(من جر ثوبه خيلاء) بضم الخاء المعجمة وفتح التحتية وبالمد
قال النووي هو والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد (لم ينظر الله إليه يوم القيامة) النظر حقيقة في إدراك العين للمرئي وهو هنا مجاز عن الرحمة أي لا يرحمه الله لامتناع حقيقة النظر في حقه تعالى والعلاقة هي السببية فإن من نظر إلى غيره وهو في حالة ممتهنة رحمه
وقال العراقي في شرح الترمذي عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه ومن نظر إلى متكبر مقته فالرحمة والمقت متسببان عن النظر كذا في النيل (إن أحد جانبي إزاري) بفتح الباء وسكون الياء بصيغة التثنية سقطت النون بالإضافة (يسترخي) بالخاء المعجمة وكانت سبب استرخائه نحافة جسم أبي بكر رضي الله عنه (إني لأتعاهد ذلك منه) من التعاهد وهو بمعنى الحفظ والرعاية
وفي بعض النسخ إلا أن أتعاهد ذلك منه وكذلك في<span class="matn-hr"> </span>Qذكر الشيخ بن القيم رحمه الله حديث لا يقبل الله صلاة رجل مسبل ثم قال ووجه هذا الحديث والله أعلم أن إسبال الإزار معصية
وكل من واقع معصية فإنه يؤمر بالوضوء والصلاة
فإن الوضوء يطفيء حريق المعصية
وأحسن ما حمل عليه حديث الأمر بالوضوء من القهقة في الصلاة هذا الوجه فإن القهقهة في الصلاة معصية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من فعلها بأن يحدث وضوءا يمحو به أثرها
ومنه حديث علي عن أبي بكر ما من مسلم يذنب ذنبا يتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له ذنبه
رواية الشيخين ومعناه أنه كان يسترخي أحد جانبي إزاره إذا تحرك يمشي أو غيره بغير اختياره فإذا كان محافظا عليه لا يسترخي لأنه كلما كاد يسترخي شده (قال) أي رسول الله (إنك لست ممن يفعله خيلاء) قال القارىء المعنى أن استرخاءه من غير قصد لا يضر لا سيما ممن لا يكون من شيمته الخيلاء ولكن الأفضل هو المتابعة وبه يظهر أن سبب الحرمة في جر الإزار هو الخيلاء كما هو مقيد في الشرطية من الحديث المصدر به انتهى
والحديث يدل على تحريم جر الثوب خيلاء والمراد بجره هو جره على وجه الأرض وهو الموافق لقوله ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار كما سيأتي
وظاهر الحديث أن الإسبال محرم على الرجال والنساء لما في صيغة من في قوله من جر من العموم ولكنه قد أجمع المسلمون على جواز الإسبال للنساء كما صرح بذلك بن رسلان في شرح السنن
وظاهر التقييد بقوله خيلاء يدل بمفهومه أن جر الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلا في هذا الوعيد
قال بن عبد البر مفهومه أن الجار لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا أنه مذموم وقال النووي لا يجوز الإسبال تحت الكعبين إن كان للخيلاء فإن كان لغيرها فهو مكروه
قال بن العربي لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أجره خيلاء لأن النهي قد تناوله لفظا ولا يجوز تناوله لفظا أن يخالفه إذ صار حكمه أن يقول لا أمتثله لأن تلك العلة ليست في فإنها دعوى غير مسلمة بل إطالة ذيله دالة على تكبره انتهى
وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده اللابس
ويدل على عدم اعتبار التقييد بالخيلاء قوله إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة كما سبق في حديث جابر بن سليم وحديث أبي أمامة قال بينما نحن مع رسول الله إذ لحلقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل فجعل يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله عز وجل ويقول عبدك وبن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو فقال يا رسول الله إني أحمش الساقين فقال يا عمرو إن الله تعالى أحسن كل شيء خلقه يا عمرو إن الله لا يحب المسبل أخرجه الطبراني ورجاله ثقات
قال الشوكاني في النيل إن قوله لأبي بكر إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء تصريح بأن مناط التحريم الخيلاء وأن الإسبال قد يكون للخيلاء وقد يكون لغيره فلا بد من حمل قوله فإنها من المخيلة في حديث جابر بن سليم على أنه خرج مخرج الغالب فيكون الوعيد المذكور في حديث بن عمر متوجها إلى من فعل ذلك اختيالا
والقول بأن كل إسبال من المخيلة أخذا بظاهر حديث جابر ترده الضرورة فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور الخيلاء بباله ويرده ما تقدم من قوله لأبي بكر لما عرفت وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح به في الصحيحين قال وأما حديث أبي أمامة فغاية ما فيه التصريح بأن الله لا يحب المسبل وحديث بن عمر مقيد
بالخيلاء
وحمل المطلق على المقيد واجب وأما كون الظاهر من عمرو أنه لم يقصد الخيلاء فما بمثل هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة انتهى كلام الشوكاني وهو قول ضعيف والصحيح أن كل إسبال من المخيلة إن فعله قصدا
وقد أشبع الكلام الحافظ بن حجر رحمه الله في الفتح فأجاد وأصاب والله أعلم
قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم