فيه ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب وهو يقول لا يعلم الغيب إلا الله كذا وقع في هذه الرواية عن محمد بن يوسف وهو الفريابي عن سفيان وهو الثوري عن إسماعيل وهو بن أبي خالد وقد تقدم في تفسير سورة النجم من طريق وكيع عن إسماعيل بلفظ ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وذكر هذه الآية أنسب في هذا الباب لموافقته حديث بن عمر الذي قبله لكنه جرى على عادته التي أكثر منها من اختيار الإشارة على صريح العبارة وتقدم شرح ما يتعلق بالرؤية في تفسير سورة النجم وما يتعلق بعلم الغيب في تفسير سورة لقمان وتقدم في تفسير سورة المائدة بهذا السند من حدثك أن محمدا كتم شيئا وأحلت بشرحه على كتاب التوحيد وسأذكره إن شاء الله تعالى في باب يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ونقل بن التين عن الداودي قال قوله في هذا الطريق من حدثك أن محمدا يعلم الغيب ما أظنه محفوظا وما أحد يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم من الغيب إلا ما علم انتهى وليس في الطريق المذكورة هنا التصريح بذكر محمد صلى الله عليه وسلم وإنما وقع فيه بلفظ من حدثك أنه يعلم وأظنه بني على أن الضمير في قول عائشة من حدثك أنه لمحمد صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في الذي قبله حيث قالت من حدثك أن محمدا رأى ربه ثم قالت ومن حدثك أنه يعلم ما في غد ويعكر عليه أنه وقع في رواية إبراهيم النخعي عن مسروق عن عائشة قالت ثلاث من قال واحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية من زعم أنه يعلم ما في غد الحديث
أخرجه النسائي وظاهر هذا السياق أن الضمير للزاعم ولكن ورد التصريح بأنه لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه بن خزيمة وبن حبان من طريق عبد ربه بن سعيد عن داود بن أبي هند عن الشعبي بلفظ أعظم الفرية على الله من قال إن محمدا رأى ربه وإن محمدا كتم شيئا من الوحي وإن محمدا يعلم ما في غد وهو عند مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن داود وسياقه أتم ولكن قال فيه ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد هكذا بالضمير كما في رواية إسماعيل معطوفا على من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا وما ادعاه من النفي متعقب فإن بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظن ذلك حتى كان يرى أن صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على جميع المغيبات كما وقع في المغازي لابن إسحاق أن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ضلت فقال زيد بن اللصيت بصاد مهملة وآخره مثناة وزن عظيم يزعم محمد أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن رجلا يقول كذا وكذا وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا قد حبستها شجرة فذهبوا فجاءوه بها فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله وهو مطابق لقوله تعالى فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول الآية وقد اختلف في المراد بالغيب فيها فقيل هو على عمومه وقيل ما يتعلق بالوحي خاصة وقيل ما يتعلق بعلم الساعة وهو ضعيف لما تقدم في تفسير لقمان أن علم الساعة مما استأثر الله بعلمه إلا إن ذهب قائل ذلك إلى أن الاستثناء منقطع وقد تقدم ما يتعلق بالغيب هناك قال الزمخشري في هذه الآية إبطال الكرامات لأن الذين يضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خص الله الرسل من بين المرتضعين بالاطلاع على الغيب وتعقب بما تقدم وقال الإمام فخر الدين قوله على غيبه لفظ مفرد وليس فيه صيغة عموم فيصح أن يقال إن الله لا يظهر على غيب واحد من غيوبه أحدا إلا الرسل فيحمل على وقت وقوع القيامة ويقويه ذكرها عقب قوله اقريب ما توعدون وتعقب بأن الرسل لم يظهروا على ذلك وقال أيضا يجوز أن يكون الاستثناء منقطعا