(فسمعته يقول) وأخرج مسلم من حديث عوف بن مالك قال سمعت النبي وصلى على جنازة يقول اللهم اغفر له الحديث
وفي رواية له عنه فحفظت من دعائه وجميع ذلك يدل على أن النبي جهر بالدعاء
وعند النسائي من حديث بن عباس أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال سنة وحق
قال بعض أصحاب الشافعي إنه يجهر بالليل كالليلية
وذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب الإسرار في صلاة الجنازة وتمسكوا بقول بن عباس لتعلموا أنه من السنة رواه البخاري أي لم أقرأ جهرا إلا لتعلموا أنه سنة
ولحديث أبي أمامة عن رجل من أصحاب النبي أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه
الحديث وسيجيء بتمامه
وقيل إن جهره بالدعاء لقصد تعليمهم
وأخرج أحمد عن جابر قال ما أتاح لنا في دعاء الجنازة رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر وفسر أتاح بمعنى قدر
قال الحافظ والذي وقفت عليه باح بمعنى جهر انتهى
قلت والظاهر أن الجهر والإسرار بالدعاء في صلاة الجنازة جائزان وكل من الأمرين مروي عن رسول الله وهذا هو الحق والله أعلم (إن فلان بن فلان) فيه دليل على استحباب تسمية الميت باسمه واسم أبيه وهذا إن كان معروفا وإلا جعل مكان ذلك اللهم إن عبدك هذا أو نحوه والظاهر أنه يدعو بهذه الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث سواء كان الميت ذكرا أو أنثى ولا يحول الضمائر المذكرة إلى صيغة التأنيث إذا كانت الميت أنثى لأن مرجعها الميت وهو يقال على الذكر والأنثى كذا في النيل (في ذمتك) أي أمانك (وحبل جوارك) بكسر الجيم قيل عطف تفسيري وقيل الحبل العهد أي في كنف حفظك وعهد طاعتك وقيل أي في سبيل قربك وهو الإيمان والأظهر أن المعنى أنه متعلق ومتمسك بالقرآن كما قال تعالى واعتصموا بحبل الله
وفسره جمهور المفسرين بكتاب الله تعالى والمراد بالجوار الأمان والإضافة بيانية يعني الحبل الذي يورث الاعتصام به الأمن والأمان والإسلام قاله القارىء (فقه) بالضمير أو بهاء السكت (من فتنة القبر وعذاب النار) أي امتحان السؤال فيه أو من أنواع عذابه من الضغطة والظلمة وغيرهما (وأنت أهل الوفاء) أي بالوعد فإنك لا تخلف الميعاد (والحق) أي أنت أهل الحق والمضاف مقدر (أنت الغفور) أي كثير المغفرة للسيآت (الرحيم) كثير الرحمة بقبول الطاعات والتفضل بتضاعف الحسنات
(قال عبد الرحمن عن مروان) يعني بلفظة عن وأما إبراهيم بن موسى فإنه قال في روايته حدثنا مروان
قال المنذري والحديث أخرجه بن ماجه
ثم اعلم أني قد سئلت غير مرة عن طريق أداء صلاة الجنازة وكيفية قراءة الفاتحة والصلاة على النبي والأدعية المأثورة للميت وتعيين محل كلها من القراءة والصلاة والأدعية على الوجه الذي هو مروي عن النبي ثم عن الصحابة رضي الله عنهم
فأقول إن في صلاة الجنازة خمسة أفعال فهي عبارة عن هذه الأفعال الخمسة
الأول التكبيرات فيها حتى قال جماعة من العلماء التكبيرات من الأركان وكل تكبيرة قائمة مقام ركعة حتى لو ترك تكبيرة لا تجوز صلاته كما لو ترك ركعة ولهذا قيل أربع كأربع الظهر
قاله العيني رحمه الله
والثاني قراءة الفاتحة بعد الثناء مع ضم السورة أو حذفها
والثالث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
والرابع الأدعية الخالصة للميت
والخامس التسليم
أما التكبيرات في الجنازة فتقدم عن الحافظ بن عبد البر أنه قال انعقد الإجماع على الأربع لكن في دعوى الإجماع في نفسي شيء لأن زيد بن أرقم كان يكبر خمسا ويرفعه إلى النبي كما عند مسلم في صحيحه وعن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خمسا ورفعه إلى النبي كما في مسند أحمد
وذكر البخاري في تاريخه عن علي أنه كبر على سهل بن حنيف ستا وقال إنه شهد بدرا
وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحكم بن عتيبة أنه قال كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا
كذا في المنتقى لابن تيمية
وروى بن المنذر عن بن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبر خمسا
وروى أيضا عن بن مسعود عن علي أنه كان يكبر على أهل بدر ستا وعلى الصحابة خمسا وعلى سائر الناس أربعا
وروى ذلك أيضا بن أبي شيبة والطحاوي والدارقطني عن عبد خير عنه
وروى بن المنذر أيضا بإسناد صحيح عن بن عباس أنه كبر على جنازة ثلاثا
وقال القاضي عياض اختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع انتهى
وقال بن القيم وكان يأمر بإخلاص الدعاء للميت وكان يكبر أربع تكبيرات وصح عنه أنه كبر خمسا وكان الصحابة بعده يكبرون أربعا وخمسا وستا ثم ذكر آثار الصحابة وقال هذه آثار صحيحة فلا موجب للمنع منها والنبي لم يمنع مما زاد على الأربع بل فعله هو وأصحابه من بعده انتهى
نعم لا شك أن الأربع أقوى وأصح من حيث الدليل وهو ثابت من حديث بن عباس عند الشيخين قال انتهى رسول الله إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا
ومن حديث جابر عند الشيخين أيضا أن النبي صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعا
