Justice CouncilHadith commentaries

al-Minhaj Sharh Sahih Muslim on Sahih Muslim 1211

المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج — أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)

al-Nawawi (d. 676 AH) Printed edition: vol. 9, p. 79 The hadith: muslim:2910 muslim:2911 muslim:2912 muslim:2913 muslim:2914 muslim:2915

باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض

قولها (صفية بنت حيي) بضم الحاء وكسرها الضم أشهر وفي حديثها دليل لسقوط طواف الوداع عن الحائض وأن طواف الإفاضة ركن لا بد منه وأنه لا يسقط عن الحائض ولا غيرها وأن الحائض تقيم له حتى تطهر فإن

ذهبت إلى وطنها قبل طواف الإفاضة بقيت محرمة وقد سبق حديث صفية هذا وبيان إحرامه وضبطه ومعناه وفقهه في أوائل كتاب الحج في باب بيان وجوه الإحرام بالحج قوله (حدثني الحكم بن موسى حدثنا يحيى بن حمزة عن الأوزاعي لعله قال عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن عائشة) هكذا وقع في معظم النسخ وكذا نقله القاضي عن معظم النسخ قال وسقط عند الطبري قوله لعله قال عن يحيى بن أبي كثير قال وسقط لعله قال فقط لابن الحذاء قال القاضي وأظن أن الاسم كله سقط من كتب بعضهم أوشك فيه فألحقه على المحفوظ الصواب ونبه على إلحاقه بقوله لعله قوله (قالوا يا رسول الله إنها قد زارت يوم النحر) فيه دليل لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأهل العراق أنه لا يكره أن يقال لطواف الإفاضة طواف الزيارة وقال مالك يكره وليس للكراهة حجة تعتمد قولها (تنفر) بكسر الفاء وضمها الكسر أفصح

وبه جاء القرآن والله أعلم

(باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره)

(والصلاة فيها والدعاء في نواحيها كلها)

على ذلك وإنما اختلفوا في أفضلها كما سبق قولها (فلما كانت ليلة الحصبة) هي بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين وهي التي بعد أيام التشريق وسميت بذلك لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المحصب وباتوا به قولها (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة) أي مقارنين لاستهلاله وكان خروجهم قبله لخمس في ذي القعدة كما صرحت به في رواية عمرة التي ذكرها مسلم بعد هذا من حديث عبد الله بن سلمة عن سليمان بن بلال عن يحيى عن عمرة قوله صلى الله عليه وسلم (من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة) هذا مما يحتج به من يقول بتفضيل التمتع ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ووجه الدلالة منهما أنه صلى الله عليه وسلم لا يتمنى إلا الأفضل وأجاب القائلون بتفضيل الإفراد بأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا من أجل فسخ الحج إلى العمرة الذي هو خاص لهم في تلك السنة خاصة لمخالفة الجاهلية ولم يرد بذلك التمتع الذي فيه الخلاف وقال هذا تطييبا لقلوب أصحابه وكانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحج إلى العمرة كما صرح به في الأحاديث التي بعد هذا فقال لهم صلى الله عليه وسلم هذا الكلام ومعناه ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتكم به إلا سوقي الهدي ولولاه لوافقتكم ولو استقبلت هذا الرأي وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من أول أمري لم أسق الهدي وفي هذه الرواية تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متمتعا قولها (فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم) هذا محمول على إخبارها عن نفسها أي لم يكن

