فيه الأحاديث المشهورة فنذكر ألفاظها ومعانيها وأحكامها على ترتيبها فقوله صلى الله عليه وسلم (ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم حكما مقسطا فيكسر)
الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) أما ليوشكن فهو بضم الياء وكسر الشين ومعناه ليقربن وقوله فيكم أي في هذه الأمة وإن كان خطابا لبعضها ممن لا يدرك نزوله وقوله صلى الله عليه وسلم (حكما) أي ينزل حاكما بهذه الشريعة لا ينزل نبيا برسالة مستقلة وشريعة ناسخة بل هو حاكم من حكام هذه الأمة والمقسط العادل يقال أقسط يقسط إقساطا فهو مقسط إذا عدل والقسط بكسر القاف العدل وقسط يقسط قسطا بفتح القاف فهو قاسط إذا جار وقوله صلى الله عليه وسلم (فيكسر الصليب) معناه يكسره حقيقة ويبطل ما يزعمه النصارى من تعظيمه وفيه دليل على تغيير المنكرات وآلات الباطل وقتل الخنزير من هذا القبيل وفيه دليل للمختار من مذهبنا ومذهب الجمهور أنا اذا وجدنا الخنزير فى دار الكفر أوغيرها وتمكنا من قتله قتلناه وإبطال لقول من شذ من أصحابنا وغيرهم فقال يترك إذا لم يكن فيه ضراوة وأما قوله صلى الله عليه وسلم (ويضع الجزية) فالصواب في معناه أنه لا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام ومن بذل منهم الجزية لم يكف عنه بها بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل هكذا قاله الإمام أبو سليمان الخطابي وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى وحكى القاضي عياض رحمه الله عن بعض العلماء معنى هذا ثم قال وقد يكون فيض المال هنا من وضع الجزية وهو ضربها على جميع الكفرة فإنه لا يقاتله أحد فتضع الحرب أوزارها وانقياد جميع الناس له إما بالإسلام وإما بإلقاء يد فيضع عليه الجزية ويضربها وهذا كلام القاضي وليس بمقبول والصواب ما قدمناه وهو أنه لا يقبل منه إلا الإسلام فعلى هذا قد يقال هذا خلاف حكم الشرع اليوم فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها ولم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام وجوابه أن هذا الحكم ليس بمستمر إلى يوم القيامة بل هو مقيد بما قبل عيسى عليه السلام وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه وليس عيسى عليه السلام هو الناسخ بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين للنسخ فإن عيسى يحكم بشرعنا فدل على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم (ويفيض المال) فهو بفتح الياء ومعناه يكثر وتنزل البركات وتكثر الخيرات بسبب العدل
وعدم التظالم وتقيء الأرض أفلاذ كبدها كما جاء في الحديث الآخر وتقل أيضا الرغبات لقصر الآمال وعلمهم بقرب الساعة فإن عيسى صلى الله عليه وسلم علم من أعلام الساعة والله أعلم وأما قوله في الرواية الأخرى (حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها) فمعناه والله أعلم أن الناس تكثر رغبتهم في الصلاة وسائر الطاعات لقصر آمالهم وعلمهم بقرب القيامة وقلة رغبتهم في الدنيا لعدم الحاجة إليها وهذا هو الظاهر من معنى الحديث وقال القاضي عياض رحمه الله معناه أن أجرها خير لمصليها من صدقته بالدنيا وما فيها لفيض المال حينئذ وهوانه وقلة الشح وقلة الحاجة إليه للنفقة في الجهاد قال والسجدة هي السجدة بعينها أو تكون عبارة عن الصلاة والله أعلم وأما قوله (ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) ففيه دلالة ظاهرة على أن مذهب أبي هريرة في الآية أن الضمير في موته يعود على عيسى عليه السلام ومعناها وما من أهل الكتاب يكون في زمن عيسى عليه السلام إلا من آمن به وعلم أنه عبد الله وبن أمته وهذا مذهب جماعة من المفسرين وذهب كثيرون أو الأكثرون إلى أن الضمير يعود على الكتابي ومعناها وما من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا آمن عند الموت قبل خروج روحه بعيسى صلى الله عليه وسلم وانه عبد
الله وبن أمته ولكن لا ينفعه هذا الإيمان لأنه في حضرة الموت وحالة النزع وتلك الحالة لا حكم لما يفعل أو يقال فيها فلا يصح فيها إسلام ولا كفر ولا وصية ولا بيع ولا عتق ولا غير ذلك من الأقوال لقول الله تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال انى تبت الآن وهذا المذهب أظهر فإن الأول يخص الكتابي وظاهر القرآن عمومه لكل كتابي في زمن عيسى وقبل نزله ويؤيد هذا قراءة من قرأ قبل موتهم وقيل إن الهاء في به يعود على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والهاء في موته تعود على الكتابي والله أعلم قوله في الإسناد (عن عطاء بن ميناء) هو بكسر الميم بعدها ياء مثناة من تحت ساكنة ثم نون ثم ألف ممدودة هذا هو المشهور وقال صاحب المطالع يمد ويقصر والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم (وليتركن القلاص فلا يسعى عليها) فالقلاص بكسر القاف جمع قلوص بفتحها وهي من الإبل كالفتاة من النساء والحدث من الرجال ومعناه أن يزهد فيها ولا يرغب في اقتنائها لكثرة الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والعلم بقرب القيامة وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب وهو شبيه بمعنى قول الله عز وجل واذا العشار عطلت ومعنى لا يسعى عليها لا يعتنى بها أي يتساهل أهلها فيها ولا يعتنون بها هذا هو الظاهر وقال القاضي عياض وصاحب المطالع رحمهما الله معنى لا يسعى عليها أي لا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها وهذا تأويل باطل من وجوه كثيرة تفهم من هذا الحديث وغيره بل الصواب ما قدمناه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم (ولتذهبن الشحناء) فالمراد به العداوة وقوله صلى الله عليه وسلم (وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد) هو بضم العين
وفتح الواو وتشديد النون وإنما لا يقبله أحد لما ذكرنا من كثرة الأموال وقصر الآمال وعدم الحاجة وقلة الرغبة للعلم بقرب الساعة