصلاة لشغلا
وبحديث اسكنوا في الصلاة
عند أبي داود ويجاب عن ذلك بأن حديث الباب خاص فلا يعارضه ما ذكروه وهكذا يقال في كل فعل كثير ورد الإذن به كحديث حمله صلى الله عليه وسلم لأمامة
وحديث خلعه للنعل وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم على المنبر ونزوله للسجود ورجوعه بعد ذلك وحديث أمره صلى الله عليه وسلم بدرء المار وإن أفضى إلى المقاتلة وحديث مشيه لفتح الباب وكل ما كان كذلك ينبغي أن يكون مخصصا لعموم أدلة المنع
واعلم أن الأمر بقتل الحية والعقرب مطلق غير مقيد بضربة أو ضربتين وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاك للحية ضربة أصبتها أم أخطأتها وهذا يوم التقييد بالضربة قال البيهقي وهذا إن صح فإنما أراد والله أعلم وقوع الكفاية بها في الإتيان بالمأمور
فقد أمر صلى الله عليه وسلم بقتلها وأراد والله أعلم إذا امتنعت بنفسها عند الخطأ ولم يرد به المنع من الزيادة على ضربة واحدة ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة عند مسلم من
قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية قال في شرح السنة وفي معنى الحية والعقرب كل ضرار مباح القتل كالزنابير ونحوها كذا في النيل
$ 73 - (باب ما جاء في سجدتي السهو قبل السلام [391])
قال الحافظ في الفتح السهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره
وفرق بعضهم بين السهو والنسيان وليس بشيء انتهى وقال العيني بينهما فرق دقيق وهو أن السهو أن ينعدم له شعور والنسيان له فيه شعور
قوله (عن عبد الله بن بحينة) هو عبد الله بن مالك وأما بحينة فهي أمه فاسم أبيه مالك واسم أمه بحينة (الأسدي) بسكون السين والأسد والأزد واحد
وبحينة بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة وبعدها ياء التصغير ونون وهي أمه وأبوه مالك بن القشب وليس له عند المنصف وأبي داود إلا هذا الحديث
كذا في قوت المغتذي
قوله (قام في صلاة الظهر وعليه جلوس أي والحال أن عليه أن يجلس) وفي رواية البخاري قام من اثنتين من الظهر (فلما أتم صلاته) قد استدل به لمن زعم أن السلام ليس من الصلاة حتى لو أحدث بعد أن جلس وقبل أن يسلم تمت صلاته وهو قول بعض الصحابة والتابعين وبه قال أبو حنيفة وتعقب بأنه لما كان السلام لتحليل من الصلاة كان المصلي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته ويدل على ذلك قوله في رواية بن ماجه من طريق جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يسلم فدل على أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه والزيادة من الحافظ مقبولة كذا في فتح الباري (سجد سجدتين يكبر في كل سجدة) وفي رواية بن ماجه فكبر ثم سجد ثم كبر فرفع رأسه ثم كبر فسجد ثم كبر فرفع رأسه ثم سلم (وهو جالس) جملة حالية متعلقة بقوله سجد أي أنشأ السجود جالسا (قبل أن يسلم) استدل به على أن سجود السهو قبل السلام ولا حجة فيه في كون جميعه كذلك نعم يرد على من زعم أن جميعه بعد
السلام كالحنفية وسيأتي ذكر مستندهم (وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس) استدل به على أن السجود خاص بالسهو فلو تعمد ترك شيء مما يخبر بسجود السهو لا يسجد وهو قول الجمهور ورجحه الغزالي وناس من الشافعية
قوله (وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف) أخرجه أحمد وبن ماجه وأخرجه الترمذي أيضا
قوله (أخبرنا عبد الأعلى وأبو داود وأبو داود هذا هو أبو داود الطيالسي واسمه سليمان بن داود) وأما عبد الأعلى بن محمد البصري الشامي روى عن هشام الدستوائي وخلق وعنه بندار وغيره قال بن معين وأبو زرعة ثقة وقال النسائي لا بأس به وذكره بن حبان في الثقات وقال كان متقنا في الحديث قدريا غير واعية إليه (قال أخبرنا هشام) هو هشام بن أبي عبد سنبر الدستوائي ثقة ثبت روى عنه أبو داود الطيالسي وقال كان أمير المؤمنين في الحديث (عن محمد بن إبراهيم) التيمي المدني ثقة
قوله (أن أبا هريرة والسائب القارىء كانا يسجدان سجدتي السهو قبل التسليم) وذكر الحافظ العراقي أبا هريرة فيمن ذهب إلى أن سجود السهو كله بعد التسليم قال وروى الترمذي عنه خلاف ذلك