ومن حديث أبي هريرة عندهما أيضا أن النبي نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات
وأما قراءة الفاتحة فأخرج البخاري وأبو داود والترمذي وصححه وبن حبان والحاكم عن بن عباس أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال لتعلموا أنه من السنة وأخرجه النسائي وقال فيه فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال سنة وحق وروى الترمذي وبن ماجه من طريق أخرى عن بن عباس أن النبي قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وإسناده ضعيف
قال الحافظ في التلخيص ورواه أبو يعلى في مسنده من حديث بن عباس أنه قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وزاد سورة
قال البيهقي ذكر السورة غير محفوظ وقال النووي إسناده صحيح
وروى بن ماجه من حديث أم شريك قالت أمرنا رسول الله أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وفي إسناده ضعف يسير انتهى
وأخرج الشافعي في مسنده أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله أن النبي كبر على الميت أربعا وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى ولفظ الحافظ في المستدرك من هذا الوجه قال كان رسول الله يكبر على جنائزنا أربعا ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى فقد وثقه جماعة منهم الشافعي وبن الأصبهاني وبن عدي وبن عقدة وضعفه آخرون قاله بن القيم في جلاء الأفهام
وفي المسند أيضا أخبرنا بن عيينة عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد قال سمعت بن عباس يجهر بفاتحة الكتاب على الجنازة ويقول إنما فعلت لتعلموا أنها سنة وفيه أيضا من طريق الزهري عن أبي أمامة قال السنة أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وفيه أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى على الجنازة وأخرج بن الجارود في المنتقى من طريق زيد بن طلحة التيمي قال سمعت بن عباس قرأ على جنازة فاتحة الكتاب وسورة وجهر بالقراءة وقال إنما جهرت لأعلمكم أنها سنة وأخرجه أيضا من طريق طلحة بن عبد الله قال صليت خلف بن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فجهر حتى سمعنا الحديث
وهذه الأحاديث فيها دلالة واضحة على مشروعية فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة وفيها دلالة أيضا على جواز قراءة سورة مع الفاتحة في صلاة الجنازة
وقراءة الفاتحة واجبة عند الشافعي وهو قول أحمد ذكره العيني في شرح الهداية وبسط الكلام في شرح البخاري
ونقل بن المنذر عن أبي هريرة وبن عمر ليس في الجنازة قراءة الفاتحة
قال بن بطال وبه قال عمر وعلي ومن التابعين عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وغيرهم
قال بن بطال وروى عن بن الزبير وعثمان بن حنيف أنهما كانا يقرآن عليها بالفاتحة وكذا نقل هو وبن أبي شيبة عن جماعة من الصحابة والتابعين
وفي كتاب الجنائز للمزني وبلغنا أن أبا بكر وغيره من الصحابة كانوا يقرؤن بأم القرآن عليها
وفي المحلى لابن حزم صلى المسور بن مخزمة فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة ورفع بهما صوته انتهى
قال الشوكاني ذهب الشافعي وأحمد وغيرهما إلى الوجوب واستدلوا بحديث أم شريك وبحديث لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ونحوه وصلاة الجنازة صلاة وهو الحق انتهى
قال بن القيم قال شيخنا بن تيمية لا يجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بل هي سنة انتهى
قلت الحق مع الشيخ بن تيمية والله أعلم
وأما البداءة بالثناء قبل القراءة فلأن الإتيان بالدعوات استغفار للميت والبداءة بالثناء ثم بالصلاة سنة الدعاء
والمقصود من صلاة الجنازة طلب المغفرة للميت ولا يقبل الله الدعاء ولا يستجيبه حتى يبدأ أولا بالثناء ثم بالصلاة على النبي ثم يأتي بالدعاء لما أخرجه المؤلف والنسائي في الصلاة والترمذي في الدعوات واللفظ لأبي داود عن فضالة بن عبيد يقول سمع رسول الله رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي فقال رسول الله عجل هذا ثم دعاه فقال له إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي ثم يدعو بعد بما شاء وقال الترمذي حسن صحيح ورواه بن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم
وقال صاحب الهداية من الأئمة الحنفية والصلاة أن يكبر تكبيرة ويحمد الله عقبيها انتهى
وقال العيني في البناية شرح الهداية وذكر في البدائع وغيره أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك إلخ بعد التكبير وفي المحيط إنه رواية الحسن عن أبي حنيفة وذكر الطحاوي أنه لا استفتاح فيه ولكن العادة أنهم يستفتحون في سائر الصلوات
وقال الكرخي وليس مما ذكر من
الثناء على الله تعالى ولا في الصلاة على النبي ولا في الدعاء للميت شيء موقت يقرأ من ذلك ما حضر وتيسر عليه وذلك لما روى عبد الله بن مسعود قال ما وقت لنا رسول الله في صلاة الجنازة قولا ولا قراءة كبر ما كبر الإمام واختر من أطيب الكلام ما شئت انتهى كلام العيني
قلت هكذا ذكر العيني قول عبد الله بن مسعود بغير سند ولم يذكر من أخرجه لكن الاقتصار على الأدعية المأثورة في صلاة الجنازة هو المتعين
وقد ثبت الأدعية عن النبي كما سيجيء والله أعلم
وقال بن القيم فإذا أخذ النبي في الصلاة على الميت كبر وحمد الله وأثنى عليه انتهى
وأما الصلاة على النبي والاستغفار والدعاء للميت فأخرج الشافعي في مسنده أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري أخبرني أبو أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه وفيه أيضا أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري حدثني محمد الفهري عن الضحاك بن قيس أنه قال مثل قول أبي أمامة انتهى
وفي المنتقى لابن الجارود حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث بن المسيب قال السنة في الصلاة على الجنازة أن تكبر ثم تقرأ بأم القرآن ثم تصلى على النبي ثم تخلص الدعاء للميت ولا تقرأ إلا في التكبيرة الأولى ثم تسلم في نفسه عن يمينه قال الحافظ في التلخيص ورجال هذا الإسناد مخرج لهم في الصحيحين انتهى
ورواية الشافعي ضعفت بمطرف بن مازن لكن قواها البيهقي بما رواه في المعرفة عن الحجاج بن أبي منيع عن جده عبيد الله بن أبي زياد الرصافي عن الزهري عن أبي أمامة عن رجل من أصحاب النبي بمعنى رواية مطرف
وقال الحاكم في المستدرك أخبرنا إسماعيل بن أحمد التاجر حدثنا محمد بن الحسين العسقلاني حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا بن وهب أخبرني يونس عن بن شهاب قال أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم وأبناء الذين شهدوا بدرا مع رسول الله أخبره رجال من أصحاب رسول الله في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام
ثم يصلي على النبي ويخلص الدعاء في التكبيرات الثلاث ثم يسلم تسليما خفيا حين ينصرف والسنة أن يفعل من وراءه مثل ما فعل إمامه
قال الزهري حدثني بذلك أبو أمامة وبن المسيب يسمع فلم ينكر ذلك عليه قال بن شهاب فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد قال وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو أمامة
قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه انتهى
قلت ليس في هذه الرواية ذكر قراءة الفاتحة
وذكر بن أبي حاتم في العلل من حديث محمد بن مسلمة أنه قال السنة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بأم القرآن في نفسه ثم يدعو ويخلص الدعاء للميت ثم يكبر ثلاثا ثم يسلم وينصرف ويفعل من وراءه ذلك
قال سألت أبي عنه فقال هذا خطأ إنما هو حبيب بن مسلمة انتهى
وحديث حبيب في المستدرك كذا في التلخيص
وقال الإمام الحافظ القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب الصلاة على النبي حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث سعيد بن المسيب قال إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب ثم يصلي على النبي ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ ولا يقرأ إلا مرة واحدة ثم يسلم في نفسه انتهى
وأخرج عبد الرزاق عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن ثم يصلي على النبي ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا في الأولى وكذا أخرجه النسائي قال الحافظ إسناده صحيح
قال الحافظ بن القيم في جلاء الأفهام وأبو أمامة هذا صحابي صغير وقد رواه عن صحابي آخر كما ذكره الشافعي
وقال صاحب المغني روي عن بن عباس أنه صلى على جنازة بمكة فكبر ثم قرأ وجهر وصلى على النبي ثم دعا لصاحبه فأحسن ثم انصرف وقال هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة
وفي الموطأ ليحيى بن بكير حدثنا مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه أنه سأل أبا هريرة كيف نصلي على الجنازة فقال أبو هريرة أنا لعمر الله أخبرك أتبعها من أهلها فإذا وضعت كبرت وحمدت الله تعالى وصليت على النبي ثم أقول اللهم إنه عبدك وبن عبدك كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده
وقال أبو ذر الهروي أخبرنا أبو الحسن بن أبي سهل السرخسي أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن رزين حدثنا علي بن خشرم حدثنا أنس بن عياض عن إسماعيل بن رافع عن رجل قال سمعت إبراهيم النخعي يقول كان بن مسعود إذا أتي بجنازة استقبل الناس وقال يا أيها الناس سمعت رسول الله يقول لم يجتمع مائة لميت فيجتهدون له في الدعاء إلا أوهب الله لهم وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم فاجتهدوا في الدعاء ثم يستقبل القبلة فإن كان رجلا قام عند رأسه وإن كانت امرأة قام عند منكبها ثم قال اللهم عبدك وبن عبدك أنت خلقته وأنت هديته للإسلام وأنت قبضت روحه وأنت أعلم بسريرته وعلانيته جئنا شفعاء له اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له فإنك ذو وفاء وذو رحمة أعذه من فتنة القبر وعذاب جهنم اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم نور له في قبره وألحقه بنبيه
قال يقول هذا كلما كبر وإذا كانت التكبيرة الآخرة قال مثل ذلك ثم يقول اللهم صل على محمد وبارك على محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم صل على أسلافنا وأفراطنا اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
ثم ينصرف
كذا في جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام للحافظ بن القيم
وقال في زاد المعاد وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه سأل عبادة بن الصامت عن الصلاة على الجنازة فقال أنا والله أخبرك تبدأ فتكبر ثم تصلي على النبي وتقول اللهم إن عبدك فلان كان لا يشرك بك وأنت أعلم به إن كان محسنا فزد في إحسانه فذكر مثل حديث مالك
قال في جلاء الأفهام والصلاة على رسول الله في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية لا خلاف في مشروعيتها واختلف في توقف صحة الصلاة عليها
قال الشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما إنها واجبة في الصلاة لا تصح الصلاة إلا
بها
ورواه البيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة
وقال مالك وأبو حنيفة تستحب وليست بواجبة وهو وجه لأصحاب الشافعي
فالمستحب أن يصلي على النبي في الجنازة كما يصلي عليه في التشهد لأن النبي علم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه
وفي مسائل عبد الله بن أحمد عن أبيه قال يصلي على النبي ويصلي على الملائكة المقربين
قال القاضي إسماعيل فيقول اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين وأهل طاعتك أجمعين من أهل السماوات والأرضين إنك على كل شيء قدير انتهى
وأخرج الحاكم في المستدرك أخبرنا أبو النصر الفقيه حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا موسى بن يعقوب الزمعي حدثني شرحبيل بن سعد قال حضرت عبد الله بن عباس صلى بنا على جنازة بالأبواء وكبر ثم قرأ بأم القرآن رافعا صوته بها ثم صلى على النبي ثم قال اللهم عبدك وبن عبدك وبن أمتك يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ويشهد أن محمدا عبدك ورسولك أصبح فقيرا إلى رحمتك وأصبحت غنيا عن عذابه إن كان زاكيا فزكه وإن كان مخطئا فاغفر له اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده ثم كبر تكبيرات ثم انصرف
فقال يا أيها الناس إني لم أقرأ عليها إلا لتعلموا أنها السنة
قال الحاكم لم يحتج الشيخان بشرحبيل بن سعد وهو تابعي من أهل المدينة وإنما أخرجت هذا الحديث شاهدا للأحاديث التي قدمنا فإنها مختصرة بجملة وهذا حديث مفسر
انتهى
وأما صيغ الأدعية المأثورة عن النبي ثم عن الصحابة فروي من حديث أبي هريرة وعائشة وأبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه وعوف بن مالك وواثلة بن الأسقع وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ويزيد بن عبد الله بن ركانة والحارث بن نوفل القرشي فحديث أبي هريرة رواه أصحاب السنن الأربعة إلا النسائي وأحمد وبن حبان والحاكم بلفظ اللهم اغفر لحينا وميتنا إلى آخره وقد تقدم
قال الحاكم وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
وروي عنه بلفظ اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وتقدم أيضا في ذلك الباب
وحديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الحاكم في المستدرك حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن سنان القزاز حدثنا عمر بن يونس بن القاسم اليمامي حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال سألت عائشة أم المؤمنين كيف كانت صلاة رسول الله على الميت قالت كان يقول اللهم اغفر لحينا وميتنا وذكرنا وأنثانا وغائبنا وشاهدنا وصغيرنا وكبيرنا
اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان قال الحاكم صحيح على شرط مسلم
قلت محمد بن سنان القزاز نزيل بغداد
قال الدارقطني لا بأس به وضعفه أبو داود وبن خراش
وحديث أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وبن الجارود واللفظ للترمذي من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال كان رسول الله إذا صلى على الجنازة قال اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا
قال يحيى وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي مثل ذلك وزاد فيه اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان
قال أبو عيسى حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح
وروى هشام الدستوائي وعلي بن المبارك هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن النبي مرسلا
وروى عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي
وحديث عكرمة بن عمار غير محفوظ وعكرمة ربما يهم في حديث يحيى وروي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي
قال أبو عيسى وسمعت محمدا يقول أصح الروايات في هذا حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال وسألته عن اسم أبي إبراهيم الأشهلي فلم يعرفه انتهى كلام الترمذي
وأما حديث عوف بن مالك فأخرجه مسلم والترمذي مختصرا وبن الجارود واللفظ لمسلم من طريق حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير سمعه يقول سمعت عوف بن مالك يقول صلى رسول الله على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا
من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار
قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت
وفي رواية لمسلم وقه فتنة القبر وعذاب النار قال عوف فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله على ذلك الميت وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح
وقال محمد بن إسماعيل أصح شيء في هذا الباب هذا الحديث انتهى
وحديث واثلة بن الأسقع أخرجه المؤلف وبن ماجه قال صلى بنا رسول الله على رجل من المسلمين فسمعته يقول اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك الحديث وتقدم في آخر الباب
وأما حديث عبد الله بن مسعود فتقدم من رواية أبي ذر الهروي
وحديث بن عباس تقدم أيضا من رواية الحاكم
وحديث يزيد بن عبد الله أخرجه الحاكم في المستدرك بقوله حدثنا أبو محمد عبد العزيز بن عبد الرحمن الخلال بمكة حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق الكاتب حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن يزيد بن عبد الله بن ركانة بن المطلب قال كان رسول الله إذا قام للجنازة ليصلي عليها قال اللهم عبدك وبن أمتك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه هذا إسناد صحيح ويزيد بن ركانة
أبو ركانة بن عبد يزيد صحابيان من بني المطلب بن عبد مناف ولم يخرجاه انتهى
وأما حديث الحارث بن نوفل فأخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن الحارث عن أبيه أن النبي علمهم الصلاة على الميت اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا وأصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا اللهم هذا عبدك فلان بن فلان لا نعلم إلا خيرا وأنت أعلم به فاغفر لنا وله كذا في عمدة القارىء وأسد الغابة
فهذه صيغ الأدعية المأثورة وقد وقع في كتب الفقه ذكر أدعية غير المأثورة عن النبي والتمسك بالثابت عنه ألزم وأوكد واختلاف الأحاديث في ذلك محمول على أنه كان يدعو لميت بدعاء ولآخر بآخر والذي أمر به إخلاص الدعاء فللرجل المتبع للسنة أنه يدعو بهذه الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث سواء كان الميت ذكرا أو أنثى ولا يحول
الضمائر المذكرة إلى صيغة التأنيث إذا كان الميت أنثى لأن مرجعها الميت وهو يقال على الذكر والأنثى
كذا قال الشوكاني رحمه الله وكلامه هذا حسن جدا
فحصل من مجموع الأحاديث المذكورة في هذا الباب أن المشروع في صلاة الجنازة الثناء على الله تعالى ثم قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى ثم يصلي على النبي ثم يدعو للميت ثم يكبر ثانيا ولا يقرأ الفاتحة بل يصلي على النبي ويستكثر من الدعاء للميت مخلصا له ثم يكبر ثالثا ويصلي ويدعو مثل ما فعل بعد التكبير الثاني ثم يكبر رابعا من غير قراءة شيء من الدعاء وغيره ويسلم بعد ذلك والله أعلم
وقال العلامة الشوكاني في النيل واعلم أنه لم يرد تعيين موضع هذه الأدعية فإن شاء المصلي جاء بما يختار منها دفعة إما بعد فراغه من التكبير أو بعد التكبيرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو يفرقه بين كل تكبيرتين أو يدعو بين كل تكبيرتين بواحد من هذه الأدعية ليكون مؤديا لجميع ما روى عنه
وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى الذي عند أحمد فليس فيه أنه لم يدع إلا بعد التكبيرة الرابعة إنما فيه أنه دعا بعدها وذلك لا يدل على أن الدعاء مختص بذلك الموضع انتهى
قلت والأحب أن يستكثر في الدعاء ويجمع بين هذه الدعوات المأثورة في التكبيرات لأن هذه الصلاة دعاء للميت واستغفار له والاستكثار والمبالغة مطلوب فيهما والله أعلم
وقد جاء الدعاء بعد التكبيرة الرابعة وقبل السلام أيضا لما أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الله بن أبي أوفى أنه ماتت ابنة له فيكبر عليها أربعا ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال كان رسول الله يصنع في الجنازة هكذا وأخرجه بن ماجه بمعناه كما سيجيء
ولفظا الحاكم في المستدرك ثم صلى عليها فكبر عليها أربعا ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين ويستغفر لها ويدعو وقال كان رسول الله يصنع هكذا قال الحاكم حديث صحيح
وفي التلخيص ورواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات وزاد ثم سلم على يمينه وشماله ثم قال لا أزيد على ما رأيت رسول الله يصنع وفي رواية البيهقي في سننه الكبرى من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري حدثنا عبد الله بن أبي أوفى أنه صلى على جنازة ابنته فكبر أربعا حتى ظننت أنه سيكبر خمسا ثم سلم عن يمينه وعن شماله فلما انصرف قلنا له ما هذا فقال إني لا أزيد على ما رأيت رسول الله يصنع وهكذا كان يصنع رسول الله
