)
(فقال أما بعد) مبني على الضم لأنه من الظروف المقطوعة عن الإضافة
وقد ثبت استعمال هذه الكلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطب في كثير من الأحاديث فينبغي للخطباء أن يستعملوها تأسيا واتباعا
قال المنذري وأخرجه مسلم في أثناء الحديث الطويل في فضائل أهل البيت
$ 2 - (باب في الكرم [4974])
الكرم بسكون الراء وفتحها مصدر كرم يكرم يوصف به مبالغة على طريق رجل عدل<span class="matn-hr"> </span>Qقال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله العرب تسمي شجر العنب كرما لكرمه والكرم كثرة الخير والمنافع والفوائد لسهولة تناولها من
يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع يقال رجل كرم وامرأة كرم ورجلان كرم وامرأتان كرم ورجال كرم ونسوة كرم ويطلق على العنب وشجرة كذا قالوا
قلت ويطلق أيضا على الحائط من العنب يدل عليه ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث سمرة رفعه أن اسم الرجل المؤمن في الكتب الكرم من أجل ما أكرمه الله على الخليفة وأنكم تدعون الحائط من العنب الكرم الحديث وهذا هو المناسب لرواية المؤلف (وحفظ المنطق) أي وهذا باب حفظ المنطق وهو بفتح الميم وسكون النون مصدر قال في المصباح نطق نطقا من باب ضرب ومنطقا
والنطق بالضم اسم منه والمعنى أن للرجل أن يحافظ في المنطق ويراعي في الكلام فلا يتكلم ولا ينطق بما تشهيه نفسه بل لا بد له أن يستعمل في كلامه الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة ويجتنب عن الألفاظ الجاهلية وعن العبارات التي ظاهرها مخالفة للأدب والمروءة
قلت والأحاديث التي ساقها المؤلف في هذا الباب والأبواب التالية أكثرها داخل تحت هذه الترجمة أي حفظ المنطق والله أعلم
(لا يقولن أحدكم الكرم) أي للعنب أو لحائطه<span class="matn-hr"> </span>Qالكريم ومنه قوله تعالى {فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} وفي آية أخرى {من كل زوج بهيج} فهو كريم مخبره بهيج في منظره وشجر العنب قد جمع وجوها من ذلك
منها تذليل ثمره لقاطفه
ومنها أنه ليس دونه شوك يؤذي مجتنيه
ومنها أنه ليس بممتنع على من أراده لعلو ساقه وصعوبته كغيره
ومنها أن الشجرة الواحدة منه مع ضعفها ودقة ساقها تحمل أضعاف ما تحمله غيرها
ومنها أن الشجرة الواحدة منه إذا قطع أعلاها أخلفت من جوانبها وفروعها والنخلة إذا قطع أعلاها ماتت ويبست جملة
ومنها أن ثمره يؤكل قبل نضجه وبعد نضجه وبعد يبسه
ومنها أنه يتخذ منه من أنواع الأشربة الحلوة والحامضة كالدبس والخل ما لا يتخذ من غيره ثم يتخذ من شرابه من أنواع الحلاوة والأطعمة والأقوات ما لا يتخذ من غيره وشرابه الحلال غذاء وقوت ومنفعة وقوة
ومنها أنه يدخر يابسه قوتا وطعاما وأدما
ومنها أن ثمره قد جمع نهاية المطلوب من الفاكهة من الاعتدال فلم يفرط إلى البرودة كالخوخ
وهذا هو مناسب لقوله ولكن قولوا حدائق الأعناب قال الخطابي في المعالم إنما نهاهم عليه السلام عن تسمية هذه الشجرة كرما لأن هذا الاسم مشتق عندهم من الكرم والعرب تقول رجل كرم بمعنى كريم وقوم كرم أي كرام فأشفق صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم حسن أسمائها إلى شرب الخمر المتخذة من ثمرها فسلبها هذا الاسم وجعله صفة للمسلم الذي يتوقى شربها ويمنع نفسه الشهوة فيها عزة وتكرما انتهى
قال المنذري وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تسموا العنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم<span class="matn-hr"> </span>Qوغيره ولا إلى الحرارة كالتمر بل هو في غاية الاعتدال إلى غير ذلك من فوائده
فلما كان بهذه المنزلة سموه كرما فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الفوائد والثمرات والمنافع التي أودعها الله قلب عبده المؤمن من البر وكثرة الخير أعظم من فوائد كرم العنب فالمؤمن أولى بهذه التسمية منه
فيكون معنى الحديث على هذا النهي عن قصر اسم الكرم على شجر العنب بل المسلم أحق بهذا الاسم منه
وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب أي مالك نفسه أولى أن يسمى شديدا من الذي يصرع الرجال
وكقوله ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والأكلة والأكلتان ولكنه الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه أي هذا أولى بأن يقال له مسكين من الطواف الذي تسمونه مسكينا
ونظيره في المفلس والرقوب وغيرهما
ونظيره قوله ليس الواصل بالمكافيء ولكنه الذي إذا قطعت رحمه وصلها وإن كان هذا ألطف من الذي قبله
وقيل في معنى وجه آخر وهو قصد النبي صلى الله عليه وسلم سلب هذا الاسم المحبوب للنفوس التي يلذ لها سماعه عن هذه الشجرة التي تتخذ منها أم الحبائب فيسلبها الاسم الذي يدعو النفوس إليها ولا سيما فإن العرب قد تكون سمتها كرما لأن الخمر المتخذة منها تحث على الكرم وبذل المال فلما حرمها الشارع نفى اسم المدح عن أصلها وهو الكرم كما نفى اسم المدح عنها وهو الدواء فقال إنها داء وليست بدواء ومن عرف سر تأثير الأسماء في مسمياتها نقرة وميلا عرف هذا فسلبها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاسم الحسن وأعطاه ما هو أحق به منها وهو قلب المؤمن
ويؤكد المعنى الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه المسلم بالنخلة لما فيها من المنافع والفوائد حتى إنها كلها منفعة لا يذهب منها شيء بلا منفعة حتى شوكها ولا يسقط عنها لباسها وزينتها كما لا
وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
وأخرج مسلم من حديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب والحبلة
$ 3 - (باب لا يقول المملوك ربي وربتي [4975])
(لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي) لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى فكلكم<span class="matn-hr"> </span>Qيسقط عن المسلم زينته فجذوعها للبيوت والمساكن والمساجد وغيرها وسعفها للسقوف وغيرها وخوصها للحصر والمكاتل والآنية وغيرها ومسدها للحبال وآلات الشد والحل وغيرها وثمرها يؤكل رطبا ويابسا ويتخذ قوتا وأدما وهو أفضل المخرج في زكاة الفطر تقربا إلى الله وطهرة للصائم ويتخذ منه ما يتخذ من شراب الأعناب ويزيد عليه بأنه قوت وحده بخلاف الزبيب ونواه علف للإبل التي تحمل الأثقال إلى بلد لا يبلغه الإنسان إلا بشق النفس
ويكفي فيه أن نواه يشترى به العنب فحسبك بتمر نواه ثمن لغيره
وقد اختلف الناس في العنب والنخل أيهما أفضل وأنفع واحتجت كل طائفة بما في أحدهما من المنافع
والقرآن قد قدم النخيل على الأعناب في موضع وقدم الأعناب عليها في موضع وأفرد النخيل عن الأعناب ولم يفرد العنب عن النخيل
وفصل الخطاب في المسألة أن كل واحد منهما في الموضع الذي يكثر فيه ويقل وجود الآخر أفضل وأنفع
فالنخيل بالمدينة والعراق وغيرهما أفضل وأنفع من الأعناب فيها
والأعناب في الشام ونحوها أفضل وأنفع من النخيل بها
ولا يقال فما تقولون إذا استويا في بلدة فإن هذا لا يوجد لأن الأرض التي يطيب النخيل فيها ويكون سلطانه ووجوده غالبا لا يكون للعنب بها سلطان ولا تقبله تلك الأرض
وكذلك أرض العنب لا تقبل النخيل ولا يطيب فيها
الله سبحانه قد خص كل أرض بخاصية من النبات والمعدن والفواكه وغيرها فهذا موضعه أفضل وأطيب وأنفع وهذا في موضعه كذلك
عبيد الله وكل نسائكم إماء الله (ولا يقولن المملوك ربي وربتي) لأن الربوبية إنما حقيقتها لله تعالى لأن الرب هو المالك أو القائم بالشيء ولا يوجد حقيقة هذا إلا في الله تعالى (وليقل المالك فتاي وفتاتي) هما بمعنى الشاب والشابة بناء على الغالب في الخدم أو القوي والقوية ولو باعتبار ما كان (وليقل المملوك سيدي وسيدتي) لأن لفظة السيد غير مختصة بالله تعالى اختصاص الرب ولا مستعملة فيه كاستعمالها حتى كره مالك الدعاء بسيدي ولم يأت تسميته تعالى بالسيد في القرآن ولا في حديث متواتر قاله النووي (والرب الله) مبتدأ وخبر
قال المنذري وأخرجه النسائي