Justice CouncilHadith commentaries

Awn al-Ma'bud on Sunan Abi Dawud 4726

عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته — محمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر، أبو عبد الرحمن، شرف الحق، الصديقي، العظيم آبادي (المتوفى: 1329هـ)

al-Azimabadi (d. 1329 AH) Printed edition: vol. 13, p. 7 The hadith: abudawud:4726

(باب في الجهمية)

(قال أحمد) هو بن سعيد (كتبناه) أي الحديث (من نسخته) أي من نسخة وهب بن جرير (وهذا لفظه) أي لفظ أحمد (عن أبيه) هو محمد بن جبير (عن جده) هو جبير بن مطعم (جهدت) بصيغة المجهول أي أوقعت في المشقة (وضاعت العيال) عيال الرجل بالكسر من يعوله ويمونه من الزوجة والأولاد والعبيد وغير ذلك (ونهكت) بصيغة المجهول أي نقصت (وهلكت الأنعام) جمع نعم محركة الإبل والبقر والغنم (فاستسق الله لنا) أي اطلب لنا السقيا من الله تعالى (فإنا نستشفع) أي نطلب الشفاعة (بك) أي بوجودك وحرمتك وبعظمتك<span class="matn-hr"> </span>Qمنهما للآخر فإن المسافة يختلف تقديرها

بحسب اختلاف السير الواقع فيها فسير البريد مثلا يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات وهذا معلوم بالواقع فما تسيره الإبل سيرا قاصدا في عشرين يوما يقطعه البريد في ثلاثة فحيث قدر النبي صلى الله عليه وسلم بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد وحيث قدر بالخمسمائة أراد به السير الذي يعرفونه سير الإبل والركاب فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا

(ويحك) بمعنى ويلك إلا أن الأول فيه معنى الشفقة عن المزلة والمزلقة والثاني دعاء عليه بالهلكة والعقوبة قاله القارىء (وسبح) أي قال سبحان الله قال الأردبيلي فيه دلالة على جواز أن يقال سبحان الله أو لا إله إلا الله على وجه التعجب والإنكار ولا كراهة فيه انتهى (حتى عرف ذلك) بصيغة المجهول أي حتى تبين أثر ذلك التغير (في وجوه أصحابه) لأنهم فهموا من تكرير تسبيحه أنه غضب من ذلك فخافوا من غضبه فتغيرت وجوههم خوفا من الله تعالى (إنه) أي الشأن (لا يستشفع) بصيغة المجهول (شأن الله أعظم من ذلك) أي من أن يستشفع به على أحد<span class="matn-hr"> </span>Qذكر الشيخ بن القيم رحمه الله حديث بن إسحاق الذي فيه وإن عرشه فوق سماواته كالقبة وتعليل المنذري له

ثم قال قال أهل الإثبات ليس في شيء من هذا مستراح لكم في رد الحديث

أما حملكم فيه على بن إسحاق فجوابه أن بن إسحاق بالموضع الذي جعله الله من العلم والأمانة

قال علي بن المديني حديثه عندي صحيح وقال شعبة بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث وقال أيضا هو صدوق وقال علي بن المديني أيضا لم أجد له سوى حديثين منكرين

وهذا في غاية الثناء والمدح إذ لم يجد له عل كثرة ما روى إلا حديثين منكرين

وقال علي أيضا سمعت بن عيينة يقول ما سمعت أحدا يتكلم في بن إسحاق إلا في قوله في القدر ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعدهم

وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول قال الزهري لا يزال بهذه الحرة علم ما دام بها ذلك الأحول يريد بن إسحاق

وقال يعقوب بن شيبة سألت يحيى بن معين كيف بن إسحاق قال ليس بذاك قلت ففي نفسك من حديثه شيء قال لا كان صدوقا

وقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول لو كان لي سلطان لأمرت بن إسحاق على المحدثين

وقال بن عدي قد فتشت أحاديث بن إسحاق الكبير فلم أجد في حديثه ما يتهيأ أن نقطع عليه بالضعف وربما أخطأ أو وهم كما يخطيء غيره ولم يتخلف في الرواية عند الثقات والأئمة وهو لا بأس به

قال الطيبي استشفعت بفلان على فلان ليشفع لي إليه فشفعه أجاب شفاعته ولما قيل إن الشفاعة هي الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عنه إلى ذي سلطان عظيم منع أن يستشفع بالله على أحد وقوله ذلك إشارة إلى أثر هيبة أو خوف استشعر من قوله سبحان الله تنزيها عما نسب إلى الله تعالى من الاستشفاع به على أحد وتكراره مرارا (إن عرشه على سماواته) قال الأردبيلي هذا يدل على أن السماوات واقفة غير متحركة ولا دائرة كما قال المسلمون وأهل الكتاب خلافا للمنجمين والفلاسفة انتهى (لهكذا) بفتح اللام الابتدائية دخلت على خبر إن تأكيدا للحكم (وقال بأصابعه) أي أشار بها (مثل القبة عليه) قال القارىء حال من العرش أي مماثلا لها على ما في جوفها<span class="matn-hr"> </span>Qوقال أحمد بن عبد الله العجلي بن إسحاق ثقة

وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث ذكرها لابن إسحاق في صحيحه

وقد روى الترمذي في جامعه من حديث بن إسحاق حدثنا سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال كنت ألقى من المذي شدة فأكثر الاغتسال منه الحديث

قال الترمذي هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث بن إسحاق فهذا حكم قد تفرد به بن إسحاق في الدنيا وقد صححه الترمذي

فإن قيل فقد كذبه مالك فقال أبو قلابة الرقاشي حدثني أبو داود سليمان بن داود قال قال يحيى بن القطان أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب

قلت وما يدريك قال قال لي وهب فقلت لوهب وما يدريك قال قال لي مالك بن أنس فقلت لمالك وما يدريك قال قال لي هشام بن عروة قال قلت لهشام وما يدريك قال حدث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر وأدخلت عليها وهي بنت تسع وما رآها رجل حتى لقيت الله قيل هذه الحكاية وأمثالها هي التي غرت من اتهمه بالكذب

وجوابها من وجوه أحدها أن سليمان بن داود راويها عن يحيى هو الشاذكوني وقد اتهم بالكذب فلا يجوز القدح في الرجل بمثل رواية الشاذكوني

الثاني أن في الحكاية ما يدل على أنها كذب فإنه قال أدخلت فاطمة علي وهي بنت تسع وفاطمة أكبر من هشام بثلاث عشر سنة ولعلها لم تزف إليه إلا وقد زادت على العشرين

ولما أخذ عنها بن إسحاق كان لها نحو بضع وخمسين سنة

الثالث أن هشاما إنما نفى رؤيته لها ولم ينف سماعه منها ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء

قال الطيبي هو حال من المشار به وفي قال معنى الإشارة أي أشار بأصابعه إلى مشابهة هذه الهيئة وهي الهيئة الحاصلة للأصابع الموضوعة على الكف مثل حالة الإشارة انتهى (وإنه) أي العرش (ليئط) بكسر الهمزة وتشديد المهملة أي يصوت (به) أي بالله تعالى (أطيط الرحل) أي كصوته والرحل كور الناقة (بالراكب) أي الثقيل

وفي النهاية أي إن العرش ليعجز عن حمله وعظمته إذ كان معلوما أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه وعجزه عن احتماله انتهى

وقال الخطابي هذا الكلام إذا أجري على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية والكيفية عن الله تعالى وعن صفاته منفية فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله وجلاله جل جلاله سبحانه وإنما قصد به إفهام السائل من حيث أدركه فهمه إذا كان أعرابيا جلفا لا علم له لمعاني ما دق من الكلام وما لطف منه عن درك الأفهام

وفي الكلام حذف وإضمار فمعنى قوله أتدري ما الله فمعناه أتدري ما عظمته وجلاله

وقوله إنه ليئط به معناه أنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به إذ كان معلوما أن أطيط الرجل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه ولعجزه عن احتماله

فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى<span class="matn-hr"> </span>Qالرؤية انتفاء السماع قال الإمام أحمد لعله سمع منها في المسجد أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب فأي شيء في هذا فقد كانت امرأة كبرت وأسنت

وقال يعقوب بن شيبة سألت بن المديني عن بن إسحاق فقال حديثه عندي صحيح

قلت فكلام مالك فيه قال مالك لم يجالسه ولم يعرفه وأي شيء حدث بالمدينة قلت فهشام بن عروة قد تكلم فيه قال الذي قال هشام ليس بحجة لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها فإن حديثه ليتبين فيه الصدق يروي مرة يقول حدثني أبو الزناد ومرة يقول ذكر أبو الزناد ويقول حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب في سلف وبيع وهو أروى الناس عن عمرو بن شعيب

فصل وأما قولكم إنه لم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة فعلى تقدير العلم بهذا النفي لا يخرج

عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه ليعلم أن الموصوف بعلو الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر لا يجعل شفيعا إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة وتعالى الله أن يكون مشبها بشيء أو مكيفا بصورة خلق أو مدركا بحس ليس كمثله شيء وهو السميع البصير انتهى

قلت كلام الإمام الخطابي فيه تأويل بعيد خلاف للظاهر لا حاجة إليه وإنما الصحيح المعتمد في أحاديث الصفات إمرارها على ظاهرها من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل كما عليه السلف الصالحون والله أعلم

(وقال عبد الأعلى وبن المثنى وبن بشار عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير) أي قالوا في روايتهم بالواو بين يعقوب وجبير وأما أحمد بن سعيد فقال في روايته بعن بينهما كما مر (وافقه عليه) أي وافق أحمد بن سعيد على إسناده (وكان سماع عبد الأعلى إلخ) أي فلأجل ذلك اتفق هؤلاء الثلاثة كلهم على ما هو غير الصحيح حيث قالوا عن يعقوب بن عتبة<span class="matn-hr"> </span>Qالحديث عن كونه حسنا فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه وفي الصحيح قطعه من الاحتجاج بعنعنة المدلس كأبي الزبير عن جابر وسفيان عن عمرو بن دينار ونظائر كثيرة لذلك

وأما قولكم تفرد به يعقوب بن عتبة ولم يرو عنه أحد من أصحاب الصحيح فهذا ليس بعلة باتفاق المحدثين فإن يعقوب لم يضعفه أحد وكم من ثقة قد احتجوا به وهو غير مخرج عنه في الصحيحين وهذا هو الجواب عن تفرد محمد بن جبير عنه فإنه ثقة

وأما قولكم إن بن إسحاق اضطرب فيه إلى آخره فقد اتفق ثلاثة من الحفاظ وهم عبد الأعلى وبن المثنى وبن يسار على وهب بن جرير عن أبيه عن بن إسحاق أنه حدث به عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد عن أبيه وخالفهم أحمد بن سعيد الدمياطي فقال عن وهب بن جرير عن أبيه سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير فإما أن يكون الثلاثة أولى وإما أن يكون يعقوب رواه عن جبير بن محمد فسمعه منه بن إسحاق ثم سمعه من جبير نفسه فحدث به على الوجهين وقد قيل إن الواو غلط وأن الصواب عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد عن أبيه والله أعلم

وأما قولكم إنه اختلف في لفظه فبعضهم قال ليئط به وبعضهم لم يذكر لفظة به فليس في

وجبير بن محمد إلخ بالواو قال المنذري قال أبو بكر البزار وهذا الحديث لا نعلمه يروي عن النبي من جهة من الوجوه إلا من هذا الوجه ولم يقل فيه محمد بن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة

هذا آخر كلامه

ومحمد بن إسحاق مدلس وإذا قال المدلس عن فلان ولم يقل حدثنا أو سمعت أو أخبرنا لا يحتج بحديثه وإلى هذا أشار البزار مع بن إسحاق إذا صرح بالسماع اختلف الحفاظ في الاحتجاج بحديثه فكيف إذا لم يصرح به وقد رواه يحيى بن معين وغيره فلم يذكر فيه لفظة به

وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي وقد تفرد به يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي الأخنسي عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم القرشي النوفلي وليس لهما في صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري رواية وانفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب وبن إسحاق لا يحتج بحديثه وقد طعن فيه غير واحد من الأئمة وكذبه جماعة منهم

وقال أبو بكر البيهقي التشبيه بالقبة إنما وقع على العرش وهذا حديث ينفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب بن عتبة وصاحبا الحديث الصحيح لم يحتجابهما

هذا آخر كلامه وقد تأوله الأئمة على تقدير صحته فقال الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك وذلك لا يرجع إلى العرش وليس فيه ما يدل على أن الله تعالى مماس له مماسة الراكب الرحل بل فائدته أنه يسمع للعرش أطيط فضرب كأطيط الرجل إذا ركب ويحتمل تأويلا آخر أيضا وهو أن يقول معناه أطيط الملائكة وضجتهم بالتسبيح حول العرش والمراد به الطائفون به وهذا شائع كما قال<span class="matn-hr"> </span>Qهذا اختلاف يوجب رد الحديث فإذا زاد بعض الحفاظ لفظة لم ينفها غيره

ولم يرو ما يخالفا فإنها لا تكون موجبة لرد الحديث

فهذا جواب المنتصرين لهذا الحديث

قالوا

وقد روي هذا المعنى عن النبي من غير حديث بن إسحاق

فقال محمد بن عبد الله الكوفي المعروف بمطين حدثنا عبد الله بن الحكم وعثمان قالا حدثنا يحيى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر قال أتت النبي امرأة فقالت ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم أمر الرب ثم قال إن كرسيه فوق السماوات والأرض وإنه يقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع ثم قال بأصابعه فجمعها وإن له أطيطا كأطيط الرحل الحديث فإن قيل عبد الله بن الحكم وعثمان لا يعرفان

قيل بل هما ثقتان مشهوران عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الحكم القطواني وهما من رجال الصحيح

وفي الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق عرشه إن رحمتي غلبت غضبي

وفي لفظ البخاري هو وضع عنده على العرش

وفي لفظ له أيضا فهو مكتوب فوق العرش

واستب بعدك يا كليب المجلس إنما المراد أهل المجلس وكذلك تقول العرب اجتمعت اليمامة والمراد أهلها وكذلك يقولون بنو فلان هم الطريق والمراد به الواطئون الطريق

قال الخطابي فمعنى قوله أتدري ما الله معناه أتدري ما عظمة الله وجلاله وأشار إلى أن ظاهر الحديث فيه نوع من الكيفية والكيفية عن الله وعن صفاته منفية وإنما هو كلام تقريب أريد به تقريب عظمة الله وجلاله سبحانه

وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات هذا حديث ينفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب بن عتبة وصاحبا الصحيح لم يحتجا به إنما استشهد مسلم بن الحجاج بمحمد بن إسحاق في أحاديث معدودة أظنهن خمسة قد رواهن غيره وذكر البخاري في الشواهد ذكرا من غير رواية وكان مالك بن أنس لا يرضاه ويحيى بن سعيد القطان لا يروي عنه ويحيى بن معين يقول ليس هو بحجة وأحمد بن حنبل يقول يكتب عنه هذه الأحاديث يعني المغازي ونحوها فإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا يريد أقوى منه فإذا كان لا<span class="matn-hr"> </span>Qووضع بمعنى موضوع مصدر بمعنى المفعول كنظائره

وفي صحيح البخاري أيضا من حديث حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أنس قال كانت زينب تفخر على أزواج النبي وتقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات

وفي لفظ للبخاري كانت تقول أنكحني الله في السماء

وفي الصحيحين من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل لفظ البخاري

وفي الصحيحين من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي أنه قال يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ورواه البيهقي بإسناد الصحيح وقال ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم وقال أخرجاه في الصحيح

يحتج به في الحلال والحرام فأولى أن لا يحتج به في صفات الله سبحانه وتعالى وإنما نقموا عليه في روايته عن أهل الكتاب ثم عن ضعفاء الناس وتدليسه أساميهم فإذا روى عن ثقة وبين سماعه منه فجماعة من الأئمة لم يروا به بأسا

وهو إنما روى هذا الحديث عن يعقوب بن عتبة وبعضهم يقول عنه وعن جبير بن محمد بن جبير ولم يبين سماعه منهما واختلف عليه في لفظه

وقد جعله أبو سليمان الخطابي ثابتا واشتغل بتأويله انتهى كلام البيهقي

ثم ذكر البيهقي كلام الخطابي الذي تقدم آنفا

وقال بعض العلماء ممن ذهب إلى تأويل أحاديث الصفات حديث العباس ضعيف من وجوه ومعارض بالإجماع والأحاديث أما الضعف فمن جهة محمد بن إسحاق وأما الإجماع فإنه مخالف لما عليه المفسرون في المساحة والمسافة وفي صفة حملة العرش وأما الأحاديث فإنها جاءت في مسيرة خمس مائة واشتهرت عن أبي ذر وأبي سعيد وأبي بردة وغيرهم انتهى

وأما قولهم إنه معارض للإجماع الذي عليه المفسرون فهذه دعوى من غير بينة فإن المفسرين بأجمعهم لم يجمعوا على خلاف معنى حديث العباس رضي الله عنه وذهاب بعض المفسرين المتأخرين بل من المتقدمين أيضا إلى خلاف ذلك لا يفيد الإجماع وقد جمع بين الروايتين أي رواية المسافة بقدر مسيرة خمس مائة عام كما في حديث أبي هريرة وغيره وبين<span class="matn-hr"> </span>Qوفي الصحيحين قصة سعد بن معاذ وحكمه في بني قريظة وقول النبي لقد حكمت فيهم بحكم الملك ورواه البيهقي من حديث سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه وفيه فقال النبي لقد حكم فيهم اليوم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات

وقال بن إسحاق في حديثه لقد حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبعة أرقعة والرقيع من أسماء السماء وقد تقدم

وروى الترمذي والإمام أحمد من حديث الحسن عن عمران بن حصين قال قال رسول الله لأبي يا حصين كم تعبد اليوم إلها قال أبي سبعة ستة في الأرض وواحدا في السماء قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء قال يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك

قال فلما أسلم حصين قال يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني قال قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي

وقد ثبت عن النبي أنه شهد للجارية بالإيمان حيث أقرت بأن الله في السماء وحديثها في صحيح مسلم

رواية العباس هذه الحافظ البيهقي في كتاب الأسماء والصفات فقال بعد إخراج رواية أبى هريرة ما نصه هذه الرواية في مسيرة خمسمائة عام اشتهر فيما بين الناس وروينا عن بن مسعود من قوله مثلها ويحتمل أن يختلف ذلك باختلاف قوة السير وضعفه وخفته وثقله فيكون بسير القوي أقل وبسير الضعيف أكثر انتهى

وقال بن القيم وأما اختلاف مقدار المسافة في حديثي العباس وأبي هريرة فهو مما يشهد بتصديق كل منهما للآخر وأن المسافة تختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها فسير البريد مثلا يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات وهذا معلوم بالواقع<span class="matn-hr"> </span>Qوثبت عنه في الصحيح أنه جعل يشير بأصبعه إلى السماء في خطبته في حجة الوداع وينكسها إلى الناس ويقول اللهم اشهد وكان مستشهدا بالله حينئذ لم يكن داعيا حتى يقال السماء قبلة الدعاء

وفي الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبي نعيم قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر والأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة بن علاثة وأما عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه كنا أحق بهذا من هؤلاء فبلغ ذلك النبي فقال ألا تؤمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء

وسيأتي إن شاء الله حديث أبي الدرداء سمعت رسول الله يقول ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء الحديث رواه أبو داود في الطب

وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله قال ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وسيأتي في كتاب الأدب

وفي صحيح بن حبان عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي عن النبي قال إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا

وقد روى الترمذي والبيهقي من حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا تبارك وتعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض قال كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق العرش ثم استوى عليه هذا لفظ البيهقي وهذا الإسناد صححه الترمذي في موضع وحسنه في موضع

فصححه في الرؤيا أخبرنا الحسن بن علي الخلال حدثنا يزيد بن هارون حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال قال رسول الله رؤيا المؤمن جزء

فما يسيره الإبل سيرا قاصدا في عشرين يوما يقطعه البريد في ثلاثة

فحيث قدر النبي بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد وحيث قدر بالخمس مائة أراد به الذي يعرفونه سير الإبل والركاب فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا انتهى

وقد جاءت في صفة حملة العرش ألوان ذكرها البيهقي فأنى يصح الإجماع والله أعلم

قال الحافظ بن القيم في تهذيب السنن أما حملكم فيه على بن إسحاق فجوابه أن بن إسحاق بالموضع الذي جعله الله من العلم والأمانة

قال علي بن المديني حديثه عندي صحيح وقال شعبة بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث وقال أيضا هو صدوق

وقال علي بن المديني أيضا لم أجد له سوى حديثين منكرين وهذا في غاية الثناء والمدح إذ لم يجد له على كثرة ما روى إلا حديثين منكرين<span class ="matn-hr"> </span>Qمن أربعين جزءا من النبوة وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت قال وأحسبه قال لا تحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح

قال بن القطان فيلزمه تصحيح الحديث الأول أو الاقتصار على تحسين الثاني يعني لأن الإسناد واحد

قال فإن قيل لعله حسن الأول لأنه من رواية حماد بن سلمة وصحح الثاني لأنه من رواية شعبة وفضل ما بينهما في الحفظ بين

قلنا قد صحح من أحاديث حماد بن سلمة ما لا يحصى وهو موضع لا نظر فيه عنده ولا عند أحد من أهل العلم فإنه إمام وكان عند شعبة من تعظيمه وإجلاله ما هو معلوم

وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا جرير بن حازم عن أبي يزيد المديني أن عمر بن الخطاب مر في ناس من أصحابه فلقيته عجوز واستوقفته فوقف عليها فوضع يده على منكبيها حتى قضت حاجتها فلما فرغت قال له رجل حبست رجالات قريش على هذه العجوز

قال ويحك تدري من هذه هذه عجوز سمع الله عز وجل شكواها من فوق سبع سماوات والله لو استوقفتني إلى الليل لوقفت عليها إلا أن آتي صلاة ثم أعود عليها

قال البيهقي وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الجوهري حدثنا إبراهيم بن الهيثم حدثنا محمد بن كثير المصيصي قال سمعت الأوزاعي يقول كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته

وقال البخاري في الصحيح قال أبو العالية استوى إلى السماء ارتفع فسوى خلقهن

وقال مجاهد استوى علا

وقال أبو الحسن علي بن محمد الطبري من كبار أصحاب أبي الحسن الأشعري والله في السماء فوق كل شيء مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه ومعنى الاستواء الاعتلاء كما تقول

وقال علي أيضا سمعت بن عيينة يقول ما سمعت أحدا يتكلم في بن إسحاق إلا في قوله في القدر ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعدهم

وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول قال الزهري لا يزال بهذه الحرة علم ما دام بها ذلك الأحول يريد بن إسحاق

وقال يعقوب بن شيبة سألت يحيى بن معين كيف بن إسحاق قال ليس بذاك قلت ففي نفسك من حديثه شيء قال لا كان صدوقا

وقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول لو كان لي سلطان لأمرت بن إسحاق على المحدثين

وقال بن عدي قد فتشت أحاديث بن إسحاق الكثير فلم أجد في أحاديثه شيئا أن يقطع<span class="matn-hr"> </span>Qاستويت على ظهر الدابة واستويت على السطح بمعنى علوته واستوت الشمس على رأسي واستوى الطير على قمة رأسي بمعنى علا يعني علا في الجو فوجد فوق رأسي فالقديم سبحانه عال على عرشه لا قاعد ولا قائم ولا مماس ولا مباين عن العرش هذا كلامه حكاه عنه البيهقي

قال وروى الحسن بن محمد الطبري عن أبي عبد الله نفطويه النحوي قال أخبرني أبو سليمان قال كنا عند بن الأعرابي فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله ما معنى {الرحمن على العرش استوى} قال إنه مستو على عرشه كما أخبر

فقال الرجل إنما معنى استوى استولى فقال له بن الأعرابي ما يدريك العرب لا تقول استولى فلان على الشيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب قيل قد استولى عليه والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر

وقال يحيى بن إبراهيم الطليطلي في كتاب سير الفقهاء حدثني عبد الملك بن حبيب عن عبد الله بن المغيرة عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم قال كانوا يكرهون قول الرجل يا خيبة الدهر وكانوا يقولون الله هو الدهر وكانوا يكرهون قول الرجل رغم أنفي لله

وإنما يرغم أنف الكافر قال وكانوا يكرهون قول الرجل لا والذي خاتمه على فمي إنما يختم على فم الكافر وكانوا يكرهون قول الرجل والله حيث كان أو إن الله بكل مكان

قال أصبغ وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته

وقال بن عبد البر في التمهيد والاستذكار قال مالك الله في السماء وعلمه في كل مكان

وقال القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري في رسالته المشهورة التي سماها رسالة الحيدة وأن الله سبحانه شاء مريد كما قال تعالى {فعال لما يريد} وقال {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} وأن الله مستو على عرشه ومستول على جميع خلقه كما قال تعالى {الرحمن على العرش استوى} بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة

عليه بالضعف وربما أخطأ أو وهم كما يخطىء غيره ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة وهو لا بأس به

وقال أحمد بن عبد الله العجلي بن إسحاق ثقة

وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث ذكرها لابن إسحاق في صحيحه

وقد روى الترمذي في جامعه من حديث بن إسحاق حدثنا سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال كنت ألقى من المذي شدة فأكثر الاغتسال منه الحديث

قال الترمذي هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث بن إسحاق فهذا حكم قد تفرد به بن إسحاق في الدنيا وقد صححه الترمذي

فإن قيل فقد كذبه مالك فقال أبو قلابة الرقاشي حدثني أبو داود سليمان بن داود قال قال يحيى بن القطان أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب قلت وما يدريك قال قال لي وهيب فقلت لوهيب وما يدريك قال قال لي مالك بن أنس فقلت لمالك وما يدريك<span class="matn-hr"> </span>Qوقال حافظ المغرب إمام السنة في وقته أبو عمر يوسف بن عبد البر في كتابيه التمهيد والاستذكار في شرح حديث مالك عن بن شهاب عن الأغر وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي قال ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا الحديث

قال أبو عمر وهذا لفظه في الاستذكار فيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله تعالى في كل مكان وليس على العرش والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك قول الله عز وجل {الرحمن على العرش استوى} وقوله {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} وقوله تعالى {إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} وقوله {إليه يصعد الكلم الطيب} وقوله {فلما تجلى ربه للجبل} وقال {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} وقال {سبح اسم ربك الأعلى} وهذا من العلو وكذلك قوله {العلي العظيم} و {الكبير المتعال} و {رفيع الدرجات ذو العرش} {يخافون ربهم من فوقهم}

وقال جل ذكره {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} وقوله {تعرج الملائكة والروح إليه} وقوله لعيسى {إني متوفيك ورافعك إلي} وقوله {بل رفعه الله إليه}

وقال {فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار} وقال {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته} وقال ليس له دافع من الله ذي المعارج والعروج هو الصعود وأما قوله {أأمنتم من في السماء} فمعناه من على السماء يعني على العرش وقد تكون في بمعنى على ألا ترى إلى قوله تعالى {فسيحوا في الأرض} أي على الأرض

وكذلك قوله {ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي على جذوع النخل

وهذا كله يعضده قوله تعالى {تعرج الملائكة والروح إليه} وما كان

قال قال لي هشام بن عروة قال قلت لهشام وما يدريك قال حدث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر ودخلت عليها (أدخلت علي) وهي بنت تسع وما رآها رجل حتى لقيت الله

قيل هذه الحكاية وأمثالها هي التي غرت من اتهمه بالكذب وجوابها من وجوه أحدها أن سليمان بن داود راويها عن يحيى هو الشاذكوني وقد اتهم بالكذب فلا يجوز القدح في الرجل بمثل رواية الشاذكوني

الثاني أن في الحكاية ما يدل على أنها كذب فإنه قال أدخلت علي وهي بنت تسع وفاطمة أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة ولعلها لم تزف إليه إلا وقد زادت على العشرين ولما أخذ عنها بن إسحاق كان لها نحو بضع وخمسين سنة الثالث أن هشاما إنما نفى رؤيته لها ولم ينف سماعه منها ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع

قال الإمام أحمد لعله سمع منها في المسجد أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب فأي شيء في هذا وقد كانت امرأة قد كبرت وأسنت<span class="matn-hr"> </span>Qمثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب

فهذه الآيات وغيرها كلها واضحة في إبطال قول المعتزلة

وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم استوى بمعنى استولى

فلا معنى له

لأنه غير ظاهر في اللغة

ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة

والله لا يغلبه ولا يعلوه أحد

وهو الواحد الصمد

ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى يكون اتفاق من الأمة أنه أريد به المجاز إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم

ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات

وجل الله أن يخاطب عباده في كتابه العربي إلا بما يفهمه العرب في معهود مخاطبتها مما يصح معناه عند السامعين

والاستواء في اللغة معلوم مفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه

قال أبو عبيدة في قوله تعالى {استوى} قال علا

وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت

قال أبو عمرو الاستقرار في العلو

وبهذا خاطبنا عز وجل في كتابه

فقال {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه} وقال {واستوت على الجودي} وقال {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}

وقال الشاعر

وقال يعقوب بن شيبة سألت بن المديني عن بن إسحاق قال حديثه عندي صحيح قلت فكلام مالك فيه قال مالك لم يجالسه ولم يعرفه وأي شيء حدث بالمدينة

قلت فهشام بن عروة قد تكلم فيه قال الذي قال هشام ليس بحجة لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها فإن حديثه يستبين فيه الصدق يروي مرة حدثني أبو الزناد ومرة ذكر أبو الزناد ويقول حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب في سلف وبيع وهو أروى الناس عن عمرو بن شعيب

وأما قولكم إنه لم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة فعلى تقدير ثبوت العلم بهذا النفي لا يخرج الحديث عن كونه حسنا فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه وفي الصحيح قطعة من الاحتجاج بعنعنة المدلس كأبي الزبير عن جابر وسفيان عن عمرو بن دينار ونظائره كثيرة لذلك<span class="matn-hr"> </span>Qفأوردتهم مأسفا قعره وقد حلق النجم اليماني فاستوى وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد أن معناه استولى