قوله (حديث بن بحينة حديث حسن) بل هو صحيح أخرجه الشيخان
قوله (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول الشافعي يرى سجود السهو كله قبل التسليم) قال الحازمي في كتاب الاعتبار وممن رأى السجود كله قبل التسليم أبو هريرة ومكحول والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عبد الرحمن والأوزاعي وأهل الشام
والليث بن سعد وهو مذهب الشافعي انتهى (ويقول) أي الشافعي (هذا الناسخ لغيره من الأحاديث ويذكر أن آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم كان على هذا) قال الشافعي أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري قال سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتي السهو قبل السلام وبعده وآخر الأمرين قبل السلام ثم أكده الشافعي برواية معاوية بن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم سجدهما قبل السلام
قال وصحبة معاوية متأخرة ذكره الحازمي في كتاب الاعتبار ثم قال وطريق الإنصاف أن نقول أما حديث الزهري الذي فيه دلالة على النسخ ففيه انقطاع فلا يقع معارضا للأحاديث الثابتة وأما بقية الأحاديث في السجود قبل السلام وبعده قولا وفعلا فهي وإن كانت صحيحة ثابتة ففيها نوع تعارض غير أن تقديم بعضها على بعض غير معلوم برواية موصولة صحيحة والأشبه حمل الأحاديث على التوسع وجواز الأمرين انتهى كلام الحازمي
ورواية معاوية التي أشار إليها الحازمي أخرجها هو بلفظ إن معاوية بن أبي سفيان صلى بهم فنسي وقام وعليه جلوس فلم يجلس فلما كان آخر صلاته سجد سجدتين قبل التسليم ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع (وقال أحمد وإسحاق إذا قام الرجل في الركعتين فإنه يسجد سجدتين السهو قبل السلام على حديث بن بحينة) يأتي تحرير مذهبهما في هذا الكتاب (وعبد الله بن بحينة) هو وعبد الله بن مالك بالتنوين (بن بحينة) بالألف (مالك أبوه وبحينة أمه) فيجب أن يكتب ألف بن وينون مالك ليندفع الوهم ويعرف أن بن بحينة نعت لعبد الله لا لمالك قال الحافظ في الفتح بحينة اسم أمه أو أم أبيه وعلى هذا فينبغي أن يكتب بن بحينة بألف انتهى
(فرأى بعضهم أن يسجدهما بعد السلام وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة) قال الحازمي في كتاب الاعتبار طائفة رأت السجود كله بعد السلام وممن روينا ذلك عنه من
الصحابة علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم ومن التابعين الحسن وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأهل الكوفة انتهى
واستدلوا بالأحاديث التي ذكر فيها السجود بعد السلام وأنت تعلم أنه لا حجة فيها في كون جميعه كذلك (وقال بعضهم يسجدهما قبل السلام وهو قول أكثر الفقهاء إلخ) قال الحازمي في كتاب الاعتبار وممن رأى السجود كله قبل السلام أبو هريرة ومكحول والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عبد الرحمن والأوزاعي وأهل الشام والليث بن سعد وهو مذهب الشافعي (وقال بعضهم إذا كانت زيادة في الصلاة فبعد السلام وإذا كان نقصانا فقبل السلام
وهو قول مالك بن أنس) وهو قول المزني وأبي ثور من الشافعية وزعم بن عبد البر أنه أولى من قول غيره للجمع بين الخبرين قال وهو موافق للنظر لأنه في النقص جبر فينبغي أن يكون من أصل الصلاة وفي الزيادة ترغيم للشيطان فيكون خارجها
وقال بن دقيق العيد لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة وإذا كانت المناسبة ظاهرة وكان الحكم على وقفها كانت علة فيعم الحكم جميع محالها فلا تخصص إلا بنص
وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيما للشيطان فقط ممنوع بل هو جبر أيضا لما وقع من الخلل فإنه وإن كان زيادة فهو نقص في المعنى وإنما سمى النبي صلى الله عليه وسلم سجود السهو ترغيما للشيطان في حالة الشك كما في حديث أبي سعيد عند مسلم وقال الخطابي لم يرجح من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح
وأيضا فقصة ذي اليدين وقع السجود فيها بعد السلام وهي عن نقصان كذا في فتح الباري (وقال أحمد ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيستعمل) على البناء للمفعول (كل) أي كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (على جهته) أي على جهة ما روي (يرى إذا قام في الركعتين على حديث بن بحينة فإنه يسجدها قبل السلام) هذا تفصيل لقوله فيستعمل كل على جهته ويرى بمعنى يعتقد أن يرى الإمام أحمد أنه إذا قام الرجل في الرباعية أو الثلاثية في الركعتين سهوا ولم
يجلس فإنه يسجد سجدتي السهو قبل السلام كما في حديث عبد الله بن بحينة (وإذا صلى الظهر خمسا فإنه يسجدهما بعد السلام كما في حديث عبد الله بن مسعود الآتي وإذا سلم في الركعتين من الظهر والعصر فإنه يسجدهما بعد السلام) كما في حديث ذي اليدين والمواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أحدها قام من ثنتين على ما جاء في حديث بن بحينة والثاني سلم في ثنتين كما جاء في حديث ذي اليدين والثالث سلم من ثلاث كما جاء في حديث عمران بن حصين والرابع أنه صلى خمسا كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود والخامس السجود على الشك كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري كذا ذكره العيني في شرح البخاري
قلت هذا إذا كانت واقعة حديث ذي اليدين غير واقعة حديث عمران بن حصين وأما إذا كانتا واحدة فالمواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة (وكل سهو ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فإن سجدتي السهو فيه قبل السلام) هذا آخر قول الإمام أحمد وحاصل قوله أنه يستعمل كل حديث فيما ورد فيه وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل السلام وقال لولا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لرأيته كله قبل السلام لأنه من شأن الصلاة فيفعله قبل السلام كذا في فتح الباري (وقال إسحاق نحو قول أحمد في هذا كله إلا أنه قال كل سهو ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر إلخ) حرر إسحاق مذهبه من قولي أحمد ومالك
قال الحافظ وهو أعدل المذاهب فيما يظهر انتهى
وقال الشوكاني في النيل بعد ذكر ثمانية أقوال في هذه المسألة ما لفظه وأحسن ما يقال في المقام أنه يعمل على ماتقتضيه أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم من السجود قبل السلام وبعده فما كان من أسباب السجود مقيدا بقبل السلام سجد له قبله وما كان مقيدا ببعد السلام سجد له بعده وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيرا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص لما أخرجه مسلم في صحيحه عن بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين
وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصا أو مجموعهما قال وهذا ينبغي أن يعد مذهبا تاسعا انتهى كلام الشوكاني قلت هذا هو أحسن الأقوال عندي والله تعالى أعلم
$ 174 - (باب ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام [392])
قوله (عن الحكم) بفتحتين هو بن عتيبة الفقيه الكوفي (عن إبراهيم) هو بن يزيد النخعي
قوله (صلى الظهر خمسا) أي خمس ركعات (أزيد في الصلاة) بهمزة الاستفهام للاستخبار (فسجد سجدتين بعد ما سلم) أي فسجد سجدتين للسهو بعد السلام الصلاة وفي رواية للبخاري فقيل له أزيد في الصلاة فقال وما ذاك قالوا صليت خمسا فسجد سجدتين بعد ما سلم
وفي رواية لمسلم فلما انفتل توشوش القوم فقال ما شأنكم قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة قال لا قالوا فإنك قد صليت خمسا فانفتل فسجد سجدتين والحديث ظاهر فيما ترجم به الترمذي واستدل به على أن من صلى خمسا ساهيا ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد خلافا للكوفيين وقولهم يحمل على أنه قعد في الرابعة يحتاج إلى دليل بل السياق يرشد إلى خلافه وعلى أن الزيادة في الصلاة على سبيل السهو لا تبطلها وعلى أن من لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام يسجد للسهو وعلى أن الكلام العمد فيما يصلح به الصلاة لا يفسد كذا في فتح الباري
قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة