(مر) بصيغة المجهول (محمم) بالتشديد اسم مفعول من التحميم بمعنى التسويد أي مسود وجهه بالحمم (مجلود) من الجلد بالجيم (فدعاهم) أي اليهود (فقال هكذا تجدون حد الزاني قالوا نعم) هذا يخالف حديث بن عمر المذكور من حيث إن فيه أنهم ابتدؤوا السؤال قبل إقامة الحد وفي هذا أنهم أقاموا الحد قبل السؤال
قال الحافظ ويمكن الجمع بالتعدد بأن يكون اللذين سألوا عنهما غير الذي جلدوه ويحتمل أن يكون بادروا فجلدوه ثم بدا لهم فسألوا فاتفق المرور بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك فأمرهم بإحضارهما فوقع ما وقع والعلم عند
الله ويؤيد الجمع ما وقع عند الطبراني من حديث بن عباس أن رهطا من اليهود أتوا النبي ومعهم امرأة فقالوا يا محمد ما أنزل عليك في الزنى فيتجه أنهم جلدوا الرجل ثم بدا لهم أن يسألوا عن الحكم فأحضروا المرأة وذكروا القصة والسؤال انتهى (فدعا رجلا) هو عبد الله بن صوريا (نشدتك بالله) يقال نشدتك الله وأنشدتك الله وبالله وناشدتك الله وبالله أي سألتك وأقسمت عليك ونشدته نشدة ونشدانا ومناشدة وتعديته إلى مفعولين لأنه كدعوت زيدا وبزيدا ولأنه ضمن معنى ذكرت وأنشدت بالله خطأ انتهى كذا في المجمع (ولكنه) أي الزنى (في أشرافنا) جمع شريف (تركناه) أي لم نقم عليه الحد (فاجتمعنا على التحميم) أي تسويد الوجه بالحمم وهو الفحم يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر أي في موالاة الكفار فإنهم لن يعجزوا الله تعالى أو لا يحزنك الذين يقعون في الكفر بسرعة وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهيا للكفرة عن أن يحزنوه ولكنه في الحقيقة نهي له عن التأثر من ذلك والمبالاة به على أبلغ وجه وأوكده فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه نهي عنه بالطريق البرهاني وقطع له من أصله
واقرؤا هذه الآية إلى قوله تعالى يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ولفظ مسلم في تفسير هذا القول يقول أيتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا انتهى
أي يقول المرسلون وهم يهود خيبر وفدك لمن أرسلوهم وهم يهود المدينة إيتوا محمدا فإن أوتيتم هذا أي الحكم المحرف وهو التحميم والجلد وترك الرجم أي فإن أفتاكم محمد بذلك الحكم فخذوه أي فاقبلوه واعملوا به وإن لم تؤتوه أي الحكم المحرف المذكور بل أفتاكم بالرجم فاحذورا من قبوله والعمل به
وهذا القول أعني قوله تعالى يا أيها الرسول (إلى قوله) تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزل (في اليهود) في قصة رجم اليهوديين اللذين زنيا المذكورة في هذا الحديث
وكذلك قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس (إلى قوله) تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) نزل (في اليهود) أي يهود المدينة وهم قريظة والنضير فإن النضير قد قاتلت قريظة في الجاهلية وقهرتهم فكان إذا قتل النضيري القرظي لا يقتل به بل يفادى بمائة وسق من التمر وإذا قتل القرظي النضيري قتل فإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعفي دية القرظي فغيروا بذلك حكم الله تعالى في التوراة
والحاصل أن هذه الآية والتي تقدمت نزلت في اليهود
وأما الآية التالية أعني وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم (إلى قوله) تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون قال فنزلت (هي في الكفار كلها) تأكيدا للكفار و (يعني) بقوله هي (هذه الآية) التالية ولفظ مسلم فأنزل الله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون في الكفار كلها انتهى
ولا اختلاف بين هذه الرواية وبين رواية الكتاب بحسب الحقيقة فإن هذه الآيات كلها نزلت في اليهود ولكن حكمها غير مختص بهم بل هو عام فيهم وفي غيرهم فرواية مسلم ناظرة إلى الحكم ورواية الكتاب في الآيتين الأوليين ناظرة إلى سبب النزول وأما الآية الأخيرة فهي أيضا ناظرة إلى الحكم كذا أفاده بعض الأماجد والله أعلم
قال المنذري وأخرجه مسلم وبن ماجه بنحوه انتهى