علي في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم ثم إنه مشكل من حيث إنها كانت قارنة والقارن يلزمه الدم وكذلك المتمتع ويمكن أن يتأول هذا على أن المراد لم يجب علي دم ارتكاب شيء من محظورات الإحرام كالطيب وستر الوجه وقتل الصيد وإزالة شعر وظفر وغير ذلك أي لم أرتكب محظورا فيجب بسببه هدي أو صدقة أو صوم هذا هو المختار في تأويله وقال القاضي عياض فيه دليل على أنها كانت في حج مفرد لا تمتع ولا قران لأن العلماء مجمعون على وجوب الدم فيهما إلا داود الظاهري فقال لا دم على القارن هذا كلام القاضي وهذا اللفظ وهو قوله ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم ظاهره في الرواية الأولى أنه من كلام عائشة ولكن صرح في الرواية التي بعدها بأنه من كلام هشام بن عروة فيحمل الأول عليه ويكون الأول في معنى المدرج قولها (خرجنا موافين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال ذي الحجة لا نرى إلا الحج معناه لا نعتقد أنا نحرم إلا بالحج لأنا كنا نظن امتناع العمرة في أشهر الحج

قولها (حتى إذا كنا بسرف) هو بفتح السين المهملة وكسر الراء وهو ما بين مكة والمدينة بقرب مكة على أميال منها قيل ستة وقيل سبعة وقيل تسعة وقيل عشرة وقيل اثنا عشر ميلا قوله صلى الله عليه وسلم (أنفست) معناه أحضت وهو بفتح النون وضمها لغتان مشهورتان الفتح أفصح والفاء مكسورة فيهما وأما النفاس الذي هو الولادة فيقال فيه نفست بالضم لا غير قوله صلى الله عليه وسلم في الحيض (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) هذا تسلية لها وتخفيف لهما ومعناه أنك لست مختصة به بل كل بنات آدم يكون منهن هذا كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط وغيرهما واستدل البخاري في صحيحه في كتاب الحيض بعموم هذا الحديث على أن الحيض كان في جميع بنات آدم وأنكر به على من قال إن الحيض أول ما أرسل ووقع في بني إسرائيل قوله صلى الله عليه وسلم (فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي) معنى اقضي افعلي كما قال في الرواية الأخرى فاصنعي وفي هذا دليل على أن الحائض والنفساء والمحدث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيأته إلا الطواف وركعتيه فيصح الوقوف بعرفات وغيره كما ذكرنا وكذلك الأغسال

المشروعة في الحج تشرع للحائض وغيرها ممن ذكرنا وفيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض وهذا مجمع عليه لكن اختلفوا في علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة للطواف فقال مالك والشافعي وأحمد هي شرط وقال أبو حنيفة ليست بشرط وبه قال داود فمن شرط الطهارة قال العلة في بطلان طواف الحائض عدم الطهارة ومن لم يشترطها قال العلة فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد قولها (وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر) هذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم استأذنهن في ذلك فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه واستدل به مالك في أن التضحية بالبقر أفضل من بدنة ولا دلالة فيه لأنه ليس فيه ذكر تفضيل البقر ولا عموم لفظ إنما هي قضية عين محتملة لأمور فلا حجة فيها لما قاله وذهب الشافعي والأكثرون إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من البقرة لقوله صلى الله عليه وسلم من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة إلى آخره قولها (فطمثت) هو

بفتح الطاء وكسر الميم أي حضت يقال حاضت المرأة وتحيضت وطمثت وعركت بفتح الراء ونفست وضحكت وأعصرت وأكبرت كله بمعنى واحد والاسم منه الحيض والطمس والعراك والضحك والإكبار والإعصار وهي حائض وحائضة في لغة غريبة حكاها الفراء وطامث وعارك ومكبر ومعصر وفي هذه الأحاديث جواز حج الرجل بامرأته وهو مشروع بالإجماع وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة إذا استطاعته واختلف السلف هل المحرم لها من شروط الاستطاعة وأجمعوا على أن لزوجها أن يمنعها من حج التطوع وأما حج الفرض فقال جمهور العلماء ليس له منعها منه وللشافعي فيه قولان أحدهما لا يمنعها منه كما قال الجمهور وأصحهما له منعها لأن حقه على الفور والحج على التراخي قال أصحابنا ويستحب له أن يحج بزوجته للأحاديث الصحيحة فيه قولها (ثم أهلوا حين راحوا) يعني الذين تحللوا بعمرة وأهلوا بالحج حين راحوا إلى منى وذلك يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة وفيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن الأفضل فيمن هو بمكة أن يحرم بالحج يوم التروية ولا يقدمه عليه وقد سبقت المسألة قولها (أنعس) هو بضم العين قولها (فاهللت منها بعمرة جزاء لعمرة الناس) أي تقوم مقام عمرة الناس وتكفيني عنها قولها (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج في أشهر الحج وفي حرم الحج وليالي الحج) قولها