لأن النجم لا يستولي

وقد ذكر النضر بن شميل وكان ثقة مأمونا جليلا في علم الديانة واللغة قال حدثني الخليل وحسبك بالخليل قال أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا استووا

فبقينا متحيرين

ولم ندرك ما قال

فقال لنا أعرابي إلى جنبه أمركم أن ترتفعوا

قال الخليل هو من قول الله عز وجل {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} فصعدنا إليه

وأما من نزع منهم بحديث عبد الله بن واقد الواسطي بإسناده عن بن عباس الرحمن على العرش استوى استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان

فالجواب أن هذا حديث منكر ونقلته مجهولون ضعفاء وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول

فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث لو عقلوا أو أنصفوا أما سمعوا الله عز وجل يقول {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} فدل على أن موسى كان يقول إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبا

وقال أمية بن أبي الصلت فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ومن هو فوق العرش فرد موحد مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد قال أبو عمر بن عبد البر وإن احتجوا بقوله تعالى {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} وبقوله {وهو الله في السماوات وفي الأرض} وبقوله {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} الآية

قيل لهم لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه سبحانه ليس في الأرض دون السماء

فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجمع عليه

وذلك أنه سبحانه في السماء إله معبود من

وأما قولكم تفرد به يعقوب بن عتبة ولم يرو عنه أحد من أصحاب الصحيح فهذا ليس بعلة باتفاق المحدثين فإن يعقوب ثقة لم يضعفه أحد وكم من ثقة قد احتج به وهو غير مخرج عنه في الصحيحين وهذا هو الجواب عن تفرد محمد بن جبير عنه فإنه ثقة

وأما قولكم أن بن إسحاق اضطرب فيه فقد اتفق ثلاثة من الحفاظ عبد الأعلى وبن المثنى وبن بشار على وهب بن جرير عن أبيه عن بن إسحاق أنه حدث به عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد عن أبيه وخالفهم أحمد بن سعيد الدمياطي فقال عن وهب بن جرير عن أبيه سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير فإما أن تكون الثلاثة أولى وإما أن يكون يعقوب رواه عن جبير بن محمد فسمعه منه بن إسحاق ثم سمعه من جبير نفسه فحدث به على الوجهين

وقد قيل إن الواو غلط وإن الصواب عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد عن أبيه<span class="matn-hr"> </span>Qأهل السماء وأنه سبحانه في الأرض إله معبود مستحق للعبادة من أهل الأرض

وكذلك قال أهل العلم بالتفسير وظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش

والاختلاف في ذلك ساقط

وأسعد الناس به من ساعده الظاهر

وأما قوله {وفي الأرض إله} فالإجماع والاتفاق قد بين المراد أنه معبود من أهل الأرض

فتدبر هذا فإنه قاطع

ومن الحجة أيضا على أنه تبارك وتعالى على العرش فوق السماوات أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا أيديهم ووجوههم إلى السماء فيستغيثون ربهم تبارك وتعالى

وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته

لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم

وقد قال النبي للأمة التي أراد مولاها عتقها

فاختبرها رسول الله ليعلم إن كانت مؤمنة أم لا

فقال لها أين الله فأشارت إلى السماء ثم قال لها من أنا قالت رسول الله

قال اعتقها فإنها مؤمنة

فاكتفى رسول الله برفعها رأسها إلى السماء واستغنى بذلك عما سواه

هذا لفظ أبي عمر في الاستذكار

وذكره في التمهيد أطول منه

وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هارون بن سليمان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله قال بين سماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام والكرسي فوق الماء

والله عز وجل فوق الكرسي ويعلم ما أنتم عليه

وأما قولكم إنه اختلف لفظه فبعضهم قال ليئط به وبعضهم لم يذكر لفظة به فليس في هذا اختلاف يوجب رد الحديث فإذا زاد بعض الحفاظ لفظة لم ينفها غيره ولم يرو ما يخالفها فإنها لا تكون موجبة لرد الحديث فهذا جواب المنتصرين لهذا الحديث<span class="matn-hr"> </span>Qقال ورواه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام

ثم بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام ثم ما بين السماء السابعة وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام والكرسي فوق الماء والله فوق العرش

ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم

وقال الشافعي في كتاب الأم ورويناه في مسنده أخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثني موسى بن عبيد قال حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبيد الله بن عبيد بن عمير أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول أتى جبريل النبي بمرآة بيضاء فيها نكتة

فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذه فقال هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك

والناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد

فقال النبي يا جبريل وما يوم المزيد فقال إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثيب من مسك

فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله تبارك وتعالى ما شاء من ملائكته وحوله منابر من نور عليها مقاعد للنبيين وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون

فجلسوا من ورائهم على تلك الكثبان فيقول الله عز وجل أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فسلوني أعطكم

فيقولون ربنا نسألك رضوانك

فيقول قد رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد

فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير

وهو اليوم الذي استوى فيه ربك تبارك وتعالى على العرش

وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة

قال الشافعي وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد عن أنس بن مالك شبيها به

احتج به الشافعي في فضل الجمعة وكان حسن القول في إبراهيم بن محمد شيخه

والحديث له طرق عديدة

ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا صفوان قال قال أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله أتاني جبريل فذكره

