قوله فكان بن عمر يعطي التمر في رواية مالك في الموطأ عن نافع كان بن عمر لا يخرج إلا التمر في زكاة الفطر إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا ولابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب كان بن عمر إذا أعطى أعطى التمر إلا عاما واحدا قوله فأعوز بالمهملة والزاي أي احتاج يقال أعوزني الشيء إذا احتجت إليه فلم أقدر عليه وفيه دلالة على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر وقد روى جعفر الفريابي من طريق أبي مجلز قال قلت لابن عمر قد أوسع الله والبر أفضل من التمر أفلا تعطي البر قال لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي ويستنبط من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يقتات بها لأن التمر أعلى من غيره مما ذكر في حديث أبي سعيد وإن كان بن عمر فهم منه خصوصية التمر بذلك والله أعلم قوله حتى إن كان يعطي عن بني زاد في نسخة الصغاني قال أبو عبد الله يعني بني نافع قال الكرماني روي بفتح أن وكسرها وشرط المفتوحة قد وشرط المكسورة اللام فإما أن يحمل على الحذف أو تكون أن مصدرية وكان زائدة وقول نافع هذا هو شاهد الترجمة وجه الدلالة منه أن بن عمر راوي الحديث فهو أعلم بالمراد منه من غيره وأولاد نافع إن كان رزقهم وهو بعد في الرق فلا إشكال وإن كان رزقهم بعد أن أعتق فلعل ذلك كان من بن عمر على سبيل التبرع أو كان يرى وجوبها على جميع من يمونه ولو لم تكن نفقته واجبة عليه وقد روى البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن نافع أن بن عمر كان يؤدي زكاة الفطر عن كل مملوك له في أرضه وغير أرضه وعن كل إنسان يعوله من صغير وكبير وعن رقيق امرأته وكان له مكاتب فكان لا يؤدي عنه وروى بن المنذر من طريق بن إسحاق قال حدثني نافع أن بن عمر كان يخرج صدقة الفطر عن أهل بيته كلهم حرهم وعبدهم صغيرهم وكبيرهم مسلمهم وكافرهم من الرقيق وهذا يقوي بحث بن رشيد المتقدم وقد حمله بن المنذر على أنه كان يعطي عن الكافر منهم تطوعا قوله وكان بن عمر يعطيها للذين يقبلونها أي الذي ينصبه الإمام بقبضها وبه جزم بن بطال وقال بن التيمي معناه من قال أنا فقير والأول أظهر ويؤيده ما وقع في نسخة الصغاني عقب الحديث قال أبو عبد الله هو المصنف كانوا يعطون للجمع لا للفقراء وقد وقع في رواية بن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب قلت متى كان بن عمر يعطي قال إذا قعد العامل قلت متى يقعد العامل قال قبل الفطر بيوم أو يومين ولمالك في الموطأ عن نافع أن بن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة وأخرجه الشافعي عنه وقال هذا حسن وأنا أستحبه يعني تعجيلها قبل يوم الفطر انتهى ويدل على ذلك أيضا ما أخرجه البخاري في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة قال وكلني رسول الله
صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان الحديث وفيه أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر فدل على أنهم كانوا يعجلونها وعكسه الجوزقي فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر وهو محتمل للأمرين
(قوله باب صدقة الفطر على الصغير والكبير)
أورد فيه حديث بن عمر من طريق يحيى وهو القطان عن عبيد الله وهو بن عمر العمري عن نافع عنه وقد تقدم الكلام عليه خاتمة اشتمل كتاب الزكاة من الأحاديث المرفوعة على مائة حديث واثنين وسبعين حديثا الموصول منها مائة حديث وتسعة عشر حديثا والبقية متابعة ومعلقة المكرر منها فيه وفيما مضى مائة حديث سواء والخالص اثنان وسبعون حديثا وافقه مسلم على تخريجها سوى سبعة عشر حديثا وهي حديث أبي ذر مع عثمان ومعاوية وحديث بن عمر في ذم الذي يكنز وحديث أبي هريرة لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال وحديث عدي بن حاتم جاء رجلان أحدهما يشكو العيلة وحديث عائشة أينا أسرع لحوقا بك وحديث معن بن يزيد في الصدقة على الولد وحديث أبي بكر الصديق في إيثاره بماله وحديث أبي هريرة خير الصدقة عن ظهر غنى وحديث أنس عن أبي بكر في الزكاة وحديث بن عمر لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع وحديث أبي سعيد في قصة زينب امرأة بن مسعود وحديث أبي لاس في ركوب إبل الصدقة وحديث الزبير لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب وحديث سهل بن سعد أحد جبل يحبنا ونحبه وحديث بن عمر فيما سقت السماء العشر وحديث الفضل بن عباس في الصلاة في الكعبة وحديث أبي هريرة في قصة الرجل من بني إسرائيل وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرون أثرا منها أثر عمر في قوله لحكيم بن حزام لما أبى أن يأخذ حقه من الفيء والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب
(قوله باب وجوب الحج وفضله وقول الله تعالى ولله على الناس حج البيت من
استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)
كذا لأبي ذر وسقط لغيره البسملة وباب ولبعضهم قوله وقول الله وفي رواية الأصيلي كتاب المناسك وقدم المصنف الحج على الصيام لمناسبة لطيفة تقدم ذكرها في المقدمة ورتبه على مقاصد متناسبة فبدأ بما يتعلق بالمواقيت ثم بدخول مكة وما معها ثم بصفة الحج ثم بأحكام العمرة ثم بمحرمات الإحرام ثم بفضل المدينة ومناسبة هذا الترتيب غير خفية على الفطن وأصل الحج في اللغة القصد وقال الخليل كثرة القصد إلى معظم وفي الشرع القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان نقل الطبري أن الكسر لغة أهل نجد والفتح لغيرهم ونقل عن حسين الجعفي أن الفتح الاسم والكسر المصدر وعن غيره عكسه ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة وأجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر واختلف هل هو على الفور أو التراخي وهو مشهور وفي وقت ابتداء فرضه فقيل قبل الهجرة وهو شاذ وقيل بعدها ثم اختلف في سنته فالجمهور على أنها سنة ست لأنها نزل فيها قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض ويؤيده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ وأقيموا أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم وقيل المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك وقد وقع في قصة ضمام ذكر الأمر بالحج وكان قدومه على ما ذكر الواقدي سنة خمس وهذا يدل إن ثبت على تقدمه على سنة خمس أو وقوعه فيها وسيأتي مزيد بسط في الكلام على هذه المسألة في أول الكلام على العمرة وأما فضله فمشهور ولا سيما في الوعيد على تركه في الآية وسيأتي في باب مفرد ولكن لم يورد المصنف في الباب غير حديث الخثعمية وشاهد الترجمة منه خفي وكأنه أراد إثبات فضله من جهة تأكيد الأمر
به بحيث إن العاجز عن الحركة إليه يلزمه أن يستنيب غيره ولا يعذر بترك ذلك وسيأتي الكلام على حديث الخثعمية والاختلاف في إسناده على الزهري في أواخر محرمات الإحرام والمراد منه هنا تفسير الاستطاعة المذكورة في الآية وأنها لا تختص بالزاد والراحلة بل تتعلق بالمال والبدن لأنها لو اختصت للزم المعضوب أن يشد على الراحلة ولو شق عليه قال بن المنذر لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة والآية الكريمة عامة ليست مجملة فلا تفتقر إلى بيان وكأنه كلف كل مستطيع قدر بمال أو ببدن وسيأتي بيان الاختلاف في ذلك في الكلام على الحديث المذكور إن شاء الله تعالى تقسيم الناس قسمان من يجب عليه الحج ومن لا يجب الثاني العبد وغير المكلف وغير المستطيع ومن لا يجب عليه إما أن يجزئه المأتي به أو لا الثاني العبد وغير المكلف والمستطيع إما أن تصح مباشرته منه أو لا الثاني غير المميز ومن لا تصح مباشرته إما أن يباشر عنه غيره أو لا الثاني الكافر فتبين أنه لا يشترط لصحة الحج إلا الإسلام
(قوله باب قول الله تعالى يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)
قيل إن المصنف أراد أن الراحلة ليست شرطا للوجوب وقال بن القصار في الآية دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل فإن المخالف يزعم أن الحج لا يجب على الراجل وهو خلاف الآية انتهى وفيه نظر وقد روى الطبري من طريق عمر بن ذر قال قال مجاهد كانوا لا يركبون فأنزل الله يأتوك رجالا وعلى كل ضامر فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر وروى بن أبي حاتم من طريق محمد بن كعب عن بن عباس ما فاتني شيء أشد علي أن لا أكون حججت ماشيا لأن الله يقول يأتوك رجالا وعلى كل ضامر فبدأ بالرجال قبل الركبان قوله فجاجا الطرق الواسعة قال يحيى الفراء في المعاني في سورة نوح قوله فجاجا واحدها فج وهي الطرق الواسعة واعترضه الإسماعيلي فقال يقال الفج الطريق بين الجبلين فإذا لم يكن كذلك لم يسم الطريق فجا كذا قال وهو قول بعض أهل اللغة وجزم أبو عبيد ثم الأزهري بأن الفج الطريق الواسع وقد نقل صاحب المحكم أن الفج الطريق الواسع في جبل أو في قبل جبل وهو أوسع من الشعب وروى بن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله فجاجا يقول طرقا مختلفة ومن طريق شعبة عن قتادة قال طرقا وأعلاما
وقال أبو عبيدة في المجاز فج عميق أي بعيد القعر وهذا تفسير العميق يقال بئر عميقة القعر أي بعيدة القعر ثم ذكر المصنف حديث بن عمر في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته وحديث جابر نحوه وسيأتي الكلام عليه بعد أبواب وغرضه منه الرد على من زعم أن الحج ماشيا أفضل لتقديمه في الذكر على الراكب فبين أنه لو كان أفضل لفعله النبي صلى الله عليه وسلم بدليل أنه لم يحرم حتى استوت به راحلته ذكر ذلك بن المنير في الحاشية وقال غيره مناسبة الحديث للآية أن ذا الحليفة فج عميق والركوب مناسب لقوله وعلى كل ضامر وقال الإسماعيلي ليس في الحديثين شيء مما ترجم الباب به ورد بأن فيهما الإشارة إلى أن الركوب أفضل فيؤخذ منه جواز المشي