حرم الحج هو بضم الحاء والراء كذا ضبطناه وكذا نقله القاضي عياض في المشارق عن جمهور الرواة قال وضبطه الأصيلي بفتح الراء قال فعلى الضم كأنها تريد الأوقات والمواضع والأشياء والحالات أما بالفتح فجمع حرمة أي ممنوعات الشرع ومحرماته وكذلك قيل للمرأة المحرمة بنسب حرمة وجمعها حرم وأما قولها في اشهر الحج فاختلف العلماء في المراد بأشهر الحج في قول الله تعالى الحج أشهر معلومات فقال الشافعي وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم هي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة تمتد إلى الفجر ليلة النحر وروي هذا عن مالك أيضا والمشهور عنه شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله وهو مروي أيضا عن بن عباس وبن عمر والمشهور عنهما ما قدمناه عن الجمهور قولها (فخرج إلى أصحابه فقال من لم يكن

معه منكم هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه هدي فلا فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدي) وفي الحديث الآخر بعد هذا أنه صلى الله عليه وسلم قال أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون وفي حديث جابر فأمرنا أن نحل يعني بعمرة وقال في آخره قال فحلوا قال فحللنا وسمعنا وأطعنا وفي الرواية الأخرى أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم بها متعة قالوا كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج قال افعلوا ما آمركم به هذه الروايات صحيحة في أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة أمر عزيمة وتحتم بخلاف الرواية الأولى وهي قوله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل قال العلماء خيرهم أولا بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم وإيناسا بالعمرة في أشهر الحج لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور ثم حتم عليهم بعد ذلك الفسخ وأمرهم به أمر عزيمة وألزمهم إياه وكره ترددهم في قبول ذلك ثم قبلوه وفعلوه إلا من كان معه هدي والله أعلم قولها (سمعت كلامك مع أصحابك فسمعت بالعمرة) كذا هو في النسخ فسمعت بالعمرة قال القاضي كذا رواه جمهور رواة مسلم ورواه بعضهم فمنعت العمرة وهو الصواب قولها (قال ومالك قلت

لا أصلي) فيه استحباب الكناية عن الحيض ونحوه مما يستحى منه ويستشنع لفظه إلا إذا كانت حاجة كإزالة وهم ونحو ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة) فيه دليل لما قاله العلماء أن من كان بمكة وأراد العمرة فميقاته لها أدنى الحل ولا يجوز أن يحرم بها من الحرم فإن خالف وأحرم بها من الحرم وخرج إلى الحل قبل الطواف أجزأه ولا دم عليه وإن لم يخرج وطاف وسعى وحلق ففيه قولان أحدهما لا تصح عمرته حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف ويسعى ويحلق والثاني وهو الأصح يصح وعليه دم لتركه الميقات قال العلماء وإنما وجب الخروج إلى الحل ليجمع في نسكه بين الحل والحرم كما أن الحاج يجمع بينهما فإنه يقف بعرفات وهي في الحل ثم يدخل مكة للطواف وغيره هذا تفصيل مذهب الشافعي وهكذا قال جمهور العلماء أنه يجب الخروج لإحرام العمرة إلى أدنى الحل وأنه لو أحرم بها في الحرم ولم يخرج لزمه دم وقال عطاء لاشيء عليه وقال مالك لا يجزئه

حتى يخرج إلى الحل قال القاضي عياض وقال مالك لا بد من إحرامه من التنعيم خاصة قالوا وهو ميقات المعتمرين من مكة وهذا شاذ مردود والذي عليه الجماهير أن جميع جهات الحل سواء ولا تختص بالتنعيم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (ولكنها على قدر نصبك أو قال نفقتك) هذا ظاهر في أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة

النصب والنفقة والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع وكذا النفقة قولها (قالت صفية ما أرانى إلا حابستكم قال عقرى حلقى أو ما كنت طفت يوم النحر قالت بلى قال لا بأس انفري) معناه أن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها حاضت قبل طواف الوداع فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الرجوع إلى المدينة قالت ما أظنني إلا حابستكم لانتظار طهري وطوافي للوداع فإني لم أطف للوداع وقد حضت ولا يمكنني الطواف الآن وظنت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما كنت طفت طواف الإفاضة يوم النحر قالت بلى قال يكفيك ذلك لأنه هو الطواف الذي هو ركن ولا بد لكل أحد منه وأما طواف الوداع فلا يجب على الحائض وأما قوله صلى الله عليه وسلم (عقرى حلقى) فهكذا يرويه المحدثون بالألف التي هي ألف التأنيث ويكتبونه بالياء ولا ينونونه وهكذا نقله جماعة لا يحصون من أئمة اللغة وغيرهم عن رواية المحدثين وهو صحيح فصيح قال الأزهري في تهذيب اللغة قال أبو عبيد معنى عقرى

عقرها الله تعالى وحلقى حلقها الله قال يعني عقر الله جسدها وأصابها بوجع في حلقها قال أبو عبيد أصحاب الحديث يروونه عقرى حلقى وإنما هو عقرا حلقا قال وهذا على مذهب العرب في الدعاء على الشيء من غير إرادة وقوعه قال شمر قلت لأبي عبيد لم لا تجيز عقرى فقال لأن فعلى تجيء نعتا ولم تجئ في الدعاء فقلت روى بن شميل عن العرب مطبرى وعقرى أخف منها فلم ينكره هذا آخر ما ذكره الأزهري وقال صاحب المحكم يقال للمرأة عقرى حلقى معناه عقرها الله وحلقها أي حلق شعرها أو أصابها بوجع في حلقها قال فعقرى ها هنا مصدر كدعوى وقيل معناه تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها وقيل العقرى الحائض وقيل عقرى حلقى أي عقرها الله وحلقها هذا آخر كلام صاحب المحكم وقيل معناه جعلها الله عاقرا لا تلد وحلقى مشؤمة على أهلها وعلى كل قول فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه ثم اتسعت العرب فيها فصارت تطلقها ولا تريد حقيقة ما وضعت له أولا ونظيره تربت يداه وقاتله الله ما أشجعه وما أشعره والله أعلم وفي هذا الحديث دليل على أن طواف الوداع لا يجب على الحائض ولا يلزمها الصبر إلى طهرها لتأتي به ولا دم عليها في تركه وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عن بعض السلف وهو شاذ مردود وقولها

(فدخل علي وهو غضبان فقلت من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار قال أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون) أما غضبه صلى الله عليه وسلم فلانتهاك حرمة الشرع وترددهم في قبول حكمه وقد قال الله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما فغضب صلى الله عليه وسلم لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم في نقص إيمانهم بتوقفهم وفيه دلالة لاستحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين وفيه جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون قال الحكم كأنهم يترددون أحسب) قال القاضي كذا وقع هذا اللفظ وهو صحيح وإن كان فيه إشكال قال وزاد إشكاله تغيير فيه وهو قوله قال الحكم كأنهم يترددون وكذا رواه بن أبي شيبة عن الحكم ومعناه أن الحكم شك في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع ضبطه لمعناه فشك هل قال يترددون أو نحوه من الكلام ولهذا قال بعده أحسب أي أظن أن هذا لفظه ويؤيده قول مسلم بعده في حديث غندر ولم يذكر الشك من الحكم في قوله يترددون والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي) هذا دليل على جواز قول لو في التأسف على فوات أمور