أي لا يظهر على غيبه المخصوص أحدا لكن من ارتضى من رسول فإنه يجعل له حفظه وقال القاضي البيضاوي يخصص الرسول بالملك في اطلاعه على الغيب والأولياء يقع لهم ذلك بالالهام وقال بن المنير دعوى الزمخشري عامة ودليله خاص فالدعوى امتناع الكرامات كلها والدليل يحتمل أن يقال ليس فيه إلا نفي الاطلاع على الغيب بخلاف سائر الكرمات انتهى وتمامه أن يقال المراد بالاطلاع على الغيب علم ما سيقع قبل أن يقع على تفصيله فلا يدخل في هذا ما يكشف لهم من الأمور المغيبة عنهم وما لا يخرق لهم من العادة كالمشي على الماء وقطع المسافة البعيدة في مدة لطيفة ونحو ذلك وقال الطيبي الأقرب تخصيص الاطلاع بالظهور والخفاء فإطلاع الله الأنبياء على المغيب أمكن ويدل عليه حرف الاستعلاء في على غيبه فضمن يظهر معنى يطلع فلا يظهر على غيبه إظهارا تاما وكشفا جليا إلا لرسول يوحى إليه مع ملك وحفظة ولذلك قال فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا وتعليله بقوله ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأما الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات وليسوا في ذلك كالأنبياء وقد جزم الأستاذ أبو إسحاق بأن كرامات الأولياء لا تضاهي ما هو معجزة للأنبياء وقال أبو بكر بن فورك الأنبياء مأمورون بإظهارها والولي يجب عليه إخفاؤها والنبي يدعي ذلك بما يقطع به بخلاف الولي فإنه لا يأمن الاستدراج وفي الآية رد على المنجمين وعلى كل من يدعي أنه يطلع على ما سيكون من حياة أو موت أو غير
ذلك لأنه مكذب للقرآن وهم أبعد شيء من الارتضا مع سلب صفة الرسلية عنهم وقوله في أول حديث بن عمر مفاتيح الغيب إلى أن قال لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله فوقع في معظم الروايات لا يعلم ما في الأرحام إلا الله واختلف في معنى الزيادة والنقصان على أقوال فقيل ما ينقص من الخلقة وما يزداد فيها وقيل ما ينقص من التسعة الأشهر في الحمل وما يزداد في النفاس إلى الستين وقيل ما ينقص بظهور الحيض في الحبل بنقص الولد وما يزداد على التسعة الأشهر بقدر ما حاضت وقيل ما ينقص في الحمل بانقطاع الحيض وما يزداد بدم النفاس من بعد الوضع وقيل ما ينقص من الأولاد قبل وما يزداد من الأولاد بعد وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به استعار للغيب مفاتيح اقتداء بما نطق به الكتاب العزيز وعنده مفاتح الغيب وليقرب الأمر على السامع لأن أمور الغيب لا يحصيها إلا عالمها وأقرب الأشياء إلى الاطلاع على ما غاب الأبواب والمفاتيح أيسر الأشياء لفتح الباب فإذا كان أيسر الأشياء لا يعرف موضعها فما فوقها أحرى أن لا يعرف قال والمراد بنفي العلم عن الغيب الحقيقي فإن لبعض الغيوب أسبابا قد يستدل بها عليها لكن ليس ذلك حقيقيا قال فلما كان جميع ما في الوجود محصورا في علمه شبهه المصطفى بالمخازن واستعار لبابها المفتاح وهو كما قال تعالى وإن من شيء إلا عندنا خزائنه قال والحكمة في جعلها خمسا الإشارة إلى حصر العوالم فيها ففي قوله وما تغيض الأرحام إشارة إلى ما يزيد في النفس وينقص وخص الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة ومع ذلك فنفى أن يعرف أحد حقيقتها فغيرها بطريق الأولى وفي قوله ولا يعلم متى يأتي المطر إشارة إلى أمور العالم العلوي وخص المطر مع أن له أسبابا قد تدل بجري العادة على وقوعه لكنه من غير تحقيق وفي قوله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إشارة إلى أمور العالم السفلي مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده ولكن ليس ذلك حقيقة بل لو مات في بلده لا يعلم في أي بقعة يدفن منها ولو كان هناك مقبرة لأسلافه بل قبر أعده هو له وفي قوله ولا يعلم ما في غد إلا الله إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث وعبر بلفظ غد لتكون حقيقته أقرب الأزمنة وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه مع إمكان الأمارة والعلامة فما بعد عنه أولى وفي قوله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله إشارة إلى علوم الآخرة فإن يوم القيامة أولها وإذا نفى علم الأقرب انتفى علم ما بعده فجمعت الآية أنواع الغيوب وأزالت جميع الدعاوي الفاسدة وقد بين بقوله تعالى في الآية الأخرى وهي قوله تعالى فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول أن الاطلاع على شيء من هذه الأمور لا يكون الا بتوفيق انتهى ملخصا
