قوله (حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي الكوفي) هو موسى بن عبد الرحمن بن سعيد بن مسروق الكندي المسروقي أبو عيسى الكوفي من شيوخ الترمذي قال في التقريب ثقة من كبار الحادية عشر (حدثني سليم بن عامر) الكلاعي ويقال الخبايري الحمصي ثقة من الثالثة غلط من قال إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم مات سنة ثلاثين ومائة
قوله (وصلوا خمسكم) أضاف إليهم ليقابل العمل بالثواب في قوله جنة ربكم ولينعقد البيع والشراء بين العبد والرب كما في قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الآية
وقال الطيبي حكمة إضافة هذا وما بعده إليهم إعلامهم بأن ذوات هذه الأعمال بكيفيتها المخصوصة من خصوصياتهم التي امتازوا بها عن سائر الأمم
وحثهم على
المبادرة للامتثال بتذكيرهم بما خوطبوا به وتذكيرهم بأن هذه الإضافة العملية يقابلها إضافة فضلية هي أعلى منها وأتم وهي الجنة المضافة إلى وصف الربوبية المشعر بمزيد تربيتهم وتربية نعيمهم بما فارقوا به سائر الأمم (وصوموا شهركم) المختص بكم وهو رمضان وأبهمه الدلالة على أنه صار من الظهور عندهم إلى حد لا يقبل الشك والتردد (وأدوا زكاة أموالكم) في الخلعيات وأدوا زكاتكم طيبة بها أنفسكم وحجوا بيت ربكم كذا في قوت المغتذي والمراد بأموالكم أي التي هي ملك لكم (وأطيعوا ذا أمركم) قال القارىء أي الخليفة والسلطان وغيرهما من الأمراء أو المراد العلماء أو أعم أي كل من تولى أمرا من أموركم سواء كان السلطان ولو جائرا ومتغلبا وغيره ومن أمرائه وسائر نوابه إلا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولم يقل أميركم إذ هو خاص عرفا ببعض من ذكر ولأنه أوفق لقوله تعالى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم انتهى كلام القارىء
قلت المراد بقوله (ذا أمركم) هو الذي أريد بقوله أولي الأمر في هذه الآية قال البخاري في صحيحه باب قوله أولي الأمر منكم ذوي الأمر قال الحافظ وهو تفسير أبي عبيدة قال ذلك في هذه الآية وزاد
والدليل على ذلك أن واحدها ذو أي واحد أولي لأنها لا واحد لها من لفظها قال واختلف في المراد بأولي الأمر في هذه الآية فعن أبي هريرة هم الأمراء أخرجه الطبراني بإسناد صحيح وأخرج عن ميمون بن مهران وغيره نحوه وعن جابر بن عبد الله قال هم أهل العلم والخير وعن مجاهد وعطاء وأبي الحسن وأبي العالية هم العلماء ومن وجه آخر أصح منه عن مجاهد قال هم الصحابة وهذا أخص وعن عكرمة أبو بكر وعمر وهذا أخص من الذي قبله ورجح الشافعي الأول واحتج له بأن قريشا كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم من أطاع أميري فقد أطاعني
متفق عليه واختار الطبري حملها على العموم وإن نزلت في سبب خاص قاله الحافظ في الفتح قلت والراجح أن المراد بقوله (ذا أمركم) في الحديث وبقوله أولي الأمر في الآية هم الأمراء ويؤيده شأن نزولها فروى البخاري في صحيحه عن بن عباس أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم قال نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية انتهى
وعقد البخاري رحمه الله في ابتداء كتاب الأحكام من صحيحه بابا بلفظ باب قول الله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وأورد فيه حديثين الأول حديث أبي هريرة الذي فيه ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد
عصاني والثاني حديث بن عمر ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته
قال الحافظ في الفتح في هذا إشارة من المصنف إلى ترجيح القول الصائر إلى أن الآية نزلت في طاعة الأمراء خلافا لمن قال نزلت في العلماء وقد رجح ذلك أيضا الطبري وقال بن عيينة سألت زيد بن أسلم عنها ولم يكن بالمدينة أحد يفسر القرآن بعد محمد بن كعب مثله فقال اقرأ ما قبلها تعرف فقرأت إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الآية فقال هذه في الولاة انتهى
وقال العيني في عمدة القارىء ص 455 ج 8 قوله وأولى الأمر منكم في تفسيره أحد عشر قولا الأول الأمراء قاله بن عباس وأبو هريرة وبن زيد والسدي الثاني أبو بكر وعمر رضي الله عنهما الثالث جميع الصحابة قاله مجاهد الرابع الخلفاء الأربعة قاله أبو بكر الوراق فيما قاله الثعلبي الخامس المهاجرون والأنصار قاله عطاء السادس الصحابة والتابعون السابع أرباب العقل الذين يسوسون أمر الناس قاله بن كيسان الثامن العلماء والفقهاء قاله جابر بن عبد الله والحسن وأبو العالية التاسع أمراء السرايا قاله ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي والعاشر أهل العلم والقرآن قاله مجاهد واختاره مالك الحادي عشر عام في كل من ولي أمر شيء وهو الصحيح وإليه مال البخاري بقوله ذوي الأمر انتهى كلام العيني
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه بن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم ولا يعرف له علة ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بأحاديث لسليم بن عامر وسائر رواته متفق عليهم كذا في نصب الراية
وفي الباب عن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في كتاب مسند الشاميين مرفوعا بلفظ أخلصوا عبادة ربكم وصلوا خمسكم وأدوا زكاة أموالكم وصوموا شهركم وحجوا بيت ربكم تدخلوا جنة ربكم ذكره الزيلعي في نصب الراية
$ 5 - أبواب الزكاة
هي الركن الثالث من الأركان التي بني الاسلام عليها
قال بن العربي في عارضة الأحوذي تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو وتعريفها في الشرع إعطاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه غير هاشمي ولا مطلبي ثم لها ركن وهو الإخلاص
وشرط وهو السبب وهو ملك النصاب الحولي وشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرية ولها حكم وهو سقوط الواجب في الدنيا وحصول الثواب في الأخرى وحكمة وهي التطهير من الأدناس ورفع الدرجة واسترقاق الأحرار انتهى
قال الحافظ في الفتح هو جيد لكن في شرط من تجب عليه اختلاف انتهى
باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في منع الزكاة من التشديد