ورواه محمد بن شعيب عن عمر مولى عفرة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم

ورواه أبو طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم

قالوا وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير حديث بن إسحاق فقال محمد بن عبد الله الكوفي المعروف بمطين حدثنا عبد الله بن الحكم وعثمان قالا حدثنا يحيى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر قال أتت النبي امرأة فقالت ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم أمر الرب ثم قال إن كرسيه فوق السماوات والأرض وإنه يقعد عليه فما يفصل منه مقدار أربع أصابع ثم قال بأصابعه فجمعها وإن له أطيطا كأطيط الرحل الحديث<span class ="matn-hr"> </span>Qوقد جمع أبو بكر بن أبي داود طرقه وقال أبو طيبة اسمه رجاء بن الحرث ثقة وعثمان بن عمير يكنى أبا اليقظان

وقد تواترت الأحاديث الصحيحة التي أجمعت الأمة على صحتها وقبولها بأن النبي عرج به إلى ربه وأنه جاوز السماوات السبع وأنه تردد بين موسى وبين الله عز وجل مرارا في شأن الصلاة وتخفيفها وهذا من أعظم الحجج على الجهمية فإنهم لا يقولون عرج به إلى ربه وإنما يقولون عرج به إلى السماء

وقد تواترت الرواية عن النبي بأن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له رواه بضعة وعشرون صحابيا

وفي مسند الإمام أحمد وسنن بن ماجه من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة

قال وذلك قوله تعالى {سلام قولا من رب رحيم} فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم

وفي الصحيحين عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله بخمس كلمات فقال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه

قال أبو عبد الله الحاكم في علوم الحديث في النوع العشرين سمعت محمد بن صالح بن هانيء يقول سمعت أبا بكر بن إسحاق بن خزيمة يقول من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سمواته فهو كافر به يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن ريح جيفته وكان ماله فيئا لا يرثه أحد من المسلمين إذ المسلم لا يرث الكافر

كما قال النبي

وقال بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن الضحاك في قوله تعالى {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} قال هو الله عز وجل على العرش وعلمه معهم ذكره البيهقي

وبهذا الإسناد قال مقاتل بن حيان بلغنا والله أعلم في قوله عز وجل {هو الأول} قبل كل شيء {والآخر} بعد كل شيء {والظاهر} فوق كل شيء {والباطن} أقرب من كل شيء وإنما يعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق

فإن قيل عبد الله بن الحكم وعثمان لا يعرفان قيل بل هما ثقتان مشهوران عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الحكم القطواني وهما من رجال الصحيح

وفي الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق عرشه إن رحمتي غلبت غضبي

وفي لفظ البخاري وهو وضع عنده على العرش

وفي لفظ له أيضا فهو مكتوب فوق العرش ووضع بمعنى موضوع مصدر بمعنى المفعول كنظائره انتهى كلام بن القيم رحمه الله تعالى<span class="matn- hr"> </span>Qعرشه {وهو بكل شيء عليم} ذكره البيهقي أيضا

قال وبهذا الإسناد عن مقاتل بن حيان في قوله (إلا هو معهم) يقول علمه وذلك قوله {إن الله بكل شيء عليم} فيعلم نجواهم ويسمع كلامهم ثم ينبئهم يوم القيامة بكل شيء وهو فوق عرشه وعلمه معهم

وقال الحاكم سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانيء يقول سمعت محمد بن نعيم يقول سمعت الحسن بن الصباح البزار يقول سمعت علي بن الحسن بن شقيق يقول سألت عبد الله بن المبارك

قلت كيف نعرف ربنا قال في السماء السابعة على عرشه

قال الحاكم وأخبرنا أبو بكر محمد بن داود الزاهد حدثنا محمد بن عبد الرحمن الشامي حدثني عبد الله بن أحمد بن سيبويه المروزي قال سمعت علي بن الحسن بن شقيق يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول نعرف ربنا فوق سبع سماوات على العرش استوى بائن من خلقه ولا نقول كما قالت الجهمية إنه ها هنا وأشار إلى الأرض

وقال عبد الله بن سعيد بن كلاب فيما حكاه عنه أبو بكر بن فورك وأخرج من النظر والخبر قول من قال لا هو داخل العالم ولا خارجه فنفاه نفيا مستويا لأنه لو قيل له صفه بالعدم ما قدر أن يقول فيه أكثر منه ورد أخبار الله نصا وقال في ذلك بما لا يجوز في خبر ولا معقول وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص والنفي الخالص عندهم والإثبات الخالص وهم عند أنفسهم قياسون هذا حكاية لفظه

وقال الخطابي في كتاب شعار الدين القول في أن الله تعالى مستو على العرش

هذه المسألة سبيلها التوقيف المحض ولا يصل إليها الدليل من غير هذا الوجه وقد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة فقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز

وقد قال مالك الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة

فمن التوقيف الذي جاء به الكتاب قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} وقال {ثم استوى على العرش الرحمن} وقال {رفيع الدرجات ذو العرش}

وقد أطال الكلام في ترجمة محمد بن إسحاق الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال والحافظ فتح الدين بن سيد الناس اليعمري في عيون الأثر في المغازي والسير فعليك بمراجعتهما