وفيه دليل على استحباب الدعاء بعد التكبيرة الآخرة قبل التسليم وفيه خلاف والراجح الاستحباب لهذا الحديث
كذا في النيل
وأما التسليم فقد جاء أنه يسلم عن يمينه وعن شماله كما في سائر الصلوات والدليل على ذلك حديث عبد الله بن أبي أوفى المتقدم
وأخرج البيهقي في المعرفة عن عبد الله بن مسعود قال ثلاث كان رسول الله يفعلهن تركهن الناس إحداهن التسليم على الجنائز مثل التسليمتين في الصلاة انتهى
كذا نقله العيني في شرح البخاري
ونقل بن القيم في زاد المعاد والشوكاني في النيل بلفظ التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة وعند بن أبي شيبة في المصنف بسند جيد عن جابر بن زيد والشعبي وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يسلمون تسليمتين انتهى
وقال في زاد المعاد وأما هديه في التسليم من صلاة الجنازة فروي أنه يسلم واحدة وروي عنه أنه كان يسلم تسليمتين
وروى الشافعي في كتاب حرملة عن سفيان عن إبراهيم بن مسلم الهجري وفيه كبر عليها أربعا ثم قام ساعة فسبح القوم فسلم ثم قال كنتم ترون أني أزيد على أربع وقد رأيت رسول الله كبر أربعا ولم يقل عن يمينه وشماله ورواه بن ماجه من حديث عبد الله المحاربي حدثنا الهجري قال صليت مع عبد الله بن أبي أوفى الأسلمى صاحب رسول الله على جنازة ابنة له فكبر عليها أربعا فمكث بعد الرابعة شيئا قال فسمعت القوم يسبحون به من نواحي الصفوف فسلم ثم قال أكنتم ترون أني مكبر خمسا قالوا تخوفنا ذلك قال لم أكن لأفعل ولكن رسول الله كان يكبر أربعا ثم يمكث ساعة فيقول ما شاء أن يقول ثم يسلم ولم يقل عن يمينه وشماله
وذكر السلام عن يمينه وعن شماله انفرد عنها شريك عن إبراهيم الهجري والمعروف عن بن أبي أوفى أنه كان يسلم واحدة
ذكره الإمام أحمد وأحمد بن القاسم
قيل لأبي عبد الله أتعرف عن أحد من أصحابه أنهم كانوا يسلمون تسليمتين على الجنازة قال لا ولكن عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمة خفيفة عن يمينه فذكر بن عمر وبن عباس وأبا هريرة وواثلة بن الأسقع وبن أبي أوفى وزيد بن ثابت وزاد البيهقي علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبا أمامة فهؤلاء عشرة من الصحابة
انتهى كلام بن القيم بتغير
وقال الحاكم في المستدرك تحت حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف ثم يسلم
تسليما خفيا إلخ
وليس في التسليمة الواحدة على الجنازة أصح منه وشاهده حديث أبي العنبس سعيد بن كثير ثم ساق روايته بقوله حدثنا أبو بكر بن أبي دارم الحافظ حدثنا عبد الله بن غنام بن حفص بن غياث حدثني أبي عن أبيه عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى على جنازة فكبر عليها أربعا وسلم تسليما
التسليمة الواحدة على الجنازة قد صحت الرواية فيه عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن أبي أوفى وأبي هريرة أنهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمة
انتهى كلام الحاكم وزاد العيني في شرح البخاري وأنس وجماعة من التابعين وهو قول مالك وأحمد وإسحاق ثم هل يسر بها أو يجهر فعن جماعة من الصحابة والتابعين إخفاؤها وعن مالك يسمع بها من يليه وعن أبي يوسف لا يجهر كل الجهر ولا يسر كل الإسرار كذا في عمدة القارىء
وأما وضع اليمنى على اليسرى في صلاة الجنازة ورفع اليدين فيها فأخرج الترمذي في باب رفع اليدين على الجنازة من كتاب الجنائز حدثنا القاسم بن دينار الكوفي أخبرنا إسماعيل بن أبان الوراق عن يحيى بن يعلى الأسلمي عن أبي فروة يزيد بن سنان عن زيد بن أبي أنيسة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى
قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه واختلف أهل العلم في هذا فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم أن يرفع الرجل يديه في كل تكبيرة على الجنازة وهو قول بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق
وقال بعض أهل العلم لا يرفع يديه إلا في أول مرة وهو قول الثوري وأهل الكوفة
وذكر عن بن المبارك أنه قال في الصلاة على الجنازة لا يقبض بيمينه على شماله ورأى بعض أهل العلم أن يقبض بيمينه على شماله كما يفعل في الصلاة قال أبو عيسى يقبض أحب إلي انتهى كلامه
وقال البيهقي في سننه باب ما جاء في وضع اليمنى على اليسرى في صلاة الجنازة وأورد فيه حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال كان رسول الله إذا صلى على جنازة رفع يديه في أول تكبيرة ثم يضع يده اليمنى على يده اليسرى قال البيهقي تفرد به يزيد بن سنان انتهى
وقال الحافظ المزي في الأطراف بعد ذكر رواية الترمذي ورواه الحسن بن عيسى عن
إسماعيل بن أبان الوراق عن يحيى بن يعلى عن يونس بن خباب عن الزهري نحوه انتهى