(قوله باب قول الله تعالى السلام المؤمن)
كذا للجميع وزاد بن بطال المهيمن وقال غرضه بهذا الباب إثبات
أسماء من أسماء الله تعالى ثم ذكر بعض ما ورد في معانيها وفيما ذكره نظر سلمنا لكن وظيفة الشارح بيان وجه تخصيص هذه الأسماء الثلاثة بالذكر دون غيرها وإفرادها بترجمة ويمكن أن يكون أراد بهذا القدر جميع الآيات الثلاث المذكورة في آخر سورة الحشر فإنها ختمت بقوله تعالى له الأسماء الحسنى وقد قال في سورة الأعراف ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها فكأنه بعد إثبات حقيقة القدرة والقوة والعلم أشار إلى أن الصفات السمعية ليست محصورة في عدد معين بدليل الآية المذكورة أو أراد الإشارة إلى ذكر الأسماء التي تسمى الله تعالى بها وأطلقت مع ذلك على المخلوقين فالسلام ثبت في القرآن وفي الحديث الصحيح أنه من أسماء الله تعالى وقد أطلق على التحية الواقعة بين المؤمنين والمؤمن يطلق على من اتصف بالإيمان وقد وقعا معا من غير تخلل بينهما في الآية المشار إليها فناسب أن يذكرهما في ترجمة واحدة وقال أهل العلم معنى السلام في حقه سبحانه وتعالى الذي سلم المؤمنون من عقوبته وكذا في تفسير المؤمن الذي أمن المؤمنون من عقوبته وقيل السلام من سلم من كل نقص وبرئ من كل آفة وعيب فهي صفة سلبية وقيل المسلم على عباده لقوله سلام قولا من رب رحيم فهي صفة كلامية وقيل الذي سلم الخلق من ظلمه وقيل منه السلامة لعباده فهي صفة فعلية وقيل المؤمن الذي صدق نفسه وصدق أولياءه وتصديقه علمه بأنه صادق وأنهم صادقون وقيل الموحد لنفسه وقيل خالق الأمن وقيل واهب الأمن وقيل خالق الطمأنينة في القلوب وأما المهيمن فإن ثبت في الرواية فقد تقدم ما فيه في التفسير ومما يستفاد ان بن قتيبة ومن تبعه كالخطابي زعموا أنه مفيعل من الأمن قلبت الهمز هاء وقد تعقب ذلك إمام الحرمين ونقل إجماع العلماء على أن أسماء الله لا تصغر ونقل البيهقي عن الحليمي أن المهيمن معناه الذي لا ينقص الطائع من ثوابه شيئا ولو كثر ولا يزيد العاصي عقابا على ما يستحقه لأنه لا يجوز عليه الكذب وقد سمى الثواب والعقاب جزاء وله أن يتفضل بزيادة الثواب ويعفو عن كثير من العقاب قال البيهقي هذا شرح قول أهل التفسير في المهيمن أنه الأمين ثم ساق من طريق التيمي عن بن عباس في قوله مهيمنا عليه قال مؤتمنا ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس المهيمن الأمين ومن طريق مجاهد قال المهيمن الشاهد وقيل المهيمن الرقيب على الشيء والحافظ له وقيل الهيمنة القيام على الشيء قال الشاعر
(ألا إن خير الناس بعد نبيه ... مهيمنه التاليه في العرف والنكر) يريد القائم على الناس بعده بالرعاية لهم انتهى ويصح أن يريد الأمين عليهم فيوافق ما تقدم ثم ذكر حديث بن مسعود في التشهد وسنده كله كوفيون وأحمد بن يونس هو بن عبد الله بن يونس اليربوعي نسب لجده وزهير هو بن معاوية الجعفي ومغيرة هو بن مقسم الضبي وشقيق بن سلمة هو أبو وائل مشهور بكنيته وباسمه معا وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن يحيى الحلواني عن أحمد بن يونس فقال حدثنا زهير بن معاوية حدثنا مغيرة الضبي وساق المتن مثله سواء وضاق على الإسماعيلي مخرجه فاكتفى برواية عثمان بن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة وساقه نحوه من رواية زهير وقد أخرجه النسائي من طريق شعبة عن مغيرة بسنده وقوله