قوله (نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه ولا يباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا) معناه لا يباع الرطب بعد بدو صلاحه بتمر بل يباع بالدينار والدرهم وغيرهما والممتنع إنما هو بيعه
بالتمر إلا العرايا فيجوز بيع الرطب فيها بالتمر بشرطه السابق في بابه قوله (نهى عن بيع الثمرة حتى تطعم) هو بضم التاء وكسر العين أي يبدو صلاحها وتصير طعاما يطيب أكلها قوله (نهى وأن يشترى النخل حتى يشقه والإشقاه أن يحمر أو يصفر) وفي رواية حتى تشقح بالحاء هو بضم التاء وإسكان الشين فيهما وتخفيف القاف ومنهم من فتح الشين في تشقه وهما جائزان تشقه وتشقح ومعناهما واحد ومنهم من أنكر تشقه وقال المعروف بالحاء والصحيح جوازهما وقيل إن الهاء بدل من الحاء كما قالوا مدحه ومدهه وقد فسر الراوي الإشقاه والإشقاح بالاحمرار والاصفرار قال أهل اللغة ولا يشترط في ذلك حقيقة الاصفرار والاحمرار بل ينطلق عليه هذا
الاسم إذا تغير يسيرا إلى الحمرة أو الصفرة قال الخطابي الشقحة لون غير خالص الحمرة أو الصفرة بل هو تغير إليهما في كمودة قوله (سليم بن حيان) بفتح السين وحيان بالمثناة وسعيد بن ميناء بالمد والقصر قوله (نهى عن الثنيا) هي استثناء والمراد الاستثناء في البيع وفي رواية الترمذي وغيره بإسناد صحيح نهى عن الثنيا إلا أن يعلم والثنيا المبطلة للبيع قوله بعتك هذه الصبرة إلا بعضها وهذه الأشجار أو الأغنام أو الثياب ونحوها إلا بعضها فلا يصح البيع لأن المستثنى مجهول فلو قال بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة أو هذه الشجرة إلا ربعها أو الصبرة إلا ثلثها أو بعتك بألف إلا درهما وما أشبه ذلك من الثنيا المعلومة صح البيع باتفاق العلماء ولو باع الصبرة إلا صاعا منها فالبيع باطل عند الشافعي وأبي حنيفة وصحح مالك أن يستثنى منها ما لا يزيد على ثلثها أما إذا باع ثمرة نخلات فاستثنى من ثمرها عشرة آصع مثلا للبائع فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والعلماء كافة بطلان البيع وقال مالك وجماعة من علماء المدينة يجوز ذلك ما لم يزد على قدر ثلث الثمرة قوله (حدثنا أبو الوليد المكي عن جابر) وفي رواية أخرى سعيد بن ميناء عن جابر قال بن أبي حاتم أبو الوليد هذا اسمه يسار قال عبد الغني هذا غلط إنما هو سعيد بن ميناء المذكور باسمه في الرواية الأخرى وقد بينه البخارى في تاريخه
(باب كراء الارض قوله (عن جابر قال نهى رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن كراء الأرض) وفي رواية من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولا يؤاجرها إياه وفي رواية من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها وفي رواية نهى عن المخابرة وفي رواية فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا تبيعوها وفسره الراوي بالكراء وفي رواية فليزرعها أو فليحرثها أخاه وإلا فليدعها وفي رواية كنا نأخذ الأرض بالثلث والربع بالماذيانات فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها وفي رواية من كانت له أرض فليهبها أو ليعرها وفي رواية نهى عن بيع أرض بيضاء سنتين أو ثلاثا وفي رواية نهى عن الحقول)
وفسره جابر بكراء الأرض ومثله من رواية أبى سعيد الخدرى وفي رواية بن عمر كنا نكري أرضنا ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج وفي رواية عنه كنا لا نرى بالخبر بأسا حتى كان عام أول فزعم رافع أن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وفي رواية عن نافع أن بن عمر كان يكري مزارعه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من خلافة معاوية ثم بلغه آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأنا معه فسأله فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كراء المزارع فتركها بن عمر وفي رواية عن حنظلة بن قيس قال سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق فقال لا بأس به إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ويسلم هذا ويهلك هذا فلم يكن للناس كراء إلا هذا فلذلك زجر عنه فأما شئ معلوم مضمون فلا بأس به وفي رواية كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه
فنهانا عن ذلك وأما الورق فلم ينهنا وفي رواية عن عبد الله بن معقل بالعين المهملة والقاف قال زعم ثابت يعني بن الضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة وقال لا بأس به أما الماذيانات فبذال معجمة مكسورة ثم ياء مثناة تحت ثم ألف ثم نون ثم ألف ثم مثناة فوق هذا هو المشهور وحكى القاضي عن بعض الرواة فتح الذال في غير صحيح مسلم وهي مسايل المياه وقيل ما ينبت على حافتي مسيل الماء وقيل ما ينبت حول السواقي وهي لفظة معربة ليست عربية وأما قوله وإقبال فبفتح الهمزة أي أوائلها ورؤسها والجداول جمع جدول وهو النهر الصغير كالساقية وأما الربيع فهو الساقية الصغيرة وجمعه أربعاء كنبي وأنبياء وربعان كصبي وصبيان ومعنى هذه الألفاظ أنهم كانوا يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده على أن يكون لمالك الأرض ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول أو هذه القطعة والباقي للعامل فنهوا عن ذلك لما فيه من الغرر فربما هلك هذا دون ذاك وعكسه واختلف العلماء في كراء الأرض فقال طاوس والحسن البصري لا يجوز بكل حال سواء أكراها بطعام أو ذهب أو فضة أو بجزء من زرعها لإطلاق حديث النهي عن كراء الأرض وقال الشافعي وأبو حنيفة وكثيرون تجوز إجارتها بالذهب والفضة وبالطعام والثياب وسائر الأشياء سواء كان من جنس ما يزرع فيها أم من غيره ولكن لا تجوز إجارتها بجزء ما يخرج منها كالثلث والربع وهي المخابرة ولا يجوز أيضا أن يشترط له زرع قطعة معينة وقال ربيعة يجوز بالذهب والفضة فقط وقال مالك يجوز بالذهب والفضة وغيرهما إلا الطعام وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وجماعة من المالكية وآخرون تجوز إجارتها بالذهب والفضة وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما وبهذا قال بن شريح وبن خزيمة والخطابي وغيرهم من محققي أصحابنا وهو الراجح المختار وسنوضحه في باب المساقاة إن شاء الله تعالى فأما طاوس والحسن فقد ذكرنا حجتهما وأما الشافعي وموافقوه فاعتمدوا بصريح رواية رافع بن خديج وثابت بن الضحاك السابقين في جواز الإجارة بالذهب والفضة ونحوهما وتأولوا أحاديث النهي تأويلين أحدهما حملها على إجارتها بما على الماذيانات أو بزرع قطعة معينة أو بالثلث والربع ونحو ذلك كما فسره الرواة في هذه
الأحاديث التي ذكرناها والثاني حملها على كراهة التنزيه والإرشاد إلى إعارتها كما نهى عن بيع الغرر نهي تنزيه بل يتواهبونه ونحو ذلك وهذان التأولان لابد منهما أو من أحدهما للجمع بين الأحاديث وقد أشار إلى هذا التأويل الثاني البخاري وغيره ومعناه عن بن عباس والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم (أوليزرعها أخاه) أي يجعلها مزرعة له ومعناه يعيره إياها بلا عوض وهو معنى الرواية الأخرى فليمنحها أخاه بفتح الياء والنون أي يجعلها منيحة أي عارية وأما الكراء فممدود ويكري بضم الياء قوله (فتصيب من القصري) هو بقاف مكسورة ثم صاد مهملة ساكنة ثم راء مكسورة ثم ياء مشددة على وزن القبطي هكذا ضبطناه وكذا ضبطه الجمهور وهو المشهور قال
القاضي هكذا رويناه عن أكثرهم وعن الطبري بفتح القاف والراء مقصور وعن بن الخزاعى بضم
القاف مقصور قال والصواب الأول وهو ما بقي من الحب في السنبل بعد الدياس ويقال له القصارة بضم القاف وهذا الاسم أشهر من القصري