قوله (والمغرب في الحضر والسفر سواء) حال أي مستويا عددها فيهما وقوله ثلاث ركعات بيان لها (ولا ينقص في حضر ولا سفر) على البناء للفاعل أي لا ينقص
رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب عن ثلاث ركعات في الحضر ولا في السفر لأن القصر منحصر في الرباعية (وهي وتر النهار) جملة حالية كالتعليل لعدم جواز النقصان قاله الطيبي وحديث بن عمر هذا يدل على جواز الإتيان بالرواتب في السفر
(باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين)
أي في السفر [553] قوله (عن أبي الطفيل) اسمه عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي وربما سمي عمروا ولد عام أحد ورأى النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن أبي بكر وعمن بعده وعمر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح وهو آخر من مات من الصحابة قاله مسلم وغيره كذا في التقريب
قوله (كان في غزوة تبوك) غير منصرف على المشهور وهو موضع قريب من الشام (قبل زيغ الشمس) أي قبل الزوال فإن زيغ الشمس هو ميلها عن وسط السماء إلى جانب المغرب (عجل العصر إلى الظهر وصل الظهر والعصر جميعا) فيه دلالة على جواز جمع التقديم في السفر وهو نص صريح فيه لا يحتمل تأويلا
قوله (وفي الباب عن علي وبن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو وعائشة وبن عباس
وأسامة بن زيد وجابر) أما حديث علي فأخرجه الدارقطني عن بن عقدة بسند له من حديث أهل البيت وفي إسناده من لا يعرف
وفيه أيضا المنذر الكابوسي وهو ضعيف وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند بإسناد آخر عن علي أنه كان يفعل ذلك وأما حديث بن عمر فأخرجه الجماعة إلا بن ماجه وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما فإذا زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب
وفي رواية لمسلم كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما قال الحافظ في فتح الباري قوله صلى الظهر ثم ركب كذا فيه الظهر فقط وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما
وبه احتج من أبى جمع التقديم لكن روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة فقال كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل
أخرجه الإسماعيلي
وأعل بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق
وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان انتهى
وقال في بلوغ المرام بعد ذكر حديث أنس هذا وفي رواية الحاكم في الأربعين بإسناد الصحيح صلى الظهر والعصر ثم ركب
ولأبي نعيم في مستخرج مسلم كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل انتهى
وقال في التلخيص وحديث أنس رواه الإسماعيلي والبيهقي من حديث إسحاق بن راهويه عن شبابة بن سوار عن الليث عن عقيل عن الزهري عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل
وإسناده صحيح قال النووي وفي ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق ولكن له متابع رواه الحاكم في الأربعين له عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصغائي عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن بن شهاب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب
وهو في الصحيحين من هذا الوجه بهذا السياق وليس فيهما والعصر وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد وقد صححه المنذري من هذا الوجه والعلائي وتعجب من الحاكم كونه لم يورده في المستدرك وله طريق أخرى رواها الطبراني في الأوسط ثم ذكرها الحافظ بسندها ومتنها وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من
أخرجه وأما حديث عائشة فأخرجه الطحاوي وأحمد والحاكم عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر ويؤخر المغرب ويقدم العشاء وأما حديث بن عباس فأخرجه أحمد وآخرون بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب فإذا لم تزغ في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما
قال الحافظ في الفتح في إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف لكن له شواهد من طريق حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن بن عباس لا أعلمه إلا مرفوعا أنه كان إذا نزل منزلا في السفر فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر ثم يرتحل فإذا لم يتهيأ له المنزل مد في السير فسار حتى ينزل فيجمع بين الظهر والعصر أخرجه البيهقي ورجاله ثقات إلا أنه مشكوك في رفعه والمحفوظ أنه موقوف
وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزوما بوقفه على بن عباس ولفظه إذا كنتم سائرين فذكر نحوه انتهى كلام الحافظ
