قوله (سمعت أبا قتادة يقول خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة فمنا المحرم ومنا غير المحرم) إلى آخره القاحة بالقاف وبالحاء المهملة
المخففة هذا هو الصواب المعروف في جميع الكتب والذي قاله العلماء من كل طائفة قال القاضي كذا قيدها الناس كلهم قال ورواه بعضهم عن البخاري بالفاء وهو وهم والصواب القاف وهو واد على نحو ميل من السقيا وعلى ثلاث مراحل من المدينة (والسقيا) بضم السين المهملة وإسكان القاف وبعدها ياء مثناة من تحت وهي مقصورة وهي قرية جامعة بين مكة والمدينة من أعمال الفرع بضم الفاء وإسكان الراء وبالعين المهملة والأبواء وودان قريتان من أعمال الفرع أيضا (وتعهن) المذكورة في هذا الحديث هي عين ماء هناك على ثلاثة أميال من السقيا وهي بتاء مثناة فوق مكسورة ومفتوحة ثم عين مهملة ساكنة ثم هاء مكسورة ثم نون قال القاضي عياض هي بكسر التاء وفتحها قال وروايتنا عن الأكثرين بالكسر قال وكذا قيدها البكري في معجمه قال القاضي وبلغني عن أبي ذر الهروي أنه قال سمعت العرب تقولها بضم التاء وفتح العين وكسر الهاء وهذا ضعيف وأما (غيقة) فهي بغين معجمة مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم قاف
مفتوحة وهي موضع من بلاد بني غفار بين مكة والمدينة قال القاضي وقيل هي بئر ماء لبني ثعلبة قوله (فمنا المحرم ومنا غير المحرم) قد يقال كيف كان أبو قتادة وغيره منهم غير محرمين وقد جاوزوا ميقات المدينة وقد تقرر أن من أراد حجا أو عمرة لا يجوز له مجاوزة الميقات غير محرم قال القاضي في جواب هذا قيل إن المواقيت لم تكن وقتت بعد وقيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا قتادة ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل كما ذكره مسلم في الرواية الأخرى وقيل إنه لم يكن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بل بعثه أهل المدينة بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه أن بعض العرب يقصدون الإغارة على المدينة
وقيل إنه خرج معهم ولكنه لم ينو حجا ولا عمرة قال القاضي وهذا بعيد والله أعلم قوله (فسقط مني سوطي فقلت لأصحابي وكانوا محرمين ناولوني السوط فقالوا والله لا نعنيك عليه بشيء) وقال في الرواية الأخرى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء قالوا لا قال فكلوه) هذا ظاهر في الدلالة على تحريم الإشارة والإعانة من المحرم في قتل الصيد وكذلك الدلالة عليه وكل سبب وفيه دليل للجمهور على أبي حنيفة في قوله لا تحل الإعانة من المحرم إلا إذا لم يمكن اصطياده بدونها قوله (فقال بعضهم كلوه وقال بعضهم لا تأكلوه) ثم قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو حلال فكلوه فيه دليل على جواز الاجتهاد في مسائل الفروع والاختلاف فيها والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (هو حلال فكلوه) صريح في أن الحلال إذا صاد صيدا ولم يكن من المحرم إعانة ولا إشارة ولا دلالة عليه حل للمحرم أكله وقد سبق أن هذا مذهب الشافعي والأكثرين قوله (إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئا) وفي الرواية الأخرى (يضحك بعضهم إلي إذ نظرت فإذا أنا بحمار وحش) هكذا وقع في جميع نسخ بلادنا يضحك إلي بتشديد الياء قال القاضي هذا خطأ وتصحيف ووقع في رواية بعض الرواة عن مسلم والصواب يضحك إلى بعض فأسقط لفظة بعض والصواب إثباتها كما هو مشهور في باقي الروايات لأنهم لو ضحكوا إليه لكانت إشارة منهم وقد قالوا إنهم لم يشيروا إليه قلت لا يمكن رد هذه الرواية فقد صحت هي والرواية الأخرى وليس في واحدة منهما دلالة ولا اشارة إلى الصيد فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة قال العلماء وإنما ضحكوا تعجبا من عروض الصيد ولا قدرة لهم عليه لمنعهم منه والله أعلم قوله (فإذا حمار وحش) وكذا ذكر في أكثر الروايات حمار وحش وفي رواية أبي كامل الجحدري إذ رأوا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فأكلوا من لحمها فهذه
الرواية تبين أن الحمار في أكثر الروايات المراد به أنثى وهي الأتان وسميت حمارا مجازا قوله صلى الله عليه وسلم (هل معكم من لحمه شيء) وفي الرواية الأخرى هل معكم منه شيء قالوا معنا رجله فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها إنما أخذها وأكلها تطييبا لقلوبهم في إباحته ومبالغة في إزالة الشك والشبهة عنهم بحصول الاختلاف بينهم فيه قبل ذلك قوله (فقال انما هي طعمة) هي الطاء أي طعام قوله (أرفع فرسي شأوا وأسير شأوا) هو بالشين المعجمة مهموز والشأو الطلق والغاية ومعناه أركضه شديدا وقتا وأسوقه بسهولة وقتا قوله (فقلت أين لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركته بتعهن وهو قائل السقيا) أما غيقة والسقيا وتعهن فسبق ضبطهن وبيانهن وقوله قائل روي بوجهين أصحهما وأشهرهما قائل بهمزة بين الألف واللام من القيلولة ومعناه تركته بتعهن وفي عزمه أن يقيل بالسقيا ومعنى قائل سيقيل ولم يذكر القاضي في شرح مسلم وصاحب المطالع والجمهور غير هذا بمعناه والوجه الثاني أنه قابل بالباء الموحدة وهو ضعيف وغريب وكأنه تصحيف وإن صح فمعناه تعهن موضع مقابل للسقيا قوله (قلت يا رسول الله إن أصحابك يقرؤون عليك السلام ورحمة الله) فيه استحباب إرسال السلام إلى الغائب سواء كان أفضل من المرسل أم لا لأنه إذا أرسله إلى من هو أفضل فمن دونه أولى قال أصحابنا ويجب على الرسول تبليغه ويجب على المرسل إليه رد الجواب حين يبلغه على الفور قوله (يا رسول الله إني أصدت ومعي منه فاضلة) هكذا هو في بعض النسخ وهو بفتح الصاد المخففة والضمير في منه يعود على الصيد المحذوف الذي دل عليه أصدت ويقال بتشديد الصاد وفي بعض النسخ صدت وفي بعضها اصطدت وكله صحيح قوله صلى الله عليه وسلم (أشرتم أو أعنتم أو أصدتم) روي بتشديد الصاد وتخفيفها وروي صدتم قال القاضي رويناه بالتخفيف في أصدتم ومعناه أمرتم بالصيد أو جعلتم من يصيده وقيل معناه أثرتم الصيد من موضعه يقال أصدت الصيد مخفف أي أثرته قال وهو أولى من رواية من رواه صدتم أو أصدتم بالتشديد لأنه صلى الله عليه وسلم قد علم أنهم لم يصيدوا وإنما سألوه
عما صاد غيرهم والله أعلم