(كنا نخابر) أي نزارع أو نقول بجواز المزارعة ونعتقد صحتها
قاله القارىء (فذكر) أي رافع (أتاه) أي رافعا (فقال) أي بعض عمومته (وطواعية الله) أي طاعته وهو مبتدأ وخبره أنفع (وأنفع) كرر للتأكيد (وما ذاك) أي الأمر الذي كان لكم نافعا (فليزرعها) من زرع يزرع بفتح الراء أي ليزرعها بنفسه (أو ليزرعها) من باب الإفعال أي ليعطها لغيره يزرعها بغير أجرة (ولا يكاريها) وفي بعض النسخ ولا يكارها بالنهي
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه<span class="matn-hr"> </span>Qقال أبو جعفر عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع
وهذا أمر صحيح مشهور قد عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ثم خلفاؤه الراشدون من بعده حتى ماتوا ثم أهلوهم من بعدهم ولم يبق بالمدينة أهل بيت حتى عملوا به وعمل به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بعده
ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخا لاستمرار العمل به من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قبضه الله وكذلك استمرار عمل خلفائه الراشدين به فنسخ هذا من أمحل المحال
وأما حديث رافع بن خديج فجوابه من وجوه
أحدها أنه حديث في غاية الاضطراب والتلون
قال الإمام أحمد حديث رافع بن خديج ألوان
وقال أيضا حديث رافع ضروب
الثاني أن الصحابة أنكروه على رافع قال زيد بن ثابت وقد حكى له حديث رافع أنا أعلم بذلك منه وإنما سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين قد اقتتلا فقال إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع وقد تقدم
(<span class="matn-hr"> </span>Qوفي البخاري عن عمرو بن دينار قال قلت لطاوس لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها قال إن أعلمهم يعني بن عباس أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها ولكن قال أن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجا معلوما
فإن قيل إن كان قد أنكره بعض الصحابة عليه فقد أقره بن عمر ورجع إليه فالجواب أولا أن بن عمر لم يحرم المزارعة ولم يذهب إلى حديث رافع وإنما كان شديد الورع فلما بلغه حديث رافع خشي أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث في المزارعة شيئا لم يكن علمه فتركها لذلك
الثاني وقد جاء هذا مصرحا به في الصحيحين أن بن عمر إنما تركها لذلك ولم يحرمها على الناس
الثالث أن في بعض ألفاظ حديث رافع ما لا يقول به أحد وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن كرائها مطلقا فدل على أنه غير محفوظ
الرابع أنه تارة يحدثه عن بعض عمومته وتارة عن سماعه وتارة عن رافع بن ظهير مع اضطراب ألفاظه فمرة يقول نهى عن الجعل ومرة يقول عن كراء الأرض ومرة يقول لا يكاريها بثلث ولا ربع ولا طعام مسمى كما تقدم ذكر ألفاظه
وإذا كان شأن الحديث هكذا وجب تركه والرجوع إلى المستفيض المعلوم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده الذي لم يضطرب ولم يختلف
الخامس أن من تأمل حديث رافع وجمع طرقه واعتبر بعضها ببعض وحمل مجملها على مفسرها ومطلقها على مقيدها على أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أمر بين الفساد وهو المزارعة الظالمة الجائرة فإنه قال كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه
وفي لفظ له كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع كما تقدم
وقوله ولم يكن للناس كراء إلا هذا فلذلك زجر عنه وأما بشيء معلوم مضمون فلا بأس وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه وما فيها من مجمل أو مطلق أو مختصر فيحمل على هذا المفسر المبين المتفق عليه لفظا وحكما
قال الليث بن سعد الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام
(<span class="matn-hr"> </span>Qعلم أنه لا يجوز
وقال بن المنذر قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك العلل
فلا تعارض إذن بين حديث رافع وأحاديث الجواز بوجه
السادس أنه لو قدر معارضة حديث رافع لأحاديث الجواز وامتنع الجمع بينها لكان منسوخا قطعا بلا ريب لأنه لا بد من نسخ أحد الخبرين ويستحيل نسخ أحاديث الجواز لاستمرار العمل بها من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي واستمرار عمل الخلفاء الراشدين بها وهذا أمر معلوم عند من له خبرة بالنقل كما تقدم ذكره فيتعين نسخ حديث رافع
