Justice CouncilHadith commentaries

Awn al-Ma'bud on Sunan Abi Dawud 2042

عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته — محمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر، أبو عبد الرحمن، شرف الحق، الصديقي، العظيم آبادي (المتوفى: 1329هـ)

al-Azimabadi (d. 1329 AH) Printed edition: vol. 6, p. 21 The hadith: abudawud:2042

$ 00 - (باب زيارة القبور)

(لا تجعلوا بيوتكم قبورا) أي لا تتركوا الصلوات والعبادة فتكونوا فيها كأنكم أموات

شبه المكان الخالي عن العبادة بالقبور والغافل عنها بالميت ثم أطلق القبر على المقبرة

وقيل المراد لا تدفنوا في البيوت وإنما دفن المصطفى في بيت عائشة مخافة اتخاذ قبره مسجدا ذكره القاضي قاله المناوي في فتح القدير وقال الخفاجي ولا يرد عليه أنه صلى الله عليه وسلم دفن في بيته لأنه اتبع فيه سنة الأنبياء عليهم السلام كما ورد ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض

فهو مخصوص بهم انتهى (ولا تجعلوا قبري عيدا) قال الإمام بن تيمية رحمه الله معنى الحديث<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد أبعد بعض المتكلفين وقال يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات

كالعبد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين قال ويؤيد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه لا تجعلوا بيوتكم قبورا أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها

لا تعطلوا البيوت من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور فأمر بتحري العبادة بالبيوت ونهى عن تحريها عند القبور عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة

والعيد اسم ما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدا ما يعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك

وقال بن القيم العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان مأخوذ من المعاودة والاعتياد فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع الانتياب بالعبادة وبغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيدا للحنفاء ومثابة للناس كما جعل أيام العيد منها عيدا

وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر انتهى

قال المناوي في فتح القدير معناه النهي عن الاجتماع لزيارته اجتماعهم للعيد إما لدفع المشقة أو كراهة أن يتجاوزوا حد التعظيم

وقيل العيد ما يعاد إليه أي لا تجعلوا قبري عيدا تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا علي فظاهره منهي عن المعاودة والمراد المنع عما يوجبه وهو ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه ويؤيده قوله (وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) أي لا تتكلفوا المعاودة إلي فقد استغنيتم بالصلاة علي

قال المناوي ويؤخذ منه أن اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو شهر مخصوص من السنة ويقولون هذا يوم مولد الشيخ ويأكلون ويشربون وربما يرقصون فيه منهي عنه شرعا وعلى ولي الشرع ردعهم على ذلك وإنكاره عليهم وإبطاله انتهى<span class="matn-hr"> </span>Qقال بعضهم وزيارة قبره صلوات الله وسلامه عليه غنية عن هذا التكلف البارد والتأويل الفاسد الذي يعلم فساده من تأمل سياق الحديث ودلالة اللفظ على معناه وقوله في آخره وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم وهل في الألغاز أبعد من دلالة من يريد الترغيب في الإكثار من الشيء وملازمته بقوله لا تجعله عيدا وقوله ولا تتخذوا بيوتكم قبورا نهي لهم أن يجعلوه بمنزلة القبور التي لا يصلى فيها وكذلك نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيدا نهي لهم أن يجعلوه مجمعا

كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة بل يزار قبره صلوات الله وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم على الوجه الذي يرضيه ويحبه صلوات الله وسلامه عليه

وقال شيخ الإسلام بن تيمية الحديث يشير إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قبركم من قبري وبعدكم عنه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا انتهى

والحديث دليل على منع السفر لزيارته صلى الله عليه وسلم لأن المقصود منها هو الصلاة والسلام عليه والدعاء له صلى الله عليه وسلم وهذا يمكن استحصاله من بعد كما يمكن من قرب وأن من سافر إليه وحضر من ناس آخرين فقد اتخذه عيدا وهو منهي عنه بنص الحديث فثبت منع شد الرحل لأجل ذلك بإشارة النص كما ثبت النهي عن جعله عيدا بدلالة النص وهاتان الدلالتان معمول بهما عند علماء الأصول ووجه هذه الدلالة على المراد قوله تبلغني حيث كنتم فإنه يشير إلى البعد والبعيد عنه صلى الله عليه وسلم لا يحصل له القرب إلا باختيار السفر إليه والسفر يصدق على أقل مسافة من يوم فكيف بمسافة باعدة ففيه النهي عن السفر لأجل الزيارة والله أعلم

والحديث حسن جيد الإسناد وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة

قاله الشيخ العلامة محمد بن عبد الهادي رحمه الله

وقال في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد رواته مشاهير لكن قال أبو حاتم الرازي فيه عبد الله بن نافع ليس بالحافظ نعرف وننكر

وقال بن معين هو ثقة وقال أبو زرعة لا بأس به

قال الشيخ بن تيمية ومثل هذا إذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ وهذا له شواهد متعددة انتهى ومن شواهده الصادقة ما روي عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم رواه الضياء في المختارة وأبو يعلى والقاضي إسماعيل

وقال سعيد بن منصور في سننه حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهل بن سهيل قال رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال هلم إلى العشاء فقلت لا أريده فقال ما لي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا دخلت المسجد فسلم ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء

قال سعيد بن منصور أيضا بسنده عن أبي سعيد مولى المهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني

قال بن تيمية فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله وذلك يقتضي ثبوته عنده هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين فكيف وقد تقدم مسندا

انتهى

قال بن تيمية وفي الحديث دليل على منع شد الرحل إلى قبره صلى الله عليه وسلم وإلى قبر غيره من القبور والمشاهد لأن ذلك من اتخاذها أعيادا

قال في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد وهذه هي المسألة التي أفتى فيها شيخ الإسلام أعني من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ونقل فيها اختلاف العلماء فمن مبيح لذلك كالغزالي وأبي محمد المقدسي ومن مانع لذلك كابن بطة وبن عقيل وأبي محمد الجويني والقاضي عياض وهو قول الجمهور

نص عليه مالك ولم يخالفه أحد من الأئمة وهو الصواب لحديث شد الرحال إلى ثلاثة مساجد كما في الصحيحين

انتهى كلامه

وأما الآن فالناس في المسجد الشريف إذا سلم الإمام عن الصلاة قاموا في مصلاهم مستقبلين القبر الشريف الراكعين له ومنهم من يلتصق بالسرادق ويطوف حوله وكل ذلك حرام باتفاق أهل العلم وفيه ما يجر الفاعل إلى الشرك ومن أعظم البدع المحرمة هجوم النسوة حول حجرة المرقد المنور وقيامهن هناك في أكثر الأوقات وتشويشهن على المصلين بالسؤال وتكلمهن مع الرجال كاشفات الأعين والوجوه فإنا لله

إلى ما ذهب بهم إبليس العدو وفي أي هوة أوقعهم في لباس الدين وزي الحسنات

وإن شئت التفصيل في هذه المسألة فانظر إلى كتب شيوخ الإسلام كابن تيمية وبن القيم ومحمد بن عبد الهادي من المتقدمين

وأما من المتأخرين فكشيخنا العلامة القاضي بشير الدين القنوجي رحمه الله تعالى فإن كتابه أحسن الأقوال في شرح حديث لا تشد الرحال والرد على منتهى المقال من أحسن المؤلفة في هذا الباب

واعلم أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أشرف من أكثر الطاعات وأفضل من كثير المندوبات لكن ينبغي لمن يسافر أن ينوي زيارة المسجد النبوي ثم يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي ويسلم عليه اللهم ارزقنا زيارة المسجد النبوي وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم آمين