الدين ومصالح الشرع وأما الحديث الصحيح في أن لو تفتح عمل الشيطان فمحمول على التأسف على حظوظ الدنيا ونحوها وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في استعمال لو في غير حظوظ الدنيا ونحوها فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (يجزى عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك) فيه دلالة ظاهرة على أنها كانت قارنة ولم ترفض العمرة رفض إبطال بل تركت الاستمرار في أعمال العمرة بانفرادها وقد سبق تقرير هذا في أول هذا الباب وسبق هناك الاستدلال أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم هنا يسعك طوافك لحجك وعمرتك قوله في حديث صفية بنت شيبة (عن عائشة فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب

رجلي بعلة الراحلة قلت له وهل ترى من أحد قالت فأهللت بعمرة) أما قولها أحسره فبكسر السين وضمها لغتان أي أكشفه وأزيله وأما قولها بعلة الراحلة فالمشهور في اللغة أنه بباء موحدة ثم عين مهملة مكسورتين ثم لام مشددة ثم هاء وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى وقع في بعض الروايات نعلة يعني بالنون وفي بعضها بالباء قال وهو كلام مختل قال قال بعضهم صوابه ثغنة الراحلة أي فخذها يريد ما خشن من مواضع مباركها قال أهل اللغة كل ما ولي الأرض من كل ذي أربع إذا برك فهو ثغنة قال القاضي ومع هذا فلا يستقيم هذا الكلام ولا جوابها لأخيها بقولها وهل ترى من أحد ولأن رجل الراكب قل ما تبلغ ثغنة الراحلة قال وكل هذا وهم قال والصواب فيضرب رجلي بنعلة السيف يعني أنها لما حسرت خمارها ضرب أخوها رجلها بنعلة السيف فقالت وهل ترى من أحد هذا كلام القاضي قلت ويحتمل أن المراد فيضرب رجلي بسبب الراحلة أي يضرب رجلي عامدا لها في صورة من يضرب الراحلة ويكون قولها بعلة معناه بسبب والمعنى أنه يضرب رجلها بسوط أو عصا أو غير ذلك حين تكشف خمارها عن عنقها غيرة عليها فتقول له هي وهل ترى من أحد أي نحن في خلاء ليس هنا أجنبي أستتر منه وهذا التأويل متعين أو كالمتعين لأنه مطابق للفظ الذي صحت به الرواية وللمعنى ولسياق الكلام فتعين اعتماده والله أعلم قولها (وهو بالحصبة) هو بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين أي بالمحصب قولها (فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها) وقالت في الرواية الأخرى (فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزله فقال هل فرغت فقلت نعم فأذن في أصحابه فخرج فمر بالبيت وطاف) وفي الرواية الأخرى (فأقبلنا حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحصبة) وجه الجمع بين هذه الروايات أنه صلى الله عليه وسلم بعث عائشة مع أخيها بعد نزوله المحصب وواعدها أن تلحقه بعد اعتمارها ثم خرج هو صلى الله عليه وسلم بعد ذهابها فقصد البيت ليطوف طواف الوداع

ثم رجع بعد فراغه من طواف الوداع وكل هذا في الليل وهي الليلة التي تلي أيام التشريق فلقيها صلى الله عليه وسلم وهو صادر بعد طواف الوداع وهي داخلة لطواف عمرتها ثم فرغت من عمرتها ولحقته صلى الله عليه وسلم وهو بعد في منزله بالمحصب وأما قولها فأذن في أصحابه فخرج فمر بالبيت وطاف فيتأول على أن في الكلام تقديما وتأخيرا وأن طوافه صلى الله عليه وسلم كان بعد خروجها إلى العمرة وقبل رجوعها وأنه فرغ قبل طوافها للعمرة