قلت يونس بن خباب ضعيف
وأعل بن القطان رواية الترمذي بأبي فروة ونقل تضعيفه عن أحمد والنسائي وبن معين والعقيلي
قال وفيه علة أخرى وهو أن يحيى بن يعلى الراوي عن أبي فروة وهو أبو زكريا القطواني الأسلمي هكذا صرح به الدارقطني وهو ضعيف
وأخرج الدارقطني في سننه من طريق الفضل بن السكن حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر عن بن طاوس عن أبيه عن بن عباس أن رسول الله كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود انتهى وسكت عنه لكن أعله العقيلي في كتابه بالفضل بن السكن وقال إنه مجهول انتهى
قال الزيلعي ولم أجده في ضعفاء بن حبان
ويعارضه ما أخرجه الدارقطني في علله عن عمر بن شبة حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا يحيى بن سعيد عن نافع عن بن عمر أن النبي كان إذا صلى على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة وإذا انصرف سلم قال الدارقطني هكذا رفعه عمر بن شبة وخالفه جماعة فرووه عن يزيد بن هارون موقوفا وهو الصواب انتهى
ولم يرو البخاري في كتابه المفرد في رفع اليدين شيئا في هذا الباب إلا حديثا موقوفا على بن عمرو حديثا موقوفا على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه انتهى كلام الزيلعي وأخرجه البيهقي عن بن عمر قال الحافظ سنده صحيح ورواه الطبراني في الأوسط في ترجمة موسى بن عيسى مرفوعا وقال لم يروه عن نافع إلا عبد الله بن محرر
تفرد به عباد بن صهيب
قال في التلخيص وهما ضعيفان
وروى الشافعي عمن سمع سلمة بن ورد أن يذكر عن أنس أنه كان يرفع يديه كلما كبر على الجنازة
وروى أيضا الشافعي عن عروة وبن المسيب مثل ذلك
قال وعلى ذلك أدركنا أهل العلم ببلدنا انتهى
وحكى بن المنذر مشروعية الرفع عند كل تكبيرة عن بن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء وسالم بن عبد الله وقيس بن أبي حازم والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق واختاره بن المنذر
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحاب الرأي إنه لا يرفع عند سائر التكبيرات بل عند الأولى فقط وعن مالك ثلاث روايات الرفع في الجميع وفي الأولى فقط وعدمه في كلها والله أعلم
وأما الصلاة على الطفل الذي لم يبلغ الحلم فكالصلاة على الكبير ولم يثبت عن النبي بسند صحيح أنه علم أصحابه دعاء آخر للميت الصغير غير الدعاء الذي علمهم للميت الكبير بل كان يقول اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا كما عرفت
وأخرج مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه قال سمعت سعيد بن المسيب يقول صليت وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط فسمعته يقول اللهم أعذه من عذاب القبر انتهى
فالدعاء للطفل على معنى الزيادة كما كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تدعو الله أن يرحمها وتستغفره
لكن روى المستغفري في الدعوات من حديث علي بن أبي طالب قال قال رسول الله يا علي إذا صليت على جنازة فقل اللهم عبدك وبن عبدك وبن أمتك ماض في حكمك ولم يكن شيئا مذكورا زارك وأنت خير مزور اللهم لقنه حجته وألحقه بنبيه ونر له في قبره ووسع عليه في مدخله وثبته بالقول الثابت فإنه افتقر إليك واستغنيت عنه وكان يشهد أن لا إله إلا أنت فاغفر له اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده
يا علي وإذا صليت على امرأة فقل أنت خلقتها ورزقتها وأنت أحييتها وأنت أمتها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئناك شفعاء لها اغفر لها اللهم لا تحرمنا أجرها ولا تفتنا بعدها
يا علي وإذا صليت على طفل قل اللهم اجعل لأبويه سلفا واجعل لهما نورا وسدادا أعقب والديه الجنة إنك على كل شيء قدير كذا في عمدة القارىء شرح البخاري
والحديث ينظر في إسناده والغالب فيه الضعف
وقال الحافظ في التلخيص روى البيهقي من حديث أبي هريرة أنه كان يصلي على النفوس اللهم اجعله لنا فرطا وسلفا وأجرا
وفي جامع سفيان عن الحسن في الصلاة على الصبي اللهم اجعله لنا سلفا واجعله لنا فرطا واجعله لنا أجرا انتهى
وفي سنن بن ماجه عن أبي هريرة قال قال النبي صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم وقال في الفتح وعند عبد الوهاب بن عطاء في كتاب الجنائز له عن سعيد بن أبي عروبة أنه سئل عن الصلاة على الصبي فأخبرهم عن قتادة عن الحسن أنه كان يكبر ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقول اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا انتهى وفي الهداية ولا يستغفر للصبي ولكن يقول اللهم اجعله لنا فرطا واجعله لنا أجرا وذخرا واجعله لنا شافعا ومشفعا
وقال العيني في شرح الهداية لأن الصبي مرفوع القلم عنه ولا ذنب له ولا حاجة إلى الاستغفار
وفي البدائع إذا كان الميت صبيا يقول اللهم اجعله لنا فرطا وذخرا وشفعه فينا
كذا روي عن أبي حنيفة وهو مروي عن النبي وفي المحيط إذا كان الميت صبيا يقول اللهم اجعله لنا فرطا اللهم اجعله لنا ذخرا اللهم اجعله لنا شافعا ومشفعا