وأما حديث أسامة بن زيد فأخرجه البخاري ومسلم وفيه بيان الجمع بمزدلفة
وأما حديث جابر وهو جابر بن عبد الله فأخرجه مسلم في حديث طويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا
قوله (وروي عن علي بن المديني عن أحمد بن حنبل هذا الحديث) أي حديث معاذ المذكور في الباب
قوله (وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة إلخ)
قال الحافظ في التلخيص بعد نقل كلام الترمذي هذا وقال أبو داود هذا حديث منكر وليس في جمع التقديم حديث قائم
وقال أبو سعيد بن يونس لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة ويقال إنه غلط فيه تغير بعض الأسماء وأن موضع يزيد بن حبيب أبو الزبير وقال بن أبي حاتم في العلل عن أبيه لا أعرفه
من حديث يزيد والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث
وأطنب الحاكم في علوم الحديث في بيان علة هذا الخبر فيراجع منه
قال وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل
أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل وهشام مختلف فيه وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم انتهى
قوله (وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحاق) قال الحافظ في الفتح قال بإطلاق جواز الجمع كثير من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب انتهى
يعني قالوا بجواز الجمع في السفر مطلقا سواء كان سائرا أم لا وسواء كان سيرا مجدا أم لا
قال الحافظ وقال قوم لا يجوز الجمع مطلقا إلا بعرفة ومزدلفة
وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه انتهى
وقيل يختص الجمع بمن يجد في السير
قاله الليث وهو القول المشهور عن مالك
وقيل يختص بالمسافر دون المنازل
وهو قول بن حبيب
وقيل يختص بمن له عذر
حكي عن الأوزاعي
وقيل يجوز جمع التأخير دون التقديم وهو مروي عن مالك وأحمد واختاره بن حزم انتهى
(يقولان لا بأس أن يجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما) كذا في النسخ يقولان بصيغة التثنية والظاهر أن يقول يقولون بصيغة الجمع والمعنى يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يجوز الجمع بين الصلاتين في السفر بجمعي التقديم والتأخير وهو الحق واستدلوا على جواز جمع التقديم بحديث معاذ المذكور في الباب وبحديث أنس وبحديث بن عباس وبحديث جابر وقد ذكرنا ألفاظ هذه الأحاديث واستدلوا على جواز جمع التأخير بحديث بن عمر الآتي في هذا الباب وبحديث أنس الذي تقدم لفظه
وأجاب الحنفية عن هذه الأحاديث بأنها محمولة على الجمع الصوري
ورد هذا الجواب بأن الأحاديث الواردة في الجمع بعضها نصوص صريحة في جمع التقديم وفي جمع التأخير
لا تحتمل تأويلا
قال صاحب التعليق الممجد حمل أصحابنا يعني الحنفية الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوري
وقد بسط الطحاوي الكلام فيه في شرح معاني الآثار لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت صريحة بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت وهي مروية في صحيح البخاري وسنن أبي داود وصحيح مسلم وغيرها من
الكتب المعتمدة على ما لا يخفي من نظر فيها فإن حمل على أن الرواة لم يحصل التميز لهم فظنوا قرب خروج الوقت فهذا أمر بعيد عن الصحابة الناهين على ذلك وإن اختير ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد فهو أبعد وأبعد مع إخراج الأئمة لها وشهادتهم بتصحيحها وإن عورض بالأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت والتقديم في أول الوقت فهو أعجب فإن الجمع بينهما يحملها على اختلاف الأحوال ممكن بل هو الظاهر انتهى كلام صاحب التعليق الممجد
وقال إمام الحرمين ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرق إليها تأويل ودليله من حيث المعنى الاستنباط من الجمع بعرفة ومزدلفة فإن سببه احتياج الحاج إليه لاشتغالهم بمناسكهم وهذا المعنى موجود في كل الأسفار ولم تتقيد الرخص كالقصر والفطر بالنسك إلى أن قال ولا يخفى على منصف أن الجمع أرفق من القصر فإن القائم إلى الصلاة لا يشق عليه ركعتان يضمهما إلى ركعتيه ورفق الجمع واضح لمشقة النزول على المسافر انتهى كذا نقل كلام إمام الحرمين الحافظ في الفتح
وتعقب الخطابي وغيره على من حمل أحاديث الجمع على الجمع الصوري بأن الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقا من الإتيان بكل صلاة في وقتها لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلا عن العامة
ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول بن عباس أن لا يحرج أمته
أخرج مسلم