السابع أن الأحاديث إذا اختلفت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ينظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده وقد تقدم ذكر عمل الخلفاء الراشدين وأهليهم وغيرهم من الصحابة بالمزارعة
الثامن أن الذي في حديث رافع إنما هو النهي عن كرائها بالثلث أو الربع لا عن المزارعة وليس هذا بمخالف لجواز المزارعة فإن الإجارة شيء والمزارعة شيء فالمزارعة من جنس الشركة يستويان في الغنم والغرم فهي كالمضاربة بخلاف الإجارة فإن المؤجر على يقين من المغنم وهو الأجرة والمستأجر على رجاء ولهذا كان أحد القولين لمجوزي المزارعة أنها أحل من الإجارة وأولى بالجواز لأنهما على سواء في الغنم والغرم فهي أقرب إلى العدل فإذا استأجرها بثلث أو ربع كانت هذه إجارة لازمة وذلك لا يجوز ولكن المنصوص عن الإمام أحمد جواز ذلك
واختلف أصحابه على ثلاثة أقوال في نصه
فقالت طائفة يصح ذلك بلفظ المؤاجرة ويكون مزارعة فيصح بلفظ الإجارة كما يصح بلفظ المزارعة
قالوا والعبرة في العقود بمعانيها وحقائقها لا بصيغها وألفاظها
قالوا فتصح مزارعة ولا تصبح إجارة وهذه طريقة الشيخ أبي محمد المقدسي
الثاني أنها لا تصح إجارة ولا مزارعة
أما الإجارة فلأن من شرطها كون العوض فيها معلوما متميزا معروف الجنس والقدر وهذا منتف في الثلث والربع
وأما المزارعة فلأنهما لم يعقدا عقدا مزارعة
إنما عقدا عقد إجارة وهذه طريقة أبي الخطاب
الثالث أنها تصح مؤاجرة ومزارعة وهي طريقة القاضي وأكثر أصحابه
فحديث رافع إما أن يكون النهي فيه عن الإجارة دون المزارعة أو عن المزارعة التي كانوا
(وأخرجه النسائي وبن ماجه<span class="matn-hr"> </span>Qيعتادونها وهي التي فسرها في حديثه
وأما المزارعة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه من بعده فلم يتناولها النهي بحال
التاسع أن ما في المزارعة من الحاجة إليها والمصلحة وقيام أمر الناس عليها يمنع من تحريمها والنهي عنها لأن أصحاب الأرض كثيرا ما يعجزون عن زرعها ولا يقدرون عليه والعمال والأكرة يحتاجون إلى الزرع ولا أرض لهم ولا قوام لهؤلاء ولا هؤلاء إلا بالزرع فكان من حكمة الشرع ورحمته بالأمة وشفقته عليها ونظره لهم أن جوز لهذا أن يدفع أرضه لمن يعمل عليها ويشتركان في الزرع هذا بعمله وهذا بمنفعة أرضه وما رزق الله فهو بينهما وهذا في غاية العدل والحكمة والرحمة والمصلحة
وما كان هكذا فإن الشارع لا يحرمه ولا ينهى عنه لعموم مصلحته وشدة الحاجة إليه كما في المضاربة والمساقاة بل الحاجة في المزارعة آكد منها في المضاربة لشدة الحاجة إلى الزرع إذ هو القوت والأرض لا ينتفع بها إلا بالعمل عليها بخلاف المال
فإن قيل فالشارع نهى عنها مع هذه المنفعة التي فيها ولهذا قال رافع نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا فالجواب أن الشارع لا ينهى عن المنافع والمصالح وإنما ينهى عن المفاسد والمضار وهم ظنوا أن قد كان لهم في ذلك المنهي عنه منفعة وإنما كان فيه عليهم مضرة ومفسدة مقتضية للنهي وما تخيلوه من المنفعة فهي منفعة جزئية لرب الأرض لاختصاصه بخيار الزرع وما يسعد منه بالماء وما على أقبال الجداول فهذا وإن كان فيه منفعة له فهو مضرة على المزارع فهو من جنس منفعة المرابي بما يأخذه من الزيادة وإن كان مضرة على الآخر
والشارع لا يبيح منفعة هذا بمضرة أخيه فجواب رافع أن هذا وإن كان منفعة لكم فهو مضرة على إخوانكم فلهذا نهاكم عنه
وأما المزارعة العادلة التي يستوي فيها العامل ورب الأرض فهي منفعة لهما ولا مضرة فيها على أحد فلم ينه عنها فالذي نهى عنه مشتمل على مضرة ومفسدة راجحة في ضمنها منفعة مرجوحة جزئية والذي فعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من هذه مصلحة ومنفعة راجحة لا مضرة فيها على واحد منهما فالتسوية بين هذا وهذا تسوية بين متباينين لا يستويان عند الله ولا عند رسوله ولا عند الناس
وكذلك الجواب عن حديث جابر سواء
وقد تقدم في بعض طرقه أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القصري ومن كذا ومن كذا
فقال صلى الله عليه وسلم من كان له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه فهذا مفسر مبين ذكر فيه سبب النهي وأطلق في غيره من الألفاظ فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين ويدل على أن هذا هو المراد بالنهي
فاتفقت السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتآلفت وزال عنها الاضطراب والاختلاف وبان أن لكل فيها وجها وأن ما نهى عنه غير ما أباحه وفعله وهذا هو الواجب والواقع في نفس الأمر والحمد لله رب العالمين