وفي المفيد ويدعو لوالديه وللمؤمنين
وقيل يقول اللهم ثقل موازينهما وأعظم به أجورهما اللهم اجعله في كفالة إبراهيم وألحقه بصالح المؤمنين وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله اللهم اغفر لسلفنا وفرطنا ومن سبقنا بالإيمان انتهى كلام العيني
وإنما أطلنا الكلام فيه لشدة الاحتياج إليه والله أعلم
6
([3203]
باب الصلاة على القبر)
قال الإمام أحمد بن حنبل رويت الصلاة على القبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه حسان كلها
قال بن عبد البر بل من تسعة كلها حسان وساقها كلها بأسانيده في تمهيده من حديث سهل بن حنيف وأبي هريرة وعامر بن ربيعة وبن عباس وزيد بن ثابت والخمسة في صلاته على المسكينة وسعد بن عبادة في صلاة المصطفى على أم سعد بعد دفنها بشهر وحديث الحصين بن وحوح في صلاته صلى الله عليه وسلم على قبر طلحة بن البراء ثم رفع يديه وقال اللهم<span class="matn-hr"> </span>Qقال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله وقد روى البخاري عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على قبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه قال الترمذي وفي الباب عن أنس وبريدة وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعامر بن ربيعة وأبي قتادة وسهل بن حنيف
قال الترمذي وحديث بن عباس حديث حسن صحيح
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم لا يصلى على القبر وهو قول مالك بن أنس وقال عبد الله بن المبارك إذا دفن الميت ولم يصل عليه صلي على القبر
وقال الإمام أحمد ومن يشك في الصلاة على القبر يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه حسان
وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر
وفي الصحيحين عن بن عباس قال مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فذكر الحديث وفيه فأتى قبره فصلى عليه ولكن هذه الأحاديث إنما تدل على قول بن المبارك فإنها وقائع أعيان والله أعلم
الق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه وحديث أبي أمامة بن ثعلبة أنه صلى الله عليه وسلم رجع من بدر وقد توفيت أم أبي أمامة فصلى عليها وحديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة بعد ما دفنت وهو محتمل للمسكينة وغيرها وكذا ورد من حديث بريدة عند البيهقي بإسناد حسن وهو في المسكينة في عشرة أوجه
كذا في شرح الموطأ للزرقاني
فالصلاة على قبر ذلك الميت لمن لم يصل عليه ثابت بالسنة المطهرة سواء صلي على ذلك الميت قبله أم لا وهذا هو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين
قال في زاد المعاد وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر فصلى على قبر بعد ليلة ومرة بعد ثلاث ومرة بعد شهر ولم يوقت في ذلك وقتا
وحد أحمد بن حنبل الصلاة على القبر بشهر إذ هو أكثر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلى بعده
وحد الشافعي بما إذا لم يبل الميت انتهى
وتأول بعضهم بأن هذا مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا باطل فإن في رواية البخاري من طريق عامر عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر دفن ليلا وفيه فصففنا خلفه قال بن عباس وأنا فيهم فصلى عليه وفي الموطأ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صف بالناس على قبرها وكبر أربع تكبيرات
(كان يقم) بضم القاف وتشديد الميم
قال الخطابي معناه يكنس والقمامة الكناسة (فقال) النبي صلى الله عليه وسلم (ألا آذنتموني به) أي أخبرتموني بموته لأصلي عليه (قال) النبي صلى الله عليه وسلم (دلوني) بضم الدال أمر من الدلالة (فصلى عليه) أي على قبره
قال الحافظ زاد بن حبان في رواية حماد بن سلمة عن ثابت ثم قال إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها عليهم بصلاتي وأشار إلى أن بعض المخالفين احتج بهذه الزيادة على أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم ثم ساق من طريق خارجة بن زيد بن ثابت نحو هذه القصة وفيها ثم أتى القبر فصففنا خلفه وكبر عليه أربعا قال بن حبان في ترك إنكاره صلى الله عليه وسلم على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره وأنه ليس من خصائصه وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلا للأصالة انتهى
قلت لا يليق بشأن الحافظ أن ينقل قول هذا المتعقب فإن قوله هذا غلط باطل ويكفي لرده قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وقال الخطابي وفيه بيان جواز الصلاة على القبر لمن لم يلحق الصلاة على الميت قبل الدفن وفي الصلاة اختلاف فمن العلماء
من قال يصلى على القبر ما لم يبل صاحبه ومنهم من قال إلى شهر ومنهم من قال أبدا انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه البخاري ومسلم وبن ماجه
$ 1 - (باب الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك)