(قال قرأت في أصل إسماعيل بن عياش) أي في كتابه
وإسماعيل بن عياش وثقه أحمد وبن معين ودحيم والبخاري وبن عدي في أهل الشام وضعفوه في الحجازيين (وأخبرنا محمد بن إسماعيل عن أبيه) إسماعيل بن عياش قال في التقريب إنما عابوا عليه أي محمد بن إسماعيل بن عياش أنه حدث عن أبيه بغير سماع
والحاصل أن بن عوف روى هذا الحديث أولا عن صحيفة إسماعيل بن عياش بغير سماع وأجازه منه ثم رواه عن ابنه محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه إسماعيل وعلى كل حال فالحديث ليس بمتصل الإسناد لأن بن عوف ومحمد بن إسماعيل كلاهما لم يسمع من إسماعيل بن عياش (حدثهم) أي جبيرا (جبير) وغيره ممن يروي عن ثوبان (عن ذلك) أي عن صفة غسل الجنابة (أما الرجل فلينشر رأسه) بالشين المعجمة من النشر هكذا في عامة النسخ أي ليفرق يقال جاء القوم نشرا أي منتشرين متفرقين (حتى يبلغ) الماء (أصول الشعر) ولا يحصل بلوغ الماء إلى أصول الشعر إلا بالنقض إن كان ضفيرا وإن لم يكن ضفيرا فبالإنتشار وتفرقة للشعر وهذا الحكم للرجال (وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه) لا نافية أي لا ضرر على المرأة في ترك نقض شعرها
وقيل زائدة فالمعنى لا واجب على المرأة أن تنقض شعرها (لتغرف) أمر للمؤنث الغائب وهذه جملة مستأنفة (على رأسها ثلاث غرفات) جمع غرفة بفتح الغين مصدر<span class="matn-hr"> </span>Qوهو أولى من إلغاء أحدهما والمصير إلى الترجيح فالجواب ما قولكم ليس فيه أمر بالغسل ففاسد فإنه قال خذي ماءك وسدرك وهذا صريح في الغسل وقوله انقضي رأسك وامتشطي أمر لها في غسلها بنقض رأسها لا أمر بمجرد النقض والامتشاط
وأما قولكم إنه كان في غسل الإحرام فصحيح وقد بينا أن غسل الحيض آكد الأغسال وأمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهر والمبالغة فيه فأمرها بنقضه وهو غير رافع لحدث الحيض تنبيه على وجوب نقضه إذا كان رافعا لحدثه بطريق الأولى
وأما قولكم إنه يحمل على الاستحباب جمعا بين الحديثين فهذا إنما يكون عند ثبوت تلك الزيادة التي تنفي النقض للحيض وقد تبين أنها غير ثابتة وأنها ليست محفوظة
للمرة من غرف إذا أخذ الماء بالكف قاله الطيبي
وفي بعض الشروح غرفة بفتح الغين مصدر وبضم الغين المغروف أي ملأ الكف وغرف بالضم جمع غرفة بالضم
قال المنذري في إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه وفيهما مقال
انتهى
قال بن القيم هذا الحديث رواه أبو داود من حديث إسماعيل بن عياش وهذا إسناد شامي وحديثه عن الشاميين صحيح
انتهى
واعلم أنه اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى في نقض المرأة ضفر رأسها على أربعة أقوال الأول لا يجب النقض في غسل الحيض والجنابة كليهما إذا وصل الماء إلى جميع شعرها ظاهره وباطنه حتى يبلغ الماء إلى داخل الشعر المسترسل وإلى أصول الشعر وإلى جلد الرأس وهذا مذهب الجمهور واستدلالهم بحديث علي من ترك موضع شعرة من جنابة الحديث وبحديث أم سلمة من طريق أسامة بن زيد عن المقبري عنها وفيه واغمزي قرونك عند كل حفنة
والغمز هو التحريك بشدة وبحديث عائشة في صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الأئمة الستة إلا بن ماجه وفيه يدخل يديه في الإناء فيخلل شعره حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة أو أنقى البشرة ولمسلم ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر
وللترمذي والنسائي ثم يشربه الماء وبحديث عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض وفيه فتدلك حتى تبلغ شؤون رأسها أخرجه مسلم والمؤلف وبغير ذلك من الأحاديث التي تدل بظاهرها على دعواهم
الثاني أنها تنقضه بكل حال وهو قول إبراهيم النخعي
قال بن العربي ووجه قوله وجوب عموم الغسل ولم ير ما ورد من النبي صلى الله عليه وسلم من الرخصة ولو رآه ما تعداه إن شاء الله تعالى
الثالث وجوب النقض في الحيض دون الجنابة وهو قول الحسن وطاوس وأحمد بن حنبل واحتجاجهم بحديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسلت المرأة من حيضتها نقضت شعرها نقضا وغسلته بخطمي وأشنان فإذا اغتسلت من الجنابة صبت على رأسها الماء وعصرته أخرجه الدارقطني في الأفراد والبيهقي في سننه الكبرى والطبراني في معجمه الكبير
قلت قال في السيل الجرار في إسناده مسلم بن صبيح اليحمدي وهو مجهول وهو غير أبي الضحى مسلم بن صبيح المعروف فإنه أخرجه الجماعة كلهم
وأيضا إقرانه بالغسل الخطمي وأشنان يدل على عدم الوجوب فإنه لم يقل أحد بوجوب الخطمي ولا الأشنان انتهى وبحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها وكانت حائضا انقضي شعرك واغتسلي
رواه الأئمة الستة وهذا
لفظ بن ماجه وفي رواية البخاري فزعمت أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة فقالت يارسول الله هذه ليلة عرفة وإنما كنت تمتعت بعمرة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن عمرتك
الحديث
قلت أجيب بأن الخبر ورد في مندوبات الإحرام والغسل في تلك الحال للتنظيف لا للصلاة والنزاع في غسل الصلاة ذكره الشوكاني في نيل الأوطار
وقال في السيل الجرار واختصاص هذا بالحج لا يقتضي ثبوته في غيره ولا سيما وللحج مدخلة في مزيد التصييف ثم اقترانه بالامتشاط الذي لم يوجبه أحد يدل على عدم وجوبه انتهى
الرابع لا يجب النقض على النساء وإن لم يصل الماء إلى داخل بعض شعرها المضفور ويجب على الرجل إذا لم يصل الماء إلى جميع شعره ظاهره وباطنه من غير نقض وهذا المذهب الرابع هو القوي من حيث الرواية والدراية فإنك تعلم أن النصوص الصحيحة قد دلت وقام الإجماع على أن عموم الغسل يجب في جميع الأجزاء من شعر وبشر حتى لا يتم الغسل إن بقي موضع يسير غير مغسول وهذا الحكم بعمومه يشمل الرجال والنساء لأن النساء شقائق الرجال لكن رخص الشارع للنساء في ترك نقض ضفر رؤوسهن يدل عليه حديث أم سلمة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه قال لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حفنات
وكذا قول عائشة عجبا لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن الحديث وكذا حديث ثوبان المتقدم
وإنما رخص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء لترداد حاجتهن وأجل مشقتهن في نقض شعورهن المضفورة فحكم الرجال في ذلك مغاير للنساء فإذا لا يبل الرجال جميع شعورهم ظاهرها وباطنها لا يتم غسلهم بخلاف النساء فإنهن إذا صببن على رؤوسهن ثلاث حثيات ثم غسلهن وإن لم يصل الماء إلى داخل بعض شعورهن المضفورة
وأما الضفر للرجال فكان أقل القليل ونادرا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة فلذا ما دعت حاجتهم لسؤاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما اضطروا لإظهار مشقتهم لديه فلم يرخص لهم في ذلك وبقي لهم حكم تعميم غسل الرأس على وجوبه الأصلي
وأما الجواب عن حديث عائشة أن أسماء بنت شكل سألت النبي صلى الله عليه وسلم وفيه فتدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ الماء أصول شعرها فمن وجهين الأول أن هذا الحديث أخرجه الشيخان من طريق منصور بن صفية عن أمه عن عائشة ولم يذكر منصور هذه الجملة وإنما أتى بها إبراهيم بن المهاجر وهو ليس بقوي وأخرجه مسلم في المتابعات
والثاني أنه يحمل حديث أم سلمة على الرخصة وحديث أسماء بنت شكل على العزيمة فلا منافاة والله تعالى أعلم
والبسط في غاية
([256]
باب في الجنب يغسل رأسه بالخطمي)
هو بكسر الخاء المعجمة الذي يغسل به الرأس كذا للجوهري
وقال الأزهري هو بفتح الخاء ومن قال خطمي بالكسر فقد لحن قاله بن رسلان وقال الطيبي هو بكسر خاء نبت يغسل به الرأس
(عن رجل من بني سواءة) بضم السين على وزن خرافة (كان يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب) أي في حال الجنابة (يجتزئ بذلك) قال بن رسلان أي إنه كان يكتفي بالماء المخلوط به الخطمي الذي يغسل به وينوي به غسل الجنابة ولا يستعمل بعده ماءا آخر صاف يخص به الغسل وهذا فيما إذا وضع السدر أو الخطمي على الرأس وغسله به فإنه يجزئ ذلك ولا يحتاج إلى أن يصب عليه الماء ثانيا مجردا للغسل
وإنما إذا طرح السدر في الماء ثم غسل به رأسه فإنه لا يجزيه ذلك بل لا بد من الماء القراح بعده فليتنبه لذلك لئلا يلتبس
ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم غسل رأسه بالماء الصافي قبل أن يغسله بالخطمي فارتفعت الجنابة عن رأسه ثم يغسل سائر الأعضاء ويحتمل أن الخطمي كان قليلا والماء لم يفحش تغيره انتهى كلام بن رسلان (ولا يصب عليه الماء) قال بن رسلان الضمير في عليه عائد إلى الخطمي ولم يتعرض لإفاضة الماء على جسده ويحتمل أن يكون الضمير في عليه عائدا إلى رأسه أي يصب الماء الذي يزيل به الخطمي ولا يصب على رأسه الماء الآخر بعد إزالته
قال المنذري رجل من بني سواءة مجهول قيل يكتفي بالماء الذي يغسل به الخطمي وينوي غسل الجنابة ولا يستعمل بعده ماء آخر يخص به الغسل انتهى
([257]
باب فيما يفيض بفتح أوله من باب ضرب أي يسيل)
(بين الرجل والمرأة من الماء) أي المني أو المذي (من الماء) قال بن رسلان يعني أنه سأل
عائشة رضي الله عنها عن الماء الذي ينزل بين الرجل والمرأة من المذي والمني ما حكمه (يصب على الماء) الذي ينزل منه عند مباشرتها ويروى يصب علي بتشديد الياء قاله بن رسلان (كفا من ماء) يعني الماء الباقي منه
وفيه حجة لما ذهب إليه أحمد بن حنبل في المذي أنه يكفي في غسل رش كف من ماء كذا في شرح بن رسلان
وقال السيوطي في مرقاة الصعود قال الشيخ ولي الدين العراقي الظاهر أن معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حصل في ثوبه أو بدنه مني يأخذ كفا من ماء فيصبه على المني لإزالته عنه ثم بقية ماء في الإناء فيصبه عليه لإزالة الأثر وزيادة تنظيف المحل
فقولها يأخذ كفا من ماء تعني الماء المطلق يصب على الماء تعني المني ثم يصبه تعني بقية الماء الذي اغترف منه كفا عليه أي على المحل هذا ما ظهر لي في هذا المقام في معناه ولم أر من تعرض شرحه
هذا آخر كلام السيوطي
قال المنذري وفيه أيضا رجل مجهول
$ 03 - (باب مؤاكلة الحائض أي الأكل مع الحائض)